قضايا وتحليلات

“أمركة” تيك توك وهندسة الوعي الجمعي.. لماذا تخلت بكين عن سلاحها الناعم؟

إنسان للإعلام- مراد المصري:

في مشهدٍ يعيد صياغة مفهوم “الاستعمار الرقمي”، جاء تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في يناير 2026 ليضع النقاط على حروف القوة؛ فوصفُه انتقال ملكية “تيك توك” إلى “مجموعة من الوطنيين والمستثمرين الأمريكيين” لم يكن مجرد احتفاء بصفقة تجارية، بل كان إعلاناً بانتهاء “الاستثناء الصيني”. لقد سقطت آخر القلاع التي تجرأت على الخروج عن النص الأيديولوجي لوادي السيليكون، ليبدأ عصر “الأمركة المطلقة” للفضاء العام الرقمي، حيث لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة، بل أصبحت “جغرافيا سياسية” يتم احتلالها بقوة القانون أو بقانون القوة.

 يتساءل الباحثون في اقتصاديات الإعلام: كيف فرطت بكين في منصة تمثل “العمود الفقري” لنفوذها الثقافي العالمي؟ الإجابة لا تخرج عن إطار “البراغماتية القاسية” التي تنتهجها الصين في إدارة صراعاتها الكبرى، حيث تعاملت الصين مع الضغط والتهديد الأمريكي بالمعطيات التالية :

– المقايضة الاستراتيجية: أدركت بكين أن الإصرار على ملكية “تيك توك” في أمريكا سيعني “الإعدام التقني” لشركة (ByteDance) بالكامل في الغرب،  لذا، اختارت بتر “الفرع الأمريكي” المربح لحماية “الجذع التكنولوجي” العالمي من الانهيار تحت مقصلة العقوبات الشاملة.

– تجنب الصدام الصفري: القوانين الأمريكية الصادرة منذ 2024 وضعت الصين أمام خيارين أحلاهما مر، إما الحظر المطلق الذي يعني تبخر 170 مليون مستخدم وقيمة سوقية هائلة، أو البيع لـ “مستثمرين وطنيين” يضمن بقاء التكنولوجيا الصينية كـ “بنية تحتية صامتة” (خلف الكواليس) مع تجنب المواجهة الاقتصادية المباشرة مع واشنطن.

– العائد المادي مقابل السيادة الإيديولوجية: احتفاظ شركة (ByteDance) الصينية بحصة 19.9% هو محاولة ذكية للحفاظ على تدفقات الأرباح، مع نقل “عبء” المسؤولية القانونية والأخلاقية والأمنية إلى الجانب الأمريكي، مما يحول الصين من “متهم” بالتجسس إلى “شريك صامت” في الأرباح.

 المخاطر الإعلامية لـ”تأميم” الخوارزمية:

من منظور إعلامي نقدي، يمثل هذا الاستحواذ عملية “هندسة سياسية للوعي الجمعي”، وتتجلى مخاطره في ثلاثة أبعاد:

– نزع الصفة “العابرة للحدود”: الخوارزمية التي اتُهمت يوماً بالانحياز للروايات المعارضة للسياسة الأمريكية (كما في قضايا الشرق الأوسط والعدالة الاجتماعية) ستخضع الآن لعملية “تهجين أيديولوجي”،  بضبط “بروتوكولات التوصية” لتتوافق مع “المعايير الوطنية الأمريكية”، مما يحول المنصة من مساحة للتعددية إلى صدى لصوت القطب الواحد.

– الفلترة السياسية الناعمة: السيطرة على “ما يراه المستخدم” في تبويب (For You) تعني امتلاك القدرة على صياغة توجهات جيل (Z) والأجيال اللاحقة، واستخدام ترامب لمصطلح “صوت مؤثر” يكشف النية المبيتة لتحويل المنصة إلى أداة “دعاية ناعمة” (Soft Power) بصبغة تجارية.

– موت التنوع الرقمي: نحن نعيش الآن لحظة “الأحادية القطبية الرقمية”، إذ ينهي الاستحواذ التجربة الفريدة لمنصة عالمية لم تكن تخرج من معطف الأيديولوجيا الليبرالية الأمريكية، مما يكرس هيمنة  “النموذج الواحد” على العقل البشري.

القوة الثلاثية لتحالف الاستحواذ الأمريكي:

إن طبيعة التحالف الاستثماري الجديد الذي استحوذ على “تيك توك” داخل أمريكا بين (Oracle, Silver Lake, MGX) ، يعكس اندماجاً مرعباً بين السلطة التقنية، والتمويل الإعلامي، والذكاء الاصطناعي السيادي، وذلك على النحو التالي:

– أوراكل (الحارس التقني): بدورها كـ “حارس بوابة”، ستقوم أوراكل بإعادة توطين البيانات في سحبها السيادية، مما يعني أن “الخوارزمية” أصبحت “مادة أمنية” تخضع لرقابة أجهزة الدفاع والأمن الأمريكية.

– سيلفر ليك: يمثل دخول هذا العملاق إعادة توجيه لـ “اقتصاد الانتباه”، حيث يتم سحب التدفقات الإعلانية والبيانات السلوكية من المدار الصيني وإعادتها إلى “وادي السيليكون”، لضمان بقاء الثروة المعرفية تحت السيطرة الرأسمالية الأمريكية.

– صندوق MGX (جيوسياسية الإدراك): يمثل هذا الصندوق “العقل المستقبلي” للصفقة، حيث يتم دمج بيانات “تيك توك” مع تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، بما يتيح للتحالف القدرة على إنتاج “سرديات مؤتمتة” قادرة على التنبؤ بسلوك الجماهير وتوجيهه بدقة جراحية، مما يحول “تيك توك” من منصة ترفيهية إلى “مختبر عالمي لإنتاج الوعي”.

قانون القوة” فوق “قوة التكنولوجيا”:

يضع هذا الاستحواذ سابقة قانونية ستقلب موازين الإنترنت بمعادلة مؤداها: “إذا عجزت عن هزيمة التكنولوجيا، فاستولِ عليها بقوة التشريع”. هذا التحول ينهي أسطورة “الإنترنت المفتوح والمحايد” ويؤكد أن المنصات الكبرى أصبحت “أقاليم سيادية” تابعة للدول التي تملكها، لا للدول التي تستخدمها، فنحن أمام “قومية رقمية” صاعدة، حيث يتم استبدال “التعددية الثقافية” بـ “تكتلات تقنية أيديولوجية” محصنة سياسياً وإعلاميا .

___________

مصادر التقرير:

• تقارير (Reuters) و (WSJ) حول تفاصيل صفقة يناير 2026.  https://2u.pw/IAYNuhttps://2u.pw/LGZmx

• دراسات مركز (CSIS) حول “القومية التكنولوجية”.، https://2u.pw/XgVZM

•تحليل “رأسمالية المراقبة” لشوشانا زوبوف، https://2u.pw/fDtTm

•مفاهيم “الاقتصاد السياسي للإعلام” لكريستيان فوكس .  https://fuchsc.net/

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى