قضايا وتحليلات

التدين الرقمي.. “خوارزمية المنصات” تعيد صياغة الهوية الإسلامية!!

  • الفضاء الرقمي يشكل ثقافة “المسلم المعاصر” بعيدا عن المؤسسات الدينية التقليدية
  • “الإمام الرقمي” والمؤثرون الجدد حولوا التدين إلى محتوى شكلي ترفيهي بقيم استهلاكية
  • تعزيز “الفردانية الراديكالية” وتفكيك الثوابت الأسرية والقيمية لصالح ثقافة علمانية دخيلة
  • ضرورة وجود برامج لحماية الهوية الإسلامية من سيطرة الخوارزميات وتشكيكها الأيديولوجي

“إنسان للإعلام”- فريق التحرير:

شهدت المجتمعات الإسلامية خلال العقدين الأخيرين تحولات جذريّة لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت نتاجاً مباشراً للثورة الرقمية التي أعادت صياغة الفضاء العام.

لقد استمالت منصات التواصل الاجتماعي —وفي مقدمتها “تيك توك”، “إنستغرام”، و”يوتيوب”— الاهتمام الجمعي، لتنتقل من كونها مجرد أدوات ترفيهية إلى مراكز محورية لإنتاج المعرفة الدينية وتداولها.

هذا الانتقال أحدث شرخاً في بنية السلطة الدينية التقليدية؛ فلم تعد المساجد، المدارس العريقة، أو حتى وسائل الإعلام الكلاسيكية هي المصدر الوحيد للمرجعية.. بدلاً من ذلك، برزت المنصات الرقمية كمنافس رئيسي يعيد تعريف علاقة الفرد بخالقه وبمجتمعه، في دور مزدوج وشديد التعقيد؛ فهي “أداة دعوية” طيِّعة في أيدي المتخصصين، لكنها في الوقت ذاته تتحول إلى معول لهدم القيم حين يتصدر مشهدها غير المؤهلين، فاتحةً نافذة على ثقافة استهلاكية عالمية تتعارض غالباً مع الأطر الأخلاقية الإسلامية.

“رقمنة” التدين وسيادة الفردانية الراديكالية

تعد “الفردانية” الركن الأساسي الذي تقوم عليه الثقافة الرقمية المعاصرة، وهي قيمة ترتكز على تمجيد الذات والحرية الشخصية المطلقة.

هذا التوجه يضرب عرض الحائط بمفهومي “المسؤولية المجتمعية” و”المساءلة الروحية” اللذين يمثلان ركيزتين في الفكر الإسلامي.

في هذا المناخ، برزت ظاهرة “المؤثرين” الذين يقتحمون الشأن الديني دون تأصيل شرعي، محولين الدين إلى “محتوى ترفيهي” يخضع لمعايير الرواج والشهرة. هنا، لا يصبح المقياس هو “صحة المعلومة” أو “عمق الأثر الروحي”، بل “عدد المشاهدات”.

هذا النمط من التدين الرقمي أدى إلى ظهور ما يمكن تسميته بـ “دين الفرد”، حيث يبني الشاب المسلم قناعته عبر تفاعل انتقائي مع محتوى مشتت، مما يسمح له بتشكيل فهم شخصي للدين يوافق أهواءه الشخصية بدلاً من الالتزام بمنظومة قيمية متكاملة ومستقرة.

تفتيت المرجعية وصعود “الإمام الرقمي

أدت سيولة المحتوى الرقمي إلى تهميش دور الفقهاء والعلماء الراسخين لصالح فئات غير متخصصة، وذلك تحت ذريعة “ديمقراطية الخطاب الديني”.

وهذا الانفتاح غير المنضبط سمح لغير المؤهلين بإعادة تفسير النصوص، مما تسبب في حالة من التشتت الفكري وفقدان الثقة بالمؤسسات الدينية الموثوقة.

وفي ظل هذا التراجع للمحراب التقليدي، برز مفهوم “الإمام الرقمي”؛ وهو المصطلح الذي يصف الشخصيات الدينية التي اتخذت من الفضاء الافتراضي منبراً حصرياً.

هؤلاء “الأئمة الجدد” استطاعوا هدم الجدران التقليدية للمساجد، وبناء علاقات شخصية مباشرة مع ملايين المتابعين عبر تقنيات “البث المباشر”.  ومن أبرز النماذج التي جسدت هذا التحول:

  • مصطفى حسني: الذي يمثل نموذج الانتقال السلس نحو الهيمنة الرقمية، معتمداً على إستراتيجية “الحضور المكثف” عبر سبع منصات مختلفة، مما يضمن محاصرة المتلقي في كافة فضاءاته الرقمية.
  • عبد الله رشدي: الذي استثمر أدوات “السجال الرقمي” والمناظرات لجذب الشباب الباحث عن خطاب هجومي في مواجهة الشبهات.
  • عائشة روزالي: التي تمثل وجه “الإسلام الوافد” وتأثير قصص التحول الروحي في الجمهور العريض.

يتميز هؤلاء المؤثرون باستخدام “الأسلوب القصصي” (Storytelling) و”الأنسنة”، حيث يركزون على قضايا يومية مثل الصحة النفسية، الاكتئاب، وضغوط العمل، مما جعلهم أكثر قرباً من الأجيال الجديدة مقارنة بالخطاب الكلاسيكي للمؤسسات التقليدية.

اقتصاد الانتباه وديكتاتورية الخوارزميات

لم يعد الإنترنت مجرد وسيلة اتصال، بل تحول إلى “سوق مفتوح للأفكار” كما وصفه الباحث “غاري بانت”.

في هذا السوق، تحكم “خوارزميات المنصات” القبضة على ما يتم عرضه، وهي خوارزميات لا تهتم بالمعيار الشرعي أو الدقة الفقهية، بل بمعايير التفاعل والجاذبية البصرية.

هذا ما يُعرف بـ “اقتصاد الانتباه” (Attention Economy)، حيث تمنح الأولوية للمحتوى الأكثر إثارة.

ونتيجة لذلك، نشأ ما يسمى بـ “التدين الأدائي” أو “الشكلي”؛ حيث تُمارس الطقوس كعرض بصري لجذب “الإعجابات”.

هذا النوع من الاستعراض النرجسي يفرغ العبادة من جوهرها (الإخلاص) ويحولها إلى وسيلة لتحقيق “التريند”.

وقد تعمق هذا النمط بشكل ملحوظ عقب أحداث الربيع العربي وإبان جائحة كورونا، ليصبح الملاذ الروحي لجيل الشباب الذي يبحث عن إجابات سريعة تتلاءم مع إيقاع العصر، بعيداً عن صرامة القواعد الشرعية السليمة.

صناعة “المسلم الجديد” وتطبيع اللاأخلاقية

تتحول المنصات الرقمية أحياناً إلى محاضن لتمرير أنماط حياة تتعارض جذرياً مع الشريعة الإسلامية.

ويبرز هنا مشروع “صناعة المسلم المعاصر” —الذي أشارت إليه دراسات سابقة مثل دراسة معهد “راند”— وهو النموذج الذي يكتفي بالطقوس الشكلية مع تفريغ الدين من أحكامه الجوهرية.

يتم من خلال هذا الفضاء الترويج لنماذج اجتماعية غريبة، مثل “المساكنة” أو ظاهرة “الأم العزباء” (Single Mother)، وتصويرها كأنماط حياة عصرية ومقبولة.

كما تستغل بعض المنتديات خاصية “إخفاء الهوية” لنشر “الإلحاد الرقمي” والتشكيك في أركان العقيدة عبر نقاشات تفتقر للموضوعية وتعتمد على الإثارة. هذا “التيه الأخلاقي” —كما يصفه عالم الاجتماع عبد الصمد الديالمي— هو نتاج تقاطع العولمة والرأسمالية الرقمية مع الهوية الإسلامية، مما أدى إلى انزياح حاد في فهم النصوص والممارسات لدى الأجيال الجديدة.

هندسة “القيم البديلة” وتفكيك الأسرة

تعمل المنصات الرقمية على ترسيخ أنظمة قيمية جديدة تحت شعارات براقة تخفي محاولات لإعادة هندسة الوعي، ومن أبرزها:

  1. الإنسانية فوق الدين“: وهي حجة علمانية تجعل القيم العالمية (بمنظور غربي) هي المرجعية المطلقة.
  2. التقدم مقابل التقاليد: حيث يُصور الالتزام بالضوابط الشرعية كإرث “سلطوي قديم”، مقابل تصوير التحلل كرمز للحداثة.
  3. الحرية المطلقة والنسبية: اتخاذ حرية التعبير ذريعة لنشر الشبهات، والترويج لفكرة أن “كل التفسيرات صحيحة”، مما يلغي مفهوم الإجماع العلمي ويفتح الباب للعبث بالنصوص.

هذا التأثير امتد ليشمل البنية الأسرية، ففي دراسات استهدفت “جيل زد المسلم”، تبين أن منصات مثل “تيك توك” أعادت تفسير مفاهيم الزواج والعلاقات وفق “معايير جمالية واستعراضية”.

وأصبحت “المقارنة المستمرة” مع حياة الآخرين الرقمية هي المحرك الأساسي لتقييم الرضا الأسري، مما حول المنظومة الأخلاقية من “تكليف روحي” إلى “محتوى استهلاكي”.

سلطة الخوارزمية كفاعل أيديولوجي

لا تقتصر الخطورة على عفوية التداول، بل تمتد لتشمل تدخلاً متعمداً في توجيه الخوارزميات من قبل تيارات معادية للثوابت أو مغرضين علمانيين، بهدف إبراز خطاب “التشكيك” وتهميش خطاب “التأصيل”.

كما يتقاطع دور المؤثرين مع ضغوط السلطات السياسية التي قد تدفع ببعض الرموز لتقديم تفسيرات “معدلة” تتماشى مع قيم “المرونة المطلقة”.

هذا التماهي بين الضغط السياسي والوسيط الرقمي يسهم في إنتاج هوية دينية هجينة تخضع لقوانين السوق الرأسمالية وتجعل من الدين منتجاً قابلاً للتطوير والتبديل وفق الطلب.

إن المنصات الرقمية باتت لاعباً محورياً في إعادة تعريف الإسلام في العصر الحديث، وفي مواجهة هذا المد، حاولت المؤسسات التقليدية توسيع حضورها الافتراضي، إلا أن المعركة لا تزال غير متكافئة بسبب طبيعة البيئة الرقمية المصممة أصلاً لخدمة منطق مختلف عن المنظومات الدينية.

إن فك شفرات هذه التحولات وحماية الجوهر الديني من الذوبان في “سيولة العالم الرقمي” يتطلب “مقاربة متعددة التخصصات”؛ تجمع بين الرصد الإعلامي الدقيق، التحليل السوسيولوجي للظواهر الجديدة، والتأصيل الشرعي الرصين.

والهدف ليس الانكفاء على الذات، بل تقديم خطاب ديني أصيل يمتلك أدوات العصر دون أن يغرق في أمواجه المتلاطمة، لضمان بقاء الهوية الإسلامية كتلة صلبة في مواجهة رياح التفكيك الرقمي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

  • عبد الصمد الديالمي، “الإسلام الرقمي، مصدر تيه أخلاقي”، “مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث”، 4 سبتمبر 2019م،  https://2h.ae/pjywu
  • هالة الحفناوي، “التدين الرقمي.. ملمحٌ جديدٌ في حياة المسلمين”، “مجلة الفراتس”، 19 مايو 2025م، https://2h.ae/lKZFK
  • “دمج القيم الإسلامية والتقنيات الرقمية في إدارة التعليم الإسلامي: إطار معاصر”، “مجلة بحوث الإدارة التربوية” (Journal of Educational Management Research)، 4 نوفمبر 2025م، https://2h.ae/amqEE
  • صالح حسن وحيد، “استكشاف التقاطع بين الإسلام والتكنولوجيا الرقمية: تحليل ببليومتري”، (sciencedirect)، أكتوبر 2024،
  •   https://2h.ae/LNPpU

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى