حوارات

حسام الهندي: الصحافة الاحترافية هي خط الدفاع الأخير في مواجهة التضليل

  • إخراج المحتوى من سياقه وتزييفه بصريًا أبرز أساليب التضليل في الصراعات الحديثة
  • الذباب الإلكتروني يقود موجات التضليل ويوجه الروايات في البيئة المعلوماتية للحروب
  • الذكاء الاصطناعي يضاعف خطر التزييف والمصدر الموثوق خطوة أولى للمواجهة
  • البحث العكسي وشهود العيان من الأدوات الأساسية لكشف زيف المحتوى المتداول
  • غرف الأخبار مطالبة بوحدات تدقيق مستقلة لمواكبة سرعة الأحداث والالتزام بالدقة
  • الصحفي المحترف ليس ناقلًا للحدث بل عين ناقدة تفكك الروايات وتختبر صدقيتها
  • للجمهور: لا تنشر دون مصدر موثوق… وللمؤسسات: التدقيق ضرورة لا خيار

حوار  عبد الله الباسل:

مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، ومن بينها المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة وإيران من جهة أخرى، يجد المتلقي نفسه أمام سيل متدفق من المحتوى، يشمل بجانب الصور القديمة المستدعاة خارج سياقها، مقاطع مُفبركة أو مُولّدة بالذكاء الاصطناعي، وأخبار تُنشر بلا تحقق، في سباق محموم على التأثير قبل تحري أي دقة.

في مثل هذه الأحداث، يجد الصحفي نفسه أمام اختبار مزدوج بين كيفية مواكبته سرعة الحدث دون أن يقع في فخ التزييف، والحفاظ على معايير التحقق في بيئة تتكاثر فيها أدوات الخداع الرقمي.

حول أفضل أساليب معالجة هذه إشكاليات، أجرى مركز “إنسان للدراسات الإعلامية” هذا الحوار، مع الصحفي المصري حسام الهندي، مدير “مبادرة التحقق بالعربي”، حيث يطرح رؤية عملية لفهم آليات التضليل، وحدود أدوات التحقق، ويتحدث عن دور الصحفي والجمهور في كشف الحقائق وسط ضجيج الروايات.

– كيف تصفون طبيعة البيئة المعلوماتية التي تتشكل أثناء الصراعات الجيوسياسية، مثل التوتر بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” وإيران؟
المعلومات هنا ترتبط بمن ينشرها بعيدًا عن المؤسسات ذات التوجهات التقليدية، مع تركيز كبير على جمهور وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتشكّل البيئة المعلوماتية من عدة محاور أو مجموعات، غالبًا ما تنتمي إلى أطراف مختلفة، سواء كان هذا الانتماء سياسيًا أو عقائديًا أو قائمًا على الدعم والتأييد.

وتُعدّ أكثر هذه المجموعات شراسة تلك التي تعمل تحت سيطرة طرف معيّن، وتُوجَّه لنشر المعلومات وفق أجندة محددة، ويُطلق عليها “الذباب الإلكتروني” أو “اللجان”.

وهذه المجموعات تعمل على إطلاق الشائعات، والالتزام بتوجهات الجهة التي تديرها، ومهاجمة الطرف الآخر.

وهذه المجموعات ليست طرفًا مباشرًا في الصراع، لكنها تتداخل مع تصاعد الأحداث، وغالبًا ما يقتصر دورها على إعادة النشر دون اهتمام بإنتاج محتوى أصيل، ويمكنها نشر أي شيء دون الاعتماد على حسابات واضحة أو موثقة.

كما توجد فئة أخرى تتمثل في حسابات شخصية أو صفحات أو حتى مؤسسات لا تقودها توجهات واضحة، وتسعى أساسًا إلى تحقيق الانتشار من خلال نشر محتوى إخباري مثير، دون اعتبار كبير للدقة أو الحقيقة.

– ما هي أبرز أشكال التضليل في تغطية الصراعات؟ وهل يمكن للصحفيين رصد هذه الأشكال؟
التضليل الأكثر شيوعًا وكلاسيكية يتمثل في إخراج المحتوى من سياقه، عبر إعادة نشر مواد قديمة من نفس الدول أو استخدام محتوى كاذب من دول أخرى.

وعلى سبيل المثال، خلال الحرب الروسية، انتشرت مقاطع من ألعاب فيديو على أنها مشاهد حقيقية.

كما أن الذكاء الاصطناعي تطور تدريجيًا، ودخل بقوة في هذا المجال، خاصة مع أحداث “طوفان الأقصى”، وتزايد استخدامه بشكل ملحوظ في الحرب بين إيران و”إسرائيل” والولايات المتحدة.

– ما هي أبرز الخطوات المنهجية التي يجب أن يتبعها الصحفي للتحقق من صحة المحتوى؟
ثمة خطوات أساسية يجب على الصحفي الالتزام بها، أولها عدم النشر إلا بعد التأكد من مصدر موثوق وواضح وغير موجه.
ثانيًا: استخدام أدوات البحث العكسي، والبحث عن شهود عيان سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو من خلال مراسلين ميدانيين.
ثالثًا: مراجعة المحتوى مع المتخصصين في فحص المواد المصورة وخبراء التحقق، وعلى الصحفي ألا يتعامل مع أي معلومة باعتبارها حقيقة مطلقة دون التحقق منها.

– كيف يمكن للمؤسسات الإعلامية بناء آليات تحريرية تمنع انتشار معلومات غير دقيقة دون أن تفقد قدرتها على مواكبة الأحداث؟
في ظل تسارع الأحداث، خاصة في أوقات الصراعات والأزمات، يجب الالتزام بالقواعد المهنية المعروفة للعمل الصحفي، وعدم التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر موثوق.

كما ينبغي إنشاء فرق أو وحدات مختصة بمراجعة المواد وتدقيقها داخل غرف الأخبار، مع الاهتمام المستمر بالثقافة الإعلامية، ومواكبة التطورات والابتكارات في أدوات التحقق.

– وكيف يمكن التمييز بين الدعاية السياسية والتضليل المتعمد الهادف إلى تشويه الحقائق أو إرباك الجمهور؟
يمكن التمييز بين الدعاية السياسية والتضليل المتعمد إذا كان المحتوى صادرًا عن صفحات معروفة، لكن الأهم ليس فقط التمييز، بل الامتناع عن إعادة نشر هذا المحتوى للجمهور دون تحقق.

– وما هي أدوات التحقق من المحتوى الآني والمحتوى القديم أو المقتطع من سياقه الذي يُعاد تداوله أثناء الأزمات؟
يمكن ذلك عبر استخدام أدوات البحث العكسي، مثل Google Lens والبحث العكسي عبر جوجل، إضافة إلى مراجعة منصات التحقق من المعلومات.

كما يجب البحث بالكلمات المفتاحية؛ فمثلًا، إذا تم تداول خبر عن إعلان الحرس الثوري الإيراني القبض على 50 جنديًا، يجب التحقق مما إذا كان هذا الإعلان قد صدر فعلًا من الجهات الرسمية، وعدم الاكتفاء بإعادة النشر دون تحقق.

– كيف يوازن الصحفي المحترف بين الاعتماد على أدوات التحقق الرقمية ومهاراته المهنية في تدقيق المواد المنتجة بالذكاء الاصطناعي؟
علينا أن ندرك أن ما نشهده اليوم من تطور في تقنيات الذكاء الاصطناعي هو مجرد بداية لمسار طويل، وأن المستقبل قد يحمل تحديات أكبر، حيث سيصبح التضليل عبر الصور والمقاطع المولدة أكثر تعقيدًا وصعوبة في الكشف.

ورغم وجود أدوات تساعد حاليًا في رصد هذا التزييف، فإن الاعتماد عليها وحدها غير كافٍ، ولا يمكن الوثوق بها بنسبة 100%.
ويبقى العمل الصحفي هو الركيزة الأساسية في التحقق، من خلال فهم الخلفيات واختبار المصداقية، فالأدوات تساعد، لكنها لا تغني عن الصحفي اليقظ الذي يمتلك مهاراته وعقله النقدي.

– أيضا كيف يوازن الصحفي بين سرعة نشر الأخبار والتحقق منها في ظل هذه الظروف المتسارعة؟
الصحفي الذي يحترم مهنته لا يكتفي بأن يكون ناقلًا للحدث كما يفعل المستخدم العادي، بل يتعامل مع المعلومة باعتبارها مسؤولية، فهو يبحث، ويقارن، ويدقق، ويضع كل تفصيلة تحت مجهر التساؤل.

هو ليس مجرد شاهد، بل “عين محترفة” ترى ما وراء الخبر، وتميّز بين الحقيقي والمعاد تدويره، والمجتزأ من سياقه لخدمة رواية معينة.

ومع الأسف، لا تُطبق هذه المعايير دائمًا كما ينبغي، في ظل سباق السرعة والرغبة في النشر،  لكن بقاء المهنة وموثوقيتها مرهونان بتمسك الصحفي بهذه القيم.

– هل يمكن ذكر نماذج لوقائع تضليل ظهرت خلال الحرب الجارية؟
تداولت حسابات على مواقع التواصل صورة يُزعم أنها مقتطفة من فيديو لرئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو داخل أحد المقاهي بتاريخ 15 مارس 2026. وبعد التحقق من الفيديو الأصلي المنشور عبر القنوات الرسمية، تبيّن أن هذه الصورة لا وجود لها في أي جزء من المقطع.

وأظهرت المقارنة اختلافات واضحة، كما كشف التحليل البصري وجود تلاعب رقمي، حيث أُدرجت نصوص غير موجودة في النسخة الأصلية، كما ظهرت علامة على شكل “نجمة” رباعية في أسفل يمين الصورة، وهي مؤشر تقني قد يرتبط باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي أو التعديل الرقمي، وبناءً على ذلك فإن الصورة مفبركة ولا تعكس واقعة حقيقية.

نموذج آخر تمثل في نشر إعلامي مصري لمشاهد زعم أنها توثق حراكًا داخل إيران، وعلّق عليها بأنها “مشاهد غير مؤكدة من مصادر مستقلة”، متسائلًا عن بداية سقوط النظام، لكن التحقق أظهر أن هذه المشاهد قديمة وخارج سياق الأحداث الحالية.

– ما هي نصيحتكم للجمهور في هذا السياق؟
النصيحة الأساسية هي عدم نشر أي محتوى دون معرفة مصدره، والتأكد من أن هذا المصدر موثوق وغير موجه ولا يسعى للإثارة على حساب الدقة.

وعلى الأفراد أن يمتنعوا عن نشر أي محتوى دون مصدر موثوق، وإذا اضطروا للنشر، يجب ذكر المصدر بوضوح.
وبالنسبة للمؤسسات الإعلامية، فمن الضروري الاعتماد على مصادر معتمدة، ومراجعة المحتوى بدقة لتجنب الوقوع في فخ الدعاية أو التضليل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى