«متصدقش» أحدث الضحايا.. معاناة دامية للصحفيين المعتقلين في مصر
- عداء استراتيجي.. السلطات تناصب الصحافة المستقلة العداء وتلاحق كل صاحب قلم حر
- الملاحقات الأمنية والمحاكمات الجائرة مستمرة منذ انقلاب 2013.. وإغلاق مئات المنصات
- 29 صحفياً مازالوا محتجزين من بين 350 تعرضوا للاعتقال والحبس الاحتياطي المطول
- التعذيب والإكراه المادي والنفسي والحرمان من الزيارة والرعاية الطبية.. أسوأ صور الانتهاكات
“إنسان للإعلام”- فريق التحرير:
لم يعد اسم «متصدقش» مجرد عنوان لمنصة صحفية مستقلة تسعى لتقصي الحقائق، بل تحوّل إلى عنوانٍ لواقع أوسع وأكثر تعقيداً يتعلق بحرية الصحافة في مصر، وحدود المسموح به في الفضاء العام، والثمن الفادح الذي بات يتعين على الصحفي دفعه حين يتناول ملفات حساسة أو يتطرق إلى محتوى لا يلقى قبولاً لدى السلطات والأجهزة الأمنية.
فبعد توقيف ستة صحفيين من منصة «متصدقش» في أواخر سبتمبر 2026، وتوجيه اتهامات لهم ذات طابع أمني وسياسي، تجددت المخاوف الحقوقية والمهنية بصورة لافتة، إذ تؤكد هذه الواقعة استمرارية النهج القائم على فرض القيود الصارمة على الصحافة المستقلة والصحفيين عموماً.
ومنذ انقلاب يوليو 2013، تعددت القضايا المرتبطة بالنشر والتعبير، وصولا إلى احتجاز عشرات الصحفيين لفترات طويلة دون صدور أحكام قضائية نهائية تقضي بإدانتهم أو تبرئتهم.
ولا تقف آثار هذه الممارسات الأمنية عند حدود الصحفيين المحتجزين داخل السجون، بل تمتد لتلقي بظلالها على أسرهم وعائلاتهم التي تعاني ويلات الملاحقة والضغوط المالية والنفسية، وعلى زملائهم في المهنة الذين يسيطر عليهم الخوف والتردد قبل تناول موضوعات وتحقيقات بعينها، فضلاً عن حرمان الجمهور والرأي العام من حقه الأصيل والدستوري في الوصول إلى معلومات مستقلة، موثوقة، ومتنوعة.
وفي هذا السياق، استُحْدِث الحبس الاحتياطي ليكون بديلاً عملياً عن العقوبة والمحاكمة، ووسيلة لتكميم الأصوات المستقلة وإبعادها عن المشهد العام.
يضاف إلى ذلك تعرض عدد من الصحفيين المعتقلين لانتهاكات جسدية ونفسية بالغة، من بينها التعذيب والإكراه المادي والمعنوي، والحرمان العمدي من العلاج والرعاية الطبية، وهو ما أفضى إلى تدهور حاد في الحالة الصحية لكثير منهم.
حصاد القمع.. اعتقال أكثر من 350 صحفياً
تؤكد التقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية المحلية والدولية أن السلطات الأمنية في مصر اعتقلت ما يزيد على 350 صحفياً وإعلامياً منذ منتصف عام 2013.
وتتفاوت الأرقام الموثقة باختلاف الفترات الزمنية المشمولة بالرصد ومعايير تعريف الصحفي، وما إذا كانت البيانات تقتصر على أعضاء نقابة الصحفيين أم تتسع لتشمل الصحفيين المستقلين، والعاملين بالمنصات الرقمية، وصناع المحتوى والمدونين الذين يمارسون عملاً إعلامياً ونشاطاً صحفياً ميدانياً أو استقصائياً.
ووفقاً للتقرير السنوي الصادر عن لجنة حماية الصحفيين (CPJ) في 21 يناير 2026 بشأن أوضاع الصحفيين المحتجزين على مستوى العالم، سجلت مصر وجود 18 صحفياً خلف القضبان حتى تاريخ الإحصاء السنوي لعام 2025.
في المقابل، أوضحت منظمة «هيومن رايتس ووتش» في تقريرها الدولي الخاص بمصر لعام 2026، نقلاً عن نقيب الصحفيين المصريين، أن السجون المصرية كانت تضم حتى 30 مايو 2026 نحو 23 صحفياً، يقبع معظمهم رهن الحبس الاحتياطي المطول.
ومع احتجاز الصحفيين الستة التابعين لمنصة «متصدقش» أواخر سبتمبر، ارتفع العدد إلى ما لا يقل عن 29 صحفياً خلف القضبان، يتوزعون بين الحبس الاحتياطي والمحكومين في قضايا سياسية وتهم مرتبطة بالنشر.
وتكشف المقارنة التوثيقية بين هذه البيانات والأرقام عن دلالتين أساسيتين:
- استدامة صدارة مصر في التضييق: ظلت مصر تقبع ضمن القائمة السوداء للدول الأكثر احتجازاً للصحفيين وأصحاب الرأي عالمياً.
- تعقيدات توثيق الانتهاكات: يواجه توثيق الأعداد الدقيقة للضحايا عقبات ناتجة عن التغير المستمر في أوضاع المحتجزين، واختلاف معايير التتبع الحقوقي، وصدور قرارات بإخلاء سبيل بعضهم لا تُترجم فورياً إلى إطلاق سراح فعلي، فضلاً عن التكتم الرسمي وغموض المعلومات الواردة من مقار الاحتجاز.
ذرائع خنق الصحافة.. تهم جاهزة وقوانين فضفاضة
في ظل استمرار الملاحقات الأمنية للصحفيين، تتكرر في معظم ملفات القضايا حزمة من الاتهامات النمطية الجاهزة؛ وفي مقدمتها: “نشر أخبار وبيانات كاذبة”، و«الانضمام إلى جماعة إرهابية أو مشاركتها في تحقيق أغراضها»، و«إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي»، و«نشر مواد من شأنها الإضرار بالأمن القومي والنظام العام”.
ورغم التباين في تفاصيل الوقائع، فإن هذا التكرار للاتهامات النمطية يثير تساؤلات قانونية وحقوقية عميقة بشأن مدى استناد هذه التهم إلى أدلة مادّية ملموسة، وما إذا كانت التكييفات الجنائية تُستخدم للالتفاف على الضمانات الدستورية الممنوحة لحرية الصحافة.
ويتجسد هذا النمط فيما تعرض له حديثاً صحفيو منصة «متصدقش»؛ حيث اعتقلت لأجهزة الأمنية هيئة التحرير بالكامل، مع توجيه اتهامات رسمية للمؤسسة بالعمل دون الحصول على الترخيص اللازم، ونشر أخبار كاذبة لصالح جماعة الإخوان المسلمين.
هذه الاتهامات ذات الطابع السياسي تُستغل غالباً كغطاء لتسويغ حرمان الصحفيين والمتهمين من حقوقهم الإجرائية وضمانات المحاكمة العادلة.
وتزداد الأزمة خطورة عندما تكون المادة الاستدلالية المسندة للصحفي مجرد منشورات أو مقالات أو تحقيقات صحفية علنية، دون تقديم أدلة جنائية مستقلة للرأي العام تؤكد وقوع جرم حقيقي.
وهكذا، بات الاستخدام الموسع لقوانين مكافحة الإرهاب والجرائم الإلكترونية يُصنّف كوسيلة عقابية مسبقة ضاغطة على حرية التعبير السلمي، مما يعمق الفجوة بين الصحافة بوصفها خدمة عامة وحقاً للمواطنين، وبين النظر إليها من زوايا أمنية وضبطية محتدمة.
معاناة بلا حدود للصحفيين خلف الأسوار
تتجاوز المعاناة التي يكابدها الصحفيون المعتقلون في مصر سلب الحرية المجرد، لتشكل منظومة متكاملة من الانتهاكات الإجرائية والإنسانية، ويمكن تشريح أبرز أوجه هذه المعاناة في المحاور التالية:
1. الحبس الاحتياطي.. تحول الإجراء الاستثنائي إلى عقوبة ممتدة
يُشكل التوسع في الحبس الاحتياطي أحد أخطر التحديات التي تصدم منظومة العدالة وحقوق الإنسان في مصر، فالأصل القانوني المستقر ينص على أن الحبس الاحتياطي إجراء تدبيري استثنائي تمليه ضرورة التحقيق ومنع التلاعب بالتقارير والأدلة، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن يتحول إلى عقوبة جنائية مبكرة تسبق الحكم القضائي البات.
وقد وثق «المرصد المصري للصحافة والإعلام» عشرات الحالات التي جاوزت فيها مدد الحبس الاحتياطي للصحفيين السقف الزمني الأقصى المنصوص عليه في قانون الإجراءات الجنائية (والمحدد بسنتين في أقصى حالات الجنايات).
ومن بين هؤلاء الصحفيين الخاضعين حتى الآن للحبس الاحتياطي: مصطفى الخطيب، ومدحت رمضان، وحمدي الزعيم، وأحمد سبيع.
وقد رصدت تقارير حقوقية وقوع خروقات إجرائية جسيمة، من بينها الاحتجاز غير القانوني في أماكن غير معلومة (إخفاء قسري) لأسابيع قبل العرض الرسمي على نيابة أمن الدولة العليا.
وتتجسد خطورة هذا المسار في إمضاء الصحفي سنوات طويلة قيد سلب حريته وتجريده من حقوقه المدنية والمهنية دون محاكمة، ليخسر مصدر رزقه ورعايته لأسرته، وتتدهور حالته الصحية والنفسية تحت وطأة التجديدات الروتينية للحبس.
يضاف إلى ذلك استخدام تقنية المحاكمة وتجديد الحبس «عن بُعد» عبر الدوائر التلفزيونية المغلقة، وهو التدبير الذي انتقدته منظمة «هيومن رايتس ووتش»، مؤكدة أنه يحرم المتهم من التواصل المباشر مع القاضي ومحاميه، ويحجب السلبيات والأوضاع الحقيقية لمقر الاحتجاز عن هيئة المحكمة.
2. سياسة «تدوير القضايا».. الالتفاف على قرارات الإخلاء وإعادة السجن
برز في الأدبيات الحقوقية المصرية مصطلح «تدوير القضايا»، وهو الآلية الأمنية والقضائية التي يتم بموجبها إعادة إدراج المتهم في قضية جديدة باتهامات مماثلة أو مستنسخة، أثناء وجوده في السجن أو فور صدور قرار بقبول استئنافه وإخلاء سبيله أو إنهاء المدة القانونية للحبس الاحتياطي.
وقد وصفت منظمة «هيومن رايتس ووتش» هذه الممارسة بأنها حيلة أمنية ممنهجة تستهدف إبقاء المعارضين والصحفيين رهن الاحتجاز الدائم ومصادرة حريتهم بقرارات تجديد.
ورصدت «المفوضية المصرية للحقوق والحريات» تكرار هذه الظاهرة مع صحفيين متعددين خلال عامي 2025 و2026.
وتؤدي سياسة التدوير إلى إحباط الصحفي وأسرته، وتبديد الأثر القانوني لقرارات إخلاء السبيل، وبدء متوالية جديدة من جلسات التحقيق والتجديد، مما يمثل تحايلاً صريحاً على القانون وقرارات السلطة القضائية.
3. الحرمان الممنهج من الزيارة والتواصل العائلي
لا تقف حدود المعاناة عند الزنزانة، بل تتخطاها لتطال العائلات خارج الأسوار، فعندما تـُمنع الأسر من زيارة ذويها أو التواصل معهم، يغدو السجن عقاباً جماعياً يمتد للأبناء والزوجات والأمهات.
وقد وثقت تقارير «هيومن رايتس ووتش» لعامي 2024 و2025 شكاوى متواترة لأسر صحفيين ومحتجزين سياسيين تعرضوا لمنع كامل من الزيارات العائلية وزيارات المحامين لفترات تطول لسنوات، إلى جانب الحرمان المطلق من المراسلات المكتوبة أو المكالمات الهاتفية.
وهذا المنع يعزل الصحفي تماماً عن العالم الخارجي، ويحرم أسرته وهيئة دفاعه من الاطمئنان على سلامته البدنية والعقلية، ويُكبّد العائلات نفقات مالية ومشاق بدنية طائلة جراء السفر المكرر إلى مقار الاحتجاز دون التمكن من رؤية ذويهم.
4. الإهمال الطبي وسوء أوضاع الاحتجاز
تسجل المنظمات الحقوقية شكاوى صارخة تتعلق بسوء ظروف احتجاز المعتقلين، ومن بينهم الصحفيين، في السجون المصرية، بدءاً من الاكتظاظ الشديد، وسوء التهوية والنظافة، ورداءة التغذية، وصولاً إلى الحرمان العمدي أو الإهمال الممنهج في تقديم الرعاية الطبية والعلاج اللازم للمصابين بأمراض مزمنة.
وقد أدى التلكؤ في إسعاف المرضى وتوفير الفحوصات الطبية إلى تدهور حاد ومقلق في الصحة العامة لعدد من الصحفيين المحتجزين، وفي مقدمتهم: توفيق غانم، وبدر محمد بدر، و أحمد سبيع، وأشرف عمر، وحمدي الزعيم، وأحمد الطنوبي، وصفاء الكوربجي.
5. التعذيب البدني والنفسي.. الانتهاك الأشد جسامة
تواترت الشهادات والإفادات القضائية والحقوقية التي تؤكد تعرض صحفيين وإعلاميين لأشكال مختلفة من التعذيب القاسي والانتهاك البدني والنفسي، والتي تشمل الضرب، والتهديد، والإهانة اللفظية، والعزل الانفرادي المطول، والحرمان من النوم، والإكراه على الاعتراف.
وفي أحدث هذه التطورات وأكثرها إثارة للقلق، كشفت صحيفة «الجارديان» البريطانية في تقرير لها نُشر بتاريخ 9 أكتوبر 2026، بالاستناد إلى تحقيقات النيابة العامة وشهادات المحامين وتقرير نقابة الصحفيين، أن الصحفيين الستة المحتجزين من منصة «متصدقش» أبلغوا هيئة الدفاع بتعرضهم لسوء معاملة بالغ، تضمن الضرب والتقييد، وتعصيب الأعين، والصعق بالصدمات الكهربائية لبعضهم، والتهديد بإيذاء عائلاتهم، وذلك لإرغامهم على تسجيل اعترافات مصورة تُدين عملهم الصحفي.
ورغم نفي وزارة الداخلية المصرية لهذه الأنباء وتأكيدها أن هذه الادعاءات «لا أساس لها من الصحة»، فإن شهادات صحفيين أُفرج عنهم سابقاً تؤكد استمرارية هذه الممارسات داخل المقار الأمنية، ومن هؤلاء الصحفي معتز ودنان، الذي اعتُقل إثر إجرائه حواراً صحفياً مع المستشار هشام جنينة وقضى أكثر من ثلاث سنوات في السجن.
سجل الضحايا.. نماذج صارخة تؤكد تفاقم الأزمة
لا يمكن اختزال ملف الصحفيين المعتقلين في مجرد إحصاءات وأرقام صماء؛ فخلف كل اسم تجربة إنسانية وقصة معاناة مهنية وعائلية تتجدد يومياً.
وفيما يلي عرض لأبرز الحالات الشاهدة على عمق هذه الأزمة وضرورة المراجعة القانونية السريعة لها:
- فريق منصة «متصدقش» (عبد الله قادري، محمد أشرف أبو عميرة، محمد عادل، إسلام بركات، محمد محمود، عمر هلال):يمثلون الحالة الأحدث والأكثر دلالة؛ حيث جرى احتجازهم دفعة واحدة، مما أدى إلى شلل المنصة وتدشين مرحلة جديدة من التضييق على الصحافة الرقمية.
- بدر محمد بدر (68 عاما): معتقل منذ 29 مارس 2017، وتجدد نيابة أمن الدولة وغرف المشورة حبسه منذ ذلك الحين، ورغم تخطي الحبس الاحتياطي مدده القانونية إلا أنه ما زال معتقلا مستمر إلى الآن.
وخلال فترة حبسه تدهورت حالته الصحية ومعاناته من أمراض مختلفة بينها ارتفاع السكر، بينما تمنع عنه الزيارة لسنوات طويلة ولا تستطيع أسرته رؤيته إلا في المحكمة والنيابات وهو في حالة إعياء شديد.
- أحمد سبيع: نموذج صارخ لاستدامة الاستهداف واستباحة سنين العمر. اعتقل في عام 2013 في قضية «غرفة عمليات رابعة»، وقضى أربع سنوات بين الحبس والتحقيق حتى برّأته المحكمة عام 2017، ولم تدم حريته طويلاً، إذ أُعيد اعتقاله مجدداً أثناء حضوره جنازة ومراسم عزاء المفكر الدكتور محمد عمارة، ليرتبط بقضية سياسية ملفقة جديدة لا يزال محبوساً على ذمتها، ليتجاوز مجموع ما قضاه خلف الأسوار تسع سنوات بلا جرم سوى ممارسته لعمله.
- مصطفى الخطيب وحمدي الزعيم: صحفيان يقبعان تحت طائلة الحبس الاحتياطي الممتد، وتناولهما تقرير «المرصد المصري للصحافة والإعلام» لعام 2025 كأمثلة صارخة لتجاوز الحدود القصوى التي حددها القانون للحبس الإجرائي.
- أحمد الطنوبي: خضع لمحاكمة عسكرية وصدر بحقه حكم بالسجن لمدة 10 سنوات، قبل أن تقضي جهات الطعن ببراءته، غير أنه جرى «تدويره» فوراً في قضية جديدة ليظل قيد الحبس الاحتياطي منذ نحو ثلاث سنوات، وسط تدهور صحي خطير وإهمال طبي متعمد أثار مطالبات نقابية حثيثة لإخلاء سبيله.
- مروة عرفة: صحفية ومترجمة اعتُقلت على ذمة إحدى قضايا النشر، وتجاوزت مدة حبسها الاحتياطي خمس سنوات متواصلة، مع حرمانها من طفلتها الصغيرة التي تركتها في سن مبكرة.
- صفاء الكوربيجي:صحفية بمجلة «الإذاعة والتلفزيون» الحكومية، تعاني من إعاقة حركية نتيجة آثار شلل الأطفال منذ صغرها، ورغم وضعها الصحي والبدني الخاص، تقبع في الحبس الاحتياطي منذ ما يقارب خمس سنوات دون إحالة رسمية إلى محاكمة موضوعية.
- كريم إبراهيم: محتجز منذ نحو ست سنوات على ذمة قضية ذات طابع سياسي، وقد حُددت له جلسة للنطق بالحكم في أوائل نوفمبر 2026، وسط تقارير تؤكد اعتلال حالته الصحية وتردي ظروف احتجازه.
مواجهة نقابية موسعة لحماية المهنة
أمام هذا التصاعد المتزايد في الانتهاكات، وفور اعتقال صحفيي منصة «متصدقش»، بادرت نقابة الصحفيين، بقيادة خالد البلشي، بتقديم بلاغ رسمي إلى النائب العام وشكوى عاجلة لوزارة الداخلية، مطالبة بكشف أماكن احتجازهم وتوفير الضمانات القانونية والدستورية لهم والإفراج الفوري عنهم.
وأكدت النقابة رفضها للمخالفات الإجرائية، مشددة على التزامها بالدفاع عن جميع العاملين بالمهنة سواء كانوا أعضاء مقيدين بالجداول أم متدربين.
وأعلن مجلس النقابة الدخول في حالة انعقاد دائم، وفي 3 أكتوبر 2026، تقدمت النقابة بطلبات رسمية للنيابة العامة للاستعلام عن القرارات وظروف التحقيق مع الصحفيين.
وجاء ذلك استكمالاً لمسار سابق شهد في فبراير 2026 تقديم طلبات إخلاء سبيل للمصور الصحفي محمد أكسجين والصحفية صفاء الكوربيجي وغيرهما ممن تجاوزوا العامين في الاحتجاز.
وفي 10 أكتوبر 2026، أصدر النقيب خالد البلشي بياناً مطولاً وحاسماً بعنوان “تعليق على ما حدث ويحدث.. لعل الذكرى تنفعنا”، رداً على الهجمات الإعلامية والحملات التحريضية التي شنها إعلاميون وحسابات موالية للسلطة ضد النقابة ومجلسها، والتي وصلت إلى حد اتهام النقابة بـ «دعم الإرهاب» والدعوة لإقالة النقيب ومقاطعة الصحف.
وأكد البلشي في بيانه أن النقابة لن تتخلى عن واجبها الأصيل ولن ترهبها التهديدات، وقال بشكل قاطع: “سجلاتنا ليست سجلات تحريات، ولا تتضمن انتماءات، ولا تفتيش فيها عن النيات، بل هي ممهورة فقط بختم صحافي.”
ونظمت النقابةأمسية تضامنية ومعرضاً للصور والرسوم الكاريكاتيرية المعبرة، ورسائل موجهة للسجناء، إلى جانب رفع شعارات حاسمة مثل: “القمع مش حل.. الصحافة مش جريمة»، و«الحرية للصحفيين»، و«متصدقش”.
وشهدت الأمسية جلسة استعاد فيها كبار الصحفيين محطات النضال النقابي ضد القوانين المقيدة لحرية النشر، مؤكدين أن توحيد الصف الصحفي هو السبيل الوحيد لمواجهة الهجمة الحالية على المهنة.
خارطة طريق لإنهاء دوامة الانتهاكات
إن الخروج من هذه الأزمة المستحكمة يتطلب اتخاذ قرارات وإجراءات عملية وحاسمة تتجاوز أطر التضامن الشكلي والبيانات الروتينية، وتتلخص أهم هذه الخطوات فيما يلي:
- التصفية الفورية للحبس الاحتياطي، بإخلاء سبيل كافة الصحفيين المحتجزين ممن لم تُسند إليهم أفعال مادية تشكل جرائم جنائية صريحة، مع إعطاء الأولوية لمن تجاوزوا الحدود القانونية القصوى للحبس.
- الوقف الفوري لسياسة «تدوير القضايا”، وإنهاء التحايل الإجرائي والتنفيذي على قرارات السلطة القضائية والنيابة العامة بإخلاء السبيل، والالتزام الكامل بإطلاق سراح الصحفيين الصادر بحقهم قرارات إفرج.
- ضمان الحق في التواصل واستبعاد الإخفاء القسري، بتمكين أسر الصحفيين وهيئات الدفاع من زيارة المحتجزين بانتظام ودون عوائق، والكشف الفوري عن أماكن احتجاز أي صحفي يتم توقيفه.
- التحقيق المستقل في جرائم التعذيب، من خلال فتح تحقيقات قضائية مستقلة وشفافة في كافة الادعاءات الواردة بشأن تعرض الصحفيين للضرب والتنكيل والصعق الكهربائي، ومحاسبة المتورطين وعدم إفلاتهم من العقاب.
- توفير الرعاية الطبية الشاملة وإلزام القطاع الطبي بالسجون بتقديم الخدمات الصحية اللازمة وتمكين الأطباء المستقلين من فحص الصحفيين المرضى والمصابين بأمراض مزمنة، ووقف استخدام الإهمال الطبي كأداة للضغط.
- اصلاح البيئة التشريعية وحماية حرية النشر وإلغاء العقوبات السالبة للحرية، وتعديل القوانين المتعلقة بمكافحة الإرهاب والجرائم الإلكترونية لمنع استغلالها ضد الصحفيين والمستقلين.
- تمكين المؤسسات المهنية والحقوقية مثل نقابة الصحفيين والمنظمات الحقوقية المستقلة من ممارسة دورها في التوثيق والمتابعة الميدانية وتقديم الدعم القانوني والنفسي للضحايا وأسرهم.
إن تصاعد أرقام الصحفيين المحتجزين، واستدامة الحبس الاحتياطي كبديل للعقوبة، والإهمال الطبي المتعمد، وشواهد التعذيب، تشكل بمجموعها مؤشرات مقلقة تستدعي حراكاً وطنياً وحقوقياً جاداً لإعادة الاعتبار لدولة القانون وحماية الحقوق الدستورية للصحفيين وغيرهم، كما تستدعي نضالاً مهنياً وقانونياً متواصلاً من كافة أصحاب الأقلام الحرة والجمعية العمومية للصحفيين لتحرير زملائهم وتحرير مهنتهم من قيود القمع والاستبداد.




