دراسات

الثورة المضادة وتشوية ثورة يناير.. دراما التليفزيون نموذجا

  • دولة "يوليو" حرصت على إعادة تشكيل الشخصية المصرية و"تدجينها" من خلال الدراما التليفزيونية
  • الدراما التليفزيونية شكلت عنصرا مهما لتشكيل الهوية القومية المصرية منذ مطلع ستينيات القرن العشرين
  • الإجهاز على ثورة يناير اعتمد على 3 مرتكزات: القبضة الأمنية والتشويه الإعلامي والأقليات المتساندة
  • هناك خط ممتد لتشويه الثورة في الأعمال الدرامية منذ 2011 سواء عن عمد أو بتوافق مع أجهزة الدولة
  • 7 رسائل قدمتها دراما 2012 التليفزيونية أخطرها عزل الإسلاميين وتشويههم وامتداح "البلطجة"!
  • مسلسلات 2012 ركزت على فض علاقة الكتلة الحرجة للثورة بالشعب والترويج للمحاكمات القانونية
  • دراما ما بعد 2013 ركزت على التشكيك في الثورة وتحسين صورة الأجهزة العسكرية وتخوين المعارضة

 

دراسة من إعداد- إمام الليثي:

مقدمة:

تخبرنا قوانين نيوتن للحركة أن "لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه".. كذلك الثوارات عندما تقوم فهي تواجه برد فعل من أطراف الدولة التي خرجت عليها، فلكل ثورة ثورة مضادة، تأتي كرد فعل من جماعات المصالح التي تدافع عن سلطاتها التي قامت الثورة لتسلبها منها.

الصراع الحتمي ما بين الثورتين (الأصلية والمضادة) يحسم عادة لصالح الطرف الأكثر قدرة على امتلاك وتوجيه المؤسسات الفاعلة على أرض الصراع، فإذا لم تتمكن الثورة من إنشاء مؤسسات موازية وقوية تواجه الدولة العميقة في مجالي الأمن والإعلام فسيكون رد الفعل لصالح الثورة المضادة أكثر غلبة، وينتهي الأمر إلى فشل الثورة أو على الأقل هزيمتها إلى حين.

نجاح الثورة المضادة والسيطرة المؤسساتية للدولة العميقة ليست كافيه لاكتمال عملية الانتصار، فالثورة المضادة تعي ذلك جيدا وإلا لما قامت عليها ثورة من الأصل، فبعد النجاح الجزئي لابد من القضاء على روح الثورة، ومنعها من ميلاد جديد على المدى القريب.

بمعنى ادق لابد من تحصين "الدولة العميقة" من أي حراك ثوري محتمل، وهنا لابد من شيطنة الفكرة الثورية وقتل بذورها في النفوس.

وفي مصر، اعتمدت عملية الاجهاز على ثورة يناير على ثلاث مرتكزات أساسية تتمثل في:

أولا: القبضة الأمنية للجيش والشرطة، والتي استخدمت العنف المفرط في مواجهة الثوار منذ اليوم الأول لنجاح الثورة، وتمثل ذلك في محطات عده (محمد محمود- ماسبيرو- العباسية)، لتصل ذروتها في مجازر ( الحرس الجمهوري -المنصة- رابعة).

ثانيا: استخدام الاعلام في شيطنة الثورة ووصمها بكل نقيصة، من اتهامها بإثارة الفوضى الأمنية، واتهام الثوار بأنهم مجموع من العملاء المأجورين، الذين أرادوا الإجهاز على مؤسسات الدولة وتخريبها، إضافة إلى تصوير الجيش كحامي للثورة ومدافع عنها وعن الأمن القومي، و شيطنة الفصيل الذي مثل النواة الصلبة للحراك، وغيرها مما سناقشه في هذه الورقة.

ثالثا: استخدام الأقليات المتساندة،  لتقوم بدور الظهير الشعبي للثورة المضادة، ومنها: الطوائف الدينية الهامشية، والمجموعات الخارجة على القانون (البلطجية)، وقيادات الجيش الذين تحولوا من الولاء للوطن إلى "الولاء للجنرال"، عبر رحلة طويلة بدأت من "كامب ديفيد".

وقد خصصنا هذه الورقة لدراسة جزء من الجانب الإعلامي، الذي استخدمه عسكر مصر في شيطنة ثورة يناير، ممثلا في دراما المسلسلات التليفزيونية التي عرضت في شهر رمضان بدية من العام 2011 وحتى عام 2019.

ومن خلال الوصف والتحليل سنحاول الإجابة على عدة أسئلة من خلال عينة مختارة من المسلسلات، أذيعت عبر الحيز الزمني للدراسة:

  1. كيف قدمت الدراما التليفزيونية الثورة والثوار قبل انقلاب 3 يوليو وبعده؟
  2. كيف كانت صورة المؤسسات الأمنية في الدراما الرمضانية قبل انقلاب 3 يوليو وبعده؟
  3. بأي صورة قدمت الدراما الرمضانية أبناء الحركة الإسلامية عموما والإخوان المسلمين تحديدا؟
  4. هل هناك فروق بين صورة البلطجي والثائر في الدراما الرمضانية؟
  5. كيف تم تعظيم دور الأقليات في دراما رمضان؟
  6. إلى أي مدى عبرت الرسائل الاعلامية لهذه الدراما عن توجهات الثورة المضادة؟

 

ماهي الدراما التلفزيوينة وما هي مقوماتها؟

الدراما التليفزيونية هي فن العامة، لسهولة وصولها للجميع، وهي وسيلة من وسائل نقل التجارب الإنسانية، وتقديم الأفكار، وتسهم كذلك في الحكمة العملية وتقدم رؤية للحياة.

وعلى حد تعبير أرسطو "الأشياء التي ننظر إليها بحد ذاتها نُسر بتأملها عندما نراها تقلد بأمانه ودقة"(1)، فنحن حين نشاهد الأعمال الدرامية لا نملك إلا التورط العاطفي بقدر ما، فالإنسان يطمع أن يكون أكثر من كيانه الفردي، فهو يريد أن يحوي العلم المحيط بداخله، ونحن  نشاهد ونعاني ونتوحد أحيانا مع البطل، نبكي أحيانا أو نضحك، نُسر أو نتوجس خيفة، فالدراما تمنحنا الحرية الشعورية التي لا نحصل عليها في الحياة الطبيعية (2).

وتقوم الدراما على عدة دعائم أساسية، كما يوردها الناقد (عدلي محمد رضا)، نقلا عن (مذكرات في قواعد الدراما والكتابة لفتحي زكي) وهي:

  • يجب أن تحمل الفكرة قيما إنسانية.
  • يجب أن تكون صادقة ولها حقيقة موضوعية بين الناس.
  • يجب أن تسعى لإثارة العواطف
  • بجب ـأن تكون مركزة وواضحة بالنسبة للجمهور(3)

وما من عمل درامي إلا وتسبقه فكرة، وله رسالة اجتماعية أو سياسية تقوم على تتبع معاناة الناس ورصدها، وإصلاح خللها، أو التبشير بها من وجهة نظر صانع العمل، انطلاقا من مجموعة القيم الحاكمة له، والإيديولوجية التي ينتهجها، أو تلك التي ينتهجها من يموّل العمل أو يتحكم في إنتاجه.

ومنذ إنشاء التليفزيون المصري عام 1960 وعت الدولة المصرية جيدا دور الدراما التليفزيونية في بث الرسائل الخاصة بالترويج للدولة والحكم، من خلال إعادة تشكيل الشخصية المصرية، ومحاولة تكوين سلوك شخصي وجماعي داعم لاستمرارية الدولة وترسيخ القيم والمفاهيم الخاصة برؤية الدولة والمجتمع (4).

نشأة الدراما الرمضانية في مصر وأهدافها

للدراما الرمضانية خصوصية لدى المشاهد العربي عموما، والمصري خصوصا، فالتليفزيون المصري مع بداياته، وتحديدا في رمضان  عام 1961، تنبه إلى تجربة الدراما الإذاعية وارتباط المستمعين بها، فراح يستنسخ التجربة في أول موسم رمضاني يمر على افتتاح التليفزيون، وقدم مسلسلا وحيدا في ذلك العام وهو (عذراء قريش)، ليتوالى بعدها الإنتاج الدرامي  التليفزيوني  ويتنوع.

منذ ذلك التاريخ، شكلت الدراما التليفزيونية عنصرا من عناصر تشكيل الهوية القومية المصرية، وارتبطت المسلسلات في فترة الستينيات والسبعينيات بالأجندة القومية والتنموية للدولة في عهد عبد الناصر.

ولم يتغير الأمر كثيرا حتى بداية التسعينيات حينما بدأت الحكومة تتبنى منظومة الخصخصة وتتحول تماما إلى الرأسمالية وإصلاح السوق، فدخلت الشركات الخاصة على خط الإنتاج الدرامي التليفزيوني، والاعتماد على شراء المساحات الإعلانية؛ لعرض بضاعتها، ومن ثم تحررت الدراما التليفزيونية قليلا من قبضة الدولة، وتحقق بعض الوعي المشروط الذي ظل يضغط على دولة مبارك حتى انفجرت ثورة يناير.

دراما رمضان ما بعد ثورة يناير 2011

تمثل الدراما أحد أهم أشكال الإعلام الترفيهي، وتستمد أهميتها من الشريحة المجتمعية العريضة التي تخاطبها، فالغالبية العظمى من الجماهير لا تعنيها الثرثرات السياسية ولا تستهويها الأخبار وإن تابعتها، فهي تتابعها متابعة هامشية، لكنها تنجذب إلى الدراما بعناصرها الفنية من حبكة وصورة بصرية.

الثقل النسبي لتلك لشريحة، التي تتعامل مع الدراما باعتبارها متنفسا ترفيهيا لها، وقدرتها على تغيير موازيين القوى في المجتمع، يجعل منها هدفا تنافسيا من أجل الاستحواذ عليها وخلق صلة بينها وبين صانع القرار السياسي؛ مما ينعكس على خريطة الإنتاج الدرامي.

لذا لا يمكننا فهم وتحديد اتجاهات الدراما، أثناء ثورة يناير في مصر وبعدها، دون دراسة السياق الذي أُنتحت فيه، وما تمثله من اتجاهات تعتبر الثمرة النهائية للعديد من العوامل المؤثرة بها والمشكلة لها في الوقت ذاته، وذلك لخصوصية المرحلة التاريخية التي رافقت انطلاق الثورة ومن ثم احتواءها بثورة مضادة والانقلب عليها.

مما سبق، يمكننا تقسيم الدراما التليفزيونية المنتجة في شهر رمضان بعد قيام ثورة يناير وتخلي مبارك عن السلطة لصالح المجلس العسكري إلى ثلاث مراحل: المرحلة الأولى رمضان (1432 هـ- 2011م)، والمرحلة الثانية رمضان (1433هـ- 2012م)، وهما مرحلتان رغم تقاربهما إلا أن أوجه الشبه بينهما قليلة، فأول رمضان بعد ثورة يناير اتسم بحالة من الترقب فضلا عن قصر المدة بين رمضان وبين ما بدا ظاهريا نجاح جزئي للثورة، أما مرحلة الوصول إلى رمضان 2012 فكانت قوى الثورة المضادة بدأت تجمع قوتها، فيما بدت انحيازات مجموعات من الفنانين والعاملين في الحقل الإعلامي للمجلس العسكري  واضحة، مع توقعات فوز "الإخوان المسلمين" بالرئاسة، في ظل تأييد أغلبية شعبية لهم، وان اتسمت المرحلتان بخاصية مشتركة، وهي محاولة المنتجين وصناع الدراما عدم التورط لمسافة كبيرة مع أي من أطراف الصراع السياسي.

ثم جاءت المرحلة الثالثة، والتي بدأت مع رمضان (1434 هـ- 2013م) واستمرت بعدها دون توقف. وتعد هي المرحلة الأكثر فاعلية في محاولة الإجهاز على ثورة يناير؛ بتشويه كل ما يتعلق بها، وتحويلها إلى كابوس، منذ ما قبل تحرك السيسي بالانقلاب.

وبعد الانقلاب، أجرت "الثورة المضادة" تغييرا هيكليا للإعلام ومؤسساته، في خطوة أولى لترتيب الأوراق واحتواء السوق الإعلامي بكل مكوناته، فبدأ ت بالهيكلة الإدارية والقانونية كمرحلة أولى في 2014، ثم في المرحلة الثانية عام 2016 بسطت الدولة يدها على الإعلام كليا، وصولا إلى مستوى الاحتكار المادي لكل وسائل الإعلام ورأس المال المتحكم فيها (5) .

حدث ذلك عبر تأسيس رجل الأعمال القريب من المخابرات، أحمد ابو هشيمة، شركة "إعلام المصريين"، وسيطرته خلال عام -بما ضخه من أموال- على سوق الإعلام المصري وشركات الإنتاج، لينسحب فجأة ويبيع أصوله لصالح شركة "إيجل كابيتال" التي تملكها المخابرات المصرية وترأسها وزيرة الاستثمار السابقة، داليا خورشيد، لتستحوذ "إيجل كابيتال" على 60% من شركة إعلام المصريين(6).

وسنتناول كل مرحلة من المراحل الثلاث من خلال اختيار عينات من المنتج الدرامي، وتناولها بالوصف والتحليل لكل مفردات الصورة التليفزيونية ومكونات العمل؛ لقياس أثر اللغة البصرية ودلالاتها، بحيث تحقق هذه العينات عدة شروط أساسية:

  • أن تكون ذات صلة بالمرحلة التي تندرج تحتها.
  • أن تكون حققت نسب مشاهدت عالية .
  • مراعاة التنوع في العينات المختارة من حيث الأهداف الدرامية.

مسلسلات رمضان  (1432 هـ- 2011م):

ألقى تكليف مبارك للمجلس العسكري بإدارة شؤن البلاد وخروجه من المشهد السياسي، في 11 فبراير 2011،  بظلال من الشك لدى العاملين في مجال الإنتاج  الدرامي التليفزيوني لعام 2011، ومع ذلك اقتربت بعض المسلسلات من ثورة يناير بدرجات متفاوتة، وإن اقتصر هذا الاقتراب في معظمه على انتقاد الأجهزة الأمنية للدولة، وإعادة تدوير القضايا الاجتماعية، ومن بينها العلاقة بين المسلمين والأقباط، وفساد رجال الأعمال.

"المواطن إكس" تبني لفكرة الثورة البيضاء:

لقطات من مسلسل "المواطن إكس"لقطات من مسلسل "المواطن إكس"

أنتج مسلسل "المواطن إكس" في عام 2011 وعرض في رمضان من نفس العام، وجاء كأحد أهم الأعمال التي عبرت عن ثورة يناير، وكان الأكثر متابعة و الأكثر تشخيصا وجرأة في تناول الأسباب المؤدية للثورة، من خلال تناوله لقصة تشابه قصة (خالد سعيد)، أيقونة ثورة يناير. وتميز العمل، بالمعايير الدرامية والفنية، بعدة عوامل جعلت منه الأعلى مشاهدة ومن بينها:

أولا: اختيار للفكرة:

اختار صناع العمل فكرة إنسانية متعددة المحاور ومتشابكة، حيث يضعك المسلسل منذ المشهد الأول أمام حادث على الطريق الصحراوي بين السويس والقاهرة، يروح ضحيته الشاب أحمد قاسم (الممثل يوسف الشريف) وشهرته (إكس)، لتبدأ بعدها القصة بعرض أحداث ما قبل وفاته بطريقة الفلاش باك (الاسترجاع للحدث)، حيث تظهر تشابك علاقات البطل بأهله وأصدقائه وكل المؤثرين في حياته، وتدور التحقيقات حول وفاته لمحاولة معرفة من قتله، وإن كان بريئا ام متهما يستحق القتل.

سرعان ما يتحول مقتل الشاب إلى قضية رأي عام، وتظهر من خلال التحقيقات العلاقة بين الشاب وأصدقائه الثلاثة االقريبين منه وأسرار حياتهم، وتورط رجل أعمال كبير في الحادث ودور الشرطة في الموضوع، والتغير في سلوكيات الشباب المصري في السنوات العشر التي سبقت الثورة، وتغير نمط معيشتهم الذي نرى من خلاله حجم السلوكيات الغربية لدى الشباب.

ثانيا: الجرأة في الطرح:

المسلسل كان ثورة في طريقة الطرح التي اتسمت بالجرأة، وأيضا كان ثورة في اعتماده على أبطال لم يصلوا وقتها بعد لحالة النجومية، وهم: يوسف الشريف، وعمرو يوسف ومحمود عبد المغني.

ثالثا: اسلوب التصوير:

كما كان المسلسل ثورة في نوعية الكاميرا التي استخدمت للتصوير، فقد اعتمد مخرجا العمل (محمد بكير وعثمان ابو لبن ) على كاميرا 5D والتي لم يكن مطروحا وقتها استخدامها في الأعمال الدرامية، حيث كانت تستخدم في الأفلام الوثائقية والإعلانات، وبالتالي مكنت فريق العمل من تقديم أحجام لقطات وزوايا مختلفة عن تلك التي عهدناها.

يقول كاتب العمل، محمد نايل: إن الثورة خدمت المواطن "إكس"، وإنه كتب العمل قبل ثورة يناير وكان من المفترض أن ينتهي عند الحلقة 29، ولكنه أضاف الحلقة 30 بعد قيام الثورة، وأضاف أيضا بعض الجمل مثل (بكره يقولوا طارق وأحمد تمويل من الخارج )، و ذكر أمن الدولة صراحة، وهتافات الثورة ومشاهدها.(7)

على المستوى الدرامي والفني، استطاع "المواطن إكس" أن يقدم رسالة ثورية ظاهرة تمحورت حول نقد النظام السابق واتهامه بأسباب تدهور الأوضاع في البلد، وتعزيز فكرة ضرورة الثورة عليه.

بالنهاية، كانت الرسالة (نظام فاسد يستحق الإطاحة به)، ولكن … لم تتوقف الرسالة هنا فقد ألحقت برسالة ثانية هي الأخطر، وجاءت في  الحلقة الأخيرة التي أضافها صناع العمل (الاطاحة به ومحاكمته محاكمة عادلة أمام قاض بالقانون) .

السؤال هنا: من الذي أقحم هذه الرسالة؟، ومن الذي طلب تعزيز أكبر خطيئة وقع بها الثوار برسالة درامية، وهي عدم هدم النظام ومحاكمة اتباعة محاكمة ثورية حتى صرنا نشاهد سرير مبارك المتنقل وبقاءه في مستشفى القوات المسلحة يعالج على نفقة الدولة، ثم تبرئته فيما بعد؟

خاتم سليمان: "ثورتكم عبثية":

لقطات من مسلسل "خاتم سليمان"لقطات من مسلسل "خاتم سليمان"

أنتج مسلسل "خاتم سليمان" عام 2011 وتم عرضه في أول رمضان 1432هـ/ أغسطس 2011م، وتدور قصته حول الدكتور سليمان العريني، الجراح الكبير والشهير، ولكنه ذو شخصية بسيطة عفوية، مما يحعله واقعا تحت ضغوط شديدة و يعرضه لمفارقة درامية خطيرة تغير مجرى حياته.

العجز والقهر والاحتياج لمعجزة أو تدخل ميتافيزيقي يأتي من قوة أكبر قد تكون الخاتم السحري الأسطوري، الذي تراه المخيلة الشعبية المصرية حلا لجميع المشاكل (خاتم سليمان) هي الرسالة المسيطرة من البداية للنهاية في هذا المسلسل، الذي تناول فساد القطاع الطبي من خلال شخصية الدكتور سليمان الذي تقدره الدوائر الطبية العالمية، والذي استطاع بموهبته الطبية أن ينشيء مستشفى استثماريا شهيرا، وإلى جواره عددا من المستشفيات الخيرية التي تعالج المرضي المحتاجين مجانا.

من خلال سليمان، نشاهد الفجوة بين الطبقات في المجتمع المصري ويتم إلقاء الضوء على شرائح متعددة منه (عشوائية/ شعبية/ أرستقراطية) وطبيعة العلاقة بين هذه الطبقات، وكم احتقار الطبقات الأعلى في المجتمع للطبقت الأدنى .

يدور الصراع بين نقاء سليمان وبساطته وبين شخصية زوجته المتسلطة، والتي تمثل رمزا متكاملا للفساد المالي في الدولة، بسيطرتها إدريا على مستشفى الدكتور سليمان، وفسادها البرلماني بانتمائها للحزب الحاكم وتزوير الانتخابات، فضلا عن  متاجرتها في أعضاء المرضى وتحويلهم إلى حقول تجارب للعلماء الغربيين، تحت حماية النظام وأمن الدولة.

 بسبب فساد "شهيناز"، زوجة سليمان،  يتم تلفيق تهمة الاتجار في الأعضاء البشرية له والزج به في السجن، لتأتي ثورة يناير ويجد نفسه خارج السجن بعد اقتحامه، ليواجه شهيناز في مشهد يلخص تماما رسالة المسلسل بعد ثلاثين حلقة من عرض منظومة الفساد والأسباب المؤدية للثورة عليها، فالثورة -وفقا لتلك الرسالة- ثورة عبثية لم تكتمل لأنها لم تسقط النظام وأصابته فقط إصابة غير قاتلة.

تشويه ممنهج ام مجرد استشراف؟

السؤال الذي لن نستطيع الإجابة عليه بسهولة هو: من أعطى اذن التجرؤ على الثورة مبكرا وفي أشهرها الأولى؟ وهل كانت  دراما 2011 التليفزيونية تمرر رسائلها بعيدا عما يتم تدبيره في الخفاء من قوى الثورة المضادة؟.

ما رصدناه يشير إلى أن هناك خط امتد من البداية للتشويه، سواء كان ذلك عن عمد وتوافق مع بعض النافذين في إدارة الدولة وقتها، أو كان بدافع ذاتي ورؤية استشرافية لصناع الدراما لما ستؤول إليه الأحداث؛ فمن بين 23 عملا دراميا تم إنتاجها في 2011،  تطرق 5 أعمال بصورة موسعة إلى الثورة وتناولتها من منظور واحد، وهو منظور الأسباب المؤدية لقيامها، وهي: (المواطن إكس، وخاتم سليمان، وآدم، ومسلسل "صفحات شبابية" الذي جاء في جزئين: الأول بعنوان "إيد واحدة" والثاني بعنوان "شباب الفيس بوك")، ورغم ذلك رصدنا في معظم هذه الأعمال رسائل سلبية عن الثورة .

ولم تكن الرسائل المباشرة هي فقط ما تم تقديمه من خلال المسلسلات السابقة، لكن كانت هناك أيضا رسائل مبكرة لتشويه التيار الإسلامي من خلال عرض مسلسل "الريان"، والربط بين فساد الدولة المباركية وفساد "مجموعة الريان للاستثمار"، إحدى كبريات شركات توظيف الأموال في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي، وربط ما حدث برموز العمل الإسلامي؛ لينشأ لدى المشاهد ارتباط شرطي بين مبارك والإسلاميين يضعهم جميعا في سلة واحدة، وهو ما قامت عليه  الدعاية ضد سنة الحكم التي تولى فيها الدكتور محمد مرسي رئاسة الدولة، ثم بروزة مصطلح "الفاشية العسكرية والفاشية الدينية".

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى