المرصد

قضية «متصدقش».. كيف تناولها الإعلام المحلي والدولي؟

  • الرواية الرسمية تتهم المنصة بالتبعية للخارج والتمويل الأجنبي والجهات الحقوقية والنقابية تؤكد مهنيتها واستقلالها
  • الصحافة العالمية تعتبر الحملة الأمنية تصعيدا خطيرا ضد الإعلام المستقل وتُسلّط الضوء على الإخفاء القسري للصحفيين
  • القضية تكشف عن محاكمة أدوات التحقق الرقمي ووصول التضييق إلى مرحلة اعتبار “تدقيق المعلومات” جريمة

“إنسان للإعلام”- فريق التحرير:

تُمثّل الهجمة الأمنية الشاملة التي استهدفت احتجاز كامل الفريق التحريري لمنصة “متصدقش” المتخصصة في تدقيق الحقائق والتحقيقات الصحفية المفتوحة المصدر، نقطة تحول مفصلية ودالة في مسار البيئة الإعلامية بمصر؛ إذ لم تقف الواقعة عند حدود التضييق الاعتيادي على حرية الصحافة، بل تعدتها لتشكل سابقة تمثلت في تجريف “غرفة تحرير بالكامل” وتحويل أدوات التحقق الرقمي والبصري وتتبع المصادر المفتوحة المعتمدة عالميًا إلى “أحراز تهم وتخابر”. 

 وقد أحدثت الجريمة أصداءً واسعة تجاوزت الداخل المصري لتصبح الخبر الأبرز في التغطيات الصحفية والحقوقية الدولية، وتكشف مراجعة خطابات التناول الإعلامي عن تباين جذري وحدّي بين ثلاث روايات رئيسية: 

 – الرواية الأمنية الرسمية، الرامية إلى تأطير المنصة باعتبارها “لجنة إعلامية إخوانية غير مرخصة تُدار من الخارج وتبث أخباراً مفبركة مقابل تمويل أجنبي”. 

– الرواية المهنية والحقوقية (منصة “متصدقش” ونقابة الصحفيين والمنظمات الدولية)، والتي أكدت على استقلالية المنصة، وممارسة فريقها العمل بمهنية واضحة من داخل مصر، والتصدي للشائعات بصرف النظر عن مصدرها.

– الخطاب الإعلامي السلطوي والموازي، الذي سعى لشيطنة التقنيات الحديثة للصحافة الاستقصائية ومحاكمة أدوات تدقيق المعلومات. 

وتكتسب هذه القضية دلالة استثنائية كونها تتزامن مع شلل تام في التعددية الإعلامية وتزايد الانزعاج من منصات التدقيق والتحقق (Fact-checking) التي تقف عائقاً أمام الروايات الرسمية والأرقام غير الموثقة.

التغطية في الصحافة الدولية

اتسمت التغطية الإعلامية الدولية بالتركيز على طابع التدمير الشامل للعمل الصحفي عبر احتجاز كافة أعضاء التحرير، وسلطت الضوء على القلق الحقوقي الدولي من تصفية ما تبقى من مساحات الصحافة المستقلة.

وكتبت وكالة رويترز (Reuters)  تحت عنوان “الشرطة المصرية تعتقل كافة الصحفيين الستة في منصة تحقيقات صحفية”، موضحة احتجاز السلطات الأمنية لستة صحفيين يشكلون هيئة التحرير منصة  (متصدقش)، بناءً على اتهامات بنشر معلومات مضللة لصالح جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما نفته المنصة بشكل قاطع.

 وركزت “رويترز” على الموقف القانوني، نقلاً عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، مبرزة التناقض بين ادعاءات السلطة ورواية المنصة المتخصصة منذ 2018.  

وتحت عنوان  “مصر تعتقل كامل الفريق التحريري لإحدى وسائل الإعلام المستقلة القليلة في البلاد”، أبرزت وكالة “أسوشيتد برس” الحملة الأمنية كـ”تصعيد مثير للقلق يستهدف الإعلام المستقل”.

 ونقلت عن عبد الرحمن منصور (الشريك المؤسس للمنصة) نفيه القاطع للاتهامات وتأكيده الإخفاء القسري للصحفيين والمخاطر اليومية التي يواجهونها لمجرد ممارسة الصحافة الحرة.

 وركزت التغطية على زاوية الإخفاء القسري والتهديد الوجودي الذي يواجه وسائل الإعلام المستقلة المتبقية.  

وكتبت لينسي تشوتل مقالا في صحيفة نيويورك تايمز (The New York Times) حول اعتقال 6 صحفيين متهمين بنشر معلومات مضللة، وفندت الادعاءات الحكومية بشكل تفصيلي.

 واستندت الكاتبة إلى تصريحات المبادرة المصرية للحقوق الشخصية التي أكدت أن المعتقلين الستة معروفون بالمهنية والدقة، وأن مكان احتجازهم مجهول، مشيرة إلى الخلفية السياسية لحظر جماعة الإخوان المسلمين وتوظيف الاتهام بالانضمام لها ضد المعارضة والصحافة المهنية.

وبعنوان (توقيف أسرة تحرير “متصدقش” المصرية.. ماذا نعرف عن هذه المنصة؟)، رصدت شبكة دويتشه فيله  (Deutsche Welle – DWالألمانية تفاصيل القبض على الصحفيين من منازلهم في القاهرة والغربية وبورسعيد، ومن الشارع.

 وأشارت إلى أن المنصة يتابعها أكثر من مليون شخص، وتعمل وفق الأصول المهنية، موضحة مسارات أعضائها في مؤسسات معروفة، مذكّرةً بأبرز التحقيقات الأخيرة كمراجعة تصريحات وزير الخارجية بشأن اللاجئين، والمحسوبية في تعيينات النيابة.

 وربطت  الشبكة بين الاعتقال وطبيعة التحقيقات مفتوحة المصدر التي تنجزها المنصة وتزعج السلطة.  

تغطية الصحافة المصرية للقضية

كشفت التغطية المحلية عن انقسام حاد؛ بين صحافة رسمية وموالية تتبنى بيان وزارة الداخلية نصاً وتلصق اتهامات الإرهاب و التشويه بالصحفيين، مقابل مواقع صحفية مستقلة وعربية تبرز أزمة المهنة والتخبط القانوني. 

ففي موقع “اليوم السابع” كتب محمود عبد الراضي: “الداخلية: ضبط 6 من العاملين بصفحة ما تصدقش الإخوانية لنشرها أخبار مفبركة”،  و نقل النص الكامل لبيان وزارة الداخلية الذي يزعم أن المنصة تدار من الخارج كجزء من اللجان الإعلامية للإخوان، وتتلقي تمويلات خارجية، مع ازدراء الصفة النقابية لبعض العاملين، وتأطير التحقق الرقمي كعمل تخريبي ولجان إلكترونية.  

وبعنوان (نقابة الصحفيين تصدر بيانًا جديدًا بشأن قضية «متصدقش»)، عرض موقع “المصري اليوم” بيان مجلس نقابة الصحفيين الذي انتحى موقفا دفاعيا عن كافة الصحفيين الستة (نقابيين ومتدربين)، وإعلانه الانعقاد الدائم، والتقدم ببلاغ للنائب العام بشأن أنباء التعرض لانتهاكات بدنية وإجبارهم على اعترافات باطلة تحت الإكراه

وكتبت شدوي الصلاح في موقع “الاستقلال” (“متصدقش” في مواجهة الرواية الأمنية.. اتهامات بالانتماء للإخوان تثير سخرية واسعة)، وتناولت ارتفاع عدد الصحفيين المقيدة حريتهم في مصر إلى 26 صحفياً، واستعرضت موجة السخرية والرفض العارم لاتهمام منصة “متصدقش”، التي تفند شائعات السلطة والمعارضة على السواء، بالتبعية لتنظيم الإخوان .

تفاعلات وسائل التواصل الاجتماعي

 شهدت منصات التواصل الاجتماعي سجالاً واسعاً يعكس الاستقطاب وعمق الأزمة، ويمكن تصنيف التفاعلات كالتالي:

– التفنيد المباشر والدفاع المستند للأدلة، حيث فند حساب “متصدقش” الرسمي ادعاءات الداخلية عبر 5 نقاط جوهرية:

  • تفنيد تهمة الإخوان: إثبات نشر مئات التصحيحات لأخبار مغلوطة روجتها قيادات وشبكات الإخوان (مثل توضيح قرار تفويض وزير الدفاع وتفنيد مغالطات سد النهضة قبل الاعتقال بأيام).  
  • تفنيد الإدارة من الخارج: تقديم إثباتات جغرافية إلكترونية تثبت إدارة الحسابات بالكامل من داخل مصر. 
  • تفنيد وضع عبد الرحمن منصور: التأكيد على مغادرته البلاد قانونياً وعدم وجود أحكام ضده ومشاركته السابقة في جلسات الحوار السياسي للحكومة.
  • تفنيد التمويل والشبهات التنظيمية: التأكيد على خضوع الفريق لفحص أمني سابق قبل 3 سنوات دون إدانة، وتلقي الأجور عبر البنوك المصرية بعقود رسمية وخضوعها للقانون المالي المحلي.  

– الموقف النقابي: نشر خالد البلشي نقيب الصحفيين نص الخطابات الموجهة للنائب العام ونيابة أمن الدولة العليا لاستيضاح قرار الحبس،  واستنكار عدم إخطار النقابة بموعد أو مكان التحقيقات بالمخالفة للمادة 69 من قانون النقابة 76 لسنة 1970.

  وأرسلت النقابة وفدا قانونيا ونقابيا، انتظر طوال يوم الخميس في النيابة دون أن يتمكن من حضور أي تحقيق، مما يثبت تجريماً إجرائياً وحرماناً من حق الدفاع. 

– التضامن الحقوقي والدولي : طالبت النائبة الأمريكية رشيدة طليب بالإفراج الفوري ووصفت القبض على فريق عمل “متصدقش” بـ”التصعيد غير المسبوق ضد حرية الصحافة.

سجال “الاستقلالية وتكريم المؤسسين”

في سياق المعركة الإعلامية المحتدمة حول طبيعة المنصة، توقفت التغطيات الدولية والتحليلية عند مداخلة الصحفية ديانا الضبع عبر شاشة بي بي سي عربي، والتي قدمت كشفاً تحليلياً لطبيعة التناقض بين الخطاب الرسمي والتضييق الشامل.

تساءلت “الضبع” بوضوح عن كيفية توفيق السلطة بين وصفها لمنصة “متصدقش” بالخلية الإرهابية، وبين تكريم مؤسسها الراحل محمد أبو الغيط في نهاية حياته خلال “منتدى إعلام مصر”، الذي يقام تحت رعاية الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية (المملوكة بالكامل لجهاز المخابرات العامة)، واعتبرت أن منح أبو الغيط درع التقدير لتجربته الملهمة في المجال الصحفي يدحض ادعاءات “عدم المعرفة” أو “التبعية الخفية”، ويؤكد أن الشيطنة الحالية هي قرار سياسي طارئ فرضته الرغبة في تكميم منصات التدقيق. 

وأوضحت “الضبع” أن المشهد الإعلامي المصري -بعد شراء غالبية القنوات والمنصات وهيمنة مؤسسات الدولة عليها – أصبح يدار بصوت واحد ولا يحتمل وجود أي أدوات تحقق مستقلة ،(Fact-checking)  وأرجعت “الانزعاج الشديد” من منصة “متصدقش” إلى كونها تمارس صحافة كشف الأرقام والمقارنة المباشرة بين التصريحات الرسمية والواقع، مما يعطل آليات التوجيه الإعلامي الموحد. 

 التحليل العام لاتجاهات التناول الإعلامي

يكشف الرصد الشامل للمواد الصحفية والتفاعلات الرقمية حول هذه القضية عن انعدام الثقة في الرواية الأمنية وتهافتها، حيث أظهرت الردود تفكك الادعاءات الواردة في بيان الداخلية؛ ونجحت المنصة ونقابة الصحفيين في تقديم أدلة مادية ومستندية تثبت التحرير من داخل مصر، والعمل برخص مالية رسمية، واستقلالية خطها التحريري الذي فند شائعات المعارضة والإخوان مثلما فند بيانات الحكومة.

ومن زاوية أخري سعت أدوات السلطة الإعلامية إلى محاكمة أدوات الصحافة الاستقصائية الرقمية الحديثة (OSINT) عبر تحويل برامج التدريب ورصد الأقمار الصناعية وتحليل البيانات المتاحة للجمهور إلى “أعمال تجسس وتخابر”، ما يكشف عن فجوة معرفية وحالة عداء مستحكمة ضد تقنيات التحقق الحديثة.

ويؤكد التغاضي عن نداءات النقابة وتجاوز المواد القانونية الضامنة لحضور ممثليها التحقيقات، أن المصلحة الأمنية تتجه نحو إنهاء أي نموذج صحفي يمتلك القدرة على المساءلة الرقمية أو تقديم قراءة مغايرة للخطاب الرسمي، خاصة قبيل الفعاليات الكبرى والمؤتمرات الاقتصادية المرتقبة.

أيضا كشف السجال حول القضية عن محنة أعمق تتجاوز القبضة الأمنية لتصل إلى حالة التشفي والتواطؤ من بعض المنتسبين لصحافة “السامسونج” والذين يمارسون أدواراً تحريضية ضد زملائهم للحفاظ على المكتسبات والتغطية على الفشل المهني.  

إن قضية احتجاز كامل الفريق التحريري لمنصة “متصدقش” لا تُعد مجرد حادث أمني عابر، بل هي مؤشر خطير على وصول سياسة تكميم الأفواه إلى مداها النهائي؛ عبر استهداف ومحاربة فكرة “تدقيق الحقائق”، فالسلطة التي كرّمت رموز الصحافة الاستقصائية في محافل رعايتها بالأمس، هي نفسها التي تجرّم الأدوات والمنصات ذاتها اليوم متى اصطدمت بالحقيقة. 

واستمرار هذا المسار يسقط أي رهانات على الإصلاح الإعلامي أو التعددية، ويرسخ واقعاً مظلما يُحاكم فيه الصحفي على مجرد ممارسته لواجب التدقيق والتأكد من صحة المعلومة المتاحة للجمهور. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى