هندسة الصمت: مؤسسات تنظيم الإعلام المصري.. من حماية المهنة إلى حصارها!
- مقصلة التراخيص وسلاح الحجب.. كيف نسفت الهيئات التنظيمية مبدأ “التأسيس بالإخطار”؟
- المجلس الأعلى للإعلام.. من ضمانة دستورية للحريات إلى “مظلة قانونية” للرقابة والمنع
- الهيئة الوطنية للصحافة.. مديونيات المؤسسات القومية 25 مليار جنيه وتصفية الإصدارات التاريخية
- وزارة الإعلام بين الارتباك المؤسسي والدور الدعائي.. وعود مُعطِّلة لـ “قانون المعلومات”
- احتكار تحت رعاية رسمية..عجز المؤسسات عن حماية المنافسة أمام تغوّل الجهات السيادية
- حصاد 2025.. مصر في المركز 170 عالمياً وسط انفجار الانتهاكات وتصاعد “الرقابة الذاتية“
“إنسان للإعلام”- فريق التحرير:
تواجه الصحافة المصرية في السنوات الأخيرة تحديات متزايدة، أثرت بشكل مباشر في قدرتها على نقل الحقيقة وتشكيل الرأي العام. وفي خضم هذه الأزمات، يبرز دور المؤسسات المنظمة للعمل الصحفي كعامل محوري، تتأرجح مهامه بين دعم المهنة أو تعقيد مشكلاتها؛ فبين القوانين المنظمة واللوائح التنفيذية، تتجدد التساؤلات حول مدى إسهام هذه الكيانات في تفاقم الأزمة بدلاً من احتوائها.
يرصد هذا التقرير المؤسسات المعنية بتنظيم العمل الصحفي في مصر، ويبحث في مسببات تحولها من جهات لتطوير المهنة وحمايتها إلى أدوات رقابية أسهمت في تضييق الخناق على الحريات الصحفية.
المؤسسات المنظمة للعمل الصحفي:
توجد عدة مؤسسات رسمية تؤثر بشكل مباشر في سير العمل داخل المنصات الصحفية والإعلامية، حيث تضطلع بمهام التحكم في الأداء المهني والإشراف على تقييمه، ومن أبرز هذه المؤسسات:
1. المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام:
يُعد المجلس هيئة مستقلة تتمتع بالشخصية الاعتبارية وفقاً للقانون رقم 180 لسنة 2018 بشأن تنظيم الصحافة والإعلام. ويتولى المجلس تنظيم شؤون الإعلام المسموع والمرئي والرقمي، بالإضافة إلى الصحافة المطبوعة والإلكترونية. [1]
يُفترض بالمجلس –وفقاً للدستور والقانون– أن يكون الجهة المختصة بضمان استقلال الإعلام، وحماية حرية الرأي والتعبير. كما تقع على عاتقه مسؤولية منح تراخيص العمل الصحفي والإعلامي، ووضع المعايير المهنية، وتقييم الأداء العام.
وحدد القانون رقم 180 لسنة 2018 جملة من الاختصاصات والأهداف للمجلس، تمنحه صلاحيات واسعة تشمل كافة جوانب العمل الصحفي والإعلامي، ومن أبرزها:
– إبداء الرأي في مشروعات القوانين واللوائح المنظمة للمجال.
– تلقي إخطارات تأسيس الصحف، ومنح تراخيص مزاولة النشاط الإعلامي (بالتنسيق مع الجهات المختصة، واشتراط موافقة الجهات الأمنية قبل قيد الشركات).
– الترخيص لشركات إعادة البث، ومنصات الإعلام الرقمي، وشركات قياس نسب المشاهدة.
– الموافقة على توزيع المطبوعات الأجنبية داخل البلاد، والتنسيق مع الهيئة العامة للاستعلامات بشأن المراسلين الأجانب.
– وضع الضوابط المهنية والأخلاقية والإعلانية بالتعاون مع النقابات المعنية، وضمان التزام المؤسسات بها.
– تلقي وفحص الشكاوى المتعلقة بالمحتوى المنشور أو المبثوث، واتخاذ الإجراءات اللازمة، بما في ذلك الإحالة للجهات النقابية.
– تنظيم المحتوى الإعلاني بما يتوافق مع النظام العام والآداب، ومنع التحريض على الكراهية أو العنف، مع تحديد حد أقصى للمساحات الإعلانية.
– مراقبة مصادر تمويل المؤسسات الصحفية والإعلامية لضمان الشفافية، والإبلاغ عن أي مخالفات مالية.
– ضمان منع الممارسات الاحتكارية وحماية المنافسة في المجال الإعلامي.
– تنظيم تحصيل الضرائب على الإعلانات الرقمية.
– وضع نظم الرعاية الصحية والاجتماعية للعاملين بالمجلس.
– اعتماد الهياكل التنظيمية والموازنات السنوية والحسابات الختامية، وإصدار اللوائح الداخلية (إدارياً ومالياً وفنياً).
– اعتماد قواعد الاستعانة بالخبرات الأجنبية، والنظر في الموضوعات التي يطرحها رئيس المجلس أو أمينه العام[2].
من أداة للحرية إلى آلية للرقابة
وعلى الرغم من أن الدستور نص على إنشاء المجلس الأعلى للإعلام كركيزة لتعزيز حرية الصحافة، إلا أن السلطة التنفيذية حولته إلى أداة لإحكام السيطرة على القنوات والصحف، مما أدى إلى تقييد حرية الفكر والإبداع بمختلف صورها.
كما حوّل القانون المجلس إلى جهاز رقابي ينفذ توجهات السلطة التي تتحكم بشكل كامل في اختيار أعضائه؛ حيث ينفرد رئيس الجمهورية بتعيين (10) أعضاء من أصل (13)، عبر آلية تُلزم الجهات المعنية بترشيح ضعف العدد المطلوب ليختار الرئيس من بينهم. هذا الاستحواذ يقوض فلسفة الاستقلال التي يُفترض أن يقوم عليها المجلس.
كما تعمد القانون إبقاء مصطلحات مثل “الأمن القومي” مبهمة دون تحديد ضوابط ملزمة للمنع أو المصادرة، مما جعلها مبرراً فضفاضاً لوقف المواد الصحفية، وهو ما أفقد القانون غايته في تفسير النص الدستوري القابل للتطبيق.
وشاب القانون خلط واضح بين الأهداف والوسائل نتيجة صياغات غير منضبطة تضمنت (43) نقطة غلبت عليها العبارات الإنشائية، مثل “حماية الهوية الثقافية المصرية” دون تعريف واضح لها، مما فتح الباب لاعتبار أي محتوى لا يروق للمجلس اعتداءً على الهوية.
ورغم النص الدستوري الذي يقرر تأسيس الصحف بمجرد الإخطار، تحكم المجلس في هذا الحق وحرم مواقع إخبارية عديدة من الإشهار رغم استيفائها الشروط، ومنها: (مدى مصر، المنصة، فكر ثاني، مصر 360، رصيف 22، وزاوية ثالثة). كما مَنح المجلس لنفسه سلطة توقيع عقوبات مطاطة كاللحجب والغرامة، وتدخل في شؤون النقابات عبر إحالة الصحفيين للمساءلة التأديبية.
الصمت عن الاحتكار وغياب الحماية
وفي حين يُعد “منع الاحتكار” من صميم اختصاصاته، غض المجلس الطرف عن صفقات كبرى نقلت ملكية مؤسسات إعلامية إلى جهات سيادية (مثل انتقال ملكية “إعلام المصريين” إلى “إيجل كابيتال” ثم إلى “المتحدة”). ويأتي هذا التغول في الصلاحيات في ظل غياب قانون موحد يحمي حقوق العاملين، مما أوجد خللاً أتاح للمجلس اتخاذ قرارات سيادية دون رقابة فعالة.
ومنذ انطلاقه، مارس المجلس دوراً عقابياً مشدداً، ومن أبرز الشواهد:
– الدراما والبرامج: فرض غرامات باهظة وصلت إلى (200 ألف جنيه) على القنوات بسبب “تجاوزات لفظية”، وأوقف برامج مستقلة مثل (SNL بالعربي) بدعوى وجود إيحاءات سياسية، كما ضيّق على برنامج “أبلة فاهيتا” وفرض كشف هوية مؤدي الشخصية.
– استهداف الصحفيين والمواقع: حقق مع الدكتور عمرو الشوبكي بسبب مقال رأي، وفرض غرامة على صحيفة “المصري اليوم” وأحال رئيس تحريرها للتحقيق خلال انتخابات 2018، بالإضافة إلى تغريم موقع “مصر العربية”؛ مما كرس سياسة العقاب الممنهج ضد كل من يخالف الرواية الرسمية[3].
2. الهيئة الوطنية للصحافة:
تُعد الهيئة الجهة المنوط بها تنظيم شؤون الصحافة القومية في مصر، وذلك بموجب القانون رقم 179 لسنة 2018، الذي يسري على كافة المؤسسات الصحفية والمواقع الإلكترونية المملوكة للدولة.
تتمتع الهيئة بصلاحيات واسعة تمس الجوانب الإدارية والمالية والمهنية للمؤسسات القومية، وتتلخص مهامها فيما يلي:
– تعيين القيادات الصحفية (رؤساء مجالس الإدارة ورؤساء التحرير)، واعتماد الهياكل التنظيمية، وتلقي قرارات تشكيل مجالس الإدارات.
– تنظيم انتخابات مجالس الإدارات والجمعيات العمومية داخل المؤسسات.
– اعتماد قرارات مد السن للعاملين عند الحاجة، وتحديد البدلات المالية للقيادات.
– الرقابة على الأداء الاقتصادي والإداري للمؤسسات، وتلقي التقارير المالية والموازنات والحسابات الختامية واعتمادها.
– الموافقة على القروض، والأنشطة الاستثمارية المرتبطة بالنشر، وقبول المنح والتبرعات وفقاً للقانون.
– شراء مستلزمات الطباعة، واعتماد أسعار الإعلانات وتوزيع الصحف.
– إبداء الرأي في مشروعات القوانين واللوائح ذات الصلة بالمهنة.
– وضع اللوائح والمعايير المنظمة للعمل دون التقيد بالنظم الحكومية التقليدية.
– إجراء تقييم دوري شامل للأداء واتخاذ إجراءات التصويب، مع صلاحية تشكيل لجان تقصي الحقائق.
– إقرار برامج التعاون والشراكة، ولها الحق في دمج المؤسسات الصحفية أو إلغاء بعض الإصدارات.
– التوفيق في المنازعات التي قد تنشأ بين المؤسسات الصحفية القومية[4].
وعلى الرغم من الدور المفترض للهيئة في دعم المؤسسات الصحفية القومية وتطويرها، إلا أن ممارساتها الفعلية أسهمت في عرقلة العمل الصحفي وتكريس الأزمات، وذلك عبر المحاور التالية:
– تخضع آلية تشكيل الهيئة بدرجة كبيرة لسطوة السلطة التنفيذية، وهو ما يلقي بظلاله على سياسات التحرير ويحد من استقلال الصحفيين، في ظل نصوص قانونية غامضة تمنح السلطة يداً عليا في توجيه دفة الهيئة.
– تمارس الهيئة سيطرة مباشرة على الصحف القومية من خلال التحكم المطلق في تعيين القيادات وتوجيه الخط التحريري؛ مما أدى إلى توحيد الخطاب الإعلامي، واختفاء التنوع، وتحجيم الأصوات النقدية داخل مؤسسات الدولة.
– أدى استخدام القوانين كأدوات لضبط الأداء الإعلامي إلى التضييق على حرية التعبير، وزيادة وتيرة “الرقابة الذاتية” لدى الصحفيين، الذين باتوا يحجمون عن تناول القضايا الحساسة أو إجراء التحقيقات الاستقصائية خشية الصدام مع توجهات الهيئة.
– تسببت الهيئة في تعطيل تعيين مئات الصحفيين المؤقتين في مختلف المؤسسات القومية، وحرمانهم من حقهم القانوني في التثبيت بعقود عمل رسمية.
ورغم الاحتجاجات المتكررة وتدخل نقابة الصحفيين للحصول على وعود بالتعيين، إلا أن هذه الوعود ظلت حبراً على ورق دون خطوات عملية ملموسة حتى الآن.
– ثمة غموض يكتنف هوية الهيئة نتيجة الجمع بين مهام الإدارة التنفيذية والرقابة التنظيمية؛ مما حولها من جهة تهدف لتنظيم المهنة إلى أداة للتوجيه المباشر والإدارة المركزية التي تخدم الرؤية الرسمية فقط[5].
3. وزارة الإعلام:
منذ ثورة 25 يناير 2011 وتنحي مبارك، ظل منصب “وزير الإعلام” مادة للجدل الدائم في تشكيل الحكومات المتعاقبة؛ إذ عكس مساره حالة من الارتباك في رؤية الدولة للمشهد الإعلامي.
بدأ الارتباك بمطالبات إعادة ضبط المشهد، مروراً بإقرار دستور ينص على تدشين هيئات مستقلة لإدارة الإعلام بكافة أشكاله (المرئي والمسموع والمقروء)، وصولاً إلى قرار حكومي بإلغاء الوزارة عام 2014. إلا أن المنصب عاد للظهور نهاية عام 2019 بتعيين أسامة هيكل وزيراً للدولة لشؤون الإعلام، والذي لم يستمر سوى 16 شهراً؛ حيث أُجبر على الاستقالة عام 2021 إثر تصريحات لم تحظَ بقبول صانع القرار، ودون تحقيق أي تطور ملموس في الملف الإعلامي.
عاد المنصب مجدداً في التعديل الحكومي الأخير بتعيين ضياء رشوان (رئيس هيئة الاستعلامات السابق) وزيراً للدولة للإعلام، مما أعاد طرح التساؤلات الجوهرية حول جدوى وجود الوزارة في ظل وجود ثلاث هيئات مستقلة تتنازع الاختصاصات بالفعل.
انقسمت الآراء حول هذه العودة إلى تيارين:
تيار مؤيد: يرى ضرورة وجود الوزارة ككيان سياسي يتولى رسم “الاستراتيجية الإعلامية للدولة”.
تيار معارض: يرى عدم جدوى العودة في ظل وجود “المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام” وهيئتي الصحافة والإعلام، معتبراً أن الأولوية يجب أن تكون لتفعيل دور هذه الهيئات في التخطيط لمستقبل المهنة بدلاً من استنساخ كيانات تزيد من تضارب الصلاحيات[6].
اعتراف بالأزمة وغياب للحلول
رغم إقرار وزير الدولة للإعلام، ضياء رشوان، في مؤتمر مؤخرًا، بأن الإعلام المصري يمر بأزمة عميقة خلّفت ضحايا من المواطنين والعاملين في المجال، وحديثه عن وجود رؤى لإعادة صياغة المشهد بمشاركة جهات متعددة؛ ورغم إعلانه عزم الوزارة عقد مؤتمر سنوي للإعلام في 3 ديسمبر من كل عام (تزامناً مع ذكرى صدور جريدة “الوقائع المصرية”) لمناقشة التحديات وبناء منظومة احترافية، إلا أن الواقع العملي جاء مغايراً.
تحولت الوزارة عملياً إلى أداة دعائية للنظام، تركز جهودها على تبرير السياسات وتجميل الصورة الذهنية للسلطة، دون إحراز تقدم ملموس في الملفات الصحفية المتراكمة. ورغم أن دور الوزارة -وفقاً للمادة (70) من الدستور- يُفترض أن يكون تنسيقيًا لا تنفيذيًا، يمثل الدولة دون الجور على اختصاصات الهيئات الأخرى، إلا أن هذا الدور لم ينجح في وقف تدهور الحريات الصحفية وحرية التعبير.
وأحد أبرز مظاهر الإخفاق يكمن في استمرار إهدار الحق في الحصول على المعلومات، سواء للصحفيين أو الجمهور؛ وذلك نتيجة عدم تحرك الوزارة الجاد لإصدار “قانون تداول المعلومات”، رغم الوعود المتكررة التي قطعها رشوان بإنجاز هذا التشريع الحيوي، مما أبقى المشهد الإعلامي رهيناً للتعتيم وضيق الأفق المعلوماتي[7].
صراع الهيمنة وغياب الاستراتيجية
في هذا السياق، فندت ورقة بحثية صادرة عن مؤسسة حرية الفكر والتعبير (بعنوان: “وزارة الدولة للإعلام.. بين الإفصاح عن المعلومات وصراع الهيمنة على الإعلام”) جدوى هذه العودة؛ حيث أكدت أن وجود الوزارة لم يقدم أي إفادة حقيقية للمؤسسات الصحفية، وفشل في تطوير أو إعادة هيكلة وسائل الإعلام المملوكة للدولة بما يضمن استقلالها المهني عن السلطة التنفيذية.
علاوة على ذلك، أخفقت الوزارة والهيئات الإعلامية في التصدي لانتشار خطابات الكراهية والتحريض؛ بل أسهمت في تعزيز حضور وجوه إعلامية تروج لهذه الخطابات ضد المعارضين بمختلف اتجاهاتهم.
وخلصت الورقة إلى أن الوزارة، منذ عهد أسامة هيكل وصولاً إلى المرحلة الحالية، عجزت عن وضع استراتيجيات واضحة للنهوض بالصناعة، وتزامن وجودها مع تفاقم الأزمات المزمنة ومصادرة الحريات، فضلاً عن عجزها التام عن مواجهة توغل الأجهزة السيادية وسيطرتها على أنماط ملكية وسائل الإعلام في مصر[8].
المؤسسات التنظيمية.. صناعة الأزمات بدلاً من حلها
أسفرت السياسات غير الفعالة للهيئات المسيطرة على المشهد الصحفي والإعلامي عن سلسلة من الأزمات الهيكلية، أبرزها:
1. معضلة التراخيص: بين الارتباك التشريعي والمنع الأمني منذ تأسيس الهيئات المنوط بها منح تراخيص الإصدارات الصحفية، اتسمت هذه العملية بالعشوائية والتخبط؛ نتيجة غياب إطار قانوني متماسك ينظم القطاع، رغم صدور قانون تنظيم الصحافة والإعلام في أغسطس 2018.
رصدت ورقة بحثية لمركز “حرية الفكر والتعبير” (بعنوان: «غير مرخص لهم: أزمات ملف توفيق أوضاع المواقع الصحفية») تعاقب أربعة قوانين وأربع لوائح خلال سبع سنوات فقط.
هذا الارتباك تجلى في القرار رقم 418 لسنة 2020، الذي ألزم المواقع بتوفيق أوضاعها خلال مدد زمنية جرى تمديدها مراراً حتى مارس 2021، دون صدور قرارات حاسمة بشأن أغلب الطلبات المقدمة.
تحول منح التراخيص عملياً إلى امتياز يقتصر على المواقع الحاصلة على “موافقة أمنية”، بينما جوبهت طلبات المواقع المستقلة بالتجاهل أو الرفض أو الحجب، كما حدث مع مواقع: (مدى مصر، مصر العربية، المنصة، مصر 360، وغيرها)؛ مما يعد انتهاكاً صريحاً للنص الدستوري الذي يقر مبدأ “التأسيس بالإخطار لا الترخيص”.
خلصت الدراسة إلى أن تجاهل طلبات الترخيص يضع هذه المنصات تحت مقصلة الملاحقة الأمنية والضغوط الاقتصادية، ويسهم في تقويض الصحافة المستقلة عبر الانتقائية في منح التراخيص، وسط تحذيرات جدية من تدخل الأجهزة الأمنية في صميم عمل المجلس الأعلى للإعلام[9].
2. انحسار الحريات وتغول القبضة الرقابية: يأتي تقويض الحريات الصحفية وحرية التعبير كأبرز الثمار المرة لسياسات الهيئات المنظمة للإعلام في مصر.
وفي هذا الصدد، وثقت منظمة “عدالة لحقوق الإنسان” في تقرير لها أن الصحافة المصرية تمر حالياً بأسوأ مراحلها منذ عقود؛ حيث تعرض مئات الصحفيين لانتهاكات جسيمة، شملت الاعتقال التعسفي، والمنع الممنهج من الظهور الإعلامي، والملاحقات القضائية ذات الطابع السياسي.
وحذر التقرير من أن استمرار هذا المناخ القمعي لا يقوض الدور الرقابي للصحافة فحسب، بل يعمق فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع، مؤكداً أن تقييد حرية التعبير لم ولن يكون سبيلاً لتحقيق الاستقرار.
وأشار التقرير إلى أن تشديد الرقابة وتعدد جهات المنع أدى إلى تراجع حاد في تصنيف الإعلام المصري بالمحافل الدولية، وهو ما استوجب توجيه دعوات لتحرك دولي ضاغط لحماية الصحفيين ووقف الانتهاكات المنهجية ضدهم[10].
مؤشرات تدهور البيئة الصحفية (بيانات 2025):
تجلّى التراجع الحاد في مستوى الحريات من خلال مؤشرات رقمية وواقعية صادمة، أبرزها:
– السقوط في المؤشرات الدولية: تراجع ترتيب مصر في مؤشر حرية الصحافة العالمي لتستقر في المركز (170) من أصل 180 دولة وفقاً لتقارير عام 2025.
– التوظيف السياسي للقوانين: التوسع الممنهج في استخدام نصوص قوانين “الأمن القومي” و”مكافحة الإرهاب” كذريعة قانونية لتقييد حرية التعبير وملاحقة أصحاب الرأي.
– الملاحقات الأمنية: استمرار وتيرة الاعتقالات والمحاكمات ذات الطابع السياسي بحق الصحفيين، ما جعل السجن عقوبة محتملة للعمل المهني.
– تصاعد الانتهاكات الميدانية: تسجيل أكثر من (168) انتهاكاً ضد الصحفيين خلال الأشهر الأخيرة فقط من عام 2025، ما يعكس بيئة عمل شديدة الخطورة.
– الحصار الاقتصادي: تصاعد الضغوط المالية على المؤسسات الصحفية المستقلة لإجبارها على الإغلاق أو الانصياع للخطاب الرسمي.
– تفشي الرقابة الذاتية: انتشار حالة من الخوف دفعت قطاعاً واسعاً من الصحفيين إلى ممارسة “الرقابة الذاتية” وتجنب القضايا الحساسة حفاظاً على أمنهم الشخصي.
– سياسة العقوبات المالية: استمرار فرض الغرامات الباهظة والعقوبات الإدارية على الوسائل الإعلامية كأداة للتركيع والضبط والسيطرة[11].
الحصار الرقمي وتقويض المهنة
في مايو 2017، دشنت السلطات المصرية حملة واسعة لحجب المواقع الإلكترونية، طالت نحو (500) موقع وفق تقديرات منظمات حقوقية. بدأت الحملة دون سند قانوني واضح، واستهدفت في مراحلها الأولى منصات تابعة لجماعة الإخوان المسلمين، قبل أن تتسع دائرتها لتشمل مواقع مستقلة، ومنصات دولية، وجهات حقوقية.
تم لاحقاً شرعنة هذه الممارسات عبر ترسانة من القوانين، أبرزها: قانون تنظيم الصحافة والإعلام، وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات؛ إذ منحت هذه التشريعات الجهات المختصة صلاحيات مطلقة لحجب المواقع بذرائع مطاطة.
أدت سياسة الحجب الممنهج إلى ضرب النموذج الاقتصادي للصحافة الرقمية في مقتل؛ مما أسفر عن إغلاق مؤسسات إعلامية بالكامل وتسريح أطقمها الصحفية، فضلاً عن تقليص فرص العمل في هذا القطاع. وتضم قائمة الحجب حالياً عشرات المنصات البارزة مثل: (مدى مصر، المنصة، رصيف 22)، بالإضافة إلى مدونات عربية ودولية تُعنى بالشأن المصري؛ مما حوّل الفضاء الرقمي إلى بيئة طاردة للعمل الصحفي الحر[12].
الأزمات الاقتصادية وشبح الخصخصة
لم تكن الصحافة المصرية بمنأى عن الهزات الاقتصادية العنيفة التي ضربت البلاد خلال العقد الماضي؛ إذ تضافرت عوامل ارتفاع تكاليف الإنتاج (من أحبار وورق وطباعة) مع تراجع حاد في الموارد الإعلانية، مما وضع المهنة أمام تحديات وجودية تجلت مظاهرها في:
– تآكل النموذج الاقتصادي: انخفاض الإيرادات بشكل حاد وتراكم الديون التاريخية على المؤسسات القومية، مما أدى إلى عجزها عن الوفاء بالتزاماتها تجاه العاملين أو تطوير أدواتها.
– انحسار الإصدارات الورقية: إغلاق عدد من الصحف والمجلات العريقة أو تقليص حجمها وعدد صفحاتها، ومن أبرز ملامح هذا التراجع كان إلغاء النسخ الورقية لإصدارات تاريخية مثل: «المساء»، «الأهرام المسائي»، و«الكواكب»، والاكتفاء بمواقعها الإلكترونية.
– هيكلة الملكية والسيطرة: زيادة هيمنة الاستثمارات التابعة لجهات رسمية أو سيادية على ملكية الوسائل الإعلامية، مما أضعف دور الصحافة المستقلة وقدرتها على المنافسة.
– مخاوف الخصخصة: طرح بعض أصول المؤسسات الصحفية القومية للاستثمار، مما أثار جدلاً واسعاً ومخاوف جدية من تصفية دور الدولة التنويري لصالح القطاع الخاص أو المستثمرين، دون ضمانات لحقوق الصحفيين.
– تحديات التحول الرقمي: الاتجاه المتزايد نحو المنصات الرقمية كبديل اضطراري، وهو مسار يصطدم بعقبات التمويل المستدام وضعف سوق الإعلانات الرقمية في ظل سياسة الحجب[13].
مؤشرات الانهيار: لغة الأرقام الصادمة
تؤكد البيانات الرسمية والشهادات المهنية عمق الأزمة الهيكلية التي تعاني منها الصحافة المصرية؛ فعلى صعيد الانتشار والتأثير:
– تهاوي أرقام التوزيع: كشف ممدوح الولي، نقيب الصحفيين الأسبق، في تصريحات صحفية (2021) عن تراجع حاد في معدلات القراءة؛ إذ لم يعد هناك أي إصدار صحفي يتجاوز توزيعه اليومي حاجز الـ 50 ألف نسخة، بينما انحدرت توزيعات بعض المجلات لتصل إلى ألف نسخة فقط.
– بيانات “الإحصاء”: عزز تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء هذه المؤشرات، موضحاً أن إجمالي التوزيع اليومي للصحف العربية (بما فيها النسخ المجانية) بلغ نحو 351 ألف نسخة فقط، وهو رقم ضئيل جداً مقارنة بالكثافة السكانية.
– غياب الشفافية المالية: ورغم الالتزام القانوني بضرورة الإفصاح، لا تزال المؤسسات الصحفية القومية تمتنع عن نشر بياناتها المالية أو ميزانياتها السنوية، مما يفرض جداراً من الغموض حول حجم الخسائر المالية وكيفية إدارة الديون المتراكمة[14].
دفعت هذه الخسائر المتفاقمة “الهيئة الوطنية للصحافة” إلى اتخاذ إجراءات محاسبية استثنائية، تمثلت في رفع رؤوس أموال معظم المؤسسات الصحفية بقيمة “الإعانات” التي تتلقاها من وزارة المالية؛ في محاولة شكلية لتعويض الخسائر الناجمة عن تآكل حقوق الملكية والحيلولة دون الانهيار القانوني لتلك المؤسسات.
وتشير التقديرات الصادمة إلى أن ديون المؤسسات الصحفية قد تجاوزت حاجز الـ 25 مليار جنيه بحلول عام 2024، مع استمرار تصاعدها بمعدلات مطردة لاحقاً، مما يضع مستقبل هذه الكيانات العريقة على المحك في ظل غياب خطط إصلاحية حقيقية تتجاوز مجرد المسكنات المالية[15]
توصيات لإنقاذ الصناعة من “أزمة وجودية“
في قراءة تحليلية معمقة، أكدت دراسة منشورة بـ “المجلة المصرية للبحوث والإعلام”(تحت عنوان: «محددات أزمة التمويل في صناعة الصحافة») أن القطاع الصحفي يواجه حالياً أزمة وجودية تهدد استمراريته كصناعة حيوية؛ وذلك نتيجة تضافر ثلاثة عوامل رئيسية: ضعف التمويل، تراجع العوائد الإعلانية، وهيمنة نمط الملكية الأحادي الذي يقيد التعددية.
وخلصت الدراسة إلى أن إنقاذ الصحافة المصرية من حافة الانهيار يتطلب حزمة إصلاحات جذرية، أبرزها:
– إعادة صياغة ملكية المؤسسات: للخروج من نفق الهيمنة الأحادية وتوسيع قاعدة المشاركة.
– تعزيز التنافسية: عبر خلق بيئة تسمح بالتعددية وحرية المنافسة بين مختلف الوسائل الإعلامية.
– الالتزام الصارم بالمعايير المهنية:لاستعادة ثقة الجمهور المفقودة وجذب المعلنين.
– تنويع الروافد المالية:عبر ابتكار مصادر دخل جديدة لا تعتمد كلياً على الإعلانات التقليدية أو الدعم الحكومي.
– دعم التحول الرقمي الشامل:ليس فقط كبديل للورق، بل كنموذج عمل متكامل يواكب التطورات العالمية في إنتاج واستهلاك المحتوى[16].
في ظل هذه التحولات المتسارعة، تقف الصحافة المصرية اليوم عند مفترق طرق حاسم؛ فبين الدور المفترض للمؤسسات المنظمة في ضبط الأداء المهني، وبين واقع ممارساتها التي أسهمت في تعميق الأزمات الهيكلية والحقوقية، تبرز حاجة ملحة وغير قابلة للتأجيل لإعادة النظر في فلسفة التنظيم برمتها.
إن الانتقال من “عقيدة الرقابة والسيطرة” إلى “مبدأ التنظيم والتمكين” هو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن المفقود بين الحرية والمسؤولية.
وإنقاذ الصحافة المصرية -باعتبارها ذاكرة الوطن وقوته الناعمة- لا يقع عاتقه على كاهل الجماعة الصحفية وحدها، بل يتطلب إرادة سياسية ومؤسسية حقيقية لإصلاح بيئة العمل الإعلامي، وتحريرها من القيود الإدارية والأمنية والاقتصادية، لضمان استدامتها كركيزة أساسية في بناء مجتمع المعرفة والمجال العام.
[1] “دور المجلس الاعلي للاعلام ” ، موقع المجلس الاعلي للاعلام ، https://goo.su/dJcTb
[2] “تعرف على اختصاصات المجلس الأعلى للإعلام وفقا للقانون” ،اليوم السابع،1ديسمبر 2024 ، https://goo.su/6oWqb
[3] “المجلس الأعلى للإعلام في مصر: من أداة لضمان حرية الإعلام إلى أداة للرقابة عليه” ، موقع المنشورات القانونية، 23 مايو2018 ، https://goo.su/ZxFznaw
[4] “اختصاصات حددها القانون للهيئة الوطنية للصحافة.. تعرف عليها” ، اليوم السابع، 07 يناير 2026 ، https://2u.pw/A62t8K
[5] برنامج “شات .جي. بي. تي” للذكاء الاصطناعي “بتصرف”
[6] “وزير الإعلام»… منصب يُربك التشكيلات الحكومية المصرية منذ 2011 ” ، الشرق الأوسط،10 فبراير 2026 ، https://goo.su/dCFjh
[7] “ضياء رشوان: وزارة الدولة للإعلام لها مجموعة من الوظائف المحددة بوضوح وفق نصوص الدستور” ، المال ، 12 فبراير 2026، https://goo.su/SoxEW1
[8] مصطفى شوقي ، “وزارة الدولة للإعلام.. بين الإفصاح عن المعلومات وصراع الهيمنة على الإعلام” ، مؤسسة حرية الفكر والتعبير ، 31 ديسمبر 2020 ، https://2u.pw/97Qv0C2o
[9] “غير مرخص لهم عن: أزمات ملف توفيق أوضاع المواقع الصحفية” ، مركز حرية الفكر والتعبير، 10 يونيو 2021 ، https://goo.su/YpTr
[10] “عدالة: حرية الصحافة في مصر تواجه خطرًا متصاعدًا” ، موقع عدالة ، 3 مايو 2025 ، https://2u.pw/muNAw4
[11] “مصر في المركز 170 عالميًا بمؤشر حرية الصحافة 2025.. لماذا يستمر العسكر في تقويض الحريات؟” ، نافذة مصر،19 سبتمبر 2025 ، https://2u.pw/WeLo7L
[12] “ما لم يُرَ!: دراسة حول آثار الحجب على المواقع الصحفية في ثلاث سنوات” ، موقع مؤسسة حرية الفكر والتعبير، 24 يونيو2020 ، https://2u.pw/aXTUl0
[13] “ديون متراكمة وإجراءات متلاحقة.. هل تبيع مصر الصحف الحكومية أم تستثمر أصولها؟” ، الجزيرة نت، 7 يوليو 2022 ، https://linksshortcut.com/hUamN
[14] “ممدوح الولي: الصحف القومية تنهار وتوزيع بعضها لا يتعدى ألف نسخة!” ، عربي 21 ، 3 مارس 2018 ، https://cutt.us/5N23U
[15] “ممدوح الولي ، “الصحف المصرية.. أرقام صادمة” ، الجزيرة مباشر، 9 فبراير 2023 ، https://cutt.us/VbKn3
[16] “محددات أزمة التمويل في صناعة الصحافة ” ، المجلة المصرية للبحوث والإعلام ، 10 أغسطس 2016 ، https://linksshortcut.com/xauRz




