دراسات

الثورة المضادة وتشويه ثورة يناير.. الدراما السينمائية نموذجا

  • منذ يوليو 1952 تحولت السينما إلى آلة دعائية بيد الأنظمة المتعاقبة في مصر
  • أفلام الفترة من 2011 إلى 2013 كانت سطحية في معالجاتها الفنية والدرامية
  • بعض الأفلام قدمت الإسلاميين كمجموعة انتهازية قفزت على الثورة
  • الانقلاب أنتج أعمالا لغسل الماضي وإهالة التراب على سنوات الحرية
  • الأفلام تعاملت مع الثورة من منطلق دعائي اتسم بالسطحية والسذاجة

 

دراسة من إعداد- إمام الليثي:

مقدمة:

كانت ليلة الحادي عشر من فبراير 2011 ليلة فارقة في تاريخ مصر، شعب يدق أبواب الحرية آملا أن تفتح له، وخلف الأبواب قوى الشر تخطط لاحتواء هذا السيل الجارف المطالب بالتغيير، في حين يناور ساكن القصر منأورته الأخيرة؛ ليظل متربعا فوق كرسي الحكم ويحمل معه إلى قبره لقب رئيس بدلا من "رئيس سابق".

ظاهريا، انتصرت الجماهير وخرج رأس النظام من المشهد، لكن النجاح الكلي كان مرتهنا بخطوة أهم وأوسع من تلك الخطوة فشل فيها كل المنتمين لتيار الثورة.

تجمعت قوى الثورة المضادة ووضعت خطتها، وفشلت قوى الثورة في تكوين جبهة موحدة تدفع المؤامرة التي حيكت بعناية، بداية من صيغة بيان خلع مبارك، الذي حوى عبارتي "تخليه عن منصب رئيس الجمهورية"، و "تكليف المجلس العسكري بإدارة شؤن البلاد"، ليتم تمكين الدولة العميقة من إعادة تنظيم صفوفها، والاستعداد لقطع الطريق على أي محأولة لتغيير الأوضاع في البلاد.

هذه الورقة تلقي الضوء على كيفية تطويع الدراما السينمائية لتشوية ثورة يناير من قبل "الثورة المضادة" أو "الدولة العميقة"، من خلال وصف وتحليل عينة من الأفلام التي أنتجت في الفترة من عام 2011 وحتى عام 2023، محأولين أن نجيب على عدد من الاسئلة:

  1. كيف قدم الإنتاج السينمائي ثورة يناير وثوارها قبل انقلاب 3 يوليو وبعده؟
  2. ما هي صورة المؤسسات الأمنية في السينما قبل انقلاب 3 يوليو وبعده؟
  3. كيف قدمت السينما أبناء الحركة الإسلامية عموما والإخوان تحديدا بعد الثورة؟
  4. إلى أي مدى عبرت الرسائل الاعلامية لهذا الإنتاج عن توجهات الثورة المضادة؟

السينما المصرية والدعاية السياسية

في ديسمبر 1895، بدأ أول عرض سينمائي تجاري للأخوين "أوغست و لويس لوميير" مخترعي آلة العرض السينمائي بمقهى "جرأند كافيه" بباريس.

بعدها بأيام، وفي شهر يناير عام 1896، شهدت مصر أول عرض سينمائي تجاري في مقهى "روأني" بمدينة الإسكندرية، ليتبعه عرض آخر في القاهرة في 28 يناير 1896.

وفي 20 يونيو 1907، تم تصوير أول فيلم تسجيلي عن زيارة الخديوي عباس الأول لمعهد المرسي أبو العباس في الإسكندرية، في حين يؤرخ آخرون للسينما بعام 1918 وهو التاريخ الذي أنشأ فيه المخرج محمد كريم شركته وأنتج فيلمي "شرف البدوي" و "الأزهار الميتة(1)

ومنذ ظهور السينما في مصر، أدرك صناعها مبكرا أن الصور المتحركة لغة دولية، واعتبروها من أهم الوسائل الاتصالية التي يمكن أن  تجذب قطاعات المشاهدين.

ورصد الباحثون أولى تدخلات الدولة المصرية في الشأن السينمائي في السابع عشر من مايو 1926م، عندما شنت مجلة المسرح هجمة شرسة على الممثل يوسف وهبي بسبب قبوله تمثيل دور النبي (ص) في فيلم ألمأني، فما كأن من مشيخة الأزهر إلا أن قدمت بلاغا ضد وهبي بتاريخ 14 مايو 1926 تطالب بمنعه من السفر، بعد أن أعلن أنه سيصور الفيلم في فرنسا .

حينها ثار الشارع المصري؛ دعما للأزهر وتأييدا لمطالبته بمنع يوسف وهبي من السفر، ليتدخل الملك فؤاد (ملك مصر وقتها) ويحسم الموضوع مهددا بنفي الممثل إلى خارج البلاد، وسحب الجنسية المصرية منه، لتشهد السينما أول تداخل مع مصالح الدولة (2).

وشهد عصر الملك فاروق تنوعا بين التقارب من القصر وإرهاصات التمرد عليه، ففي الوقت الذي سعى فيه معظم السينمائيين إلى تصوير مصر كجنة في أرض الله، جاءت بعض المحاولات السينمائية لتبشر – من طرف خفي- بالثورة على الملك وتنتقد القصر.

فيلم ليلى، الذي أنتج عام 1937 كان أحد هذه الأفلام التي انتقدت القصر، من خلال قصة تاريخية لليلى العفيفة بنت الصحراء العربية، التي حاول كسرى أن يخطفها من حبيبها، لتنتهي القصة بانتصار الحبيب وقتل كسرى، في إشارة إلى إرغام فوزية أخت فاروق على الزواج من ولي عهد إيران أنذاك، الأمر الذي أدى إلى أزمة دبلوماسية بين مصر وإيران اقتضت منع الفيلم من العرض.

في العام التالي، 1938، جاء فيلم "لاشين" ليبشر بالثورة على الملك والملكية، فالحاكم في فيلم لاشين كان منشغلا بملذاته وشهواته عن الشعب وأحلامه وهمومه، تاركا الأمر لكبير وزرائه الفاسد، بينما حاول قائد الجيش "لاشين" أن يمنع فساد كبير الوزراء، فيتم إيداعه السجن ليصبح خروجه أمل الجماهير في إقرار العدل.

وبعد انقلاب يوليو 1952، لم تتوقف العلاقة بين السينما والسياسة، بل تطورت بصورة أكبر و تحولت إلى آلة دعائية  في يد الأنظمة المتعاقبة بعد يوليو.

 والدارس الحثيث للفترات الأربع للحكم العسكري (عبدالناصر- السادات- مبارك- السيسي) سيجد أن المعارضة السينمائية للأنظمة تكاد تكون منعدمة في زمن كل رئيس، في حين تنشط في الفترة الانتقالية بين رئيس وآخر، وأن تنفست السينما قليلا في زمن مبارك ببعض الأعمال التي نالت من بعض السياسات والوزراء ورجال الأعمال أو الأجهزة الأمنية، دون النيل من شخص الرئيس.

ما هو الفيلم السياسي؟

ربما لا يوجد مصطلح أكثر غموضا والتباسا من مصطلح الفيلم السياسي"، رغم ما يبدو عليه من طابع درامي فني، فتارة يبدو فضفاضا يحتمل كل منتج سينمائي، وتارة يحصر نفسه في نطاق الأعمال التي تتناول قضايا سياسية مباشرة ومعاصرة، وتارة يرواح بين هذا وذاك(3).

ويعرف محمود قاسم الفيلم السياسي بأنه "الفيلم الذي يصور الواقع السياسي الحالي زمن إنتاج الفيلم، كما أنه يمكن أن يعرض سيرة بطل من أبطال السياسة الحالية، الذين يلعبون دورا في السياسة وقت إنتاج الفيلم، وقد يكون موضوع الفيلم مأخوذا من واقع الحياة أو مؤلفا من وحي الخيال، ويتعرض لصورة من زمن الحاضر المعاش في ظل النظام السياسي الذي تم في إطاره إنتاج الفيلم" (4)

ويعرّف على أبو شادي السينما السياسية بأنها "تلك الأعمال التي تمتلك القدرة على مواجهة الحاضر والاشتباك معه، نقدا وكشفا وتحليلا، ويقدم فنانوها رؤيتهم الخاصة للواقع الآني- أي وقت إنتاج الفيلم –أو للأحداث التي ما زالت تؤثر بشكل مباشر في ذلك الواقع"(5)

وقد عرفها  المخرج رؤوف توفيق بأنها "سينما تتخذ موقفا فكريا وثوريا محددا ضد التخلف السياسي والاستخدام السيىء للسلطة وامتهان الحرية والكرامة الإنسانية والعواطف"(6)

والسؤال الذي سنحاول الإجابة عليه في هذه الدراسة: هل الأفلام التي أنتجت منذ عام 2011، والتي تناولت ثورة يناير، يمكن أن تقع في فئة الأفلام السياسية، خصوصا أنها تحقق شرطا أساسيا من شروط الفيلم السياسي، وفق االتعريفات السابقة، وهو أنها أنتجت لأحداث جارية تؤثر بشكل مباشر في الواقع وتشتبك معه؟ أم أنها مجرد أفلام دعائية؟

للإجابة على هذا السؤال، نتناول بالوصف والتحليل مجموعة من الأفلام التي تناولت فترة ما بعد يناير 2011.

كيف عملت السينما كأداة دعائية؟

أدركت العديد من دول العالم أهمية السينما كأداة للدعاية، بإعتبارها وسيلة اتصال جماهيري شديدة التأثير، واستعملتها الأنظمة السياسية في كل دول العالم كأداة من أدوات القوة الناعمة؛ للترويج للأنطمة السياسية المختلفة، وتحقيق الأهداف السياسية لتلك الأنطمة.

وبنظرة سريعة على تاريخ الأفلام الدعائية، سنجد أن الروس في الحقبة البلشفية كأن لهم قصب السبق في إقناع الجماهير بضرورة الثورة، وكان من بين الأفلام التي دعت إلى الثورة فيلم "المدرعة بوتمكين" وفيلم "التعصب"، وتبع الألمان الروس في استخدام السينما للدعاية، فاستخدم الرايخ الثالث بألمأنيا السينما، وكأن من أشهر إنتاجات تلك الفترة فيلم "متروبوليس" وفيلم "انتصار الإرادة"(7).

وفي أنجلترا، أشارت دراسة "ميرل بيرس" إلى العلاقة بين شركات الإنتاج والمخابرات البريطانية، فيما بعد الحربين الأولى والثانية، وأنتجت تلك العلاقة المركبة فيما بعد الحربين مجموعة أفلام تحذر من خطر النازي، وترفع وعي الجماهير ضد هذا الخطر(8) .

ولم تكن الأنظمة العربية بعيدة عن هذا الاستخدام السياسي للسينما، وقد أشرنا سابقا إلى توظيف السينما سياسيا في مصر الملكية وفي فترة ما بعد انقلاب يوليو 1952، ومؤخرا دخلت السينما السعودية كلاعب في منظومة الأفلام الدعائية، بالترويج لمفهوم حقوق المرأة من منظور أجندة "مؤتمر بيجين لتمكين المرأة"، فأنتجت فيلم "وجدة" وفيلم "المرشحة المثالية"، ولم تنس الدعاية للنظام الملكي، فأنتجت مؤخرا فيلم  "وُلد ملكا".

السينما ومفهوم التضليل  الإعلامي

شاع استخدام مفهوم التضليل الإعلامي بعد الحرب العالمية الثانية في الاتحاد السوفيتي، ولم ينقل المصطلح إلى الإنجليزية إلا في الستينيات من القرن الماضي؛ للإشارة إلى التسريب المقصود للمعلومات المضللة ونقل المصطح إلى القاموس الفرنسي في  الثمانينات من القرن الماضي وقصد به استعمال الإعلام لتغليط الخصم وإخفاء الوقائع أو تحريفها.

ويعرّف  الكاتب الفرنسي "فريديك أنجيل" التضليل الإعلامي بأنه "التلاعب  بالرأي العام لأهداف سياسية أو دينية أو اقتصادية بمعلومات معالجة بوسائل ملتوية (9)، بمعنى أن (التضليل الاعلامي هو محأولة التلاعب بالمنطق لتغيير صورة الواقع، سواء بالإضافة له أو الحذف منه؛ لخلق واقع مزيف يتشابه شكلا ويختلف مضمونا مع الواقع الحقيقي لحض الأغلبية على تبني الواقع المزيف، بغرض تحويله إلى حقيقة؛ مما يؤدي إلى تغليب مصالح فئة ما غالبا ما تكون (الصفوة الحاكمة والمنتفعين من الكذب) على حساب المصالح الجمعية.

وتتجلى أهمية التضليل الإعلامي في الصورة السينمائية تحديدا، من حيث قدرتها على التأثير الجماهيري بما تمتلكه شاشة السينما من خصائص لها قوة كبيرة على جذب قطاعات واسعة من الجماهير، فللصورة السينمائية سطوة على المشاهد، وفيلم واحد يمكنه أن يغير قيم وعادات درج عليها المشاهدون له، إن لم يكن لحظيا فقد يكون تراكميا.

أيضا تؤثر السينما على إدراك الأفراد للنظم الحاكمة ورؤية الأفراد تجاه بعضهم البعض، وعلاقتهم بالمجتمع.

وحتى يحقق التضليل أهدافه فهو يتبع عدة طرق وأساليب، فأينما وجد نشاط دعائي وجد التضليل، ومن هذه الطرق على سبيل المثال لا الحصر:

أولا: ادعاء الحياد:

التحيز لطرف من أطراف الصراع يُفقد العمل موضوعيته، ومن هنا لابد أن يؤمن الطرف المطلوب تضليلة بحياد المؤسسة القائمة على الفعل الدعائي، بعيدا عن معترك المصالح الخاصة بها، وبالتالي يمكنها تفسير الظواهر بالقاء اللوم على الطرف المراد إدانته وتقبل الجماهير لهذه الفرضية.

ثأنيا: التكرار و التوكيد:

يتم استخدام التكرار دائما للتأثير على قيم الجماهير ومعتقداتها، فالتكرار يفوت فرص التوقف للتفكير أو المراجعة؛ مما يؤدي إلى ترسيخ وتعزيز الوضع القائم.

ثالثا: الحذف:

وهو عدم بث ونشر محتويات من شأنها توضيح الرؤى النهائية للمشاهد وإعطائه القدر اللازم من المعلومات الصحيحة، ويتم الحذف للتعتيم على حدث معين وتحويل نظر المشاهد إلى فاعل غير حقيقي للحدث.

 ولجأت الولايات الأمريكية وبريطأنيا في منتجاتها حول حربي العراق وأفغانستان إلى الكثير من حذف المعلومات، سواء في المتج الخبري أو السينمائي الترفيهي، لإخفاء حقيقة الأهدف حول الحرب على العراق وأفغأنستان.

رابعا: "الأملكة" و الشيطنة:

هذان المصطلحان المتضادان يتم توظيفهما على حسب التعامل مع حليف أو عدو، فيتم تبييض وتلميع صورة الحليف وإظهاره في صورة الملاك، وشيطنة العدو وتشويه صورته ووضعه موضع الشيطان، ومن باب الأملكه والشيطنة إلصاق الفشل بالآخر وإظهاره مظهر المتسبب في كل المصائب والخراب الذي يؤدي إلى الفشل.

وفي ضوء ما سبق، تم اختيار عينة من الأفلام التي أنتجت في الفترة من 2011 وحتى 2023، لدراسة ما قدمته هذه الأفلام من صورة للثورة المصرية والثوار.

ونظرا لكون الإنتاج السينمائي أقل كثافة من إنتاج الدراما التليفزيونية، فقد قسمنا الفترة الزمنية إلى مرحلتين: الأولى هي الفترة الممتدة من 2011 إلى 2013 (أي فترة حكم المجلس العسكري، ومرحلة وصول الدكتور محمد مرسي للحكم وصولا إلى انقلاب 3 يوليو 2013)، أما المرحلة الثانية فهي مرحلة ما بعد 2013 والممتدة حتى الآن.

نتناول هذه العينة بالوصف والتحليل لكل مكونات الصورة السينمائية، ومكونات العمل لقياس أثر اللغة السينمائية وتطبيقات اقترابها من كونها أفلام تندرج تحت قائمة الأعمال السياسية أم أنها مجرد مجموعة من الأعمال الدعائية أنتجت لصالح طرف من اطراف الصراع، وفقا لما تقدم من تعريفات للفيلم السياسي والفيلم الدعائي والفارق بينهما.

أولا: مرحلة  2011 إلى 2013

تباينت آراء النقاد للأفلام التي أنتجت عن ثورة يناير في الفترة من 2011 إلى 2013، ففي الوقت الذي اتهم معظم النقاد هذه الأفلام بالتعجل ومحاولة القفز على الواقع وتبييض الوجوه وغسل الأيدي من نظام مبارك، أشاد البعض الآخر بهذه الأفلام واعتبرها معبرة عن ثورة يناير، وإن اتفق الجميع على أن معظم هذه الأفلام جاء دون مستوى طموحات شعب خرج لتوه من تحت حكم ثلاثين عاما لحزب واحد ورئيس خُلع بعدما دمر الحياة السياسية تماما وجمّد كل شيء في حياة المصريين.

وبتحليل افلام تلك الفترة سنجد أنها تنأولت أحداث الثورة بصورة تتسم بالآتي:

  1. سطحية المعالجة الفنية والدرامية، وعدم الوضوح في الرسالة المراد إيصالها للجمهور بتبني أو رفض الثورة.
  2. محأولة إيجاد أعذار لبعض من أجرموا في حق الثوار خلال أيام الثورة من الشرطة و البلطجية.
  3. إظهار أن القطاع لأكبر من الشعب لم يكن متبنيا للثورة بل انخرط البعض فيها وفقا للحظة فارقة أنهت حياته في بعض الأحيان .
  4. إظهار أنتهازية المهمشين وتعاملهم مع الثورة بمنطق الاسترزاق.
  5. جناية الثورة على قطاعات كثيرة ممن لا تعنيهم التفاعلات السياسية مع دوائر الحكم إلا في إطار ضيق يرتبط بالأثر المباشر لهذه التفاعلات، وربما لا يتعدى أثر الحصول على رغيف الخبز.

"18 يوم".. أعمال سطحية حول الثورة

في مقال له بعنوأن "ترزية سينما الثورة"، يقول المخرج المصري الراحل محمد خان "يصيب بعض السينمائيين فيروس تحقيق النجاح الذاتي والعالمية على قفا الثورة بفيلم روائي، قصيرا كان أو طويلا بالاشتراك في مهرجانات دولية قد يغريها قبول أي فيلم عن الثورة.

وهكذا مثل الترزية تفصل بعض الأفلام في عجل للحاق بمهرجأن ما أو بآخر دون تفرقة بينها تحت راية فيلم يكاد يلمس ويعجز عن اعتناق ثورة لا تزال في مهدها فتتحول رؤيتهم الناقصة إلى سلعة مغشوشة بسطحية، أو مجرد ردود أفعال عشوائية أو اللجوء إلى تخيلات مفبركة".

ينطبق كلام خأن تماما على مجموعة الافلام القصيرة التي قدمت تحت عنوان واحد هو (18 يوم)، حيث احتوت السلسلة على 10 أفلام لعشرة مخرجين تناولت كلها، بطرق مختلفة، قصصا تتعلق بأحداث 18 يوم قضاها المصريون في ميادين الثورة بين يومي 25 يناير و11 فبراير.

الفكرة لم تكن جديدة على السينما المصرية، فقد  قدمها كل من صلاح أبوسيف وعزالدين ذو الفقار وحسن الصيفي في مجموعة البنات والصيف، كما قدمها كل من حسن الإمام وفطين عبد الوهاب وكمال الشيخ في فيلم ثلاث لصوص.

الفارق بين التجارب السابقة وبين تجربة أفلام "18 يوم" هو أن تجارب شراكة المخرجين في سلسلة قصيرة تحت عنوان واحد جاءت كلها متسقة وغير متفاوته في تقديم الفكرة الخاصة بكل فيلم، بينما في تجربة مجموعة (18) بدا أن التعاون جاء بين أشخاص متفاوتين فيما بينهم في طرق الإخراج والكتابة والتمثيل وحتى في رؤية كل منهم للثورة وانعكاسات أحداثها على الناس.

تمضي الافلام العشرة في نسج خيوطها وفق  تقسيمات للناس، كمؤيدين أومعارضين للثورة، وتدور بعض أحداثها حول أشخاص وجدوا في ظروف الثورة دون أن يكون لهم دخل في أحداثها، وإن ألقت هذه الأحداث بظلالها على اتخاذهم موقف ما مع أو ضد الثورة، فهم تأثروا لحظيا دون أن يكونوا منخرطين من الأصل في تيار من التيارين الأساسيين فيها.

وتبدأ سلسلة "18 يوم" بفيلم "احتباس"، الذي يقدم لنا غرفة لمرضى نفسيين في أحد المستشفيات، وبمحض الصدفة، كانوا جميعهم -عدا واحد- مرضى بتوجهات سياسية مناهضة للنظام، أتوا من خلفيات اجتماعية متعددة، ما بين شخصيّة الشاب المتديّن، والمذيع المناهض للحكومة، وآخرين بين مدرس تاريخ، وعقيد في الشرطة ،وأحد رجال الأعمال وغيرهم.

الفيلم لا يعدو مجرد "اسكتش" مسرحي طويل لمجموعة من هواة تجمعوا ليحكوا لنا حكاية قيام الثورة تحت مظلة الدولة العميقة وانتهازية المجموعات التي عملت بالحقل السياسي خلال المرحلة السابقة، ولا ينسى الفيلم -الذي أنتج عام 2011- أن يقدم لنا الفصيل الإسلامي في الثورة كمجرد مجموعة انتهازية قفزت من مقاعد المتفرجين إلى الصف الثوري حين اعتقدت أن الثورة نجحت في تحقيق أهدافها.

تحليل لبعض  مشاهد فيلم "احتباس"

في أحد المشاهد، عندما علم الضابط بقيام احتجاجات، صرخ: "ده كدب كدب.. دي مؤامرة.. أكيد الجماعة اياهم هم اللي عملوها الله يخربيتكوا هتولعوا البلد".

وفي مشهد آخر، يعترض أحد شباب الثورة على الضابط، قائلا: "حرام عليك الناس اللي خرجت دي موش شبهه (الشعب) دول شبهي أنا"

تحليل مضمون المشهدين:

الحركة الإسلامية لا تشبه الشعب، بمعنى (نفي الوطنية والأنتماء عن الإسلاميين عموما ومن ثم نفي وجودهم في الثورة)

القياس على الفكرة الدعائية:

تكرار لفكرة "الإخوان ركبوا الثورة" وشيطنة الكتلة الصلبة في قيام ونجاح الثورة، وتكرار فكرة عدم التحاق الإخوان بالثورة الا متأخرين بعد ضمان نجاح الحراك الثوري.

مشهد النهاية الأسوأ:

مشهد النهاية في فيلم احتباس

وفي مشهد النهاية من فيلم "احتباس"، نسمع الحوار التالي:   

– من دلوقتي اللي عأوز ينضم لنا يتفضل

– إنتوا إنتوا مين؟

– إحنا شباب الثورة

  • أنا معاكوا أخوكم عمر أنا هقف ورا علشان ما نضايقش الجماعة
  • وأنا كمان يمكن يكون فيها فلوس
  • وأنا مصدقكوا وأنا كمان

تحليل مضمون المشهد:

– هذا المشهد يكاد يكون من أكثر المشاهد تضليلا، لاختزاله المحور الرئيسي لقيام الثورة في مجموعة الشباب .. وهو ما تردد في كل وسائل الإعلام خلال الـ 18 يوما، بما ينفي عن بقية الشعب انخراطهم في الثورة.

– كما يبدو واضحا "شيطنة" المنضمين للثورة من فئات الشعب من غير الليبراليين (الشباب)، فالباقون انضموا إما لمصلحة كالمواطن العادي صاحب مقولة "يمكن يكون فيها فلوس"، أو المواطن المنساق "أنا بثق فيك"، أو الإسلامي الانتهازي المترقب للقفز على السلطة.

وبالقياس، يمكن القول بأن الفيلم الأول من أفلام 18 يوم هو فيلم دعائي بامتياز ضد فكرة الثورة، فالبطل الثوري في الفيلم مجرد شاب حالم لا خبرة له، ومن خلفه ما زال صوت الأخ الأكبر (الدولة العميقة) يوجه الجميع،  بينما المتربصون لمجرد استبدال عهد من الفساد بعهد جديد من الفساد (الإسلاميون)، في محاولة لخلافة الدولة العميقة، في حين أن باقي الشعب ينتظر مطالب فئوية (يمكن يكون فيها فلوس) أو مجرد جزء من القطيع (أنا بثق فيك) 

وعموما، فهذه الأفلام العشرة القصيرة عكست مواقف بعض من أخرجها وعمل بها، فبعضهم كانت له مواقف متذبذبة من الثورة، وبعضهم كان حاسما لأمره منها، ومع ذلك جاءت رسائل الأفلام العشرة في مجملها دعاية مضادة لفكرة الثورة، ما بين التبرير للبلطجية الذين خرجوا يوم "موقعة الجمل" في فيلم "تحرير 2-2" الذي يبرر فعل أحد المشاركين في موقعة الجمل ضد الثوار والعائد لزوجته بخمسين جنيها ملوثة بالدم، ما يعني أن سبب اشتراكه في الجرم هو الجهل والحاجة وتلاعب الدولة به وحشوها رأسه بوهم الاستقرار.

ولا تخل الأفلام العشرة من إدانة تصل حد اتهام المصريين بأنهم ليسوا أهلا للثورة وأنهم يبدلون مواقفهم من أجل المصلحة، وهو ما عبر عنه الكاتب بلال فضل في فيلم "إن جالك الطوفان"، فوفقا لفكرة هذا الفيلم تم تشويه مفهوم الثورة وشيطنة القطاع الأكبر من الجماهير المشاركة فيها، حيث قسموا أنفسهم: جزء مع الثورة يبيع أعلام مصر، وجزء مع الدولة يبيع صور مبارك، وكلاهما احترف الهتاف للطرف الذي يتكسب من ورائه.

مجمل الأفلام العشرة، تخرج منها بسؤال واحد: هل كانت هناك ثورة فعلا؟ أم أنها لحظة عشوائية اصطف فيها الناس في مجموعتين متضادتين؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى