صراع النبوءات بين الواقع والاستدعاء السياسي
حنان عطية
لم يعد الصراع الدائر اليوم بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد مواجهة تقليدية تُدار بأدوات السياسة وموازين القوة وحدهما، بل تجاوز الواقع ذلك كله ليُعاد تشكيله في الوعي العام لدى أطراف المعركة بوصفه صراعًا له طابع ديني يحمل كل طرف روايته الدينية لما ستؤول له الأوضاع وما تسفر عنه المواجهات.
الرواية الدينية هنا ليست مرهونة بالتاريخ وحده، ولكنها مسكونة بالمستقبل وفقًا للنبوءات التي يتبناها كل طرف، حيث يتم استحضارها لتدخل حلبة الصراع كعامل محفز لكافة العوامل السياسية والاقتصادية التي لا تتخلف بطبيعة الحال عن تسعير نار الحرب.
ففي خضم التصعيد العسكري والسياسي متعدد المداخل، تبرز ظاهرة الاستخدام المكثف والمنهجي للخطاب الديني الذي يتبنى نبوءات تعبر عن الأطراف المشاركة، بل ربما يحمل كل طرف داخل الحلف الواحد روايات ونبوءات دينية مختلفة، بما ينقل المعركة إلى دائرة التعبئة الجماهيرية ودفعها إلى تجيير الشعبية لصالح استمرار أمد المواجهة.
نبدأ بالخطاب الأمريكي قبيل الحرب وأثناءها، حيث تصاعدت لغة “القومية المسيحية” و”المسيحية الصهيونية” داخل بعض الدوائر السياسية والعسكرية، وتم تأطير المواجهة مع إيران باعتبارها صراعًا بين “الخير” و”الشر”، في استدعاء واضح لمفاهيم دينية عميقة الجذور، ويصل هذا التأطير إلى حد ربط الحرب بنبوءات “هرمجدون” الواردة في الأدبيات الإنجيلية، بما يمنحها طابعًا قدريًا يتجاوز الحسابات السياسية، ويُصعّب من إمكانية إخضاعها لمنطق التسويات أو الحلول الدبلوماسية.
أما الشواهد على عملية التأطير الديني في الجانب الأمريكي فهي واضحة في تصريحات قادة أمريكيين مشاركين بقوة في الحدث، فتجد مثلًا وزير الدفاع بيت هيغسيت يصف الحرب على أنها مواجهة ضد “الشر” و”قوى الظلام” وليست مجرد صراع مع دولة، ويعتمد في ترسيخ هذه المصطلحات على سفر الرؤيا في العهد الجديد، حيث يقوم بتصوير الجنود الأمريكيين على أنهم يحملون “أرسالية إلهية” ويقاتلون بدعم من “عناية الرب”.
ويدعم هذا الاتجاه لدى وزير الدفاع وضعه وشم “Deus Vult” والذي يعني “الرب يريد ذلك”، وهو وشم مرتبط بالحملات الصليبية بما يحمله ذلك من دلالات تاريخية واضحة، يعزز التوجه الديني للحروب الموجهة ضد البلدان الإسلامية.
ولعل الخلفية الفكرية التي ينتمي لها عدد من القادة المنخرطين في الأحداث، ومن بينهم وزير الدفاع الأمريكي، تؤمن بنبوءات نهاية العالم وفقًا للرواية المسيحية، ويتعاملون مع الحدث الدائر اليوم على أنه مقدمة لمعركة “هرمجدون” النهائية التي تنبئ بها “سفر الرؤيا”، بما يحول الحرب إلى ضرورة دينية لا تقبل المساومة أو الحلول الدبلوماسية، وبما يحظى بدعم قوي من القاعدة الشعبية الإنجيلية التي تشكل شريحة واسعة من الناخبين الجمهوريين.
ولم يكن التوجه الذي يتبناه عدد من القادة الأمريكيين الجدد وحده كافيًا للتعبير عن هذا المنطلق، إلا أن الحزب الجمهوري بطبيعته يتبنى أيضًا الخطاب الديني اليميني المتطرف على اعتبار أن هذا توجه جمهور ناخبيه، بما يؤثر على تصعيد المواجهة الحالية مع إيران، رغم أن دوافع العدوان تتشابه مع عدوان مماثل تم قبل أشهر في فنزويلا تحت ذرائع مغايرة مثل ملاحقة تجارة المخدرات ومافيا المخدرات التي تتهمها الإدارة الأمريكية الحالية بأنها مصدر انتشار المخدرات بين الشباب الأمريكي.
والواقع يؤكد أن تصعيد الخطاب الديني من الولايات المتحدة متزامن مع خطاب ديني واضح يطرحه الطرف الصهيوني، وخطاب آخر يطرحه الطرف الإيراني وفقًا للمعتقدات التي يتبناها الشيعة الإثنا عشرية في إيران.
ففي الكيان الصهيوني يظهر الخطاب الديني بشكل واضح، حيث يتبنى ائتلاف اليمين المتطرف الحاكم، وعلى رأسه بنيامين نتنياهو، خطابًا دينيًا عنصريًا سواء في الحرب الحالية أو كل الحروب السابقة التي يعتبرها أصل وجوده في المنطقة العربية، ويبدو ذلك من خلال توظيف الرموز التوراتية في تسمية العمليات العسكرية، وربط توقيتاتها بسرديات دينية مثل عيد “بوريم”، إلى جانب استحضار مفاهيم مثل “عماليق” بوصفها تعبيرًا عن عدو وجودي يجب استئصاله، كما تتقاطع هذه اللغة مع أطروحات تتحدث عن “حق توراتي” يتجاوز الحدود السياسية المعاصرة، بما يعزز البعد الديني للصراع ويمنحه أفقًا يتجاوز اللحظة الراهنة.
بل إن أسماء العمليات العسكرية لم تعد تقتصر على الدلالات العسكرية، فأصبحت مشحونة دينيًا، فتم تغيير اسم الحرب من “درع يهودا” إلى “زئير الأسد” (في إشارة إلى “سبط يهوذا” رمز القوة والسيادة التوراتية)، وأطلقت القوات الجوية على أسرابها المشاركة اسم “سِفْر التكوين”، وكأنها تعيد خلق واقع جديد تستمد شرعيته من بداية الخلق التوراتية.
ولم يفلت توقيت الحرب من الدلالات الدينية، حيث تزامن بدء العملية العسكرية مع عيد “بوريم” (عيد المساخر) اليهودي، الذي يروي قصة خلاص اليهود في بلاد فارس القديمة – إيران حاليًا – من مؤامرة إبادة، وهذا التزامن يضفي على الحرب صفة “الخلاص الإلهي” المتكرر عبر التاريخ ضد عدو فارسي.
كما تم استخدام خطاب “العماليق”، وهو ما استشهد به رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إشارة إلى العدو الأبدي للشعب اليهودي الذي يجب محوه – في رؤيتهم – وهو ما يستمر في نقل الصراع من مستوى سياسي إلى مستوى “الواجب الديني” الذي يستهدف استئصال شأفة العدو الوجودي.
ويستمر في ذات الاتجاه مظاهر توسيع الرقعة التوراتية، وهو ما يتضح في تصريحات مسؤولين مثل السفير الأمريكي مايك هاكابي ورئيس المعارضة الصهيونية يائير لابيد حول ما أطلقوا عليه “حق توراتي” لما يسمى “إسرائيل الكبرى”، والتي تمتد في زعمهم “من النيل إلى الفرات”، بما يوحي بأن الحرب قد تكون مقدمة لمشروع توسعي يتجاوز حدود الصراع مع إيران وفقًا لمنطلقات دينية.
الضفة الأخرى للصراع
أما في الجانب الإيراني، فالخطاب الديني حاضر بامتياز، حيث يُقدَّم الصراع على أنه توطئة لظهور المهدي وفقًا للمنظومة العقدية الشيعية، خاصة لدى الشيعة الإثنا عشرية، التي تترقب خروج الإمام الثاني عشر من السرداب، وما يتعلق بهذه السردية من حديث عن صراع بين الحق والباطل في آخر الزمان، ويسترجع الرواية الشيعية المهدوية من خلال ربط الصراع بـ”الملحمة الحسينية” ونبوءات “ظهور الإمام المهدي”، حيث يُنظر إلى هذه الحرب على أنها جزء من التمهيد لـ”دولة العدل الإلهي”، بما يضفي مسحة دينية ذات قبول شعبي لدى عموم الشيعة داخل إيران أو خارجها.
وبالرغم من الموجهات الدامية التي قامت بها إيران ضد شعوب إسلامية، إلا أن المعركة يتم تأطيرها أيضًا في الجانب الإيراني باعتبارها معركة إسلامية، حيث يطلق عليها شعار “الوعد الصادق 4″، وهو عنوان يحمل دلالات دينية يستهدف توسيع دائرة التعاطف مع إيران لدى الشعوب الإسلامية السنية.
أما الدول العربية التي تقع في خطوط التماس في هذا الصراع، خاصة في بعض دول الخليج، لم تكن بعيدة عن استدعاء النبوءات وإسقاطها على الواقع المعاصر، ردًا على استهداف إيران عددًا من المناطق الحيوية والأهداف المدنية في المنطقة العربية، وهو ما أكدته تقارير صادرة من عدد من مراكز الأبحاث، حيث نجد تراكمًا للحديث عن “الملاحم” و”نبوءات آخر الزمان” واستدعاء أحاديث “علامات الساعة الصغرى” وإسقاطها على الواقع الحالي لترسيخ فكرة أن الصراع مع إيران هو تطور منهجي يسبق نهاية العالم، ومن ذلك استخدام روايات تربط بين “خراب فارس” و”عمارة الحجاز” أو “الشام”.
رد فعل كنسي رافض
وبالرغم من توسع الساسة في استدعاء الخطاب والنبوءات الدينية، إلا أن هناك تحفظًا بدا واضحًا من بعض المؤسسات الدينية الرسمية، حيث جاء موقف البابا ليو الرابع عشر ليمثل ردًا قويًا ومتعدد المستويات على توظيف الإدارة الأمريكية للخطاب الديني لتبرير الحرب على إيران، فلم يكتفِ بالدعوات العامة للسلام، بل وجه خطابًا لاهوتيًا مباشرًا إلى قلوب وقناعات القادة المسيحيين، مفندًا السردية الدينية التي تستخدمها الإدارة الأمريكية الحالية، ورفض بشكل قاطع خلال زيارته لإحدى رعايا روما أثناء الحرب ربط الإيمان المسيحي بالحرب قائلًا: “البعض يذهبون إلى حد استدعاء اسم الله لتبرير خيارات الموت هذه، لكن الله لا يمكن تجنيده بواسطة الظلام. إنه دائمًا ما يأتي ليجلب النور والأمل والسلام للبشرية”.
لا شك أن النداء البابوي يرتبط بالانتماء الكاثوليكي المسيحي الذي يتحفظ على المسار الإنجيلي البروتستانتي، بما تم اعتباره بمثابة ضربة قوية للتيارات القومية المسيحية الإنجيلية في أمريكا.
الرسالة المبطنة: كان هذا التفنيد اللاهوتي بمثابة صفعة مباشرة للتيارات الإنجيلية والقومية المسيحية في أمريكا، وتجريدًا لهذا الخطاب من شرعيته الدينية ووصفه بأنه “ادعاء سخيف”، وهو ما أكده في ذات السياق الكاردينال روبرت ماكلروي الذي صرح بأن الحرب “غير مبررة أخلاقيًا” وفقًا لتعاليم الكنيسة الكاثوليكية، كما رفض أمين سر دولة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين بشكل قاطع المبرر الأمريكي بأنها “حرب وقائية”، محذرًا من أن الاعتراف بحق كهذا سيشعل العالم بأكمله.
ردود علماء الإسلام
وعلى الصعيد الإسلامي، واجه باحثون شرعيون محاولات إغراق الفضاء العربي والإسلامي بإسقاط الأحاديث النبوية على أحداث بعينها بعيدًا عن المعطيات على أرض الواقع، استنادًا لفهم خاص للأحاديث النبوية حول “الفتن والملاحم” ونبوءات آخر الزمان.
واعتمد الباحثون على محاولات انتزاع هذه الأحاديث النبوية من سياقها التاريخي وتفسيرها بطريقة تسوغ لفتح جبهات صراع تؤدي إلى خلط الأوراق وخلق مواقف شعبية في سياقات تختلف مع دلالات الأحاديث النبوية الواردة في هذا الباب.
النبوءات في ميزان الإسلام
وفي الحقيقة، فإن عمليات الاستدعاء السياسي للخطاب الديني لا تنفي أن جذور الصراع الدائر اليوم ذات منطلقات دينية، بداية من الصراع بين الدولة الإسلامية منذ نشأتها في عهد النبوة وحتى إسقاطها مطلع القرن العشرين، وبين المشروع الغربي المسيحي، ومرورًا بنشأة دولة الاحتلال الصهيوني التي بنيت على أسس دينية بحتة، وصولًا إلى محاولات ضرب كافة التوجهات الإسلامية في المنطقة ومحاولات شيطنتها واستبعادها من المشهد.
فالمنطلقات الدينية للصراع حاضرة، ويصعب استبعادها أو التنكر لوجودها، إلا أنه في الواقع الإسلامي هناك تحفظات على إطلاق التعاطي معها بلا ضوابط شرعية، ومن ذلك ما ذكره الدكتور سلمان فهد العودة في دراسة نشرت له بموقع “الإسلام اليوم” إبان حرب العراق وما شهدته المرحلة حينها من استدعاء للنبوءات والحديث عن المهدي المنتظر، حيث أكد الدكتور العودة أن “المهدي حقيقة لا تنكر؛ حيث يخرج آخر الزمان خروجًا عاديًا يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا من قبل، وخروج المهدي بهذه الصورة لا يوجب على المسلمين أن ينتظروه أو يتربصوا به السنين؛ فظهوره لا يلغي الشرائع ولا ينسخ الأحكام، ومن تباطأ فيما وجب عليه متذرعًا بانتظار المهدي؛ فقد خالف نهج المسلمين.”
ويضيف الدكتور العودة: “إن خروج المهدي لا يتوقف عليه أي شعيرة شرعية، نقول: إنها غائبة حتى يأتي الإمام المهدي، فلا صلاة الجمعة، ولا الجماعة، ولا الجهاد، ولا تطبيق الحدود، ولا الأحكام، ولا شيء من ذلك مرهون بوجوده؛ بل المسلمون يعيشون حياتهم، ويمارسون عباداتهم وأعمالهم، ويجاهدون ويصلحون ويتعلمون ويعلّمون، فإذا وجد هذا الإنسان الصالح، وظهرت أدلته القطعية التي لا لبس فيها اتبعوه، وعلى هذا درج الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وتتابع على هذا أئمة العلم على تعاقب العصور”.




