المرصد

“إعلام السامسونج” يواصل فضائحه: الطبيبة أمنية سويدان “مجنونة” بقرار أمني!

  • السيستم الموحد.. كواليس “جروب الواتساب” الذي يدير رؤساء التحرير بأوامر الأمن الوطني
  • من “تم الإرسال من جهاز سامسونج” إلى “شوف اسمه يا حبيبي”.. تاريخ من الكوميديا السوداء
  • “إله الإعلام” .. كيف يواجه النظام الأصوات الأكاديمية والحقوقية التي توثق إملاءات “السيادي”؟

“إنسان للإعلام”- تقرير خاص:

لم تكن مفاجأة الشارع الحقوقي والطبي في مصر مقتصرة على تحرك النيابة العامة للتحقيق مع الدكتورة أمنية سويدان (طبيبة النساء والتوليد ومخرجة الأفلام التسجيلية) بتهمة “نشر أخبار كاذبة وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي”، بدلاً من التقصي حول شهادتها الصادمة عن “انتهاكات ممنهجة ومواقف مأساوية لا تُمحى من الذاكرة” بحق المريضات داخل مستشفى الشاطبي الجامعي العريق بالإسكندرية.

لكن المفاجأة الأغرب، والتي كشفت مجدداً عن الآلية الشمولية لإدارة المشهد الإعلامي في مصر، تمثلت في المشهد اللاحق لقرار نيابة شرق الإسكندرية الكلية بإخلاء سبيلها بكفالة 20 ألف جنيه عقب حملة تضامن واسعة من منظمات حقوقية وأحزاب سياسية.

فبمجرد خروجها، ضجّت المواقع الصحفية (الحكومية والخاصة) بـ”سيمفونية” صياغية موحدة تزعم أن الطبيبة تعاني من “مرض نفسي مزمن”، وأن منشوراتها ما هي إلا نتاج “شحنة عاطفية” وعدم استقرار ذهني ؛ سيناريو مكرر يختصر السياسة التحريرية الحالية في كلمة واحدة: “اكتبوا إنها مجنونة”!

كواليس “الجروب الموحد”

خلف الستار، كشفت منصة “متصدقش” الإخبارية عبر ستة مصادر صحفية في أربع صحف ومواقع مختلفة، أن نشر هذا الخبر الموحد جاء تنفيذاً لتعليمات أمنية مباشرة وبصياغة معممة أُرسلت عبر تطبيق “واتسآب” ومن خلال التواصل المباشر مع بعض القيادات.

وفقاً لإفادات مديري تحرير ورؤساء أقسام في مواقع وقنوات بارزة مثل “صدى البلد”، “تليجراف مصر”، الموقع الإلكتروني لجريدة “الوفد”، وجريدة “الأهرام”، فإن هذه الأوامر هبطت على صالات التحرير من خلال مجموعات “واتسآب” يديرها جهاز أمني يتبع وزارة الداخلية (الأمن الوطني على الأرجح) وتضم رؤساء تحرير الصحف الخاصة والحزبية، في حين يتم إبلاغ قيادات الصحف القومية (التي لا تضمها المجموعة) عبر قنوات اتصال مباشرة، واللافت أن التعليمات قضت بالنشر الفوري للمضمون دون أي مراجعة تحريرية.

المفارقة الصارخة تبدت في كون النيابة العامة أو نيابة شرق الإسكندرية لم تصدر أي بيان رسمي بشأن مجريات التحقيق، سواء عبر صفحاتها أو عبر المجموعات المخصصة للصحفيين المسؤولين عن تغطية أخبارها.

ومع ذلك، تسابقت المواقع، ومنها “البوابة نيوز”، “القاهرة 24″، “نيوز رووم”، “بصراحة”، “تحيا مصر”، “أخبار اليوم”، و”دار المعارف”، في تبني الرواية الأمنية التي تصدرت عناوينها عبارات “المرض النفسي المزمن” و”الشحنة العاطفية” ، لتصنع واقعاً موازياً لم تسجله مضابط التحقيق الرسمية.

تاريخ “إعلام السامسونج”

هذه المنهجية ليست وليدة المصادفة، بل تمثل امتداداً لهيكل راسخ يعود تاريخ توثيقه علناً إلى 25 فبراير 2019، حين فضحت منصة “المنصة” المستور بنشر تقرير استقصائي تحت عنوان “كيف تدير الدولة أذرعها الإعلامية بقوائم الواتساب والإيميل؟”.

التقرير كشف بالوثائق كيف تتلقى قنوات ومؤسسات “إعلام المصريين” المملوكة آنذاك لشركة “إيجل كابيتال” التابعة للمخابرات (والتي تحولت لاحقاً إلى الشركة المتحدة للإعلام) تعميمات دقيقة تحدد من يسمح له بالظهور ومن يتم استبعاده ومنعه من الحديث.

ولم يمر سوى بضعة أشهر حتى تجسدت هذه المنظومة في فضيحة بث حي على الهواء مباشرة، يوم 19 يونيو 2019، ففي أثناء قراءة مذيعة قناة “إكسترا نيوز” (التابعة للمخابرات) لبيان رسمي معمم من “مصدر طبي مسؤول” يبرر وفاة الرئيس الراحل محمد مرسي، قالت المذيعة دون وعي العبارة المذيلة أسفل النص التوجيهي: “تم الإرسال من جهاز سامسونج”.

سكتت المذيعة للحظات من الصدمة وحاولت بعدها تدارك الموقف، لكن العبارة دخلت التاريخ السياسي المصري كرمز لآلية الإملاء الأمني.

علّق الكاتب الراحل مفيد فوزي على الحادثة بسخرية مريرة في مقال بجريدة “المصري اليوم” في نوفمبر 2019 حمل عنوان “شيء من الخوف”. انتقد فوزي بوضوح تحول دور “الأجهزة السيادية” من حماية الوطن إلى إدارة ملف الإعلام، مقارناً الأوضاع بعهد عبد الناصر، واصفاً الزمن الحالي بأنه أكثر شمولية وقمعية، ومشيراً إلى أن البيانات التي كانت تُرسل سابقاً بالفاكس، أصبحت تُملى الآن بالواتسآب.

“وشوف اسمه يا حبيبي”

توالت السقطات المهنية التي كشفت للمصريين طبيعة هذه الإدارة، ولعل أبرزها ما نشرته جريدة “الدستور” في 19 يوليو 2020، ففي تغطية لمرض أمير الكويت الراحل، نشر المحرر النص الأمني كما ورد إليه حرفياً دون مراجعة، ليظهر المانشيت على الموقع: “كل التمنيات بالشفاء العاجل لأمير الكويت الشيخ كذا وشوف اسمه يا حبيبي”.

عكست هذه السقطة الكوميدية السوداء كيف يملي ضابط المخابرات التوجيهات متضمناً ملاحظات شخصية للمحررين الذين يكتفون بالنسخ واللصق الأعمى.

ومع اتساع رقعة هذه الممارسات، خرجت أسماء منسقي هذه الغرفة إلى العلن؛ حيث كشفت الناشطتان (وعضوتَا حركة “تمرد” سابقاً) غادة نجيب ودعاء خليفة، في مقاطع فيديو مصورة، عن الدور المحوري الذي يلعبه العقيد بالمخابرات أحمد شعبان، المقرب من مدير المخابرات السابق اللواء عباس كامل، في توجيه الصحف وتحريك الإعلاميين، واصفين إياه بـ”المدير التنفيذي لمصر”.

“إله الإعلام” وثمن التوثيق

محاولات الاعتراض أو التوثيق الأكاديمي لهذه الظاهرة واجهت قبضة حديدية؛ فالعقيدة الأمنية الحالية لا تسمح بالخروج عن النص، وهذا ما واجهه أستاذ كلية الإعلام بجامعة القاهرة، أيمن منصور ندا، الذي كتب سلسلة مقالات لاذعة عبر حسابه الشخصي على فيسبوك وصف فيها تلك القبضة الأمنية بـ”إله الإعلام” موثقاً بالوقائع نفوذ الضابط شعبان وجهازه، ولم يكن ثمن هذا التوثيق الأكاديمي سوى الملاحقة القضائية والسجن، مما أجبره لاحقاً على التراجع.

تظل واقعة الدكتورة أمنية سويدان أحدث الحلقات في سلسلة طويلة تؤكد أن غرف الأخبار في مصر لم تعد تُدار بمعايير السبق والصحافة، بل باتصالات الهواتف الذكية وتوجيهات “الجروب الموحد” التي تحيل الأزمات الحقوقية والفساد المؤسسي إلى مجرد “حالات نفسية مزمنة” بضغطة زر أمنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى