مصر: كيف تعاطى إعلام السلطة مع مشهد خروج السيسي 2030؟
- التغطيات الصحفية تنتقل من ارتباك النشر وتعديل النصوص إلى تسويق «الرئيس الزعيم»!
- تجاهل شروط وصاية الجيش وتجريف الحياة الحزبية ورصف طريق التوريث العسكري
- سياسيون وإعلاميون:” السيسي” ربط رحيله بفرض شروط تجعل من يخلفه تابعا له وللجيش
“إنسان للإعلام”- فريق التحرير:
لم يكن إعلان عبد الفتاح السيسي أن عام 2030 سيكون نهاية مدة رئاسته لمصر مجرد تصريح عابر يؤكد فيه التزامه بالدستور، بل تحول إلى اختبار عملي كاشف لطريقة تعامل الإعلام المصري القريب من السلطة والأجهزة الأمنية مع احتمال تداول الرئاسة، بعد سنوات طويلة من الجدل والغموض حول امكانية تعديل الدستور، واستمرار السيسي في الحكم لفترة جديدة.
إن السؤال الجوهري الذي يطرحه هذا التطور لا يتوقف عند حدود نقل وسائل الإعلام للتصريح بحرفيته، بل يمتد إلى كيفية صياغة معناه وتوجيه دلالاته السياسية؛ فقد كشفت التغطيات الصحفية والتلفزيونية على مدار أيام متتالية عن ثلاث مراحل متمايزة في التناول الإعلامي: بدأت بالحذر والارتباك الأولي وسحب الأخبار، ثم تحولت إلى تقديم قراءة سياسية جازمة عبر برامج «التوك شو»، وصولًا إلى صناعة خطاب التبجيل وإسباغ ألقاب «الزعيم المنقذ» الذي يضع بنفسه ضمانات وشروط انتقال السلطة.
وفي مقابل هذا الاحتفاء، غطّت الأذرع الإعلامية على خطورة الشروط التي فرضها السيسي لإعداد خليفته من داخل الأكاديمية العسكرية، وهي الشروط التي تستبدل المؤسسة العسكرية بالإرادة الشعبية والأحزاب، وتنصب رئيس السلطة التنفيذية في موقع «المرشد الأعلى» للحكم والموجه الأول لمستقبل البلاد لعقود قادمة.
ارتباك أول وتحركات خلف الكواليس
بدأت تفاصيل الارتباك الإعلامي يوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026، بعد مشاركة عبد الفتاح السيسي في الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة بمناسبة ذكرى انتصارات أكتوبر.
وخلال كلمته، خرج السيسي بتصريح مباشر أكد فيه أن للدولة دستورًا جرى التوافق عليه وأن أحدًا لن يمسه، محذرًا مما أسماه العبث بعقول المصريين والانسياق وراء الشائعات.
وسارعت المنصات والمواقع الصحفية المصرية إلى نقل هذا التصريح الفوري تحت عناوين بارزة من قبيل: «الرئيس السيسي: فيه دستور للدولة حالفين عليه محدش هيمسه»، غير أن المفاجأة تمثلت في التراجع الميداني السريع؛ فبحسب رصد دقيق أورده موقع «مدى مصر»، سارعت تلك المواقع الإخبارية قرابة الساعة الخامسة مساءً إلى حذف كافة الأخبار المتعلقة بالتصريح من صفحاتها الرئيسية ومحركات البحث، وظلت حالة الحجب والتراجع قائمة حتى السابعة مساءً، حين نشر المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية نص الكلمة الرسمية قبيل بثها تلفزيونيًا بنحو ساعتين، لتعود المواقع بعد ذلك مباشرة إلى إعادة نشر التصريحات بشكل مكثف.
يكشف هذا التسلسل في النشر والحذف ثم النشر عن حجم التوجس والارتباك الصارم الذي يسود الصالات الصحفية عند التعاطي مع ملف شديد الحساسية يرتبط بمستقبل الرئاسة وإمكانية تعديل مواد الدستور.
ورغم أن المواقع نقلت الكلمة باعتبارها تأكيدًا رئاسيًا صريحًا، إلا أن التغطيات سارعت إلى تجريد النص من بعده السياسي والدستوري المباشر الخاص بمدد الحكم، وجرى إعادة تأطيره ضمن الخطاب الأمني الشامل والحفاظ على استقرار الدولة، وتجلى هذا التوجيه بوضوح في اليوم التالي، حين أفردت صحف مثل «اليوم السابع» تقارير موسعة لنقل إشادات برلمانية مجهزة تصف التصريح بأنه «ضربة حاسمة للتشكيك وترسيخًا لدولة القانون»، مما أخرج الموقف من مسار النقاش الدستوري المفتوح إلى مسار التأييد السياسي المسبق.
إعادة ضبط النصوص الرسمية وتعديلها!
ولم تتوقف حالة الارتباك الإعلامي عند حدود حذف الأخبار وإعادة نشرها، بل امتدت لتشمل صياغة العبارات وتعديل النصوص الرسمية لضبط الدلالة السياسية، ومنع فتح تأويلات غير محسوبة، ففي 15 أكتوبر، وخلال حضوره احتفالية أكاديمية الشرطة بيوم الخريجين، ألقى السيسي كلمة تطرق فيها إلى حجم الإنجازات والعمل منذ عام 2014، ورددت التغطيات عبارة مفصلية قال فيها: «سوف أستمر في العمل حتى آخر يوم لي في الحكم”.
هنا وقعت المنصات الصحفية في تضارب صياغي كاشف؛ إذ آثرت صحف مثل «اليوم السابع» و«بوابة الأهرام» استخدام صياغة معدلة هي: «الاستمرار حتى آخر يوم من المدة الرئاسية»، في حين انفرد موقع «مصراوي» بنقل الكلمة كما هي بصيغتها المباشرة: «السيسي: مستمر في العمل حتى آخر يوم لي بالحكم».
ويعود هذا التباين إلى إجراء مؤسسة الرئاسة ومتحدثها الرسمي تعديلًا متأخرًا على نص الكلمة، لينتقل اللفظ من «مدة سيادته في منصبه عام 2030» إلى «آخر يوم لي في الحكم”.
هذا التعديل أربك التغطيات الميدانية للصحف، ممّا اضطر معظم المواقع والمنصات إلى إجراء تعديلات فورية على متن الأخبار المنشورة لتتوافق مع الصيغة الرسمية الأخيرة، دون أن يمنع ذلك من بقاء الخبر بصيغته الأولى على بعض الصفحات لفترات متفرقة أو ظهوره بعناوين متباينة.
ورغم أن نقل هذه العبارات لم يكن في حد ذاته إعلانًا قاطعًا عن عدم الترشح، إلا أنه وضع نهاية الولاية المحددة عام 2030 في قلب التداول الصحفي، وأعاد تسليط الضوء على المادة 140 من الدستور والتعديلات التي جرت عام 2019 والتي رفعت المدة الرئاسية إلى ست سنوات وأتاحت للسيسي ولاية استثنائية ثالثة تنتهي في أبريل 2030.
تأويل تلفزيوني يحسم المسار السياسي
تجسد التحول الأوضح والمفصلي في المشهد الإعلامي مساء الجمعة 16 أكتوبر، حين انتقلت التغطية من النقل الحذر للبيانات الرسمية إلى تقديم قراءة سياسية جازمة وصريحة عبر برامج «التوك شو» التلفزيونية، فقد أطل الإعلامي عمرو أديب عبر برنامجه «الحكاية» على قناة «إم بي سي مصر»، ليقدم تفكيكًا وتفسيرًا مباشرًا لتصريحات السيسي، مؤكدًا أن “كلام الرئيس يعكس قرارًا نهائيًا وقاطعًا بإنهاء حكمه بحلول عام 2030 وعدم الترشح لولاية جديدة تحت مظلة الدستور القائم.”
وسارعت المواقع والمنصات الإخبارية على الفور إلى تلقف هذا التفسير التلفزيوني وتحويله إلى إعلان سياسي رسمي، حيث تصدرت الصفحات الأولى عناوين حاسمة من نوع: «الكلمة كانت مفاجأة.. أديب: الرئيس السيسي قرر أنه لن يمس الدستور ولن يرشح نفسه» بحسب موقع «مصراوي»، و«كلام الرئيس واضح.. الناس كلها فهمت إن 2030 آخر سنوات حكم السيسي» وفق صحيفة «المصري اليوم”.
ولم يكتفِ التوجيه الإعلامي المتمثل في حديث أديب بطرح استنتاج عدم الترشح، بل تجاوز ذلك إلى فتح النقاش حول أشكال التهيؤ للمرحلة القادمة، متسائلًا عن جاهزية الأحزاب السياسيّة، وطبيعة الشخوص القادرة على خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، مع التشديد المكثف على ضرورة أن يجري انتقال السلطة بهدوء تام ودون هزات أمنية أو اضطرابات شعبية.
وعبر هذا المنفذ، نجح الإعلام الموجه في نقل الرأي العام من عنوان ضيق مفاده «الدستور لن يمس» إلى عنوان يرسخ في الأذهان أن «2030 هي المحطة الأخيرة للحكم»، ممّا أضفى صبغة الحتمية والجاهزية على المشهد السياسي.
صناعة «الزعيم» وتوجيه الأذرع الإعلامية
في 17 أكتوبر، حسم عبد الفتاح السيسي الجدل بنفسه خلال مشاركته في حفل تخريج الدفعة الأولى من الأكاديمية العسكرية المصرية، مستشهدًا بأسئلة طُرحت عليه من إعلاميين مقربين مثل مصطفى بكري ونشأت الديهي حول مدى اطمئنانه لعدم المساس بالدستور.
وأكد السيسي بشكل قاطع قائلًا: «عام 2030 نهاية حكمي لمصر وده كلام منتهي، والدستور مش هيتعدل.. وهمشي 2030 بدون نقاش»، وأضاف تعهدًا بعدم التوريث العائلي بقوله: «لا حد من أسرتي هيحكم ولا ولادي هيحكموا.. علشان اللي بيتقال ويتكتب محدش يصدقه”.
سارعت المنصات والمواقع لتثبيت هذه العبارات بعناوين عاجلة؛ إذ عنونت «اليوم السابع»: «الرئيس السيسي: عام 2030 سيكون نهاية مدة رئاستي للدولة وهذا أمر محسوم تمامًا»، بينما اختارت بوابة «مصراوي» صيغة «الرئيس يعلنها رسميا»، ونشرت «الشروق» تغطية مماثلة. لكن التحول الأعمق في سلوك الإعلام القريب من السلطة تجلى في إضفاء هالة من التقديس والزعامة التاريخية؛ إذ تحول الإعلام من مجرد ناقل للتصريح إلى رسم صورة السيسي باعتباره «الزعيم المنقذ والضامن الوحيد للاستقرار»، والذي ضرب نموذجًا غير مسبوق في العزوف عن المنصب والتخلي عن السلطة طواعية.
ولأول مرة، استخدمت شاشات إعلامية رسمية وخاصة وصف «الزعيم» بوضوح؛ حيث أطلقت قناة «أون» التابعة للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، المملوكة لجهاز المخابرات، عبارة «الزعيم الرئيس عبد الفتاح السيسي». وكشفت مصادر إعلامية عن صدور تعميمات صارمة وعاجلة وجهت لكافة القنوات التلفزيونية والصحف القومية والخاصة ومؤسسة ماسبيرو تقضي بضرورة الإشارة الدائمة للرئيس بلقب «فخامة الرئيس الزعيم”.
وفي تعليق تحليلي على هذا السلوك الصحفي، كتب الصحفي سليم عزوز أن القنوات التلفزيونية والأذرع الإعلامية للنظام كانت في حالة انتظار مكبل للتعليمات المباشرة، نظرًا لأن مصدر القرار السياسي والإعلامي كان في حالة إرباك ومفاجأة جراء الشاغل الرئاسي.
وأوضح أن الأذرع الإعلامية تسارع دومًا للاستسلام التام لما يعلنه رأس السلطة، لأنها أصحاب مصلحة مباشرة في بقاء الوضع القائم، وتعتبر بقاء السيسي واستمرار نهجه الضمانة الحصرية لبقائها في الواجهة الإعلامية واستدامة نفوذها ومزاياها.
وأشار عزوز إلى أن هذه المنظومة الإعلامية تفتقر للشعبية والقبول حتى داخل القواعد المؤيدة، وتعيش حالة استبسال دفاعي عن أوضاعها ومصالحها المرسلة، ما يدفعها للتضحية بأبجديات العمل الصحفي المهني وتبني أي خطاب رسمي متقلب، تمامًا كما فعلت نخب سابقة انتقلت بين الأنظمة المتعاقبة دون موقوف أخلاقي أو مهني.
فرض وصاية الجيش وتهميش المكون المدني
ولم تتوقف التغطية الإعلامية عند التبشير بنهاية الولاية، بل امتدت لتغطية وتبرير اشتراطات مجحفة طرحها السيسي لإعداد من يخلفه، وهي اشتراطات تتصادم بوضوح مع قواعد العمل الدستوري وتُصادر التنافسية السياسية المفتوحة، حيث ربط السيسي رحيله ببرنامج صارم لتأهيل من سيتولون المسؤولية، قائلًا: «مش همشي غير لما أعمل كوادر تعرف تدير البلد من بعدي”.
وتتضمن هذه الخطة استدعاء الراغبين في الترشح لمنصب رئيس الجمهورية ممن تنطبق عليهم الشروط وتتراوح أعمارهم بين 40 و50 عامًا، للالتحاق بالأكاديمية العسكرية المصرية والعيش داخلها لمدة 40 شهرًا متواصلة (نحو ثلاثة أعوام ونصف) لتلقي التدريب والاختبارات تحت إشراف المؤسسة العسكرية قبل السماح لهم بالترشح للانتخابات.
وأضاف السيسي بوضوح: «هنجيبهم يدربوا من دلوقت لحد انتخابات الرئاسة في 2030… يعيش فيها يعرف ويتدرب ويجتاز الاختبارات… مش هنسمح إن مصر يرأسها خاين أو مجرم أو جماعة أو محدش عارف قيمتها”.
احتفت وسائل الإعلام بهذه التصريحات وسوقتها باعتبارها حرصًا استراتيجيًا ورؤية ثاقبة لبناء القيادات وتأمين المستقبل، إلا أن الخبراء السياسيين والإعلاميين المستقلين رأوا فيها تكريسًا لوصاية أمنية وعسكرية مطلقة على الإرادة الشعبية، باعتبار أن فرض التعلم والعيش في مقر عسكري كشرط لملء المنصب السياسي الأول يناقض المبدأ الدستوري في تكافؤ الفرص وحرية الترشح، ويحول المؤسسة العسكرية إلى سلطة اختيار وتقييم أعلى تننيب عن الأمة في فحص الفاعلين السياسيين، وبذلك يضع السيسي شروطًا تجعل من يخلفه تابعًا مباشرًا للمؤسسة العسكرية، وينصب نفسه عمليًا في موقع «المرشد الأعلى» للحكم في مصر، بحيث يمتلك سلطة التوجيه والتحديد المسبق لمن يحق له اعتلاء سدة الحكم.
تكتيكات سياسية وسيناريوهات الالتفاف
تفتح التصريحات الرئاسية وطريقة تسويقها إعلاميًا باب التساؤلات العريضة حول الطبيعة الحقيقية لهذه الخطوة: هل تعكس قرارًا جادًا بالرحيل وتداول السلطة، أم أنها مجرد مناورة تكتيكية وانحناء مؤقت أمام غيوم الاحتقان الشعبي والأزمة الاقتصادية الخانقة؟
تذهب بعض التحليلات إلى أن التقارير الأمنية الاستخباراتية ورصد اتجاهات الرأي العام المتذمر من الارتفاع غير المسبوق في الأسعار وتراجع الخدمات الأساسية، دفعت السلطة إلى توجيه رسالة طمأنة مبكرة للشارع والقوى الدولية بمنع فتح مدد الرئاسة مجددًا، لتفادي انفجار غضب شعبي غير محسوب، غير أن خبراء وسياسيين يطرحون سيناريوهات بديلة للالتفاف على التعهد الدستوري:
1. السيناريو الروسي: وفي هذا الصدد، يؤكد الدكتور عمرو هاشم ربيع، نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن القراءة المباشرة تعني الالتزام بفترة 2030. لكنه لا يستبعد تطبيق «السيناريو الروسي» (تجرية بوتين وميدفيديف عام 2008)، بحيث يتم انتخاب رئيس جديد لفترة واحدة مدتها 6 سنوات، يتولى خلالها السيسي منصب رئيس الوزراء أو موقعًا قياديًا مستحدثًا، ثم يعود للترشح مجددًا للرئاسة عام 2036، مشيرًا إلى أن هذا الخيار قانوني ودستوري رغم كبر سن الرئيس حينها.
2. عائق المادة 226 والدستور الجديد: ينبه الدكتور عمرو هاشم ربيع إلى أن تمديد مدد الرئاسة مجددًا عبر تعديل دستوري يصطدم بعائق قانوني صريح في المادة 226 من الدستور، والتي تحظر تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب الرئيس ما لم يكن التعديل متعلقًا بمزيد من الضمانات، وبذلك فإن الالتفاف على محطة 2030 يتطلب إلغاء الدستور القائم بالكامل وصياغة «دستور جديد»، وهو ما قد تمهد له الأبواق الإعلامية مستقبلاً تحت شعار «ضرورة استمرار الرئيس لعدم وجود البديل الكفء”.
3. تفريغ الدستور والتحفظ السياسي: يرى الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن العبرة ليست بالنصوص الدستورية بل بتفعيلها وإعمالها. ويستحضر تجربة عام 2019 التي جرى فيها نقض تعهدات سابقة وتمديد الحكم، ويضيف كامل السيد أن الإعلان الرئاسي يستهدف امتصاص الاحتقان دون إحداث أي تغيير حقيقي في السياسات الاقتصادية أو النهج السياسي الشمولي، مؤكدًا أن المشهد العام سيبقى في حالة «محلك سر”.
4. تصفية المنافسين: تُذكّر القراءة التحليلية بسجل التعامل مع المنافسين الحقيقيين من داخل وخارج المؤسسة العسكرية؛ ففي يناير 2018 سُجن رئيس الأركان الأسبق سامي عنان عقب إعلان ترشحه، وسبقه العقيد أحمد قنصوة بالسجن 6 سنوات لنفس السبب، وفي كل هذه المحطات، تحول الإعلام المصري إلى منصة هجوم وتشويه ضد أي مرشح محتمل، مما أفرغ الانتخابات من مضمونها التنافسي.
تحرك صريح لعسكرة مستقبل الحكم
تتجسد الخطورة الحقيقية لمشروع التأهيل المعلن والهندسة الإعلامية المصاحبة له في كونه مسعى صريحًا لعسكرة مستقبل الحكم في مصر، ونزع الثقة الكاملة عن المكون المدني والكفاءات الوطنية، وتكريس المقولة التي تدعي أن إدارة الدولة واختراق أسرارها حق حصري للمؤسسة العسكرية دون غيرها.
إن تحويل الترشح لرئاسة الجمهورية إلى مسار ينفذ حصريًا عبر قاعات ونظم الأكاديمية العسكرية هو مصادرة صريحة للإرادة الشعبية، وإلغاء لمفهوم التعددية الحزبية، وهو بمثابة نيابة قسرية عن الأمة في اختيار حاكمها، مما يهدد بتجريف الحياة السياسية وإغلاق ملف المعتقلين والحريات المسلوبة حتى عام 2030.
ورغم كل أدوات التوجيه الصحفي وسيناريوهات التمكين الفوقي التي تسعى لتكبيل آمال المصريين ومصادرة حقهم في التغيير السلمي، فإن هذه الترتيبات تعكس في عمقها حدة الأزمة الشاملة والفشل الاقتصادي الخانق الذي تجاوز قدرة المواطنين على الاحتمال.
وهذا العبث السياسي والإعلامي يتجاهل أن القفز على إرادة الشعوب وتصميم مسارات الحكم لعقود قادمة طالما تحطم على صخرة المتغيرات الفجائية وتطلعات المجتمعات للحرية والكرامة؛ فمهما بلغت التدابير السياسية والإعلامية وإحكام السيطرة، يبقى مسار التاريخ حاسمًا ومؤكدا أن مكر الاستبداد إلى زوال أمام إرادة الشعوب وسنن العدالة الإلهية: «وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ”.




