الرئيس محمد مرسي..من الميلاد الى الاستشهاد
- دفع حياته ثمنا لحرية المصريين.. ودفع قبلها أثمانا باهظة للدفاع عن حقوقهم
- فاجأ فوزه بالرئاسة نظام مبارك وداعميه فتعرض لحملة اغتيال معنوي غير مسبوقة
- قطع الطريق على الفتنة وإراقة الدماء واختار أن يكون كعثمان بن عفان فاستشهد في نفس يوم استشهاده
- تربص الانقلاب بأبنائه وتعرض ثلاثة منهم لحوادث مدبرة.. اغتيل أصغرهم ومازال أوسطهم مسجونا ظلما وعدوانا
- قضى حياته مدافعا عن حقوق المصريين وعن فلسطين والقدس وتصدى للعدوان الصهيوني على غزة عام 2012
- رفض البوح بأسرار بلاده حفاظا على أمنها في حين فرط الانقلابيون في سيادتها وثرواتها
- اغتالوه غدرا ومنعوا الصلاة على جثمانه وحضور جنازته فصلى عليه محبوه في الأقصى وكل بقاع الأرض
مركز إنسان للإعلام- ملف خاص
ولد الرئيس الشهيد محمد مرسي في ريف مصر، حيث ملح الأرض من الناس الطيبين، قبل انقلاب يوليو 1952 بأقل من عام، فواكب ميلاده نهاية الملكية وبداية حكم العسكر، ليكون شاهدا منذ نعومة أظافره على تحولات جذرية عميقة في بنية المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
كان خامس الرؤساء بعد يوليو 1952، وأول المدنيين المنتخبين انتخابا حرا مباشرا من شعب مصر في تاريخه كله، وفي هذه النقطة الأخيرة تحديدا اختلف عن السابقين وتميز، كما كانت له ميزة أسبق وأعمق، وهي انتماؤه لمدرسة فكرية أصيلة وذات ثقل وقبول في المجتمع المصري، وهي مدرسة الدعوة الإسلامية، في أكناف جماعة الإخوان المسلمين.
وغدا الجمعة تحل الذكرى الثالثة لاستشهاد الرئيس محمد مرسي داخل قفص محكمة الانقلاب، بعد أن تم تسميم طعامه ومنع الدواء عنه لإنهاء حياته عمدا، وطي صفحة من تاريخ مصر دفنت معه أسرارها، لكن لن ينسى المصريون والعالم ما قدمه الرئيس لمصر وما ضحى به من أجل حرية شعبها وكرامته.
في هذا الملف نقدم عرضا مختصرا عن حياة الرئيس، ومواقفه الأخلاقية والمهنية والسياسية، وظروف اعتلائه منصة حكم مصر، وما قدمه من إنجازات، وما أحاط به من إخفاقات مصطنعة، ثم الانقلاب عليه وإخفائه إلى أن لقي الله شهيدا.
ونرصد أيضا ردود الفعل المحلية والدولية على استشهاده، وما تعطيه من مؤشرات على مواقف العالم الحديث من الثورات العربية والديمقراطيات الناشئة في المنطقة.
إنه ملف أقرب للوثيقة منه الى المضمون التحليلي، حيث قصدنا به إفادة الإعلاميين والباحثين فيما يتعلق بسيرة الرئيس الشهيد ومواقفه ورؤيته للحالة المصرية، وتضحياته من أجل نهوض مصر وتقدمها، عسى أن يجد كل منصف ما يتوق اليه من معرفة الحقائق عن الرئيس مرسي كما جرت في الواقع، لا كما صورها الإعلام المنحرف التابع لمنظومة الانقلاب.
مشوار البداية
ولد الرئيس الشهيد، واسمه الكامل محمد محمد مرسي عيسى العياط في قرية العدوة مركز ههيا محافظة الشرقية يوم الأربعاء 8 أغسطس عام 1951م، لأب فلاح وأم ربة منزل وهو الابن الأكبر لهما.
تعلم في مدارس محافظة الشرقية، ثم انتقل إلى القاهرة للدراسة الجامعية، حصل على بكالوريوس الهندسة جامعة القاهرة 1975 بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف، وبعدها ماجستير في هندسة الفلزات من جامعة القاهرة 1978، كما حصل على منحة دراسية من جامعة جنوب كاليفورنيا بالولايات المتحدة لتفوقه الدراسي، انتهت بحصوله على الدكتوراه من الجامعة نفسها عام 1982.
خدم بالجيش المصري (1975 – 1976) مجندا بسلاح الحرب الكيماوية بالفرقة الثانية مشاة، تزوج مرسي من السيدة نجلاء محمود في 30 نوفمبر 1978 ورزق منها بخمسة من الأولاد هم: أحمد وشيماء وأسامة وعمر وعبد الله. وله ثلاثة أحفاد من نجلته شيماء.
الحياة المهنية
عمل معيدًا ومدرسًا مساعدًا بكلية الهندسة جامعة القاهرة، ومدرسا مساعدا بجامعة جنوب كاليفورنيا، بين عامي 1982 – 1985، وأستاذ ورئيس قسم هندسة المواد بجامعة الزقازيق من 1985 وحتى 2010، وانتخب عضوًا بنادي هيئة التدريس بجامعة الزقازيق. كما قام بالتدريس في جامعة القاهرة وجامعة الفاتح في طرابلس في ليبيا، وله عشرات الأبحاث في ”معالجة أسطح المعادن“.
أيضا عمل مع الحكومة الأمريكية وشركة ناسا للفضاء الخارجي وذلك لخبرته في التعدين والفلزات وقام بعمل تجارب لنوع من المعادن يتحمل السخونة الشديدة الناتجة عن السرعة العالية للصواريخ العابرة للفضاء الكوني.
العمل السياسي
انتمى الرئيس الشهيد للإخوان المسلمين فكرًا عام 1977م، وتنظيما أواخر عام 1979م، وعمل عضوًا بالقسم السياسي بالجماعة منذ نشأته عام 1992.
ترشح لانتخابات مجلس الشعب 1995 وعاد للترشح في انتخابات 2000 وفاز فيها، وشغل موقع المتحدث الرسمي باسم الكتلة البرلمانية للإخوان. وفي انتخابات مجلس الشعب 2005 حصل على أعلى الأصوات، بفارق كبير عن أقرب منافسيه، ولكن تم إجراء جولة إعادة أعلن بعدها فوز منافسه.
وقد اختير د. مرسي عضوًا بلجنة مقاومة الصهيونية بمحافظة الشرقية، كما اختير عضوًا بالمؤتمر الدولي للأحزاب والقوى السياسية والنقابات المهنية، وهو عضو مؤسس باللجنة المصرية لمقاومة المشروع الصهيوني.
شارك في تأسيس الجبهة الوطنية للتغيير مع د. عزيز صدقي عام 2004؛ كما شارك في تأسيس التحالف الديمقراطي من أجل مصر والذي ضم 40 حزبًا وتيارًا سياسيًا 2011، وانتخبه مجلس شورى الإخوان في 30 أبريل 2011 رئيسًا لحزب الحرية والعدالة الذي أنشأته الجماعة.
وفي 7 إبريل 2012 دفع حزب الحرية والعدالة بالدكتور مرسي كمرشح احتياطيًّ للمهندس خيرت الشاطر، خوفًا من احتمالية وجود معوقات قانونية تمنع ترشح الشاطر. وبالفعل قررت لجنة الانتخابات الرئاسية استبعاد الشاطر وتسعة مرشحين آخرين في 17 أبريل، ومن ثم أصبح محمد مرسي هو المرشح الرسمي لحزب الحرية والعدالة، وقبلت اللجنة أوراقه، ثم خاض الانتخابات وفاز بالجولة الثانية منها بمنصب رئيس الجمهورية، بنسبة 51٫7% بينما حصل منافسه أحمد شفيق على 48٫3%، وبعد ساعات من إعلان فوزه في 24 يونيو 2012، أُعلن الرئيس مرسي استقالته من رئاسة حزب الحرية والعدالة ومن عضوية مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين.
وفي 30 يونيو 2012، تولى رسميا منصب رئيس جمهورية مصر العربية، بعد أداء اليمين أمام المحكمة الدستورية العليا، ومن لحظتها بدأ المشوار الصعب، آملا في إصلاح الدولة بكافة مؤسساتها، لكن الدولة العميقة كانت له بالمرصاد، فلم يمض عاما في حكم مصر، حتى انقلب عليه وزير دفاعه عبدالفتاح السيسي، بدعم من قوى داخلية وخارجية، وكلف الجيش رئيس المحكمة الدستورية عدلي منصور بالإشراف على تسيير شؤون البلاد في المرحلة الانتقالية، وكل ذلك بحجة الاستجابة للاحتجاجات الشعبية في 30 يونيو 2013.
تعرضه للتضييق
دفع الرئيس الشهيد محمد مرسي ثمنا باهظا لمشاركته السياسية وعمله العام، حيث بدأت رحلة التضييق عليه تعرض منذ انتخابات 2000، وتعرض للاعتقال عدة مرات، أولها صباح يوم 18 مايو 2006 من أمام محكمة شمال القاهرة ومجمع محاكم الجلاء بوسط القاهرة، أثناء مشاركته في مظاهرات شعبية تندِّد بتحويل اثنين من القضاة إلى لجنة الصلاحية وهما المستشاران محمود مكي وهشام البسطاويسي، بسبب موقفهما من تزوير انتخابات مجلس الشعب 2005، واعتقل معه 500 من الإخوان المسلمين وقد أفرج عنه يوم 10 ديسمبر 2006.
كما اعتقل مع 34 من قيادات الإخوان على مستوى المحافظات، نقلوا الى سجن وادي النطرون صباح يوم جمعة الغضب 28 يناير 2011 أثناء ثورة 25 يناير، لمنعهم من المشاركة في جمعة الغضب وقام الأهالي بتحريرهم يوم 30 يناير بعد انهيار قوات الأمن وفتها أبواب السجون عمدا، لكن مرسي رفض ترك زنزانته واتصل بعدة وسائل إعلام يطالب الجهات القضائية بالانتقال لمقرِّ السجن والتحقق من موقفهم القانوني وأسباب اعتقالهم، قبل أن يغادر السجن؛ لعدم وصول أي جهة قضائية إليهم.
وأثناء الثورة، تعرض ثلاثة من أبنائه لحوادث مدبرة، ففي يوم الأربعاء 2 فبراير 2011، حاصر 300 من البلطجية ابنه «عبد الله» وكان معه 70 داخل مسجد، وطلبوا فدية، فدبر شقيقه «أسامة» الفدية، وسار مشيًا ومعه الفدية لعدم توفر مواصلات آنذاك، فأمسك به رجال الأمن، واعتقلوه، وربطوه في شجرة داخل معسكر أمن بالزقازيق لمدة 35 ساعة، وضربوه وكسروا عظامه وقطعوا ملابسه، وسرقوا الفدية وماله وبطاقة هويته.
في اليوم ذاته كان شقيقه عمر مشاركًا في مظاهرة، فطارده بلطجية ورجال أمن في الشارع، ووقع، فانهالوا عليه ضربًا بالهراوة، وخُيّطت له غُرز في رأسه، وجلس في البيت مدة أسبوعين.
أما بعد الرئاسة فبدأت المضايقات من كل حدب وصوب، رافقتها حملة إعلامية شرسة لتشويه صورته ومنجزاته، وافتعال مظاهرات وأحداث لاستهداف أنصاره كانت تصل الى حد القتل العمد، مع إحراق مقرات حزب الحرية والعدالة والإخوان المسلمين في بعض المحافظات، الى أن ظهرت حركة "تمرد" في نهاية أبريل 2013 بدعوى سحب الثقة من مرسي، والمطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة، بدفع من المجلس العسكري والقوى والأحزاب العلمانية، وبدعم مالي سخي من دولة الإمارات وتشجيع من المملكة العربية السعودية، ثم قامت الحركة بالدعوة إلى مظاهرات 30 يونيو 2013 مستندة إلى توقيعات مزعومة قالت إنها جمعتها من (22) مليون مصري.
وفي ضوء ذلك دخلت خطة الانقلاب العسكري مرحلة التنفيذ، بإعلان بيان القوات المسلحة في 1 يوليو 2013، الذي أعطى مهلة (48) ساعة لتلبية مطالب الشعب في مظاهرات 30 يونيو، وإلا ستتدخل وتعلن عن "خارطة مستقبل وإجراءات تشرف على تنفيذها".
ما قبل السياسة
اقترن التفوق العلمي للرئيس الشهيد في مراحل التعليم المختلفة بالتفوق الأخلاقي، حيث كان بارا بوالديه الى أقصى درجة، ومن شدة تعلقه بوالده طلب من أبنائه في وصيته الأخيرة وهو في السجن، أن يدفن بجوار والده في مسقط رأسه بالشرقية، إلا أن سلطة الانقلاب العسكري حالت دون ذلك.
عقب وفاته كشف محبوه والكثير ممن عايشوه العديد من المواقف التي تدل على نبل صفاته وعلو همته وأخلاقه .
الأكاديمي السعودي سعيد ناصر الغامدي كشف على حسابه في تويتر موقفا فريدا عن أحد جيران "مرسي" في الولايات المتحدة، حيث كتب قائلا:"يخبر رجل نجدي عن محمد مرسي رحمه الله، وكان جارا له في أمريكا، قال: كانت عادته أن يأتي هو وزوجته إلى المسجد قبل أذان الفجر، فيقومان بتنظيف المسجد ومرافقه، والتعبد حتى الفجر".
كما كتب أحد رواد تويتر قائلا: "أحد أقربائي أخبرني إنه كان شغال في مسجد من زمان في رمضان، ولما جاء وقت الفطار كان مرسي من اللي بيلفوا يوزعوا الأكل، فالناس بيقولوا له اقعد يا دكتور واحنا نوزع، فقال: عايزين تحرموني من الثواب".
الإعلامية خديجة بن قنة نشرت على حسابها صورة نادرة أيضا للرئيس الشهيدمحمد مرسي، وهو يؤم فريق الإعداد داخل مكتب الجزيرة، حينما حان وقت الصلاة.
بينما كتب الإعلامي محمد جمال هلال على حسابه في تويتر : " في مثل هذا اليوم الذي توفي فيه الرئيس محمد مرسي، قتل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وفيه رحل الشيخ الشعراوي، وفيه أعدم سليمان الحلبي، وفيه اقترح القنصل الفرنسي احتلال مصر".
فيما كتب حساب قلم حر:" أقسم بالله أن الرئيس مرسي يوم الانقلاب قال أنه اختار أن يكون عثمان بن عفان ولا يختار الفتنة والقتال.. فاستشهد في يوم استشهاد أمير المؤمنين عثمان.. في مثل هذا اليوم 17 يونيو656 م توفي الخليفة الراشد عثمان بن عفان، (ذرية بعضها من بعض)، هل هذه صدفة؟".
كما شهد له أحد زملاؤه بكلية الهندسة جامعة الزقازيق بأنه "كان وقافا عند الحق، لا يخشى في الله لومة لائم".. يذكر الدكتور عماد الوكيل، استشاري وأستاذ هندسة إدارة مشروعات التشييد، بجامعة "بردو" الأمريكية، نقلا عن شهود من زملاء د. مرسي، أن الدكتور طلبة عويضة مؤسس ورئيس جامعة الزقازيق الأسبق، وكان أيضا رئيسا للجنة التعليم في مجلس الشعب، اتصل بالدكتور طلعت عويس، وكان عميد كلية الهندسة آنذاك، ليسأل و يوصي على طالبة قريبته فكان رد الدكتور طلعت "معلش يا دكتور طلبة.. فيه دكتور ماسك الكنترول و مصمم إنها تسقط، لأن معندوش حاجة اسمها واسطة!"
يقول د. الوكيل: "لك ان تتخيل طلبة عويضة الذي كان يفتخر بأن يطلق على الجامعة "عزبة طلبة عويضة" يتقاله كده..!هاج و ماج و قال له اديني الدكتور ده .. وقتها كان الدكتور ده لسه راجع من أمريكا (1985) وعنده أمل الدنيا تتصلح.. طبعا الدكتور رفض الرد على الدكتور طلبة عويضة في التليفون..!!
توعد الدكتور طلبة وقتها الدكتور طلعت عويس رحمة الله عليه بأنها "هتنجح غصب عنه وعن الدكتور اللي ماسك الكنترول".!..الدكتور اللي ماسك الكنترول طلع النتيجة و قبل إرسالها للعميد ذهب الى قسم الشرطة و أثبت في محضر رسمي عدد الناجحين و الراسبين حتى لا يتم تغييره و كانت سابقة من نوعها سمعتها بنفسي من اتنين من شهود الواقعة"..!!
يتابع د.الوكيل: "الدكتور اللي ماسك الكنترول ده بعد حوالي 30 سنة بقى رئيس جمهورية و كان عنده حلم يغير البلد ….!!رحم الله الدكتور محمد مرسي وغفر له وتقبله في الشهداء"
برلماني فذ
كان الدكتور مرسي – رحمه الله- من أنشط أعضاء مجلس الشعب، وهو صاحب أشهر استجواب في مجلس الشعب عن حادثة قطار الصعيد، وأدان الحكومة وخرجت الصحف الحكومية في اليوم التالي تشيد باستجوابه.
(شاهد استجواب النائب "محمد مرسي" لوزير النقل في حادثة قطار الصعيد 2002- للمشاهدة اضغط هنا – الرابط البديل http://cutt.us/MRKAJ)
كما كانت له مداخلات في غاية القوة ضد الحكومة والوزراء في وقت لم يكن يسمح فيه لممثلي الحزب الحاكم أو المعارضة بتجاوز الخطوط الحمراء.
(شاهد استجواب النائب محمد مرسي لرئيس الوزراء ووزير الإسكان ووزير التنمية المحلية عن عمارة مدينة نصر المنكوبة – للمشاهدة اضغط هنا – الرابط البديل https://www.youtube.com/watch?v=JXh7JJBsUxA)
(شاهد رد النائب محمد مرسي على وزير الإسكان محمد إبراهيم سليمان عندما حاول الأخير من التقليل من شأن كلامه- للمشاهدة اضغط هنا الرابط البديل https://www.youtube.com/watch?v=we4FCjaeOCI )
نصير فلسطين
قضى الرئيس الشهيد حياته مدافعا عن قضايا الأمة وفي مقدمتها قضية فلسطين والقدس، كما تصدي لعدوان الاحتلال الصهيوني على قطاع غزة عام 2012 بكل قوة، حيث قال مرسي حين وقع العدوان الصهيوني على غزة (2012) في كلمة له: «لن نترك غزة وحدها، إن مصر اليوم مختلفة تماما عن مصر الأمس، ونقول للمعتدي إن هذه الدماء ستكون لعنة عليكم وستكون محركا لكل شعوب المنطقة ضدكم، أوقفوا هذه المهزلة فورا وإلا فغضبتنا لن تستطيعوا أبدا أن تقفوا أمامها، غضبة شعب وقيادة». (شاهد الفيديو)
واتخذ الرئيس الشهيد موقفا عمليا لإظهار التضامن المصري مع الفلسطينيين في قطاع غزة حينما أرسل رئيس الوزراء السابق هشام قنديل على رأس وفد مصري رسمي وشعبي لتقديم كل العون الممكن لأهالي القطاع، وهو الموقف الذي حفز دولا كثيرة، عربية وإسلامية، على أن تحذو حذو مصر، فتواصل وصول الوفود الرسمية والشعبية إلى غزة لإظهار الدعم والتأييد. وأمر الرئيس مرسي بفتح المعابر بين مصر وغزة بشكل دائم لاستقبال المصابين الفلسطينيين لتلقي العلاج في المستشفيات المصرية ومعاملتهم كالمصريين.
ولم تكتف مصر بذلك بل قادت حراكا دبلوماسيا وسياسيا نجح في النهاية في وقف العدوان على غزة بعد أيام من اندلاعه وفق معاهدة للهدنة برعاية مصرية، وهو ما أكد استعادة مصر لدورها المحوري في المنطقة. وحتى بعد عزله واعتقاله، هتف من خلف قضبان قفص المحكمة "لبيك يا غزة.. لبيك يا غزة"، وذلك خلال العدوان الإسرئيلي على غزة قبل بدء جلسة محاكمته وعدد من قيادات الإخوان في هزلية "اقتحام السجون والهروب من سجن وادى النطرون".
وليس من المفارقات أن تكون أول صلاة للغائب على روح الرئيس الشهيد محمد مرسي في في المسجد الأقصى، بعد صلاة العشاء في نفس يوم استشهاده.
إنكار الذات
تحت عنوان " محمد مرسي.. الإنسان النادر في تاريخ السياسة"، كتب الدكتور محمد الجوادي مقالا على موقعه بشبكة الإنترنت، الجمعة 21 يونيو 2019م، قال فيه:"كان محمد مرسي واحدا من أبناء الريف المصري النوابغ الذين يحرص ذووهم بما توارثوه من قيم حضارية وإيمانية على إتاحة أقصى ما يمكن لهم من تعليم، وهو تعليم صعب وعر بحكم بقايا سطوة الاستعمار البريطاني القاسية على التعليم الوطني؛ ومع هذا فقد كانت هذه البقايا من مستوى جيد كفيل بالحفاظ على الهوية وباحترام الذاتية والوطنية والشخصية؛ وقد التزم له أهله شأنهم في هذا شأن كل أبناء الأرض المصرية الأوفياء لدينهم وثقافتهم القومية بكل ما يحفظ له شخصية سوية في مستقبل لا يعرفونه لكنهم يؤهلون أبناءهم له؛ وهكذا درس هذا الفتى الواعد في الكتّاب بالموازاة لدراسته في التعليم المدني؛ ومارس ما هو متاح من الرياضة البدنية والكشفية في حدود ما تقدر عليه موازنات أقرب إلى العدم منها إلى العوز.
اكتسب من هذه الممارسات كلها أقصى درجات الجدية العملية مع أقصى درجات الالتزام الخلقي؛ وانصهر طموحه الشخصي تماما وللأبد في الطموح الوطني، وتجلى هذا في أحلك لحظات المحنة التي مر بها الوطن في ١٩٦٧ وما بعدها حتى إنه كان لا يزال ذائبا تماما حين نال الشهادة الثانوية العامة بعد الهزيمة الساحقة بترتيب متفوق جدا في مدينة الزقازيق عاصمة إقليمه، وهكذا فإنه اختار أن يكون مهندسا ليكون حسب المعتقد الشعبي في ذلك العهد "طوبة" تعلى من الوطن الذي لابد له أن يقاوم عدوا شرسا.
هكذا آثر محمد مرسي هذا الطريق على الطريق الآخر الأكثر جاذبية، وهو طريق الطب الذي كان كفيلا له بالإيحاء الواثق بتحقيق ذاته وفرديته على نحو أسرع ضمانا وأكثر أمانا؛ ومن العجيب أن كل اختيارات محمد مرسي بعد ذلك كانت تكرارا وصدى لهذا الاختيار الصعب المبكر بين أن يكون جزءا من نسيج عام، وبين أن يحرص على إثبات ذاته وتفرده، وأن يسعى في هذا السبيل مع كل خطوة.
وحين كان على محمد مرسي أن يختار أولى خطواته في هذا الطريق المهني والوطني فإنه رحب بأن ينتمي للحياة الجامعية المدنية على الرغم من جاذبية الارتباط بالمؤسسة العسكرية الذي كان متاحا له مرة بعد أخرى؛ بل إنه وهو المعيد المتفوق آثر بكل يقين أن يكون جنديا مجندا في أي سلاح على أن يكون ضابط احتياط في سلاح المهندسين، وقد كان من حسن حظ الوطن أنه قضى فترة تجنيده في سلاح الدفاع الجوي؛ وهكذا.. وهكذا حين اختار شعبته ثم تخصصه ثم رسالته ثم بحوثه.
ثم إن الحياة واجهته مرة بعد أخرى بسؤال الهوية والبحث عن الذات في زمن متغير، ومن العجيب أن هذا الشاب المفعم بالطموح والعنفوان والقدرة، كان في إجابته على كل سؤال من أسئلة التخيير ينحاز بعنف أصيل إلى الذوبان في الجماعة، من دون أن يفكر فيما تستطيعه ذاته تحقيقه لنفسها من تفوق مرموق، وتألق متاح عن قرب؛ ومن الإنصاف أن نلاحظ أن هذه الشهادة في حق محمد مرسي ووطنيته الفائقة وإيمانه بشعبه وأهله تأتي على لسان شخصية ذات تكوين مختلف تماما وفقها الله لأن تحفر لنفسها مواقع قصوى في كل خطوة من خطوات مهنيتها وهواياتها على حد سواء؛ والحق أن مثل هذا الاختيار لم يكن سهلا على محمد مرسي ولا بعيدا عنه، لكن محمد مرسي كان مؤهلا له لأنه كان من عباد الله الصالحين الذين وصفتهم آيات القرآن الكريم في سورة الفرقان بدءا من وصف الحق جل جلاله لهم بأنهم من "الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما.."
وبعد أن أتم محمد مرسي دراساته العليا في جامعة أمريكية مرموقة عاد إلى وطن لم يكن احتياجه له بقدر احتياج مجتمع العلم الأمريكي له، ولم يكن التقدير المتوقع له في هذا الوطن ليفوق ما كان متاحا له في البيئة العلمية الأمريكية بكل تأكيد، لكن محمد مرسي ظن عن حق أن بلاده تنهض، وأن إقليمه ينهض، وأن قريته نفسها تنهض، وأنه لا يحق له أن يخون تلك النهضة؛ التي كانت ملامحها بارزة بوضوح في بداية الثمانينيات، وقد ظل هذا هو منطقه نفسه حين قرر وهو في أعلى هرم السلطة أن ينحاز للشعب لا للسلطة، وللشرعية لا للميكافيلية، وللسلمية لا للصراع؛ وكان هذا هو منطقه وهو يواجه بمفرده حلقات التآمر القاسي من الدهاقنة والعملاء والمغيبين مستندا فقط إلى إيمانه ومحافظا على ركوعه لله وحده وسجوده لله وحده في عصر غابت فيه الروحانية حتى عن الحياة الروحية، وغامت فيه الرؤية حتى في سحابة النهار، وذلك بسبب كثافة الضلالات التي صنعتها القوى القادرة القاهرة، لكن محمد مرسي بقي رغم القسوة البالغة طالبا للشهادة حتى نالها شهيدا وشاهدا على ما لم يستطع غيره أن يبلوره من الإيمان على مدى ما يقرب من قرن كامل من الزمان منذ الحرب العالمية الأولى.
الإجهاز المعنوي على الرئيس
تحت عنوان "مسار الإجهاز المعنوي على أول رئيس ديمقراطي في مصر"، نشر الكاتب الفلسطيني المقيم في فيينا، حسام شاكر، مقالا يوم الاثنين 8 يوليو 2019، على "الجزيرة مباشر"، مستعرضا ما وضع في طريق الدكتور محمد مرسي من عقبات مقصودة منذ لحظة إعلان اسمه كمرشخ للإخوان المسلمين في الانتخابات الرئاسية التي جرت عام 2012م.
من بين ما قاله الكاتب: "تمّ ابتداءً، التشكيك في أهلية الدكتور محمد مرسي لأن يصعد إلى رئاسة مصر والاستخفاف به. ألصق متحدثو الشاشات به نعوتاً وأوصافاً ذميمة منذ ترشّحه، بإظهاره مجرّد بديل احتياطي"
جاء انتخابه في اقتراع شعبي حرّ مشهود له بالنزاهة، وهي حقيقة تكفي لأن يتداعى أي نظام استبدادي لمحاولة إطفاء رمزيته وعزله وجدانياً عن شعبه؛ وهو ما جرى حتى قبل دخوله قصر الرئاسة ليمارس صلاحياته… فالعسكر أعادوا الإمساك بخيوط المشهد المتشابكة، واستنفرت "الدولة العميقة" قدراتها للإسراع في إلصاق وصمة "الفشل" بالرئيس الديمقراطي الأوّل، وربما الأخير، وبدت حريصة على نحره معنوياً على مرأى من شعبه والعالم".
موجة تسفيه مقصودة
أضاف حسام شاكر: "فاجأت لحظة فوز محمد مرسي بالرئاسة أبواق العهد القديم التي استعجلت التبشير بفوز أحمد شفيق الذي كان على ما يبدو مرشح العسكر والدولة العميقة وعواصم الثورة المضادة.
صار على حملات الاستهداف المعنوي أن تستهدف رئيس الجمهورية المنتخب، حتى قبل أن يدخل قصره في بواكير صيف 2012، فانطلقت موجة تسفيه محبوكة لتبديد أي انطباع بأهلية الدكتور مرسي بالمنصب أو جدارته به. تم في الأيام والأسابيع الأولى افتعال روايات ومشاهد توحي بغربته عن قصر الرئاسة وجهله بكيفية الجلوس الأمثل على مكتب الرئيس مثلاً.
كان مطلوباً نزع الهيبة عن الرئيس الجديد، وهذا في بلد ارتبط به منصب الرئاسة بطقوس الهيبة، في العهد الملكي ثم في جمهورية الضباط. لكن ما العمل مع رئيس ديمقراطي يُبدي حرصاً واضحاً على الالتحام بشعبه والحضور بين جماهيره؟
لم يَكتفِ محمد مرسي بمراسم التنصيب الرسمية حسب الأنظمة، فقرّر التوجّه إلى الميدان واعتلاء منصّته في مشهد استثنائي من التنصيب الشعبي الذي رسم لوحة جماهيرية فريدة. كانت رسالة مرسي واضحة بأنه من الجماهير وإليها، وأنه رئيس من عهد الثورة، وأنّ رئاسة الجمهورية لن تصرفه عن الوفاء للميدان. أقدم مرسي يومها على خطوة مفاجئة فوق المنصّة الجماهيرية، بأن تقدّم مكشوفاً في مواجهة الشعب متجاوزاً فريق الحماية، ثمّ كشف سترته ليظهر دون واقٍ من الرصاص.
اتّضح بعد هذا الموقف الرمزي أنّ منظومة الإعلام الراقدة على النيل لن تحتفي بمبادرات مرسي الرمزية أو بإشاراته الجريئة هذه، بل مضت إلى استعمَال كل خطوة بصفة عكسية ضدّه بهدف الإمعان في نزع الهيبة عنه واعتبارها قائمة على الافتعال والتصنّع، حتى أنّ بعض المتحدثين مثلاً علّقوا على حدث السترة الجماهيري بالسخرية منها واعتبار أنّ مرسي لم يُفلِح في محاكاة الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر!.
تفاقم هذا المنحى من التحامل والازدراء، إلى درجة انتقاد خروج الرئيس إلى صلاة الفجر مع مواطنيه في مساجد القاهرة، وزعم بعض المعلِّقين أنّ ذلك يأتي على حساب التفرّغ لحل مشكلات البلاد المستعصية".
وأوضح الكاتب أن "ما حرّك هذا التحامل والترصّد خشية واضحة من أن ينجح أول رئيس مدني منتخب في كسب رهان الشعبية، بعد أن اعتاد هذا الشعب وجوهاً مزمنة في الواجهة المُحاطة بطقوس الهيْبة. لأجل هذا تمّ قطع الطريق على فرص تحقيق الأُلفة مع الوجه الجديد الذي يٌفترض أنّه يقود الجمهورية، مع السعي الدؤوب على نزع الهيْبة وتبديد الاحترام عن صاحب الشرعية الانتخابية غير المسبوقة، مع تأويل عكسي لنزوعه الواضح إلى التواضع؛ بإظهاره غير ملائم للمنصب ومتطلّباته، حتى قيل تصريحاً وتلميحاً إنّ مصر تستحق من هو أفضل منه.
ضربت منظومة التشويه بحجاب من حول مرسي، فلم تُتِح للشعب فرصة معايشة رئيسه، إلى درجة التجاهل الإعلامي المطبِق لبساطة حياته اليومية، وإغفال دلالة تنازل زوج الرئيس "أم أحمد" عن حياة القصر وامتياز "السيدة الأولى"، وهي لفتة لم تحظَ بأي تقدير يُذكَر في الأوساط الإعلامية والسياسية".
خنق رمزية الرئيس
يواصل حسام شاكر: "حرصت الدعاية المضادة لأول رئيس مدني منتخب ديمقراطياً في مصر على التلاعب باسمه، فأحجمت عن استدعاء لقبه العلمي الذي تفرّد به دون ضبّاط تعاقبوا على رئاسة الجمهورية، كي لا يحظى بامتياز الوصف المتوقع: "السيد الرئيس الدكتور محمد مرسي".
وبعد عقود أربعة من إبراز الرئيسيْن "محمد" أنور السادات، ثم "محمد" حسني مبارك بصفة مفتعلة مشفوعة بالتبجيل والتكريم الذي يرتبط عند المصريين والعرب باسم النبي الكريم؛ حرصت الجوقة على حجب الاسم الأول الأصيل عند ذكر أوّل رئيس ديمقراطي، فهو عندها "مرسي" فقط. ثمة حيلة أخرى جرت لاحقاً باستدعاء اسم العائلة المطوّل بصفة منافية للّياقة ومتجاوزة للعرف السائد والبروتوكول الرسمي، فصار المتحاملون يسمّون رئيس الجمهورية "محمد مرسي العيّاط".
تفاقم هذا المنحى طوال السنوات التي زُجّ خلالها بمرسي في محاكمات استعراضية بعد سجنه، فكان القضاة المتغطرسون يحرصون على المناداة على اسمه بطريقة توحي بأنه مواطن غير مُعرّف، حتى أعلن أحدهم يوماً عن حكم بمعاقبة "محمد محمد مرسي عيسى العياط" بالإعدام شنقاً.
الانتقاص من المكانة
تابع الكاتب قائلا: "امتدّ التشكيك بالأهلية إلى الاستغراق في الإسفاف ونسج المزاعم الرخيصة، إلى درجة نشر ادعاءات في صيغة "تسريبات" مزعومة عن "تصرّفات غريبة" تصدر عن رئيس الجمهورية، والإتيان بأقاويل ملفّقة لأطباء نفسيين مزعومين عن سلوك "هذا الرجل" الذي يسكن قصر الرئاسة. وجدت هذه الحكايات الساذجة فرصة واسعة في عناوين هبطت بمستوى بعض الصحف المصرية إلى دركات الاستغفال والحضيض الدعائي.
على مدار سنة كاملة في القصر تمّ استهداف الرئيس مرسي بتقارير ومزاعم دؤوبة، مع تعقّبه في تعبيراته وحركاته وإشاراته وسكناته. فما إن تودّد إلى شعبه بالقول "أهلي وعشيرتي" التي كانت لازمة لخطاباته الأولى، حتى انطلقت حملة ضارية لإساءة تأويل هذا التعبير واعتباره عودة إلى منطق القبيلة والعشيرة. وما إن رفع إصبعه محذِّراً في أحد خطاباته من عنف الشوارع بعد سقوط ضحايا في بورسعيد ضمن تفاعلات قضية "مجزرة الملعب الرياضي"؛ حتى لاحقته النعوت وحاصرته رسوم الكاريكاتير بطرق إيحائية مسيئة. وعندما منحته جامعة باكستانية الدكتوراة الفخرية واعتمر قبّعتها حسب المراسم الأكاديمية التي حتى تعقّبته صور ورسوم ساخرة مشفوعة بتعليقات لاذعة لإظهاره في هيئة غرائبية.
لم تقتصر مساعي التسفيه الدؤوبة على صحف الرصيف، فبرامج الشاشات تجنّدت ضد الرئيس المنتخب بصفة صريحة أو إيحائية وبدا وكأنها ترميه عن قوس واحدة. ظهرت خلال العهد الديمقراطي جوقة من المتحدثين والمتحدثات الذين اختصّوا بمهاجمة مرسي والسخرية منه، علاوة على ممثلين وممثلات ووجوه معروفة سيق بعضهم إلى أداء أدوار موجّهة على هذا النحو.
اشتغلت هذه الوجوه في خدمة التعبئة الشاملة لقطاعات الشعب وأوساطه، فمنها من تحدّث لعموم الناس، ومنها من ظهر مخاطباً الأوساط الشعبية والريفية وقاطني العشوائيات، ومنها مَن خاطب الشرائح المدينية الوسطى فما فوقها، ومنها ما أظهر رصانة في الحديث المسدّد في الاتجاه ذاته، مقابل شخصيات مبتذلة من بينها راقصة كرّست إطلالاتها ضد رئيس الجمهورية و"جماعته".
على هذا المنوال تضافرت هجمات الانتقاص من المكانة وتقويض الرمزية من منظومة دعائية متكاملة قعدت للرئيس المرسي كلّ مرصَد، مقابل انهماك المنظومة ذاتها في تمجيد المستبدِّين".
وختم حسام شاكر مقاله بالقول:"تعزّز مسار الإجهاز المعنوي على أول رئيس ديمقراطي منتخب في مصر، وكان مطلوباً عزله وجدانياً عن شعبه والإسراع في إلصاق وصمة "الفشل" به، ونحره معنوياً على مرأى من شعبه والعالم، تمهيداً للانقلاب عليه".
طالع مقال "مسار الإجهاز المعنوي على أول رئيس ديمقراطي في مصر"، حسام شاكر، http://cutt.us/p8Md6
ما قبل 30 يونيو
في مساء 26 يونيو 2013 وبعد تصاعد الأحداث المفتعلة والضغط في اتجاه تخلي الرئيس مرسي عن السلطة والدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة، وجه الرئيس خطابا مطولا الى الشعب تناول فيه الأحداث الجارية، مستعرضا ما تم من إنجازات خلال عام حكمه، مؤكدا حرصه على تداول السلطة ومستقبل الدولة، مشيدا برجال القوات المسلحة، منتقدا محاولات البعض الرجوع بمصر الى الوراء (شاهد الخطاب كاملا).
وبحسب رواية "الجزيرة" عن "رويترز"، في 6 يونيو 2013، كانت اللحظة الفارقة بالنسبة لقادة الجيش في مصر يوم 26 يونيو 2013، ففي ذلك اليوم التقى كبار القادة بالرئيس محمد مرسي – أول رئيس يصعد لقمة السلطة في انتخابات ديمقراطية في البلاد- وتحدثوا معه بصراحة مؤلمة، وأبلغوه بما ينبغي له قوله في الكلمة التي كان من المقرر أن يوجهها للشعب مع تصاعد الاحتجاجات في أنحاء البلاد.
وقال ضابط كان حاضرا في الغرفة التي عقد فيها الاجتماع لرويترز "طلبنا منه أن يكون الخطاب قصيرا، وأن يستجيب لمطالب المعارضة بتشكيل حكومة ائتلافية ويعدل الدستور، وأن يحدد إطارا زمنيا لهذين الأمرين، لكنه خرج بخطاب طويل جدا لم يقل فيه شيئا، وعندها عرفنا أنه لا ينوي إصلاح الوضع وأن علينا الاستعداد للخطة الاحتياطية"!
وأضاف الضابط: "كنا مستعدين لكل الاحتمالات من العنف في الشوارع إلى اشتباكات واسعة النطاق وجهزنا القوات لهذين الاحتمالين"
وعقب ذلك ومع خروج الملايين إلى الشوارع نفذ الجيش خطته، فاحتجز مرسي في مجمع الحرس الجمهوري، وألقى القبض على قيادات رئيسية في جماعة الإخوان المسلمين، وتولى السيطرة على عدد من الأجهزة الإعلامية.
وطلب الضابط عدم نشر اسمه مثل الضباط العاملين الآخرين الذين أجرت رويترز مقابلات معهم بسبب حساسية الوضع.
ما بعد 30 يونيو
في اليوم التالي لمظاهرات 30 يونيو المصطنعة، حدد السيسي مهلة مدتها 48 ساعة لمرسي، فإما الاستجابة لمطالب المتظاهرين باقتسام السلطة مع المعارضة، وإما إفساح المجال أمام الجيش لطرح خريطة طريق أخرى.
وقال مصدر عسكري اطلع على التفاصيل لـ"رويترز" إنه في لقاءين آخرين مع الرئيس في الأول والثاني من يوليو 2013، كان السيسي أكثر صراحة، لكن مسعاه قوبل بالرفض.
وقال المصدر "توجه الفريق أول السيسي إليه وقال لنا عندما عاد إنه لا يصدق ما يحدث، وقال إن المحتجين بين 130 و160 ألفا فقط فقلت له: لا سيادتك إنهم أكثر بكثير من ذلك، وعليك أن تستمع لمطالبهم".
وأضاف المصدر "في الاجتماع الثاني ذهب السيسي ومعه تسجيل فيديو للاحتجاجات أعده الجيش (فيلم المخرج خالد يوسف) وقال له: "سيادتك الوضع خرج عن السيطرة واقتراحاتك لتغيير الحكومة وتعديل الدستور الآن فات أوانها ولن ترضي الشارع، أقترح أن تدعو لاستفتاء على استمرارك في الحكم، لكنه رفض وقال إن ذلك غير دستوري ومخالف للشرعية"
وقال المصدر العسكري: إن السيسي اتصل بمرسي نحو الساعة السابعة مساء قبل إعلان خطة الانقلاب بساعتين، وطلب منه للمرة الأخيرة أن يوافق على الاستفتاء على البقاء في منصبه أو تسليم السلطة لرئيس البرلمان، فاعترض الرئيس، فقال له السيسي: إنه لم يعد رئيسا، وتم احتجاز مرسي وأقرب مساعديه مستشار الشؤون الخارجية عصام الحداد في المجمع، وقيل لهما إنه لا يمكنهما المغادرة لسلامتهما الشخصية.
وأمام رفض الرئيس، كثف السيسي اتصالاته بمحمد البرادعي الذي اختارته "جبهة الإنقاذ الوطني" المعارضة للتفاوض مع الجيش وبالقيادات الدينية للمسلمين والمسيحيين متمثلة بشيخ الأزهر أحمد الطيب والبابا تواضروس رأس الكنيسة القبطية، وكان الاثنان قد أيدا حركة الاحتجاج علانية.
كما أشرك قائد الجيش مؤسسي حركة تمرد وزعيم ثاني أكبر الأحزاب الإسلامية وهو حزب النور السلفي الذي ينافس الإخوان على أصوات المصريين، وفق ما نقلت الجزيرة نت عن "رويترز".
والتقى الجميع بمقر المخابرات العسكرية في شارع الثورة، يوم الأربعاء الثالث من يوليو 2013 الذي انتهى بإعلان الانقلاب، بعد أن رفض زعماء الإخوان وحزب الحرية والعدالة حضور هذا المشهد. (شاهد وثائقي "الساعات الأخيرة")
في أرض الحرس
كان آخر مكان تواجد فيه مرسي قبل الإطاحة به هو "موقع القيادة الآمن وقت الأزمات بأرض الحرس الجمهوري" منذ يوم 25 يونيو 2013
"لم يكن مرسي مصرا على التمسك بالسلطة بقدر ما كان مصرا على إيجاد مخرج للأزمة، مستندا على الشرعية الدستورية" وفق قول أحمد عبد العزيز، أحد قيادات الفريق الإعلامي بقصر الرئاسة آنذاك، وهو يصف حال الرئيس مرسي ليلة خطابه الأخير يوم 2 يوليو مؤكدا أن مرسي "لم يتوقع أن يتم الإطاحة به " من قبل الجيش رغم تلميحه إلى إمكانية وقوع ذلك في خطابه الأخير، ومؤكدا كذلك على صحة رواية رئيس مجلس الشورى وقتها، أحمد فهمي، والتي كشف فيها أن مرسي وافق ظهر يوم الثالث من يوليو، أي قبل نحو تسعة ساعات من خطاب الجنرال عبد الفتاح السيسي، على مقترح بأن يعين مرسي السيسي رئيسا للوزراء يشكل حكومة تشرف على انتخابات برلمانية تسفر عن تشكيل حكومة أغلبية.
وبحسب موقع "نون بوست"، يقول أحمد عبدالعزيز: إن مرسي وفريق مؤسسة الرئاسة "فوجئوا" بخطاب الإطاحة به في التليفزيون، ويوضح:"كنت مع عدد من المستشارين ورئيس الديوان، أذكر من بينهم الدكتور أيمن علي والدكتورة بكينام الشرقاوي، أثناء إذاعة بيان الانقلاب في التليفزيون .. ورد الفعل يوحي بأنهم والرئيس لم يكن أحد منهم يتوقع أن يصل الأمر إلى هذا الحد"، مضيفا:"انتقلنا إلى الرئيس وكان في غاية الثبات والهدوء بعد سماعه نبأ الإطاحة به، وصلينا جميعا خلفه في مكتبه بغرفته المحددة مسبقا له، قبل أن يحدد لنا من بين مستشاريه سيبقى معه ومن سيغادر، وكنت ممن طُلب إليهم المغادرة وكان عددهم عشرين شخصا وبقي تقريبا تسعة".
الخطاب الأخير
فى أخر خطاب له مساء الثلاثاء 2 يوليو 2013، قبل إعلان الانقلاب على الشرعية، قال الرئيس مرسي في كلمة متلفزة: " "اوعوا الثوره تتسرق منكم بأي حجه الحجج كتير والسحره كتير والتحدي كبير وأنتوا قادرين تواجهوا هذا عايزين نحافظ علي ولادنا عايزين نحافظ علي بناتنا لأن هما إللي هيربوا اطفالنا في المستقبل وليعلم أبنائنا أن أبائهم وأجدادهم كانوا رجالآ لايقبلون الضيم ولاينزلون أبدآ علي رأي الفسده ولا يعطون الدنيه أبدآ من وطنهم أو شريعتهم أو دينهم".
ووعد الرئيس بأن يكون ثمن الحفاظ على مكتسبات الثورة حياته، يبذلها رخيصة حسبة لله وفي سبيل رفعة الوطن، وقد وفى بما وعد (شاهد وصية الرئيس للشعب)
وعن الليلة نفسها تحدثت الشيماء مرسي، نجلة الرئيس محمد مرسي، عن وصيّة والدها لها قبل اعتقاله من قبل سلطات الانقلاب بقيادة عبد الفتاح السيسي.
و قالت الشيماء، حسبما نقلت مواقع على شبكة الإنترنت عن صفحتها على "فيسبوك": إنه وفي "ليلة الانقلاب العسكري في الثالث من يوليوز 2013، وبعد خطاب الرئيس مرسي الشهير (أوعوا الثورة تتسرق منكم)، وصل من مقر عمله إلى استراحة الحرس الجمهوري، حيث كنا نبيت معه ليلتها"
الشيماء مرسي وصفت والدها بأنه "كان هادئا جدا، لم يتحدث كثيرا، كعادته، لكنه في هذه الليلة أفصح بحديث تصلح كل كلمة فيه أن تكون لي مرجعا"
ولم تنكر الشيماء أنها كانت "مشفقة" على مصير والدها، حزينة لأجله؛ "لأني رأيته عن قرب شديد كحاكم، وهذا لم يكن متاحا لأحد من رعيته إلا لنا نحن أسرته"
وكشفت الشيماء نص الحوار الذي دار بينها وبين والدها، قائلة: "قلت له -ظنا مني أني أواسيه-: "لا تحزن يا أبي، هؤلاء الناس لا يستحقون حاكما مثلك، أنت نعمة كفروا بها، فكان لا بد من نزعها منهم تأديبا، فهنيئا لهم ما اختاروا لأنفسهم، فهم لا يستحقون إلا من يذلهم، وينهب أعمارهم وأقواتهم وخيرات بلادهم"
الشيماء قالت إن والدها غضب من حديثها عن الشعب المصري، قائلة إنه أجابها بحديث أبكاها إجلالا، حيث قال: "إياكِ أن تتحدثي عنهم كذلك، الشعب المصري شعب مسكين، أُضعف لسنوات طويلة"
وتابعت على لسان والدها: "عانى كثيرا من توالي الفجرة والمجرمين على حكمه، وهو يستحق حياة كريمة كباقي الشعوب"
وأضافت على لسانه أيضا: "لا تكوني ساخطة عليهم، فأنا أقدر ما مروا به، ولست قلقا أبدا على نفسي، لكني أشفق عليهم مما سيحل بهم لو أعلنوا استسلامهم وصمتوا عن الجريمة الكبيرة التي تحدث في حقهم وحق أبنائهم، وظني فيهم أنه لن يكون"
وختمت الشيماء على لسان والدها قوله: "فلا تجزعي على أبيك، ومهما حدث، كوني كما عهدتك دائما رحيمة بالناس".




