“فضائح إبستين” تكشف تواطؤ شركات التكنولوجيا الأمريكية في العدوان على غزة
- شبكة ابتزاز صهيونية طالت قادة شركات التكنولوجيا الأميركية لتسخير نفوذهم لصالح “إسرائيل“
- من وادي السيليكون إلى “قائمة العار.. ” أسماء مؤسسي “غوغل” و”مايكروسوفت” في وثائق إبستين
- “مايكروسوفت” في قلب منظومة التجسس.. منصات تراقب اتصالات الفلسطينيين لقتلهم
- “غوغل” سخّرت الذكاء الاصطناعي لتحليل صور الفلسطينيين وتحديد الأهداف وتلميع صورة الاحتلال
- احتجاجات موظفي “غوغل” و”مايكروسوفت“ كشفت استخدام الذكاء الاصطناعي كسلاح للقتل والتجويع
إنسان للإعلام- فريق التحرير:
لم يكن تورّط شركات تكنولوجية عملاقة في دعم آلة الحرب “الإسرائيلية” في غزة مجرّد انحراف عابر عن مواثيق أخلاقية تعلنها هذه الشركات في أدبياتها الرسمية، بل بدا – مع توالي الوقائع – جزءًا من نمط أعمق وأكثر تعقيدًا.
فشركات مثل “غوغل” و”مايكروسوفت”، التي ترفع شعارات “عدم الإضرار” و”الاستخدام المسؤول للتقنية”، وُضعت عمليًا في قلب منظومة عسكرية استخدمت الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية في تعقّب الفلسطينيين واستهداف عائلات بأكملها.
هذا التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة اكتسب بعدًا جديدًا مع نشر وثائق قضائية مرتبطة بقضية جيفري إبستين، أُفرج عنها تحت ضغط الرأي العام الأميركي.
الوثائق كشفت أسماء شخصيات نافذة في عالم المال والتكنولوجيا ضمن شبكة علاقات مشبوهة، ما فتح الباب أمام فرضية الابتزاز السياسي والأمني، واستخدام النفوذ الشخصي لتطويع قرارات كبرى الشركات لصالح أجندات محددة.
في هذا السياق، نشرت صحيفة “واشنطن بوست”، في تقرير استقصائي مطلع فبراير 2026، تفاصيل عن تعاون تقني بين “غوغل” وشركة عسكرية “إسرائيلية” في مجال الذكاء الاصطناعي، أتاح لجيش الاحتلال توظيف هذه التقنيات في عملياته العسكرية، بما في ذلك عمليات الاستهداف الواسعة في غزة.
بالتوازي، أظهرت وثائق التحقيقات الفيدرالية في قضية “إبستين” مراسلات إلكترونية تعود إلى مطلع الألفية، تكشف عن علاقات مباشرة بين “إبستين” وشخصيات بارزة في قطاع التكنولوجيا، من بينها مؤسس مشارك في “غوغل”، مع إشارات إلى لقاءات اجتماعية خاصة سبقَت بسنوات تفجّر فضيحة الاستغلال الجنسي للقاصرات.
الوثائق نفسها سلّطت الضوء على شبكة علاقات مشابهة طالت قيادات في شركة “مايكروسوفت”، وسط اتهامات باستخدام النفوذ التقني مقابل الصمت أو التواطؤ.
وفي هذا الإطار، ربطت تقارير حقوقية وتقنية بين تقديم خدمات الحوسبة السحابية والاستخبارات الرقمية لجهات أمنية “إسرائيلية”، وبين استخدام هذه البيانات في المراقبة الشاملة للفلسطينيين خلال الحرب على غزة.
ومع تصاعد هذه الاتهامات، لم يخلُ المشهد من اعتراضات داخلية؛ إذ شهدت مقار “غوغل” و”أمازون” و”مايكروسوفت” احتجاجات لموظفين طالبوا بوقف التعاون مع الحكومة “الإسرائيلية”، قبل أن تُواجَه هذه التحركات بإجراءات فصل وعقوبات إدارية.
كما عدّلت “غوغل”، في مطلع 2025، سياساتها المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، متراجعة عن تعهدات سابقة بعدم استخدام التقنية في الأغراض العسكرية أو الرقابية، في تحول اعتبره مراقبون إقرارًا صريحًا بتغليب المصالح السياسية والاقتصادية على الاعتبارات الأخلاقية.
“غوغل” انتهكت سياساتها المعلنة
كشف تقرير استقصائي لصحيفة “واشنطن بوست” أن شركة “غوغل” انتهكت سياساتها الداخلية التي تحظر استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في الأغراض العسكرية أو أنشطة المراقبة، وذلك خلال عام 2024، عبر تقديم دعم تقني غير مباشر لجهة أمنية متعاقدة مع الجيش “الإسرائيلي”.
وبحسب شكوى سرّية قدّمها موظف سابق في “غوغل” بصفته مُبلِّغًا عن مخالفات إلى الحكومة الفيدرالية الأميركية، ساعدت الشركة متعاقدًا أمنيًا يعمل لصالح الجيش “الإسرائيلي” في تحليل لقطات فيديو التقطتها طائرات مسيّرة، باستخدام أدوات ذكاء اصطناعي متقدمة، في وقت كانت فيه “غوغل” تعلن علنًا نأيها بنفسها عن أي تعاون عسكري مع “إسرائيل”، عقب احتجاجات واسعة لموظفيها.
وتُظهر وثائق داخلية أُدرجت ضمن الشكوى أن الجيش “الإسرائيلي” استخدم نموذج الذكاء الاصطناعي “جيمني” التابع لغوغل، رغم أن الشركة كانت تؤكد في بياناتها الرسمية أن عملها مع الحكومة “الإسرائيلية” لا يشمل “بيانات حساسة أو عسكرية أو استخباراتية مرتبطة بالأسلحة”.
وفي يوليو 2024، تلقّى قسم الحوسبة السحابية في “غوغل” طلب دعم فني من عنوان بريد إلكتروني تابع للجيش “الإسرائيلي”، وفق الوثائق المرفوعة لاحقًا إلى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية في أغسطس من العام نفسه.
ويتطابق الاسم الوارد في الطلب مع اسم موظف مُدرج ضمن قوائم شركة تكنولوجيا “إسرائيلية” تُدعى “كلاود إكس”، والتي تشير الشكوى إلى أنها تعمل كمقاول لصالح الجيش “الإسرائيلي”.
وتوضح الوثائق أن الطلب تضمّن مساعدة تقنية لتحسين دقة نظام “جيمني” في تحديد الأهداف داخل مقاطع فيديو جوية، بما يشمل الطائرات المسيّرة والمركبات المدرعة والأفراد، وهو ما يضع هذه الاستخدامات في صميم العمليات العسكرية.
ورغم أن الشكوى لم تُرفق أدلة ميدانية مباشرة، فإنها ربطت بين هذا الاستخدام وبين العمليات “الإسرائيلية” في غزة.
وتشير المستندات إلى أن موظفين في وحدة الحوسبة السحابية بـ”غوغل” استجابوا للطلب، وقدموا مقترحات تقنية، وأجروا اختبارات داخلية لتحسين أداء النظام.
في المقابل، كانت “مبادئ الذكاء الاصطناعي” المعلنة للشركة تنص بوضوح على الامتناع عن تطوير أو استخدام هذه التقنيات في الأسلحة أو المراقبة بما يخالف المعايير الدولية.
وأكد المُبلِّغ أن هذا الاستخدام يتعارض صراحة مع سياسات “غوغل” المعلنة، معتبرًا أن الشركة ضللت المستثمرين والجهات التنظيمية، وهو ما يشكل – بحسب الشكوى – انتهاكًا لقوانين الأوراق المالية، خاصة أن هذه السياسات كانت مدرجة ضمن ملفات رسمية قُدمت للجهات الفيدرالية.
وفي تصريح للصحيفة، قال الموظف السابق، مشترطًا عدم الكشف عن هويته خشية الانتقام: “خضعت مشاريعي في غوغل مرارًا لمراجعات أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وكانت هذه العملية صارمة وفعّالة، لكن عندما تعلق الأمر بإسرائيل وغزة، بدا أن هذه المعايير لم تعد قائمة، تقدّمت بالبلاغ لأنني شعرت أن هناك ازدواجية صارخة تستوجب المحاسبة”.
وتُظهر وثائق “غوغل” الخاصة بخدمة “ذكاء الفيديو السحابي” أن تتبع الأجسام في مقاطع الفيديو يُقدَّم مجانًا لأول ألف دقيقة، قبل أن يُحتسب مقابل مالي لاحقًا، وهو ما يثير تساؤلات إضافية حول طبيعة الاستفادة التجارية من هذه الخدمات في السياقات العسكرية.
وفي عام 2024، كانت “كلاود إكس” من بين رعاة مؤتمر تقني عُقد جنوب تل أبيب تحت عنوان “تقنية المعلومات للجيش الإسرائيلي”، حيث أشاد مسؤولون عسكريون “إسرائيليون”، بحسب الموقع الرسمي للمؤتمر، بالدور الحاسم للحوسبة السحابية في العمليات الجارية في غزة.
وتعيد هذه الوقائع إلى الأذهان إعلان “غوغل” عام 2018 عن سياسات الذكاء الاصطناعي، التي جاءت آنذاك نتيجة ضغوط داخلية دفعتها إلى عدم تجديد عقد مع وزارة الدفاع الأميركية كان يشمل تحليل بيانات طائرات مسيّرة، في خطوة وُصفت حينها بأنها انتصار لأخلاقيات التقنية.
غير أن المُبلِّغ عن المخالفات يرى أن ما جرى في الحالة “الإسرائيلية” يعكس مسارًا معاكسًا، في وقت كانت تتزايد فيه داخل الولايات المتحدة موجة الرفض الشعبي للحرب على غزة.
وقد دعمت تقارير لاحقة، من بينها تحقيقات أخرى لــ”واشنطن بوست”، هذه الفرضية، مشيرة إلى انخراط متصاعد لعمالقة التكنولوجيا الأميركية في مشاريع عسكرية لصالح “إسرائيل”.
وفي يناير 2025، أفادت الصحيفة بأن موظفين في غوغل سارعوا إلى توسيع وصول الجيش “الإسرائيلي” إلى أدوات الذكاء الاصطناعي خلال الأسابيع التي تلت هجوم السابع من أكتوبر، فيما حذّر أحد الموظفين داخليًا من أن رفض الطلبات “الإسرائيلية” قد يدفع تل أبيب إلى اللجوء إلى منافسين مثل “أمازون”.
وبالتوازي، أعلنت “مايكروسوفت” عن فتح تحقيق داخلي بعد تقرير لصحيفة “الغارديان” كشف استخدام خدماتها السحابية في تخزين بيانات مكالمات جُمعت عبر عمليات مراقبة واسعة للمدنيين في غزة والضفة الغربية.
ولاحقا، قالت الشركة إن التحقيق أسفر عن تقييد وصول وحدة تابعة لوزارة الدفاع “الإسرائيلية” إلى بعض خدماتها السحابية، بدعوى مخالفة شروط الخدمة التي تحظر المراقبة الجماعية للمدنيين.
“إبستين” استغلّ “غوغل” لتلميع صورته
لم يقتصر تورّط شركات التكنولوجيا العملاقة على تقديم دعم تقني غير مباشر لجرائم الحرب في غزة، وسط شبهات ابتزاز كشفتها وثائق “إبستين”، بل امتدّ إلى توظيف نفوذها الإعلامي والرقمي في خدمة مصالح شخصية مشبوهة، فقد أظهرت وثائق حديثة أن “إبستين” أنفق مئات الملايين من الدولارات للتحكم في صورته العامة على الإنترنت، ودفن المواد الصحفية المسيئة له في نتائج محرك بحث “غوغل”.
وسلّطت مستندات جديدة أفرجت عنها لجنة الرقابة في مجلس النواب الأميركي الضوء على تفاصيل من الحياة اليومية لـ”إبستين”، من بينها هوسه بما يعرضه “غوغل” عنه، ومساعيه الحثيثة للسيطرة على نتائجه وتوجيهها بما يخدم صورته العامة.
وتكشف الوثائق عن سلسلة مراسلات إلكترونية بين “إبستين” ومساعديه وشخصيات أخرى، من بينها رسالة تعود إلى ديسمبر 2010، طلب فيها صراحة من أحد مساعديه، يُدعى آل سيكل، تحسين نتائجه على “غوغل” بأي ثمن. وبحسب المراسلات، تلقّى المساعد عشرات الآلاف من الدولارات لتنفيذ هذه المهمة.
وخلال ساعات فقط، أُبلغ “إبستين” بأن النتائج تحسّنت، مرفقة بلقطة شاشة تُظهر تنوّعًا في المحتوى، شمل صفحة من “ويكيبيديا” وأخرى لطبيب يحمل الاسم نفسه، مع تأكيد بأن الصورة الرقمية ستتحسن تدريجيًا بمرور الوقت.
وتشير المستندات إلى أن هذه لم تكن محاولة عابرة، بل جزءًا من استراتيجية مستمرة اعتمدها “إبستين” لإعادة صياغة حضوره الرقمي، بمشاركة دائرة من أصدقائه وشركائه.
وشملت هذه الجهود توظيف أدوات تقنية متقدمة، والاستعانة بشركات علاقات عامة، إضافة إلى التقرب من صحفيين يركزون على الأعمال والأنشطة الخيرية بدلًا من الجرائم والفضائح.
وفي هذا السياق، أشار تقرير نشره موقع “ذا فيرج” إلى أن “إبستين” استخدم آليات تحسين محركات البحث (SEO) ذاتها التي تعتمدها الشركات الكبرى، من خلال إنتاج محتوى إيجابي متواصل، وضخ صور مختارة بعناية، وحقن كلمات مفتاحية محددة في مواقع استراتيجية لضمان تصدّر النتائج المرغوبة.
وتكشف إحدى رسائل “سيكل” أن الفريق نجح في إخفاء معظم الأخبار السلبية المتعلقة بـ”إبستين”، باستثناء مقالة واحدة نشرتها صحيفة “هافنغتون بوست”، التي وُصفت بأنها من المنصات الإخبارية الكبرى التي يصعب إزاحتها من نتائج البحث المتقدمة.
كما أظهرت المراسلات التلاعب بصفحة “ويكيبيديا” الخاصة بـ”إبستين”، عبر إضافة معلومات محسوبة بعناية، أصبحت لاحقًا مرجعًا موثوقًا لمحرك بحث “غوغل”، نظرًا للمكانة التي كانت تحظى بها الموسوعة الرقمية في خوارزميات البحث آنذاك.
ويؤكد “راند فيشكين”، مستشار تحسين محركات البحث والمؤسس المشارك لشركة التسويق الرقمي “موز”، أن جزءًا كبيرًا مما قام به فريق “إبستين” يُعد اليوم ممارسات شائعة في هذا المجال، مضيفًا أن “عملية تعديل واسعة بهذا الحجم قد تتجاوز كلفتها 100 ألف دولار، فضلًا عن نفقات الصيانة الشهرية”.
وبحسب الوثائق، نجح الفريق العامل مع “إبستين” في طمس الغالبية الساحقة من الأخبار السلبية عنه، واستبدالها بسردية تُبرز أنشطته الخيرية ونجاحاته التجارية، وهو واقع استمر حتى عام 2012.
ويرى “فيشكين” أن ضخ هذا الكم من المحتوى الإيجابي جعل الكلفة المالية تبدو محدودة مقارنة بالنتائج التي تحققت على مستوى الرأي العام والصورة الرقمية.
عقد دعائي لتلميع صورة الاحتلال
كشف تحقيق نشره موقع “دروب سايت نيوز”، في 3 سبتمبر ،2025 أن شركة “غوغل” أبرمت عقدًا بقيمة 45 مليون دولار مع مكتب رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، بهدف إدارة حملة دعائية واسعة لتلميع صورة الاحتلال والتقليل من شأن المجاعة المتفاقمة في قطاع غزة.
وبحسب التحقيق، يندرج العقد ضمن استراتيجية علاقات عامة تهدف إلى الترويج للرواية الرسمية لـ”إسرائيل”، والتنصّل من الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين في غزة على مدار نحو 700 يوم من الحرب، عبر دحض التقارير الدولية التي تتحدث عن كارثة إنسانية غير مسبوقة، ومحاولة إعادة تسويق الخطاب الحكومي “الإسرائيلي” أمام الرأي العام العالمي.
وأوضح التقرير أن الحملة الدعائية ركزت على التقليل من حجم المأساة الإنسانية، في وقت كانت فيه غزة تشهد تصاعدًا حادًا في معدلات الجوع وسوء التغذية، لا سيما بعد قرار الاحتلال في مارس 2025 حظر إدخال الغذاء والدواء والوقود، وما أعقبه من موجة تجويع أثارت احتجاجات واسعة في عواصم العالم.
وأشار التحقيق إلى أن العقد، الذي يمتد لستة أشهر وجرى توقيعه أواخر يونيو 2025، يصف “غوغل” بأنها شريك رئيسي في دعم استراتيجية نتنياهو الدعائية، وكيان يعمل بشكل مباشر مع رئيس وزراء الاحتلال في “الظروف العادية وحالات الطوارئ”، ما يعكس مستوى غير مسبوق من التداخل بين شركة تكنولوجيا عالمية وجهاز الدعاية الحكومية “الإسرائيلية”.
وبموجب العقد، تتولى “غوغل” إدارة حملات إعلانية مكثفة عبر منصاتها، بما في ذلك “يوتيوب” ومنصة “غوغل ديسبلاي آند فيديو 360″، لنشر رسائل دعائية مضللة تتماشى مع السياسة الإعلامية الحكومية المعروفة باسم “هاسبارا”، وهو مصطلح عبري يُستخدم للإشارة إلى الدعاية الرسمية الهادفة إلى تبرير سياسات الاحتلال وتبرئة جرائمه.
وتُظهر السجلات التي استند إليها التحقيق أن الحملة لم تقتصر على منصات “غوغل”، بل شملت إنفاق ملايين الدولارات على إعلانات مدفوعة عبر منصات أخرى، من بينها منصة “إكس” (تويتر سابقًا)، التي استحوذت على نحو 3 ملايين دولار من الإنفاق الإعلاني، إضافة إلى ما يقارب 2.1 مليون دولار عبر منصة “أوت برين / Outbrain” ذات الجذور “الإسرائيلية”.
ووفق “دروب سايت نيوز”، جاء هذا الإنفاق الدعائي المكثف في ذروة الغضب الشعبي العالمي من سياسات التجويع في غزة، ما يعكس محاولة منظمة لتطويق السردية الحقوقية والإنسانية المتداولة، واستبدالها برسائل إعلامية موجّهة تخدم أجندة الاحتلال وتخفف من وقع الجرائم المرتكبة على الأرض.
“مايكروسوفت” والتجسس الرقمي على الفلسطينيين
في 25 سبتمبر 2025، اضطرت شركة “مايكروسوفت” إلى الإقرار باستخدام وحدة الاستخبارات العسكرية “الإسرائيلية” 8200 لمنصة “Azure” السحابية على مدى ثلاث سنوات، لتخزين وتحليل المكالمات اليومية التي يجريها الفلسطينيون، في اعتراف شكّل إقرارًا عمليًا بتورط الشركة في منظومة المراقبة الواسعة التي استُخدمت لاحقًا في استهداف الفلسطينيين خلال الحرب على غزة، وإن حاولت الشركة التقليل من خطورة ذلك الدور.
وأعلنت “مايكروسوفت” أنها عطّلت عددًا من خدمات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي التي كانت تستخدمها الوحدة 8200 التابعة للاستخبارات العسكرية ووزارة الأمن “الإسرائيلية”، وذلك بعد فضح هذا التعاون عبر تحقيقات صحفية وتقارير إعلامية أكدت تسليم تل أبيب أنظمة مراقبة وتجسس جماعي استُخدمت ضد المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة، وكذلك في الضفة الغربية المحتلة.
وجاء هذا الاعتراف متأخرًا، بعد ثلاث محطات رئيسية أنكرتها الشركة سابقًا، ما عزز الشكوك بشأن نمط التواطؤ لا مجرد “تجاوزات تقنية”، وهذه المحطات هي:
أولًا: وثائق مسرّبة وتعاون عسكري مباشر:
في فبراير 2025، كشفت وثائق مسرّبة ضمن تحقيق مشترك أجرته صحيفة الجارديان، ومجلة +972، ومنصة Local Call، واستند جزئيًا إلى وثائق حصلت عليها منصة Drop Site News، عن توثيق العلاقات بين “مايكروسوفت” وجيش الاحتلال “الإسرائيلي” منذ بدء العدوان على غزة في 7 أكتوبر 2023.
وأظهرت الوثائق مساهمة الشركة في تقديم خدمات الحوسبة السحابية، وأدوات الذكاء الاصطناعي، واستشارات تقنية دعمت العمليات العسكرية، في ما أثار موجة انتقادات دولية وتساؤلات حول مسؤولية شركات التكنولوجيا الكبرى في النزاعات المسلحة.
وكشفت التحقيقات أن “مايكروسوفت” أبرمت عقودًا مع جيش الاحتلال بقيمة تقارب 10 ملايين دولار، شملت دعمًا فنيًا واستشارات تقنية، إلى جانب خصومات وحوافز إضافية هدفت إلى تعميق الشراكة العسكرية.
ثانيًا: إنتاج أدوات القمع والرقابة:
في مارس 2025، نشر موقع «موندويس» تقريرًا موسعًا عن التعاون بين “إسرائيل” وشركة “مايكروسوفت” في تطوير أدوات القمع والسيطرة، كاشفًا ما وصفه بـ”الوجه الخفي” لشركة البرمجيات الأميركية العملاقة.
وأشار التقرير إلى أن شركات تكنولوجيا كبرى، من بينها “أمازون” و”فيسبوك” و”غوغل” و”مايكروسوفت”، سهّلت سياسات الرقابة والعنف التي تمارسها دول مختلفة، إلا أن أخطر أوجه هذا التعاون – بحسب التقرير – تمثلت في دعم الاحتلال “الإسرائيلي” بتقنيات تُستخدم مباشرة في المراقبة والقتل.
وأكد التقرير أن “مايكروسوفت” استثمرت في شركات خرجت من رحم جيش الاحتلال، واشترت شركات “إسرائيلية” متخصصة في تقنيات المراقبة. ومن بين هذه الاستثمارات شركة “AnyVision”، التي تزود الدولة بكاميرات وأنظمة للتعرف على الوجوه تُستخدم لمراقبة الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، بما يسهل عمليات الاستهداف.
ثالثًا: تمرّد داخلي وفضح علني:
في أبريل 2025، فجّرت المهندسة المغربية ابتهال أبو السعد، خريجة جامعة هارفارد والمبرمجة في “مايكروسوفت”، مواجهة علنية مع إدارة الشركة خلال احتفال أقيم في واشنطن بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيسها، عندما اتهمت قيادات الشركة بالمشاركة في جرائم غزة، ما عرّضها لاحقًا للفصل.
وخلال صعودها إلى المنصة، وجهت أبو السعد اتهامًا مباشرًا إلى المدير التنفيذي لقسم الذكاء الاصطناعي في الشركة بالتواطؤ في سفك الدماء في غزة، معتبرة أن إدارة “مايكروسوفت” برمتها متورطة في دعم جرائم الاحتلال “الإسرائيلي” عبر تزويد جيشه بالخوادم، والتقنيات، وخدمات “Azure” التي استُخدمت في عمليات الإبادة بحق الفلسطينيين لأكثر من عام ونصف.
ولم تكتفِ بذلك، بل بعثت برسالة بريد إلكتروني إلى جميع موظفي الشركة أكدت فيها أنها لم تعد قادرة على الصمت، بعدما اكتشفت أن عملها ضمن فريق الذكاء الاصطناعي يُوظَّف، بشكل مباشر أو غير مباشر، في دعم الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني.
وفي السياق نفسه، أشار تقرير لـ”الجارديان” إلى أن الوحدة 8200 استخدمت منصة “Azure” لمدة ثلاث سنوات لتخزين وتحليل المكالمات اليومية للفلسطينيين، ضمن نظام وُصف بأنه بالغ الاتساع، إلى درجة أن شعارًا داخليًا تداوله أفراد الوحدة كان يقول: “مليون مكالمة في الساعة”.
وبحسب التحقيق، استُخدم برنامج “Azure” في تخزين بيانات الاتصالات الهاتفية والرسائل، وتحليل محتواها، ضمن قرار استخباراتي “إسرائيلي” بتسجيل جميع المكالمات في غزة والضفة الغربية بشكل يومي. غير أن حجم البيانات الهائل، الذي قُدّر بنحو 200 مليون ساعة من المكالمات يوميًا، تطلّب بنية سحابية عملاقة، وفّرتها “مايكروسوفت” عبر منصتها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصادر التقرير:
- مُبلِّغ عن المخالفات زعم أن جوجل ساعدت شركة مقاولات عسكرية إسرائيلية في مجال الذكاء الاصطناعي، “واشنطن بوست”، https://2h.ae/HdPHL
- “جوجل” عقد مع مكتب نتنياهو بقيمة 45 مليون دولار لنشر الدعاية الإسرائيلية ، “دروب سايت نيوز”، 3 سبتمبر 2025، https://2h.ae/cuED




