الثورة المضادة وتشويه ثورة يناير .. السينما الوثائقية نموذجا
- نفي الوطنية عن الإخوان والتخويف منهم.. رسالة أساسية للإنتاج الوثائقي بين 2011 و 2024
- سلسلتان من الأفلام وثقتا للثورة والانقلاب.. وكلها كانت بعيدة عن إدانة العسكر بشكل مباشر
دراسة من إعداد: إمام الليثي:
مقدمة:
"لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ" (التوبة:47)
"وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ". (التوبة 107)
آيتان تؤرخان لأول ظهور للثورة المضادة، إن لم يكن في المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط، فربما بداية ظهورها بمعناها ومرتكزاتها وفلسفتها في العالم كله، فبمجرد أن خرج النبي (ص) إلى المدينة، بعد اضطهاد الدعوة الإسلامية داخل مكة ومحاولات القضاء عليها، جاءت بشائر انتصار الإسلام بظهور مجتمع المدينة في بداياته، وهنا نشأت النواة الأولى لما يمكن أن نسميه بـ"لثورة المضادة"، بقيادة رأس المنافقين، عبد الله بن أبي بن سلول.
ارتكزت حركة "بن سلول" في المدينة، على أسس اجتماعية وسياسية ونفسية، كلما توفرت في أي بيئة كانت بمثابة بذرة للثورة المضادة، لكن تناول القرآن لسلوك المنافقين وتعرية أعمالهم ونفسياتهم بالوصف الدقيق، وضعنا أمام نموذج "قدوة" للثورات المضادة فيما بعد.
تسلل بن سلول وأتباعه داخل الصف المؤمن، وأعلنوا ولاءهم للدعوة الجديدة، وحملوا شعارات الإسلام، وكانوا في الصفوف الأولى للصلاة، لكنهم في المقابل نظموا حملات دعائية لزعزعة الصف المسلم وتمزيق وحدته، وألّبوا الأقلية اليهودية في المدينة وحرضوها على المواجهة مع المجتمع المسلم الناشيء، وروجوا للأكاذيب حول المشروع الإسلامي (وهو ثورة بمفهوم العصر) والتشكيك في قيادته.
لم يتوقف أمر الثورة المضادة في المدينة عند هذه الحدود، بل استخدم أقطابها وسائل المشروع الثوري (الإسلام) في محاولة هدمه، وبنوا مسجدا أرادوا من النبي أن يصلي فيه (عرف بمسجد الضرار وفق تعريف القرآن)، ولكنه صلى الله عليه وسلم أُخبر بالوحي أن المسجد يستخدم لتجميع المنافقين؛ في محاولة لاجهاض الدعوة الإسلامية الناشئة (الحركة الثورية)، فأمر (ص) بهدمه.
وكما أشرنا من قبل، فإن الثورات المضادة تنشأ مع انطلاقة كل ثورة وتدافعها، وتستخدم كل الوسائل للإجهاز عليها.
في مصر، تحركت الثورة المضادة على مرحلتين: المرحلة الأولى تخلصت ظاهريا من رأس النظام (حسني مبارك) وأجبرته على التنحي، مع الإبقاء على كل أدوات النظام ومؤسساته في حالة جاهزية وكمون، لتصل إلى المرحلة الثانية وهي مرحلة الإجهاز على الثورة والقضاء عليها بعد ثلاثة أعوام من إسقاط رأس النظام.
تساؤلات الدراسة:
وفي دراستنا الخاصة بالدراما التليفزيونية الرمضانية، أشرنا إلى توظيفها في الثورة المضادة لتشويه الثورة والثوار، وإثارة الشكوك حول أهداف الثوار وانتمائهم الوطني، فضلا عن وصم الحراك الثوري بالفوضى، وخلق ارتباط شرطي لصورة ذهنية بين مقولة كونداليزا رايس عن "الفوضى الخلاقة"، وبين ماحدث في يناير وما بعدها.
وسنحاول في هذه الدراسة أن نتناول دور الثورة المضادة في توجيه الانتاج الوثائقي ، من خلال الوصف والتحليل لمجموعة من الأفلام الوثائقية، التي أُنتجت بداية من العام 2011 بعد ثورة يناير وحتى العام 2023؛ لنجيب على الأسئلة التالية:
- كيف قدم الإنتاج الوثائقي الثورة والثوار قبل انقلاب 3 يوليو وبعده؟
- ما هي صورة المؤسسات الأمنية في السينما الوثائقية قبل انقلاب 3 يوليو وبعده؟
- كيف قدمت السينما الوثائقية أبناء الحركة الإسلامية عموما والإخوان تحديدا بعد الثورة؟
- إلى أي مدى عبرت الرسائل الإعلامية لهذا الانتاج الوثائقي عن توجهات الثورة المضادة؟
أولا: إشكالية التعريف: وثائقي أم تسجيلي؟
بغض النظر عن معضلات تعريف الفيلم الوثائقي، نتطرّق سريعاً إلى مدى جديّة التفرقة بين لفظة «الوثائقي» و«التسجيلي»، فالكلمة اللاتينية لكل من وثائقي أو تسجيلي واحدة Documentary ومصدرها كلمة Document أي «الوثيقة».
لم تثر الكلمة أي لَبس أو تشوّش في مدلولها في اللغة الإنجليزية أو الفرنسية، إلا أن هذا التمايُز جاء عند ترجمة المُصطلح إلى اللغة العربية، نظراً لاختلاف مفهوم المترجمين عن اللغة الأصلية، سواء الإنجليزية أو الفرنسية، كذلك كترجمة حَرفيّة، أو مُستخلصَة من سياق عام لمفهوم هذا الشكل الفيلمي.
فالتفرقة جاءت نتيجة ترجمة المصطلح إلى العربية، والجهة التي اعتمدته، والمدرسة التي نقلت عنها، ففي مصر كانت كلمة «التسجيلي» هي التي استقرت، لأن أغلب الترجمات الأولى كانت عن الإنجليزية، بينما الترجمات السورية واللبنانية قد استندت أكثر إلى الترجمة عن الفرنسية، فجاءت كلمة «الوثائقي»، فلا يعدو الأمر سوى اختلاف في صياغة المفردة المُترجَمة ليس أكثر.(1)
ما هو الفيلم الوثائقي؟
إحدى الإجابات السهلة والتقليدية لهذا السؤال هي: ليس فيلمًا سينمائيًّا، أو على الأقل ليس فيلمًا سينمائيًّا بالمعنى الذي ينطبق على فيلم «حرب النجوم»، إلا عندما يكون فيلمًا ذا صبغة درامية، مثل فيلم «فهرنهايت ٩ / ١١» (٢٠٠٤)، الذي حطم جميع الأرقام القياسية للأفلام الوثائقية. وإحدى الإجابات الأخرى السهلة والشائعة هي: فيلم يخلو من الهزل، فيلم جاد، يحاول أن يعلمك شيئًا ما، ما لم يكن من نوعية الأفلام التي على شاكلة فيلم ستاسي بيرالتا «العمالقة الراكبون» (٢٠٠٤)، الذي يأخذك في رحلة مثيرة عبر تاريخ التزلج على الماء.
فالعديد من الأفلام الوثائقية أعدت بدهاء بهدف واضح هو الإمتاع، والحق أن معظم صناع الأفلام الوثائقية يعتبرون أنفسهم قاصِّين، لا صحفيين.(2)
وربما تكون إحدى الإجابات البسيطة: فيلم عن الحياة الواقعية، وتلك هي المشكلة تحديدًا: فالأفلام الوثائقية تدور «حول» الحياة الواقعية، لكنها ليست حياة واقعية، بل إنها ليست حتى نوافذ على الحياة الواقعية، إنها لوحات للحياة الواقعية تستخدم الواقع كمادة خام لها، ويعدها فنانون وتقنيون يتخذون قرارات لا حصر لها بشأن اختيار القصة، ولمن ستروى، والهدف منها.(3)
تاريخ الفيلم التسجيلي/الوثائقي في مصر
عرفت مصر السينما التسجيلية (الوثائقية) منذ أوائل القرن العشرين، نتيجة بعض المحاولات الفردية، التي حاولت تسجيل وقائع الحياة اليومية، كما اعتمدت السينما التسجيلية في مصر في بدايتها على الأجانب.
ففي العشرينيات من القرن الماضي ظهرت الأفلام القصيرة والتسجيلية، وبالتالي كانت مصر هي الدولة العربية الوحيدة التي اهتمت بالفن السينمائي بصفة عامة وبالأفلام التسجيلية على وجه الخصوص، وذلك نتيجة اهتمام (طلعت حرب باشا) بقطاع السينما بصفة عامة، حيث كانت معظم هذه الأفلام تخدم الدعاية لمشروعات طلعت حرب الاقتصادية. (4)
وإذا كان نشاط السينما التسجيلية قي مصر بدأ بالأجانب، إلا أن المصريين اقتحموا المجال على يد المخرج محمد بيومي، الذي بادر بإعداد جريدة سينمائية باسم (آمون)، وكان أول عدد منها يتضمن مشاهد لعودة سعد زغلول من المنفى عام 1923م. (5)
وقد أدرك القائمون على انقلاب يوليو 1952م، مدى أهمية السينما التسجيلية في الدعاية لمشروعهم وتوضيح الخط السياسي ولاقتصادي والاجتماعي لحركتهم، ولتغيير أحوال البلاد فانشأوا جهازا لمراقبة الأفلام التسجيلية، ووحدة للإنتاج السينمائي، إلا أنهم فشلوا في استثماره بطريقة جيدة بسبب البيروقراطية وتنازع الاختصاصات وتعدد جهات الإشراف. (6)
ثانيا: سينما يناير وما بعدها
الراصد لحركة الإنتاج الوثائقي عن ثورة يناير 2011، بعد تنحي مبارك وتسلم المجلس العسكري لزمام المرحلة الانتقالية، سيجد مسارين أحدهما عكس الآخر، من خلال فئتين مختلفتين من صناع السينما الوثائقية، وهما:
أولا: مسار احتفائي راصد للأحداث حتى بداية انقلاب الثالث من يوليو 2014م، ويتزعم هذا المسار الشركات المنتجة لصالح شبكة الجزيرة.
ثانيا: مسار آخر راصد للثورة ومنحاز لفكرة تشويه الثوار، وتحديدا كتلة الحركة الإسلامية، وفي القلب منها الإخوان المسلمون.
ولكل من هذين المسارين خصائص مختلفة، من حيث رؤية الحدث والعوامل المؤثرة في العملية الإنتاجية، ومدى قرب أو بعد القائمين على الصناعة في كل مسار من الدولة العميقة، وهو ما ظهر جليا في اختلاف الرسائل التي خرجت من كل مسار، وهو ما سنتناوله بالتحليل والوصف في هذه الورقة .
1- مسار السينما الوثائقية قبل 2014:
في الأول من يناير عام 2007م، أُنشئت قناة "الجزيرة الوثائقية"؛ لتجعل من الفيلم الوثائقي محط اهتمام منطقة الشرق الأوسط وتوسع من جماهيريته، بعدما كان مجرد ملء فراغ زمني في القنوات التلفزيونية لمجرد تسديد ساعات البث وشغلها.
وبسبب هذه الانطلاقة، ظهرت العديد من شركات الإنتاج في مصر والدول العربية تعمل بصناعة الافلام الوثائقية، ومثلت هذه الشركات في مصر مسارا ابتعد بشكل كبير عن المصالح المباشرة مع دولة مبارك.
وبمجيء ثورة يناير وتنحي مبارك، انطلقت هذه الشركات لتعبر عن الثورة المصرية خصوصا أن معظم القائمين عليها ممن عارضوا النظام السابق، سواء معارضة مباشرة وانخراطا في الأحزاب والتيارات المدنية، أو بالانتماء للحركة الإسلامية، أو حتى بالرفض العام لمناخ دولة مبارك دون توجه مباشر.
كان معظم هؤلاء، سواء مخرجين أو منتجين أو باحثين، موجودين في الميدان بكاميراتهم ورؤيتهم التي حولوها إلى أفلام تعبر عن الثور،ة وتنطلق إلى شاشة "الجزيرة"، لتبدأ مرحلة رواية الثورة بدعم من قناة الجزيرة، وبإيمان من القائمين على الإنتاج بضرورة توثيق ما حدث.
العيب الوحيد في منتجات تلك الفترة تمثل في التكرار والتشابه الشديد بين السلاسل التي قُدّمت عن الثورة، فكلها أفلام دارت عن الأسباب المؤدية للثورة، واللحظات الأخيرة قبل سقوط مبارك، وتعظيم دور الشباب في الثورة، وترميز أشخاص بعينهم من الميدان.
ومن أمثلة الأفلام التي تناولت ثورة يناير، من إنتاج "الجزيرة الوثائقية"، في المرحلة التي دعمت فيها الثورة، ما يلي:
"الطريق الى التحرير".. و "مبارك وسنينه":
سلسلتان من الأفلام الوثائقية، الأولى بعنوان (الطريق إلى التحرير) مكونة من ثلاثة أجزاء، كل جزء منها يمثل عشرية من حكم مبارك، فالجزء الأول تناول مرحلة صعود مبارك إلى الحكم بعد مقتل السادات، وكيفية استقبال الشارع للأمر، بينما يبدأ الجزء الثاني وهوبعنوان (الجمود) بمرحلة حرب تحرير الكويت وما تلاها من جمود سياسي وقبضة أمنية حجّمت أي معارضه حقيقية، وتناول الجزء الثالث وهو بعنوان (الوريث) بداية العشرية الثالثة لحكمه وحتى قيام الثورة.
لم تختلف السلسلة الثانية (مبارك وسنيه)عن الثلاثية الأولى، ولكنها جاءت في جزأين، تحدث الأول عن السنوات العشرين الأولى من حكم مبارك، في حين ركز الثاني على التوريث والسنوات الأخيرة من حكم مبارك وأيام ثورة يناير بصورة أكبر، وتميز بوجود مساحة من التحليل النفسي لشخصية مبارك في كل مرحلة من المراحل.
الخلاصة: تميزت تلك الفترة بتوثيق كل الجرائم التي ارتكبت بحق الثوار من قبل داخلية مبارك، سواء قبل الثورة، أو أثناءها وتميزت بكثافة الإنتاج.
منتجو هذه الموجة كانوا من المؤمنين بالثورة، لذلك كانت روايتهم أكثر انحيازا لتمجيد الثورة والثوار.
وقد امتازت هذه الموجة من الأفلام بالسخرية من الروايات الرسمية لإعلام النظام، ولم تظهر فيها الانشقاقات التي طالت الصف الثوري. وكل الرسائل التي تم تصديرها للجماهير في تلك الفترة عن الثورة كانت إيجابية وداعمة لاستمررها.
2- مسار السينما الوثائقية بعد 2014:
بعد انقلاب الثالث من يوليو 2013، اختلف الأمر بالنسبة للإنتاج الوثائقي المصري، فبعض الأفلام اتجهت إلى فضح الممارسات القمعية والمجازر التي ارتكبها الجيش والشرطة في حق المعتصمين بميداني رابعة والنهضة، وقدمت توثيقا جيدا لما حدث. وكان أبرز هذه الأفلام (عمارة المنوفية) و(إشارة صفراء) و(بعد الخامسة) وإن اقتصرت هذه الأفلام على مجرد توثيق المجازر ورواية ما حدث.
وظهرت موجة أخرى من الأفلام الوثائقية كان محورها الأساسي أن جماعة الإخوان المسلمين فشلت في إدارة الدولة، رغم فوزها في ثلاثة استحقاقات انتخابية، وأنها تسببت في كارثة الانقلاب بنهاية الأمر. وحملت هذه الأفلام مجموعة من الرسائل أبرزها:
- الإخوان فشلة
- الإخون خانوا الثورة وليسوا شركاء أصيلين فيها
- الإخوان أرادوا الاستحواذ على الثورة.
- الإخوان سبب الأزمات الاقتصادية والتفكك المجتمعي
وسنتناول ثلاثة أفلام من هذه الموجة، لجهات إنتاجية مختلفة، تصب جميعها في نفس الرسائل، وهي رسائل شوهت فكرة الثورة من الأساس ودعمت ثنائية (عسكر- إخوان)، وخلقت صورة ذهنية وحاجزا نفسيا لدى الجماهير يمنعها في المستقبل القريب من القيام بأي حراك يؤدي إلى تغيير النظام.
النتيجة النهائية وفق هذه الأفلام هي: إما صعود "الإخوان" للحكم، أو استمرار "العسكر" مع خلق رابط ذهني يشير إلى أن كلا الفريقين يحملان نفس التهديد من حيث الاستحواذ والديكتاتورية والقمع، مع إظهار أن القمع العسكري أهون من القمع الديني الثيوقراطي، وفقا للموروث الشعبي.
أولا: فيلم "المندس":
الفيلم من إنتاج قناة "الجزيرة الوثائقية"، وكان عرضه الأول في 11 أكتوبر 2013، أي بعد مذبحة رابعة بنحو شهرين، لكن وفقا لما تقتضيه صناعة الأفلام الوثائقية، يمكن أن يتم تحديد بداية الإنتاج بثمانية أشهر قبل الإصدار.
يدور الفيلم حول ظاهرة البلطجة ودور أجهزة الدولة في إفشال ثورة يناير، التي طفت إلى السطح مع إعلان مبارك تخليه عن رئاسة الجمهورية، ويركز بصورة كبيرة على أحداث محمد محمود والسفارة الإسرائيلية ومجلس الوزراء، وحملة "عسكر كاذبون"، وصولا إلى أحداث الاتحادية.
وفقا لرواية الفيلم يصطحبنا مهند، أحد الشباب الذين شاركوا في ثورة يناير، كراوٍ للفيلم ومعلق على الأحداث التي قام بتصويرها منذ موقعة الجمل وحتى فض اعتصام رابعة. وخلال تلك الأحداث يوثق لنا كيف طرأت له الفكرة أن يتنقل مندسا بين الأطراف المختلفة، وأن يكون في القلب من الأحداث، ويصور من الطرف الآخر حيث البلطجية يتعاونون مع الأجهزة الأمنية (جيش/شرطة) ويرصد لنا أيضا اندساسات البلطجية وسط المتظاهرين.
لم تقدم رواية مهند جديدا عما هو معروف، بل كانت مجرد سرد موثق بالصورة، وهذه أيضا كانت معروفة ومتداولة، ووجوه البلطجية تداولها الكثير من النشطاء، ولكن مهندا كتبت له رواية تم عرضها علينا، وكان الهدف منها رسالة أساسية بدأت منذ اللقطة الأولى في الفيلم "الإخوان لا يصلحون لإدارة دكان بقالة"، كونهم لم يدركوا حجم المخاطر التي تمثلها الأجهزة الأمنية على الثورة. وهي رسالة قريبة من الرسالة التي أعلنها فيما بعد رئيس الوزراء ووزير خارجية قطر الأسبق، الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، ضمن حديث لجريدة "القبس" الكويتية، في 4 مارس 2022، حيث قال: "كانوا مساكين، ومستواهم لا يرقى للحدث والمناقشات.. يصلحون لإدارة دكان وليس للدولة".
تحليل لبعض مشاهد الفيلم
المشهد الأول:
يقول مهند: "طلبت أقابل حد من الرئاسة فقالوا لي هنقابلك بره القصر علشان القصر متراقب، فقلت ازاي رئيس جمهورية قاعد في قصر مراقب وهو ما عندوش كونترول عليه؟. وبعدين رجعوا قالوا خلاص أمنا دخولك القصر.
كنت خايف من الإخوان فجهزت ساعة فيها كاميرا، وميدالية فيها كاميرا وقلت: لو عديت بدول ودخلت القصر يبقى كده خلاص البلد كلها متسلمه يعني.. فتشوني تفتيش تفتيش يعني، ومع ذلك دخلت بالكاميرتين".
تحليل مضمون المشهد:
– لم يستطع الإخوان السيطرة على أجهزة الدولة العميقة الممثلة في العسكر
– الإخوان يديرون الدولة بضعف وقلة حيلة.
– يمكن لأي مبتديء أو هاو أن يقوم باختراق القصر وتصوير ما شاء وليس العسكر فقط.




