غير مصنف

لماذا تستخدم تركيا لغة ناعمة في تعاملها مع انقلاب تونس؟

تبنت أنقرة لغة مخففة بشكل ملحوظ تجاه انتزاع الرئيس التونسي "قيس سعيد" للسلطة وتجنبت وصف الأمر بالانقلاب، بالرغم من أنها تعتبر مسار الأحداث تهديدا محتملا قد يعرض سياساتها في شمال أفريقيا للخطر.

وفي الواقع، عدلت تركيا نهجها تجاه تونس بعد أن أصبحت الأحزاب العلمانية أكثر بروزا في السياسة التونسية بعد انتخابات 2014. واستند تعديل السياسة هذا على تطوير شبكة متوازنة من العلاقات من خلال التواصل مع الأحزاب العلمانية من جهة، مع الاحتفاظ بعلاقات وثيقة مع حزب النهضة الإسلامي من جهة أخرى.

والمثير للدهشة أن رد الفعل التركي كان أكثر حذرا مما كان عليه عندما أطاح الانقلاب العسكري في مصر عام 2013 بالرئيس "محمد مرسي". وفي البداية، انتقد ممثلو حزب العدالة والتنمية الحاكم بشدة خطوة الرئيس "سعيد". ووصف المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية "عمر جيليك"، ورئيس البرلمان "مصطفى شنطوب"، ونائب رئيس حزب العدالة والتنمية "نعمان قرطولمش"، التطورات في تونس بأنها انقلاب على النظام الدستوري، وأعلنوا أن تركيا ضد أي نوع من الانقلاب.

وفي المقابل، تبنى الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" نبرة ناعمة إلى حد ما بعد التحدث إلى الرئيس التونسي، ودعا فقط إلى العودة إلى استمرار أنشطة البرلمان. وعلى نفس المنوال، أصدرت وزارة الخارجية رسالة دبلوماسية حذرة، تجنبت استخدام مصطلح "الانقلاب" ودعت إلى إعادة إرساء الشرعية الديمقراطية.

ويدل هذا على أن أنقرة تتجنب أي مواجهة قد تخاطر بعلاقاتها مع تونس. حتى أن تركيا التزمت الصمت عندما أعلن "سعيد" في 22 سبتمبر/أيلول أنه سيبدأ حكم البلاد عبر مرسوم، الأمر الذي يقوض بشكل خطير المكاسب والهياكل الديمقراطية في تونس. ومع ذلك، ليست هذه هي المرة الأولى التي تختار فيها تركيا الخطاب المحسوب في سياستها تجاه تونس.

مشهد سياسي متغير في تونس

ودفع صعود حزب النهضة الإسلامي إلى السلطة في انتخابات 2011 حزب العدالة والتنمية إلى إعادة تشكيل سياسته التونسية وفقا لتقاربه السياسي مع الحزب. وكانت سياسة ما بعد الثورات العربية هذه متماشية مع استراتيجية أنقرة الإقليمية، التي ركزت في الغالب على تشكيل شراكات مع الأحزاب السياسية المتحالفة مع جماعة "الإخوان المسلمون".

وكانت هذه الأعوام هي الفترة الأكثر كثافة للزيارات الدبلوماسية بين تركيا وتونس، التي أسفرت عن توقيع مجموعة من اتفاقيات التعاون. وحصدت أنقرة ثمار العلاقات الوثيقة خلال "حكومة الترويكا" بقيادة النهضة بين عامي 2012 و2013. على سبيل المثال، في عام 2011، وقع البلدان معاهدة صداقة وتعاون، وفي عام 2012 أسسوا مجلس تعاون استراتيجي رفيع المستوى للأمن والدفاع.

وفي العام نفسه، افتتحت المؤسسات الدبلوماسية الثقافية الرائدة في تركيا، وكالة التعاون والتنسيق التركية "تيكا" ومعهد "يونس إمري"، مكاتب لها في تونس. كما عزز الزخم الدبلوماسي العلاقات الاقتصادية. وكانت تركيا وتونس قد أبرمتا بالفعل اتفاقية التجارة الحرة عام 2005، ولكن عملية رفع الحواجز التجارية على العديد من السلع اكتملت بالكامل في عام 2014.

العلاقات الاقتصادية في خطر

وكان للمشهد السياسي المتغير تداعيات على العلاقات الاقتصادية بين تونس وتركيا. أولا، تباطأت الزيادة في حجم التجارة بين البلدين بعد انتخابات 2014. وزادت صادرات تركيا من 714 مليون دولار في عام 2010 إلى 1.029 مليار دولار في عام 2013. ومنذ ذلك الحين ظل أقل من هذا الحجم.

ولا يزال مستوى انخراط تركيا في الاقتصاد التونسي منخفضا مقارنة بالمستويات مع دول أخرى في المنطقة. على سبيل المثال، في عام 2020، كانت صادرات تركيا إلى مصر 3.136 مليار دولار، والمغرب 2.057 مليار دولار، وليبيا 1.653 مليار دولار، والجزائر 1.449 مليار دولار، وهي أكبر من تلك إلى تونس بـ928 مليون دولار.

التوازن التركي

نتيجة لذلك، كان على تركيا أن تصمم سياسة أكثر توازنا في علاقاتها مع تونس. وبعد فوز الحزب العلماني التونسي "نداء تونس" في انتخابات 2014، أبدت أنقرة استعدادها تعميق العلاقات في ظل الرئيس الجديد والحكومة التي يقودها العلمانيون. وهنأ الرئيس "أردوغان"، "الباجي قائد السبسي"، مؤسس نداء تونس، على فوزه في الانتخابات الرئاسية. وزاره الرئيس التركي الأسبق "عبدالله جول" في ديسمبر/كانون الأول 2015. وفي مايو/أيار 2016، وصل رئيس الوزراء التونسي "الحبيب الصيد" إلى تركيا.

وتكثفت الجهود الدبلوماسية لإقامة علاقات مع القوى السياسية الرائدة الجديدة، لا سيما في مجال التعاون الأمني. وأعادت تركيا صياغة مشاركتها في تونس حول الاحتياجات الأمنية للبلاد من خلال السعي إلى تعزيز دور تركيا في التحديث العسكري وسوق الأسلحة في تونس. وخلال زيارة للرئيس "أردوغان" ووزير الخارجية "مولود جاويش أوغلو" إلى تونس في ديسمبر/كانون الأول 2017، وقع البلدان سلسلة من الاتفاقيات التي مهدت الطريق لنقل التكنولوجيا والإنتاج المشترك في تونس، وكذلك التدريب العسكري التركي للجيش التونسي وأفراد الأمن.

ولا يقتصر عمل التوازن التركي على تحسين التعاون الأمني، بل يشمل أيضا بناء دبلوماسية ثقافية علمانية في تونس من خلال أخذ خطوط الصدع السياسي التونسي في الاعتبار. وبينما تركز "تيكا" ومعهد "يونس إمري" ومؤسسة "معارف" على المشاريع الثقافية والإنسانية والتنموية، فإن رئاسة الشؤون الدينية، بالرغم من لعبها دورا متزايد الأهمية في السياسة الخارجية التركية، فلديها وصول محدود للغاية في تونس ولم تنظم سوى اجتماعات قليلة بين السلطات الدينية في كلا البلدين.

فرص أوروبا

توفر لغة تركيا المخففة والبحث عن توازن جديد في سياستها الخارجية مع زخم التطبيع الإقليمي بيئة مواتية لألمانيا وشركائها الأوروبيين للتعاون مع تركيا في تهدئة التوترات في المنطقة. ومن جانبهم، يجب على الشركاء الأوروبيين التغلب على إحجامهم عن التعاون مع تركيا في البحر الأبيض المتوسط. وبالتالي يتعين على أوروبا الاستفادة من هذه الفرصة وتشجيع النهج الدبلوماسي لتركيا.

وكانت النافذة الأولى لفرصة التعاون هي أن رد تركيا الرسمي في الدعوة إلى استعادة الشرعية الديمقراطية في تونس كان متماشيا مع الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه. وستكون إعادة التنظيم الخطابية هذه بين الاتحاد الأوروبي وتركيا نقطة انطلاق جيدة لإيجاد أرضية مشتركة لتعزيز الاستقرار في البحر المتوسط.

ومع تناقص اهتمام الولايات المتحدة بالبحر المتوسط، أصبح دور أوروبا في المنطقة أكثر أهمية. وإذا كان الاتحاد الأوروبي يهدف إلى التأثير وإعادة تشكيل الديناميكيات الإقليمية في جواره الجنوبي، فيجب على صانعي السياسات الانخراط بشكل أكبر سياسيا واقتصاديا لتجنب المخاطر المرتبطة بالاستقطاب والعداء الإقليميين.

 

المصدر | المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية – ترجمة وتحرير الخليج الجديد

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى