قضايا وتحليلات

تحت قبضة الرقابة وسلطة الخوارزميات: الصحافة المصرية من صناعة الخبر إلى ملاحقة “الترند”!

  • صناعة الخبر انتقلت من المؤسسات إلى مواقع التواصل و”الترند” يقود الرأي العام!!
  • كيف أعادت السلطة تشكيل المجال الصحفي وصولا إلى الرقابة الذاتية بغرف الأخبار؟
  • منصات التواصل غيّرت أولويات التغطية المهنية وأدت إلى انهيار معايير التحقق
  • اللجان والذباب الرقمي والحملات المنظمة تستخدم كأدوات لصياغة السردية الرسمية
  • خضوع الإعلام لـ “صناعة المحتوى” أدى إلى تفكك الضوابط الأخلاقية والمهنية
  • تراجع المصداقية أفقد الجمهور ثقته بالإعلام في ظل الضغوط السياسية والاقتصادية

“إنسان للإعلام”- فريق التحرير:

شهدت الصحافة المصرية خلال العقد الأخير تحولات عميقة أعادت صياغة دورها داخل المجال العام، فبعد أن كان الخبر يقوم على السبق الصحفي والدقة والتحقق، بات – في كثير من الأحيان – خاضعًا لمنطق «الترند» وسرعة الانتشار عبر المنصات الرقمية.

وجاء هذا التحول في سياق تصاعد الرقابة الأمنية وتضييق المجال العام، بالتوازي مع تراجع هامش الحرية المهنية، ما انعكس بوضوح على طبيعة المحتوى الإعلامي، وأساليب معالجته، وأولويات غرف الأخبار.

يرصد هذا التقرير مسار الانتقال من صحافة الخبر إلى صحافة التفاعل، ويحلل العوامل السياسية والمهنية والاقتصادية التي دفعت بهذا التحول داخل المشهد الإعلامي المصري.

القيود الأمنية

شكّل تصاعد القيود على التغطيات السياسية والملفات الحساسة، إلى جانب تشديد الرقابة على المحتوى الصحفي، أحد أبرز العوامل التي دفعت الصحفيين المصريين إلى الانزلاق نحو «صحافة الترند» على حساب الصحافة الخبرية الرصينة.

فقد أكدت دراسة صادرة عن المرصد المصري للصحافة والإعلام (يناير 2026) بعنوان «أزمة الصحافة في مصر: تداعيات عقد من التقييد والحصار» أن الصحافة المصرية تعرضت خلال السنوات العشر الأخيرة لضغوط غير مسبوقة، أدخلتها في أزمة عميقة طالت دورها ووظيفتها.

وتراكمت هذه الأزمة بفعل القيود السياسية والتشريعية، إلى جانب الضغوط الاقتصادية، ما أدى إلى تآكل استقلالية الصحافة وتراجع حضورها كفاعل رقابي ومعرفي في المجال العام.

وأوضحت الدراسة أن التدخل في العمل الصحفي لم يعد يقتصر على ما بعد النشر، بل أصبح جزءًا من آلية إدارة المجال الإعلامي ذاته، من خلال التأثير المسبق على المحتوى، وحجب المواقع، وإقصاء الأصوات النقدية، بما أفرز مناخًا ممتدًا من الخوف والرقابة الذاتية داخل غرف الأخبار، وأضعف روح المبادرة، وقيّد التحقيق والمساءلة.

وعلى المستوى التشريعي، أسهمت القوانين المنظمة للإعلام، خصوصًا منذ عام 2018، في تقنين ممارسات المنع والحجب، وتوسيع سلطات الرقابة، وربط العمل الصحفي بإجراءات الترخيص، مع الإبقاء على عقوبات سالبة للحرية في قضايا النشر، وتأخر إصدار قانون حرية تداول المعلومات، بما أفرغ الضمانات الدستورية من مضمونها، وحوّل القانون من أداة حماية إلى أداة تقييد.

كما رصدت الدراسة آثار تمركز ملكية وسائل الإعلام وارتفاع كلفة تأسيس المنصات الصحفية، وهو ما أدى إلى تآكل التعددية وتراجع المنافسة، ودفع المشهد الإعلامي نحو التركيز على «صحافة الترند» وتغطيات الإثارة، وعلى رأسها ما يُعرف بـ«صحافة الجنازات”[1].

وفي تفسير دوافع انزلاق الصحافة المصرية نحو «صحافة الترند»، كشفت دراسة نشرتها مجلة الصحافة الصادرة عن معهد الجزيرة للدراسات بعنوان «الرقابة الذاتية: التضييق الناعم على الصحافيين» أن القوانين المقيدة للحريات الإعلامية لم تكتفِ بإضعاف استقلالية المؤسسات وموضوعية الصحفيين، بل أسهمت أيضًا في ترسيخ الرقابة الذاتية داخل غرف الأخبار.

وتعرّف الدراسة الرقابة الذاتية (Self-censorship) بأنها «قيام الصحفي أو الإعلامي بتجنب الكتابة عن أمور جدلية أو إشكالية؛ لاعتقاده أنها تخالف القانون، أو خوفًا من التعرض للمضايقات والتهديد، أو التزامًا بسياسة بعض المؤسسات الصحفية»، بوصفها إحدى النتائج المباشرة لسياسات تكميم الأفواه.

وبذلك، لم تعد القيود تُفرض فقط من خارج المؤسسة الصحفية، بل باتت تُمارس من داخلها، سواء عبر الرقابة الذاتية أو من خلال ما يُعرف بـ«حارس البوابة»، في تعارض واضح مع المادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، التي تنص على أن «لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأي وسيلة، ودونما اعتبار للحدود”.

ورغم هذا الإطار القانوني، لا تزال أدوات ترهيب الصحفيين حاضرة في مصر، وتمتد – وفق تقارير متعددة – إلى الحبس وتقييد حرية النشر، فضلًا عن اتهامات تتعلق بالتعذيب أو الاختفاء القسري، إلى جانب إحكام السيطرة على وسائل الإعلام الخاصة لتعمل ضمن الإطار الرسمي.

وتخلص الدراسة إلى أن هذه البيئة دفعت بقوة نحو اتساع الرقابة الذاتية، لا سيما في ظل ما وصفته الأمم المتحدة بأن «الإفلات من العقاب في الجرائم المرتكبة ضد وسائل الإعلام» يشجع الصحفيين على تبني هذا النمط من الرقابة.

وقد ازداد هذا المشهد قتامة منذ عام 2013، مع ترسيخ نموذج إعلامي يتسم بتراجع المعايير المهنية، حيث احتلت مصر المرتبة 170 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2025[2] .

وفي السياق ذاته، كشفت دراسة صادرة عن مؤسسة حرية الفكر والتعبير عام 2025 بعنوان «تقييد حرية الإعلام بدعوى مجابهة الأخبار الزائفة» عن تعدد جهات الرقابة على المحتوى الصحفي، وعلى رأسها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، الذي ينتهج سياسة توسعية في فرض القيود وتوقيع العقوبات على وسائل الإعلام تحت لافتة مكافحة الشائعات.

وأوضحت الدراسة أن المجلس لم ينجح في حماية حرية الإعلام أو تمكين الصحفيين من الوصول إلى المعلومات الرسمية، ما يدفع كثيرين إلى اللجوء إلى «صحافة الترند» بدلًا من العمل الاستقصائي أو التغطيات القائمة على مصادر موثوقة.

كما خلصت إلى أن تصنيف بعض المواد الصحفية الناقدة لسياسات الحكومة باعتبارها «أخبارًا زائفة» أسهم في تضييق مساحة الإعلام المستقل، حيث تعرضت منصات مثل «مدى مصر» و«ذات مصر» للحجب أو التضييق، رغم استناد بعض محتواها إلى وقائع موثقة ومعالجات مهنية.

وفي المقابل، تشير الدراسة إلى أن مواجهة التضليل لا تتحقق عبر القيود، بل من خلال تعزيز الشفافية، وتوفير معلومات رسمية بشكل دوري، وإقرار آليات قانونية تضمن حق الوصول إلى المعلومات، بما يعيد بناء الثقة بين الجمهور والمؤسسات، ويحد من الاعتماد على مصادر غير موثوقة، وفي مقدمتها محتوى “الترند”[3].

سباق “الترند”

في ظل تشديد الرقابة على المحتوى الصحفي، بالتوازي مع هيمنة مواقع التواصل الاجتماعي على دورة الخبر، شهدت مصر خلال العقد الأخير تحولات جذرية في المشهد الإعلامي؛ إذ تراجعت هيمنة الصحافة التقليدية لصالح صعود المنصات الرقمية كفاعل رئيسي في تشكيل الرأي العام.

وجاء هذا التحول في سياق بيئة إعلامية شجّعها النظام الحاكم، أسهمت في نقل الجمهور من الاعتماد على الوسائل التقليدية إلى فضاء رقمي مفتوح، يُنتج محتوى غالبًا ما يخضع للسردية الرسمية ويغيب عنه النقد الجاد، بما يحدّ من تعددية الطرح ويؤثر في وعي الجمهور.

وتؤكد دراسة صادرة عن المركز الإقليمي للحقوق والحريات (2025) بعنوان «هل نجحت شبكات التواصل الاجتماعي في كسر هيمنة الإعلام التقليدي على تشكيل الرأي العام في مصر؟» أن دورة الخبر داخل عدد كبير من المؤسسات الصحفية باتت تعتمد بدرجة ملحوظة على ما يتداول في مواقع التواصل، في وقت فقدت فيه الصحف المطبوعة والقنوات التلفزيونية والمواقع المهنية دورها المركزي، خاصة مع إحكام السيطرة على المجال الإعلامي وتوجيه أولوياته.

وتزامن ذلك مع أزمات بنيوية تعانيها الصحافة التقليدية، أبرزها ضعف الاستقلال المالي، وتراجع ثقة الجمهور، وتداخل الاعتبارات السياسية والإعلانية في صياغة الأجندة التحريرية. وفي المقابل، اتجه الجمهور إلى المنصات الرقمية بحثًا عن السرعة والتنوع، مدعومًا بسهولة النشر، ما أسهم في صعود ما يُعرف بـ«صحافة المواطن»، حيث بات الأفراد منتجين مباشرين للمحتوى الإخباري.

وأفضى هذا التحول إلى تراجع الدور الرقابي للمؤسسات الصحفية، التي اتجهت في كثير من الأحيان إلى إعادة نشر البيانات الرسمية دون تحقق أو تحليل معمق، لتتحول من «سلطة رابعة» إلى وسيط ناقل، أو أداة لتوجيه الرأي العام ضمن أطر محددة.

وتخلص الدراسة إلى أن دورة الخبر باتت تعاني من اختلالات مهنية واضحة، في ظل بيئة تشريعية مقيدة—تشمل قوانين مكافحة جرائم تقنية المعلومات (2018)، وتنظيم الإعلام (2018)، وتعديلات قانون الصحافة (2019)، وقوانين الإرهاب—دفعت الصحفيين إلى تجنب المعالجات المعمقة، والاكتفاء بالسردية الرسمية عبر ما يُعرف بـ«صحافة البيانات»، خشية الملاحقة القانونية أو الأمنية.

وفي السياق ذاته، تشير تقارير صادرة عن منظمات دولية ومحلية، مثل «العفو الدولية» و«هيومن رايتس ووتش»، إلى أن تراجع المعايير المهنية ارتبط بتدخلات مباشرة في السياسات التحريرية، من خلال تعيين قيادات موالية للسلطة، وفرض توجيهات غير معلنة، ما أدى إلى انحسار النقد وتراجع جرأة التغطيات، وتنميط الخطاب الإعلامي، وصعود ما يُعرف بـ«صحافة الترند»[4].

تراجع التحقق

في ضوء ما سبق، يتضح أن هيمنة مواقع التواصل الاجتماعي على دورة الخبر في مصر لم تعد مجرد ظاهرة عابرة، بل تحولت إلى عامل حاسم أعاد تشكيل إنتاج الأخبار وتداولها واستهلاكها، ما دفع كثيرًا من وسائل الإعلام إلى التضحية بمعايير التحقق لصالح السرعة وحصد المشاهدات، خاصة مع اعتماد عشرات الملايين من المصريين على منصات مثل فيسبوك وإكس (تويتر سابقًا) وتيك توك كمصادر رئيسية للأخبار، لا سيما بين الشباب.

ويمكن رصد أبرز مظاهر هذا التراجع المهني في الآتي:

  • تحول المنصات الاجتماعية إلى المصدر الأول للأخبار: إذ باتت مواقع التواصل نقطة البداية لمعرفة الأحداث، خصوصًا العاجلة، قبل الوسائل التقليدية.
  • هيمنة “الترند” على الأجندة الإعلامية: أصبحت الموضوعات الرائجة هي التي تحدد أولويات التغطية، ما يعني انتقال مركز صناعة القرار التحريري من المؤسسات إلى الجمهور الرقمي.
  • صعود “صحافة المواطن”: أسهمت سهولة النشر في تحويل الأفراد إلى منتجين للمحتوى الإخباري، رغم ما يطرحه ذلك من إشكاليات تتعلق بالدقة والمصداقية.
  • تسارع دورة الخبر: تحولت العملية الإخبارية إلى تدفق لحظي يبدأ غالبًا من المنصات، ثم تعيد المؤسسات صياغته ونشره.
  • تراجع دور التحرير المهني: لم تعد المؤسسات تحتكر النشر، وأصبح بإمكان الحسابات المؤثرة الوصول إلى جمهور واسع دون المرور بعمليات تدقيق مهنية.
  • تغليب الإثارة على العمق: تدفع خوارزميات المنصات نحو العناوين الجاذبة والمحتوى السريع، على حساب التحليل والتحقيقات المعمقة.
  • اتساع دائرة الشائعات: تسهم سرعة التداول في انتشار المعلومات غير الدقيقة، ما يضع الإعلام أمام ضغوط مستمرة للتصحيح والتوضيح.
  • تحول الجمهور إلى فاعل مؤثر: لم يعد المتلقي سلبيًا، بل مشاركًا في صناعة المحتوى، وهو ما عمّق حالة الاستقطاب داخل المجال العام.

ومن أبرز تجليات هذا الانحدار المهني صعود ما يُعرف بـ«صحافة الجنازات»، التي تحولت إلى مادة للإثارة على حساب الخصوصية.

ويُعد ما جرى في تغطية جنازة طالبة جامعة المنصورة نيرة أشرف (2022) مثالًا صارخًا، حيث جرى بث تفاصيل الجنازة بشكل مكثف، في مشهد اعتبره كثيرون توظيفًا للمأساة لصرف الانتباه عن قضايا أكثر إلحاحًا.

كما أصبحت جنازات المشاهير مادة تنافسية بين الوسائل الإعلامية، التي تتسابق لتغطيتها لحظة بلحظة، في سلوك يعكس انزياحًا واضحًا نحو منطق المشاهدة والتفاعل.

وتصل هذه الممارسات أحيانًا إلى تجاوزات صادمة، كما في واقعة محاولة تصوير جثمان إحدى المتوفيات أثناء الدفن، قبل أن تتحول الحادثة نفسها إلى “ترند” جديد يتصدر التغطيات[5].

وفي السياق نفسه، رصدت دراسة صادرة عن مركز الجزيرة للدراسات بعنوان «من منصات التواصل الاجتماعي إلى الشاشة: التحديات التحريرية لبرامج المنصات الرقمية» انتقال محتوى المنصات الاجتماعية إلى شاشة التلفزيون، حيث باتت العديد من الشبكات تخصص برامج لمتابعة ما يُتداول على مواقع التواصل، والاعتماد عليها كمصدر للأخبار والمواد البصرية.

وأشارت الدراسة إلى أن التدفق الهائل للمحتوى، وسهولة انتقاله من الفضاء الرقمي إلى الشاشة، يطرح تحديات مهنية معقدة، في مقدمتها صعوبة التحقق من صحة المواد ومصداقيتها وقيمتها الخبرية، بما يفتح الباب أمام تسرب الأخبار الزائفة تحت ضغط السبق والتفاعل اللحظي، فضلًا عن إشكاليات تتعلق بطبيعة الموضوعات المختارة وأساليب تناولها.

وخلصت الدراسة إلى أن الاعتماد المفرط على ما يتصدر المنصات الرقمية كمصدر رئيسي للأجندة الإعلامية ينطوي على مخاطر عميقة، أبرزها:

  • اختزال الأجندة الإعلامية في “الترند: حيث تتحكم خوارزميات التفاعل في ترتيب الأولويات بدلًا من معايير الأهمية العامة، ما يزاحم القضايا الجوهرية.
  • تضخيم الأخبار الزائفة: إذ يسهم المحتوى المثير في تسريع انتشار الشائعات ونظريات المؤامرة عند غياب التحقق الصارم.
  • الوقوع في “غرف الصدى: تعرض الخوارزميات محتوى متشابهًا يعكس اهتمامات المستخدمين، ما يخلق تصورًا مضللًا لاتجاهات الرأي العام.
  • تراجع العمل الاستقصائي:  يؤدي الانشغال بملاحقة “الترند” إلى استنزاف الموارد على حساب التحقيقات المعمقة.
  • قابلية التلاعب المنظم: تتيح الحملات المنسقة والحسابات الآلية دفع موضوعات بعينها إلى الصدارة، بما يفتح المجال للتوجيه السياسي أو التجاري الخفي.

ويكشف ذلك عن تحول جوهري في وظيفة الصحافة، من «حارس للحقيقة» إلى «صيّاد للتفاعل»، حيث تخضع عملية إنتاج المحتوى لمنطق السوق وخوارزميات المنصات.

ومع ذلك، يبقى التحدي الأساسي ليس في رفض هذه المنصات، بل في الحفاظ على جوهر المهنة—التحقق والتوازن والمسؤولية—داخل بيئة تحكمها سرعة التدفق واقتصاد الانتباه[6].

صناعة الترند

أصبح مصطلح “الترند” جزءًا من اللغة اليومية، يُستخدم لوصف الظواهر التي تحظى بانتشار واسع خلال فترة زمنية قصيرة، ويعكس الأفكار والسلوكيات التي يتبناها عدد كبير من الناس في لحظة بعينها.

ويعود المصطلح إلى الكلمة الإنجليزية Trend التي تعني “اتجاه” أو “نمط”، والمشتقة من الفعل القديم trendan  بمعنى “يميل” أو “يتحوّل”.

ومع تطور استخدامه، بات يشير إلى ما يفضله الجمهور أو يتبعه في مجالات متعددة، من السياسة والثقافة إلى الموضة والتكنولوجيا.

وانتقل المصطلح إلى العربية مع الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي وتسارع أنماط الحياة، ليصبح شائعًا، خاصة بين الشباب وصنّاع المحتوى، بوصفه تعبيرًا عن كل ما يلقى رواجًا سريعًا.

ومع اتساع استخدامه، لم يعد “الترند” يقتصر على وصف الظواهر، بل أصبح مرادفًا لما يهيمن على الاهتمام العام في لحظة زمنية محددة[7].

أما على مستوى صناعة “الترند” في مصر، فقد ارتبطت هذه الظاهرة بسعي السلطة إلى إحكام السيطرة على الفضاء الرقمي، حيث برزت منذ عام 2013 ما يُعرف بـ”اللجان الإلكترونية” بوصفها إحدى أبرز أدوات توجيه النقاش العام على منصات التواصل.

وتؤدي هذه اللجان أدوارًا متعددة، تشمل الترويج للسردية الرسمية، واستهداف المعارضين بحملات منظمة من التشويه، إلى جانب التأثير في اتجاهات الرأي العام وكسر الزخم المعارض.

ولم تعد هذه الظاهرة مقتصرة على حسابات وهمية، بل تطورت إلى شبكات أكثر تنظيمًا تضم حسابات حقيقية تُدار بشكل منسق.

وفي سبتمبر 2019، كشف المقاول محمد علي عن ارتباط بعض هذه اللجان بجهات سيادية، مشيرًا إلى إدارتها من مواقع تابعة للأمن الحربي في القاهرة، فيما تحدثت تقارير أخرى عن دور شركات خاصة، مثل “New Wave”، في إدارة جزء من هذه الشبكات.

وفي سياق متصل، أعلنت إدارة “تويتر” في أبريل 2020 حذف نحو 5300 حساب مرتبط بحملات منسقة انطلقت من عدة دول، بينها مصر والسعودية والإمارات، كانت تعمل على تمجيد قيادات سياسية ومهاجمة خصوم إقليميين. كما كشفت المنصة، في نهاية 2022، عن حذف أكثر من مليون حساب مزيف يوميًا، ما يعكس اتساع نطاق هذه الظاهرة.

ويُشار إلى هذه الشبكات بمصطلح “الذباب الإلكتروني”، في دلالة على الحسابات التي تُستخدم بشكل منظم لخدمة أجندات سياسية، فيما يشير تعبير “اللجان الإلكترونية” إلى البنية الأكثر تنظيمًا لهذه الحملات، التي تعمل بصورة ممنهجة على توجيه الرأي العام وإعادة تشكيله[8].

ويعود أول اعتراف علني بقدرة السلطة على التحكم في الفضاء الرقمي إلى تصريح لعبد الفتاح السيسي خلال لقائه مع برلمانيين وإعلاميين على خلفية مناقشة اتفاقية “تيران وصنافير” في 13 أبريل 2016، حين قال: «أنا ممكن بكتيبتين من دول أقفل المواقع دي وتبقى تبعي، وتاخد مني».

وتشير دراسات إلى أن توظيف الفضاء الرقمي في توجيه الرأي العام بدأ منذ انتخابات 2009 لدعم جمال مبارك، إلا أنه في عهد السيسي تطور إلى نموذج أكثر تنظيمًا ومأسسة؛ حيث تحولت “اللجان الإلكترونية” إلى شبكات تعمل بشكل منهجي، يحصل أفرادها على مقابل مادي، ويُقدَّر عددهم بالآلاف، تحت إشراف جهات منظمة[9].

ورغم هذا التطور، بدأت تحليلات تقنية خلال السنوات الأخيرة في كشف أنماط عمل هذه الشبكات، وتوثيق تراجع تأثيرها النسبي، في ظل تغير خوارزميات المنصات وتزايد وعي المستخدمين.

وتنبع خطورة “الترندات” من سرعتها الفائقة في الانتشار، خاصة في ظل الاتساع الكبير لقاعدة مستخدمي الإنترنت في مصر، التي بلغت نحو 75.9% من السكان، مع هيمنة الفئة العمرية بين 18 و34 عامًا.

ويستخدم ما يقارب 48.9% من هؤلاء منصات التواصل الاجتماعي بانتظام، وفق تقرير مؤسسة “We Are Social” لعام 2022.

وتعكس أعداد المستخدمين حجم هذا التأثير؛ إذ يضم “فيسبوك” نحو 44.7 مليون مستخدم، و”يوتيوب” 46.3 مليونًا، و”إنستغرام” 16 مليونًا، و”تيك توك” أكثر من 20 مليونًا، إلى جانب 13.6 مليون مستخدم لـ”سناب شات”، وهي أرقام تكشف عن قاعدة جماهيرية واسعة قادرة على استقبال “الترند” وتضخيمه خلال وقت قياسي[10].

يتضح مما سبق أن صناعة “الترند” السياسي لم تعد ظاهرة عفوية، بل تحولت إلى نشاط منظم تُديره شبكات تعمل بشكل احترافي، بهدف توجيه الرأي العام وصياغة صور ذهنية تخدم السلطة.

وتندرج هذه الممارسات ضمن أدوات “البروباجندا” الحديثة، التي تعتمد على التأثير الرقمي لإعادة تشكيل الوعي العام والتأثير في اتجاهاته.

أزمة الثقة

مع شيوع مصطلحات مثل “صحافة الترند” و”صناعة المحتوى”، بات جزء كبير مما يُنشر في وسائل الإعلام مستمدًا من “السوشيال ميديا” دون الالتزام الكافي بضوابط العمل الصحفي أو أخلاقيات المهنة، التي تمثل في الأصل الإطار الحاكم لأي خدمة تُقدَّم للجمهور.

وفي هذا السياق، تحوّل السعي إلى تحقيق المشاهدات وتصدر “الترند” إلى هاجس يتجاوز حدود صناع المحتوى، ليطال أصحاب مهن تقليدية، ما أدى إلى تآكل الفواصل بين الإعلام المهني والمحتوى العشوائي.

ومع انتشار الهواتف الذكية وسهولة الوصول إلى الإنترنت، أصبح أي فرد قادرًا على إنتاج محتوى والوصول إلى الجمهور، وهو ما أفرز واقعًا مزدوجًا: محتوى قد يكون مفيدًا في بعض الأحيان، لكنه يفتح المجال أيضًا أمام ممارسات تفتقر إلى المسؤولية المهنية، مثل كشف تفاصيل قضايا قانونية، أو تداول معلومات شخصية عن أفراد، أو تقديم استشارات اجتماعية ودينية دون تأهيل.

وفي توصيفه لهذه الحالة، يقول أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة حسن عماد مكاوي: “الأكواد المهنية والمعايير الأخلاقية يملكها المتخصصون بفعل الدراسة والخبرة، وينتج عنها محتوى مهني متناسب مع قيم المجتمع. لكن ما يحدث حاليًا أن السوشيال ميديا فتحت المجال لأي شخص يمتلك هاتفًا محمولًا ليكون صانع محتوى ورئيس تحرير في الوقت نفسه، دون مراجعة أو التزام بأسس المهنة، وغالبًا ما يكون غير مؤهل لذلك، ومن هنا تنشأ حالة الفوضى والتخبط التي نشاهدها اليوم، والتي لها انعكاسات خطيرة على المجتمع”.

ويضيف: “السوشيال ميديا موجودة في العالم كله، لكن تأثيرها يكون أكبر في المجتمعات التي ينخفض فيها الوعي ومستوى التعليم. ومن العوامل التي أدت إلى هذا الوضع تراجع مستوى الممارسات المهنية في وسائل الإعلام؛ إذ لا يجد الجمهور ما يشاهده، فيتجه إلى السوشيال ميديا، ويمنح صناع المحتوى غير المؤهلين مكانة وتأثيرًا كبيرين بسبب غياب البديل المهني الجاذب والمتنوع”[11].

وقد أسهم تغليب “الترند” على الخبر الجوهري في تآكل ثقة الجمهور بوسائل الإعلام، مع تراجع الاهتمام بالقضايا الأساسية—كالاقتصاد والسياسات العامة—لصالح موضوعات شعبوية تُختزل في عناوين مثيرة لجذب النقرات، وهو ما أضعف الدور الرقابي والإصلاحي للصحافة.

كما زادت هذه الأزمة مع تداخل الحدود بين الإعلام المهني وصناعة المحتوى؛ إذ تبنّت بعض الوسائل التقليدية أساليب قائمة على الإثارة والتفاعل، على غرار المؤثرين، ما أضر بصورتها الذهنية ورسّخ انطباعًا بأنها تسعى إلى الانتشار على حساب المصداقية.

وفي السياق ذاته، أدى التسرع في نشر الأخبار قبل استكمال التحقق، أو الاعتماد على مصادر غير موثوقة، إلى تعميق فجوة الثقة، خاصة في بيئة رقمية يسهل فيها كشف الأخطاء والتناقضات.

ومع تراجع التحليل وتعددية الآراء، وهيمنة المحتوى السريع، فقدت الوسائل الإعلامية جانبًا من قيمتها كمصدر للفهم، وتحول دورها تدريجيًا من “تفسير الواقع” إلى “نقل الضجيج”

وفي هذا الإطار، تؤكد دراسة لمركز الجزيرة للدراسات بعنوان “اختلاط الترند بالأخبار وأثره على ثقة الجمهور” أن الاعتماد على محتوى مواقع التواصل—حيث تتداخل الأخبار الدقيقة مع المضللة—يهدد مصداقية المضامين الإعلامية ويشوّه الهوية المهنية للمؤسسات.

وتخلص الدراسة إلى أن نقل الأخبار من المنصات دون تحقق مهني صارم يوقع وسائل الإعلام في فخ نشر معلومات غير صحيحة، تُكتشف لاحقًا، وهو ما ينعكس سلبًا على ثقة الجمهور بمختلف الوسائل[12].

خلاصة القول، يقف الأداء الصحفي في مصر أمام مفترق طرق حاسم، في ظل ضغوط الرقابة الأمنية، وتحديات الاقتصاد، وتسارع التحول الرقمي؛ فإما أن تستعيد الصحافة دورها كسلطة رقابية تنحاز إلى المهنية والدقة، أو تواصل الانزلاق نحو محتوى سريع الاستهلاك تحكمه خوارزميات التفاعل أكثر مما تضبطه معايير المهنة.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن إعادة التوازن بين مقتضيات الأمن وضمانات الحرية ومتطلبات السوق الرقمي، بما يحفظ للصحافة دورها الحيوي، أم سيظل الواقع القائم عائقًا أمام استعادة هذا الدور؟


المصادر:

[1] “أزمة الصحافة في مصر: تداعيات عقد من التقييد والحصار”، المرصد المصري للصحافة والإعلام، 21يناير2026 ، https://goo.su/38SEg

[2] هبة الحياة عبيدات، “الرقابة الذاتية.. “التضييق الناعم” على الصحافيين” ، مجلة الصحافة الصادرة عن معهد الجزيرة للدراسات، 19 يناير 2020، https://goo.su/VYfguE

[3] “تقييد حرية الإعلام بدعوى مجابهة الأخبار الزائفة” ، مؤسسة حرية الفكر والتعبير، 17 فبراير 2025 ، https://goo.su/eIAyA

[4] “هل نجحت شبكات التواصل الاجتماعي في كسر هيمنة الإعلام التقليدي على تشكيل الرأي العام في مصر؟” ، المركز الاقليمي للحقوق والحريات، 14أغسطس2025 ، https://goo.su/dolhLt

[5] “صحافة الجنازات في مصر: احزن الصورة تظهر حلوة” ، صحيفة العرب، 28 يونيو 2022 ، https://nz.sa/AMUfM 

[6] “من منصات التواصل الاجتماعي إلى الشاشة: التحديات التحريرية لبرامج المنصات الرقمية” ، مركز الجزيرة للدراسات ، 13 يونيو 2021 ، https://studies.aljazeera.net/ar/article/5033   

[7] “صناعة «الترند» فى وسائل التواصل” ، الشروق المصرية ، 21 فبراير 2022 ، https://nz.sa/ohuBf 

[8] “لجان يقودها “المايسترو” .. الإلكترونية من “مصنع بلاستيك” تقود حملات تشويه مدفوعة الأجر” ، بوابة الحرية والعدالة، 22 سبتمبر 2022 ، https://2u.pw/azjvR2

[9] “لا تصمد على تويتر.. لماذا تراجعت “هاشتاجات” لجان السيسي الإلكترونية؟” ، موقع الاستقلال ، 23 اغسطس 2021 ،https://goo.su/mKOPC

[10] .هالة فودة، ” تزييف الوعي: التأثيرات النفسية والاجتماعية لظاهرة “التريند”” ، المركز المصري للفكر والدراسات، 19أكتوبر 2022 ،https://ecss.com.eg/21279/

[11] “أخلاقيات المهن “تهبط” أمام شهوة الترند في مصر” ، اندبندنت عربية، 18 نوفمبر 2024 ، https://nz.sa/oGzgG

[12] يامين بودهان ، “إختلاط “الترند” بالأخبار وأثره على ثقة الجمهور ” ، مركز الجزيرة للدراسات،3 – يناير 2024 ، https://nz.sa/clMfG

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى