هل يرفض الرأي العام الأمريكي السيطرة “الإسرائيلية” علي وسائل الإعلام؟
د . سليمان صالح
أستاذ الإعلام الدولي
استشراف المستقبل يحتاج إلى بصيرة العلماء وحكمة القادة الذين يمكن أن يخططوا لمواجهة الأحداث التي ستغير العالم، وتفتح آفاقًا جديدة أمام الشعوب للتحرر من الخرافات التي فرضها الغرب، واستخدمها في تضليل الشعوب وتزييف وعيها.
لذلك يجب أن نقرأ بعمق اتجاهات الرأي العام في العالم، ومؤشرات السخط الذي سينفجر فجأة ضد السلطات ووسائل الإعلام والرأسمالية العالمية، بعد أن تكتشف الشعوب أنها تعرضت للاستغلال وتزييف الوعي والتضليل والتلاعب بمشاعرها، وتدمير قدراتها على التفكير والتعبير والحياة.
وعلى ضوء الصواريخ التي تتطاير شظاياها في سماء المنطقة يمكن أن يكتشف الباحثون أن هناك الكثير من الوسائل الجديدة لاستشراف المستقبل، من أهمها القراءة المتعمقة للمزاج العام، التي توضح أن هناك شعورًا عامًا بالظلم والخوف وعدم الأمان والكراهية والغضب، وهذه المشاعر ستتحول إلى قنابل متفجرة تدمر حالة الخضوع والاستسلام التي فرضتها السلطات على الشعوب باستخدام القوة الغاشمة.
السخط على وسائل الإعلام.. لماذا؟
لكنني في هذا المقال سأركز لك على الرأي العام في أمريكا، وعلى سخط الشعب الأمريكي على وسائل الإعلام، التي أوضحت الحرب “الإسرائيلية” الأمريكية على إيران أنها ليست حرة، وأنها لا تقوم بوظيفتها في الوفاء بحق الجماهير في المعرفة، وأن دولة الاحتلال “الإسرائيلي” تستخدمها لتضليل الشعب الأمريكي، وإخفاء الحقائق عن الكارثة التي تدفعه لها الإدارة الأمريكية بسرعة، وتجذب معه دول أوروبا والشرق الأوسط إلى هاوية سحيقة.
وقد يكون الوقت ما زال مبكرًا لقياس اتجاهات الشعب الأمريكي، لكن هناك مؤشرات قوية تؤكد أن هذا الشعب ينظر بشك لوسائل إعلامه التي كان يفخر بحريتها، ويعتبر هذه الحرية أهم أركان نظامه الديمقراطي، وأن هذه الوسائل فقدت القدرة على كشف فضائح ترامب وإدارته وخضوعه لـ”إسرائيل”، وأن أسطورة كلب الحراسة الذي يحمي المجتمع من المخاطر تحطمت، حيث دمرتها السيطرة “الإسرائيلية” على هذه الوسائل.
أمريكا في طريقها إلى الانهيار
وحرية الإعلام كانت من أهم مصادر قوة الولايات المتحدة، وكانت هذه الحرية تثير إعجاب الشعوب المحرومة من حقها في المعرفة، لذلك فإن اكتشاف الشعب الأمريكي لحقيقة أنه يخضع للتضليل سيزيد شكه في كل المؤسسات الديمقراطية؛ وعلى رأسها الكونغرس الذي لم يستطع أن يحمي أمريكا من استغلال “إسرائيل” لها، ودفعها لترامب لتحقيق رغبتها في السيطرة على المنطقة، وأن الكونغرس فقد قدرته على مراقبة السلطة، والدفاع عن استقلال أمريكا وسيادتها الوطنية.
كما سيكتشف الأمريكيون أن مراكز التفكير والبحث والتخطيط الاستراتيجي لم تتمكن من كبح جماح ترامب الذي قاده نتنياهو إلى حرب ستسهم في انهيار أمريكا، وزيادة العداء والكراهية لها في كل أنحاء العالم، وأن هذه المراكز التي كانت تقدم نفسها بأنها العقل الاستراتيجي لأمريكا خضعت لغرور ترامب ورغبة نتنياهو المتوحشة في التدمير وارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
الشعب الأمريكي يرفض.. ولكن!!
ووسائل الإعلام الأمريكية لا تعبر عن الشعب الأمريكي، وتلك حقيقة أوضحتها الحرب، التي يمكن أن تكون المنظمات الإعلامية الكبيرة من أهم ضحاياها، فالشعب الأمريكي أصبح مثل الشعوب العربية التي تتحكم السلطات في وسائل إعلامها، وتقيد حرياتها في الرأي والتعبير والتفكير، فأصبح الأمريكيون يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن سخطهم وغضبهم وكراهيتهم لغرور ترامب ونتنياهو.
سأعرض لك بعض الأدلة التي أوضحتها أحدث استطلاعات الرأي العام، من أهمها أن 53% من الشعب الأمريكي يعارضون الحرب على إيران، وأن 55% يرون أن إيران لا تشكل تهديدًا لأمريكا.. بذلك أسقط الشعب الأمريكي أهم مبررات ترامب لشن العدوان.
كما أوضح استطلاع آخر أجرته شبكة “سي إن إن” أن 59% يعارضون الضربات العسكرية الأمريكية على إيران، وأوضح استطلاع ثالث أجرته وكالة “رويترز” أن 27% فقط من الأمريكيين يؤيدون الحرب.
ويوضح ذلك أن قرار ترامب بشن الحرب يتناقض مع إرادة الأمريكيين ولا يعبر عنهم، وأنه يشكل اعتداءً على الديمقراطية الأمريكية والإرادة الشعبية.
وأنا لا أريد أن أغرق القراء في التفاصيل والأرقام، لكنني أشير فقط إلى أهم نتائج استطلاعات الرأي العام التي أوضحت أيضًا أن ثلثي الأمريكيين يرون أن حكومتهم لم تشرح لهم أهداف الحرب بوضوح، وأن أكثر من نصف الأمريكيين لا يثقون بقرارات استخدام القوة العسكرية.
الشعب الأمريكي يفقد ثقته في الإعلام
ارتبط ذلك بتناقص ثقة الأمريكيين في الإعلام، فقبل اندلاع هذه الحرب أوضح استطلاع مركز “بيو” أن نسبة الثقة في وسائل الإعلام لا تزيد على 56%.. فماذا بلغت هذه النسبة بعد الحرب؟!
من المؤكد أنها في تناقص مستمر بعد أن أوضحت الأحداث أن هذه الوسائل تقوم بإخفاء المعلومات وتعتمد على المصادر الرسمية، ولا تبذل جهدًا في استقصاء الحقائق، وأنها تقوم بنشر رواية الحكومة دون تدقيق، وأنها لم تقم باستجواب المسؤولين الأمريكيين، وطرح الأسئلة التي تتحدى رواية ترامب.
ويفقد ثقته في الديمقراطية!
يقول روبرت رايش، أستاذ الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا ووزير العمل في إدارة كلينتون: إن الحرب على إيران دليل على فشل الديمقراطية الأمريكية؛ فهي تفتقد الدعم الشعبي، وتمت بقرار تنفيذي مباشر دون أن تمر عبر الكونغرس، وهذا يوضح أن النظام الديمقراطي لا يعمل، ولا يعبر عن إرادة الشعب؛ فأغلبية الأمريكيين يرفضون هذه الحرب، وترامب تجاوز الكونغرس، والإعلام لم يمنع القرار الذي يمثل فشلًا ساحقًا للديمقراطية الأمريكية.
الحرب تحت ضغط خارجي!
هناك أصوات بدأت تعبر عن سخطها على قرار الحرب حتى داخل الإدارة الأمريكية نفسها، وتصفه بأنه تم تحت ضغط “إسرائيلي”، وتحمل “إسرائيل” المسؤولية عن دفع أمريكا للعمل العسكري، فـ”جو كينت”، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب الذي استقال من منصبه مؤخرا، يرى أن السياسة الأمريكية لا يجب أن يتم تحديدها وفق المصالح “الإسرائيلية” فقط.
كما بدأت بعض المنصات الأمريكية توجه نقدًا لهذه الحرب يتضمن أنها تخدم “إسرائيل” أكثر من أمريكا، وأنها حرب متهورة تضر بالمصالح الأمريكية، وهناك أصوات بدأت تتهم “إسرائيل” بأنها دفعت أمريكا للحرب الذي تم اتخاذ قرارها خلال زيارة نتنياهو الأخيرة للبيت الأبيض، واتهم جو كينت “إسرائيل” بتضليل ترامب للدخول في الصراع.
لكن ترامب ليس راضيًا عن الإعلام!
بالرغم من أن الشعب الأمريكي فقد ثقته في الإعلام بسبب إخفاء الحقائق عن الحرب، وتخلي الإعلاميون عن وظيفتهم في الاستقصاء والتحري واستجواب المسؤولين؛ فإن ترامب عبر عن سخطه على وسائل الإعلام التي اتهمها بأنها تقوم بتشويه الأخبار وتنشر معلومات مضللة.
ويرى ترامب أن الإعلام لم يعرض إنجازاته، وأنه يؤثر على الرأي العام الأمريكي ويضغط على السياسيين، ووصف الصحفيين بأنهم أعداء الشعب، وأنهم كاذبون، وقال إن الإعلام فاسد ومهين لبلدنا.
وعبر ترامب عن غضبه من التغطية التي تبرز المعارضة للحرب أو النفوذ “الإسرائيلي” المحتمل على السياسة الأمريكية، واعتبر أن الإعلام يشوه قراراته في السياسة الخارجية ويقلل من مصداقية الحكومة الأمريكية.
وهذا يوضح أن ترامب يريد إعلامًا يشبه إعلام النظم الديكتاتورية الذي يصف إنجازات الحاكم، ويهاجم المعارضين، ولذلك يمكن أن يصدر له ديكتاتوره المفضل بعض المنافقين ليقوموا بالمهمة، ويقدموا برامج المساء على القنوات الأمريكية، فهم أصحاب خبرة كبيرة تراكمت عبر سنوات من الدعاية والكذب والتدليس ووصف كل قرارات الرئيس بأنها ضرورية لإنقاذ الشعب من الحياة في الملاجئ والخيام، ومن مصير سوريا والعراق!!
الإعلاميون فقدوا مستقبلهم!
ولأننا كلنا في الهم والغم إعلاميون، وقد فقدنا كل شيء في ذلك الزمن بعد أن أصاب الحكام غرور القوة، وأرادوا أن تقوم وسائل الإعلام بدور واحد هو وصف إنجازاتهم، والتغزل في حكمتهم وحنكتهم وعبقريتهم التي سيكون من أهم نتائجها انهيار الحضارة الإنسانية، وانتشار الغلاء والوباء والفقر والجوع والظلم والمذابح.
لذلك تزايد سخط الحكام والشعوب على الإعلاميين الذين أصبحوا يواجهون خطرًا يهدد وجودهم، فالناس أصبحوا يتبادلون الأخبار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وفقد الإعلاميون حريتهم وأخلاقياتهم ووظائفهم ومهنتهم وحقوقهم ودورهم المجتمعي.
لكن انهيار الإعلام سيجذب خلفه كل المؤسسات الديمقراطية، وستسقط النظم التي أراد حكامها أن تصف وسائل الإعلام إنجازاتهم في التدمير والتخريب والاستغلال والإفقار.
هل تكون الحرب فرصة؟!
هذه الحرب توضح أن العالم كله يواجه الخطر، وأن رائحة الموت تنتشر في الفضاء، وأن الاستقرار أصبح وهمًا، فلن يتمكن أحد من النجاة، ولن تستطيع دولة أن تواجه التحديات التي فرضها غرور القوة، وهذا يفرض على الإعلاميين في كل أنحاء العالم أن يقودوا شعوبهم في مرحلة جديدة من الكفاح ضد الاستعمار والاحتلال والاستبداد والفساد، وأن يكشفوا للشعوب الحقائق، وأن يقوموا بوظيفتهم في الوفاء بحق الجماهير في المعرفة حتى تنتفض وتثور وتتحرر وتبني مستقبلها بالعدل.
وتشكل هذه الحرب فرصة للإعلاميين الأمريكيين الذين يمكن أن يقوموا بدورهم في كشف الحقائق والتعبير عن رفض الشعب الأمريكي للحرب، ولغرور القوة وفساد ترامب، والمخطط “الإسرائيلي” لفرض السيطرة على العالم وتدمير المسجد الأقصى.
وهذا هو طريقنا الوحيد لنسترد حريتنا وحقوقنا واحترام جماهيرنا لنا، ويومئذ فقط سيعود الشعب الأمريكي ليفخر بحرية الإعلام، وأنا أرى أننا يجب أن نستعد لعصر جديد، فكل تلك النظم الظالمة ستنهار، ومن المؤكد أن دولة الاحتلال “الإسرائيلي” تسرع الخطى نحو السقوط والزوال، لكنها ستجذب خلفها الكثير من الدول وعلى رأسها أمريكا، وديكتاتور ترامب المفضل.
لذلك يجب أن نتقدم بشجاعة لتغطية الأحداث، وكشف الحقائق، وتوعية الجماهير، واستشراف المستقبل، والثورة ضد الطغيان والظلم والعدوان وجرائم الإبادة والتطهير العرقي.




