قضايا وتحليلات

في وداع 2025: صحافة مصر تحت الحصار.. وانهيار تام للحريات

  • 350 انتهاكًا بحق الصحافة والصحفيين.. و24 صحفيًا مازالوا خلف القضبان
  • الدولة والجيش يبتلعان الإعلام… و«اليونسكو» تحذّر من انهيار المهنية
  • فصل أكثر من 250 صحفيا وتلفيق 14 قضية والتضييق على نقابة الصحفيين
  • مصر بالمركز 170 في حرية الصحافة والسادسة عالميًا في سجن الصحفيين
  • حرمان المواقع المستقلة من التراخيص وتعطيل قانون حق تداول المعلومات

“إنسان للإعلام”- فريق التحرير:

في عامٍ اتسم بالعواصف السياسية والاقتصادية، تغادر الصحافة المصرية عام 2025 وهي تحمل إرثًا ثقيلًا من القيود، قبل أن تواجه جولاتٍ جديدة من التضييق غير المسبوق.

في هذا العام الذي نودعه، تصاعدت الضغوط على وسائل الإعلام، وتقلّصت مساحات النقد، وامتدت يدُ الرقابة إلى غرف التحرير والشاشات والمنصات الرقمية، في مشهدٍ لم يعد فيه الصحفي ناقلًا للحقيقة بل ضحيةً لدفع ثمنها.

ومع استمرار حجب المعلومات، وتعطيل التشريعات المنظمة لحق تداولها، تحوّل المجال الإعلامي إلى ساحةٍ تُدار فيها الرواية الرسمية بلا منافس، بينما تُحاصر الأصوات المستقلة، وتُستنزف المؤسسات غير المنضوية تحت جناح السلطة، ويُعاقَب الصحفيون في حرياتهم وأرزاقهم وحقهم في أداء مهنتهم.

في هذا السياق، يرصد التقرير مسار عامٍ كامل من الانتهاكات بحق المهنة والعاملين بها، كاشفًا عن الثمن الذي يدفعه الصحفي والمجتمع معًا، حين تُقيَّد الكلمة، ويُصادَر الحق في المعرفة.

الحريات الصحفية… تراجع مستمر

منذ مطلع عام 2025، شهدت مصر تراجعًا متواصلًا في الحريات الصحفية، وفق تقارير مؤسسات حقوقية محلية ودولية.

وأكدت منظمة عدالة لحقوق الإنسان أن حرية الصحافة تمرّ بأسوأ مراحلها منذ عقود، مشيرة إلى استمرار تعرض مئات الصحفيين لانتهاكات جسيمة تشمل: الاعتقال التعسفي، والمنع من الكتابة أو الظهور الإعلامي، ومحاكمات مسيّسة تفتقر إلى معايير العدالة.

وحذّرت المنظمة من أن مناخ القمع يقوّض الدور الرقابي للصحافة في تعزيز الشفافية والمساءلة، مؤكدة أن إسكات الإعلام لا يؤدي إلى الاستقرار، بل يعمّق فقدان الثقة بين الدولة والمجتمع. ودعت المجتمع الدولي إلى التحرك لحماية الصحافة، والمطالبة بالإفراج عن المحتجزين بسبب عملهم أو آرائهم.

واختتمت «عدالة» بيانها بالتأكيد على ضرورة عودة الكلمة الحرة لدورها في مواجهة الاستبداد، وتصويب المسار في «العام الجديد»، بما يضمن استعادة المجتمع لحقه في المعرفة[1].

وفي مؤشرٍ كاشفٍ لحجم الأزمة، صنّفت منظمة مراسلون بلا حدود (RSF) مصر في المركز 170 من بين 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2025، لتبقى ضمن الدول الأسوأ عالميًا في المجال الإعلامي.

وأرجعت المنظمة هذا الترتيب إلى سياسات السيطرة المطلقة على مخرجات الإعلام، والتوسع في استخدام قوانين الطوارئ والأمن الإلكتروني، وتغليظ تعريفات «تهديد الأمن القومي» لتشمل أي محتوى ناقد أو كاشفٍ للفساد.

وشمل عام 2025 موجات جديدة من التضييق على الإعلام المستقل، تمثلت في:

  • حرمان مواقع من التراخيص الرسمية رغم الضمانات الدستورية.
  • سحب الإعلانات الحكومية وفرض قيود على التمويل.
  • توسّع مؤسسات مرتبطة بالدولة أو الجيش في الاستحواذ على قطاعات إعلامية رئيسية.
  • استمرار هندسة المحتوى بما يتوافق مع السرد الرسمي، حتى باتت مساحة النقد السياسي شبه معدومة.

كما امتدت قبضة الرقابة إلى صحف ومواقع محسوبة على دوائر الولاء؛ إذ جرى إقصاء الصحفي أيمن عبد المجيد من رئاسة تحرير «روز اليوسف» في يوليو 2025، بعد تقريرٍ اعتُبر خروجًا عن السردية الرسمية، في دلالة على أن الاستقلال التحريري –ولو الجزئي– لم يعد مقبولًا[2].

تعطيل الحق في تداول المعلومات

على الصعيد الدولي، أكدت منظمة “اليونسكو” في تقريرها «الاتجاهات العالمية في حرية التعبير وتطور وسائل الإعلام 2022–2025» أن حرية التعبير تراجعت عالميًا بنسبة 10% منذ 2012، بينما ارتفعت الرقابة الذاتية بين الصحفيين بنسبة 63% خلال الفترة نفسها، بمعدل 5% سنويًا، وكانت مصر في صدارة الدول الأكثر تأثرًا.[3]

ومن أبرز مظاهر التراجع في مصر خلال 2025 استمرار تعطيل البرلمان إصدار قانون تداول المعلومات، ليبقى النص الدستوري الذي يعتبر «المعلومات ملكًا للشعب» بلا تطبيق تشريعي فعلي.

وفي ديسمبر 2025، أعاد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي طرح القضية عبر الدعوة إلى تشديد العقوبات على مروّجي الشائعات، متجاهلًا التقاعس الحكومي الممتد لأكثر من عشر سنوات عن إصدار قانونٍ ينظم إتاحة المعلومات.

ورغم تصريحات المتحدث الرسمي باسم مجلس الوزراء، محمد الحمصاني، بأن الحكومة «تعمل على إصدار قانون تداول المعلومات لحماية المصلحة العامة لا لتقييد التعبير»، فإن غياب القانون دفع السلطات إلى استخدام نصوص بديلة، مثل: المادة 188 من قانون العقوبات، وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، وهي مواد جرى توظيفها لتوجيه اتهامات فضفاضة لأي محتوى ناقد، ما أفضى إلى محاكماتٍ جائرة، وحبسٍ احتياطي مطوّل لعشرات الصحفيين.

وفي المقابل، انتقد نقيب الصحفيين خالد البلشي المقاربة الحكومية، مؤكدًا أن «مواجهة الشائعات تبدأ بإتاحة المعلومات لا بتغليظ العقوبات»، محذرًا من أن المبالغة في العقوبات تؤدي إلى تفاقم الشائعات بدلًا من الحد منها[4].

انتهاكات متزايدة بحق الصحفيين

وثّق المركز الإقليمي للحقوق والحريات في تقريره «حالة حرية الصحافة والإعلام خلال النصف الأول 2025» وقوع أكثر من 350 انتهاكًا، تصاعدت على نحوٍ غير مسبوق، وشملت:

  • حجب أكثر من 5 مواقع إخبارية، بينها «مدى مصر» و”زاوية ثالثة”
  • امتناع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام عن ترخيص مواقع مستقلة، مقابل تقنين أوضاع 21 موقعًا وتطبيقًا تجاريًا وخدميًا.
  • انتقائية واضحة في منح التراخيص، مع تشدد تجاه المحتوى النقدي والتحليلي.

ومن بين الانتهاكات الإدارية، قرر المجلس الأعلى وقف صرف بدل التدريب والتكنولوجيا لصحفيي جريدة «الطريق»، عبر قراراتٍ غير مُعلنة، في مقابل خصم 10% من البدل في بعض الصحف القومية دون أخرى، ما عكس حالة ازدواجية وانتقائية في التطبيق.

كما شمل الاستهداف:

  • استدعاء مسؤولي صفحات «فيسبوك» للصحفيين إبراهيم مدكور وصبحي عبد السلام في مايو 2025.
  • استمرار أزمة الصحفيين المؤقتين في الصحف القومية دون عقود أو تأمينات.
  • توثيق 24 انتهاكًا في يوليو 2025 وحده، توزعت بين جهات أمنية وقضائية ومدنية.[5]

مصر السادسة عالميا في اعتقال الصحفيين

شهد عام 2025 تصاعدًا ملحوظًا في الانتهاكات بحق الصحفيين المعتقلين. ووفق تقرير لجنة حماية الصحفيين (CPJ)، احتلت مصر المرتبة السادسة عالميًا من حيث عدد الصحفيين المسجونين، بإجمالي 24 صحفيًا، كما صُنّفت ضمن أكبر عشر دول في العالم سجنًا للصحفيين.

وأشار التقرير إلى أن 7 صحفيين من بين المعتقلين جرى احتجازهم على خلفية تغطيتهم أو انتقادهم للأزمة الاقتصادية، من بينهم الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق المحتجز منذ أكتوبر 2024 على ذمة قضايا تتعلق بكتاباته، والذي حُكم عليه بالسجن 5 سنوات بحكم نهائي.

وندّد التقرير باستخدام الإخفاء القسري كوسيلة لترهيب الصحفيين قبل احتجازهم رسميًا، واعتبره جريمة بموجب القانون الدولي.

وأكدت منظمات حقوقية أن الصحفيين المحتجزين يعانون أوضاعًا شديدة السوء، من بينها الحبس الانفرادي وتجاوز مدد الحبس الاحتياطي القانونية، إذ تخطّى 15 صحفيًا الحد الأقصى للحبس الاحتياطي بعامين، وبعضهم محتجز منذ أكثر من خمس سنوات، كما أن بعض الصحفيين محتجز منذ أكثر من سبع سنوات، في مخالفة صريحة لقانون الإجراءات الجنائية.

وشهد العام استدعاء الصحفية رشا قنديل للتحقيق أمام نيابة أمن الدولة العليا في مايو 2025، بتهمة «نشر أخبار كاذبة»، قبل الإفراج عنها بكفالة مالية. كما جرى استدعاء الصحفية لينا عطا الله، رئيسة تحرير “مدى مصر”، في أغسطس 2025، بعد نشر تقرير استقصائي عن أوضاع الاحتجاز في سجن بدر[6].

وفي السياق ذاته، وثّق المرصد المصري للصحافة والإعلام استمرار حبس 11 صحفيًا خلال الشهور الثلاثة الأخيرة من العام، إلى جانب احتجاز بعضهم خارج إطار القانون، وعدم عرضهم على النيابة خلال المدد الدستورية، واستمرار حبسهم بعد تجاوز الحد الأقصى المنصوص عليه قانونًا.

كما وثّق 14 قضية مثُل فيها 16 صحفيًا أمام خمس جهات قضائية، في مقدمتها نيابة أمن الدولة العليا، وأشار إلى تدهور الحالة الصحية للصحفية صفاء الكوربجي، التي أُعيد القبض عليها بسبب آرائها المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي.

كما أشار تقرير المركز إلى تدهور الحالة الصحية للصحفية صفاء الكوربيجي، وندّد بتجديد حبسها رغم ارتباط احتجازها بآرائها المنشورة على منصات التواصل الاجتماعي[7].

الفصل التعسفي والحرمان من الأجور

شهدت الساحة الصحفية خلال عام 2025 تصاعدًا خطيرًا في ظاهرة الفصل التعسفي للصحفيين المصريين داخل عدد كبير من المؤسسات الصحفية.

 وبلغ إجمالي من تعرّضوا للفصل التعسفي على مدار العقد الماضي أكثر من ثلاثة آلاف صحفي، بينما شهد عام 2025 وحده فصل أكثر من 250 صحفيًا من مؤسسات مختلفة، كان أبرزها البوابة نيوز والدستور والفجر وموقع الجمهور.

وكان موقع الجمهور، الذي انطلق عام 2023، نموذجًا صارخًا لهذه الانتهاكات؛ إذ قررت إدارته بشكل مفاجئ تغيير رئيس التحرير وعددًا من مساعديه، لتبدأ بعدها سلسلة من التجاوزات بحق الصحفيين.

وأظهرت شهادات موثقة للمرصد المصري للصحافة والإعلام أن عدد الصحفيين الذين يمتلكون عقود عمل بالموقع لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، في مقابل أغلبية تعمل بلا عقود أو تأمينات أو ضمانات قانونية.

وفي أبريل 2025، وثّق المرصد تشريد أكثر من 50 صحفيًا من الموقع، كما كشف استبيان لنقابة الصحفيين، أُجري خلال المؤتمر السادس، أن 27%  من الصحفيين تعرّضوا للفصل التعسفي[8] .

الأجور المتدنية وصدامات مع الإدارات

رغم تصاعد الأزمة الاقتصادية التي تعصف بمصر، واجه الصحفيون خلال عام 2025 تدهورًا حادًا في أوضاعهم المعيشية، مع تدنّي الأجور، وتخلّف العديد من المؤسسات الصحفية عن الوفاء بحقوقهم المالية الأساسية.

وشهدت مؤسسات مثل الوفد والبوابة نيوز والدستور وصدى البلد، إلى جانب بعض الصحف القومية، صدامات متكررة بين الصحفيين والإدارات للمطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجور البالغ 7 آلاف جنيه.

وانطلقت إحدى أبرز هذه المعارك من داخل جريدة وموقع الوفد، حيث خاض الصحفيون منذ مطلع 2025 مفاوضات طويلة لتحسين الأجور التي لم تكن تتجاوز ما بين 1400  و2400 جنيه.

ومع حلول يونيو 2025، نظّم الصحفيون اعتصامات متكررة للمطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجور، وسط تضامن نقابة الصحفيين، إلى أن نجحوا، بعد نحو خمسة أشهر من التصعيد، في انتزاع حقوقهم.

وفي المقابل، واجه صحفيو “البوابة نيوز” تعنّتًا شديدًا من إدارة المؤسسة؛ إذ ظل الصحفيون، بعد أكثر من عشر سنوات من العمل، يتقاضون رواتب لا تتجاوز 2000  جنيه، واصفين الوضع بـ«المهين» في ظل موجة الغلاء، دون التوصل إلى حل حتى نهاية العام، بالتزامن مع إعلان رئيس مجلس الإدارة رفع اسمه من ترويسة الموقع، ثم لاحقا إعلانه عن إغلاق الموقع.

ولا يختلف المشهد في موقع “صدى البلد”، حيث رفضت الإدارة الاستجابة لمطالب رفع الأجور، وتجاوز الأمر إلى فصل عشرات الصحفيين والعاملين فصلًا تعسفيًا، مع الإعلان عن تعيين صحفيين جدد بشروط مالية مجحفة.

وكشفت استطلاعات الرأي التي أُجريت خلال عام 2025 عن تدهور مستمر في الوضع الاقتصادي للصحفيين.

 وأظهر استبيان نقابة الصحفيين، الذي شمل 1568 صحفيًا، أن 51.8%  من المؤسسات لا تمتلك لائحة أجور واضحة، وأن 50.5%  منها لا تطبق الحد الأدنى للأجور، مقابل 27.9%  فقط تطبّقه كاملًا.

وبيّن الاستبيان أن 13.1%  من الصحفيين لا يتقاضون أي أجر، بينما يحصل 72% على رواتب أقل من الحد الأدنى.

كما أظهرت دراسة ميدانية أجراها د. حمّاد الرمحي في نوفمبر 2025 أن نحو 10% من الصحفيين متعطلون قسرًا بسبب الفصل أو الاستبعاد التعسفي، وأن فجوة واسعة تفصل بين الأجر الفعلي والأجر اللائق، حيث يعمل كثيرون تحت خط الفقر أو قريبًا منه.

النظام يذبح إعلاميي “التوك شو”

شهد عام 2025 إقصاء ثلاثة من أبرز مذيعي برامج «التوك شو» في مصر هم: إبراهيم عيسى ولميس الحديدي وخيري رمضان، في خطوة مثّلت ذروة جديدة لتضييق المساحات الإعلامية، حتى على الوجوه المحسوبة على النظام.

وجاءت هذه الإقصاءات ضمن ما بدا أنه إعادة هندسة شاملة للمشهد الإعلامي، عقب إخفاقات حكومية وأزمات متراكمة أحرجت المنظومة الإعلامية الرسمية. ورغم ترحيب قطاعات شعبية بالقرارات، فإن توقيتها وطريقة تنفيذها أثارا تساؤلات حول الدوافع الحقيقية، لا سيّما أنها نُفّذت خارج الدورات الإعلامية المعتادة، فقد أُنهِي التعاقد مع إبراهيم عيسى بعد سنوات من الجدل حول مواقفه وخطابه، وتزامن ذلك مع إطلاقه قناة على «يوتيوب» قدّم عبرها محتوى ناقدًا لبعض سياسات النظام.

كما جرى إنهاء تعاقد لميس الحديدي مع قناة ON  بعد تناولها مسؤولية شركات تابعة للجيش عن مشروعات طرق شهدت حوادث قاتلة، أما خيري رمضان، فقد تم إيقاف برنامجه على الهواء مباشرة بعد استضافته سائقي شاحنات تحدثوا عن تدهور البنية التحتية للطرق.

وفي تعليقها، قالت سارة قدح، المديرة الإقليمية للجنة حماية الصحفيين (CPJ): إن ما حدث يعكس «انعدام التسامح الرسمي مع أي تغطية إعلامية تخرج عن الرواية المعتمدة، حتى من داخل القنوات التابعة للدولة”

ولم تقتصر الإقصاءات على نجوم الشاشات، بل امتدت إلى الصحافة المكتوبة، كما حدث مع الإطاحة بالصحفي أيمن عبد المجيد من رئاسة تحرير موقع روز اليوسف في يوليو 2025، بعد نشر تقرير تضمّن إشارة اعتُبرت خروجًا عن السردية الرسمية.

وتؤكد هذه الواقعة أن قبضة الرقابة لا تستثني حتى الوجوه الموالية إذا ما أظهرت قدرًا من الاستقلال التحريري، ولو عن غير قصد[9].

نقابة الصحفيين في مرمى الأزمات

على مدار عام 2025، ضيّقت حكومة السيسي الخناق على نقابة الصحفيين، لا سيما بعد نجاح تيار الاستقلال في الحصول على الأغلبية خلال الانتخابات الماضية؛ فمنذ إعلان نتائج انتخابات التجديد النصفي لنقابة الصحفيين في مارس 2025، والتي أطاحت بمرشحي الحكومة وأفرزت مجلسًا نقابيًا مستقلًا برئاسة خالد البلشي، دخلت السلطة في مواجهة مفتوحة مع الجماعة الصحفية، مستخدمة أدواتها الأمنية والإدارية والمالية لفرض حصار متعدد الأوجه على النقابة ومجلسها المنتخب.

وفي ظل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة التي يعاني منها الصحفيون، ومع سيطرة الأجهزة الأمنية على معظم الصحف والمواقع الإلكترونية، بات بدل التدريب والتكنولوجيا الذي تصرفه الحكومة شهريًا للمقيدين بجداول النقابة يمثل العصب الاقتصادي الأساسي لآلاف الصحفيين وأسرهم.

وخلال الانتخابات الأخيرة، أعلن المرشح المدعوم من الحكومة عبد المحسن سلامة حصوله على وعد رسمي برفع البدل إلى 6000  جنيه، كما أكد وزير المالية آنذاك إدراج الزيادة ضمن الموازنة الجديدة تحت مسمى «حزمة الحماية الاجتماعية»، غير أن الحكومة تراجعت عن هذا الإعلان عقب فوز خالد البلشي بمنصب النقيب، وتجاهلت ذكر الزيادة تمامًا، في خطوة فسّرها الصحفيون على نطاق واسع باعتبارها عقابًا جماعيًا.

وفي تطور لافت، سعت الحكومة إلى اقتطاع 10%  من بدل التكنولوجيا كضريبة دخل، ما أثار غضبًا واسعًا بين الصحفيين الذين اعتبروا البدل دعمًا مهنيًا لا يخضع للضرائب.

ورفضت نقابة الصحفيين هذا التوجه بشدة، وأصرت على صرف البدل كاملًا لجميع الصحفيين دون تمييز، وتولت صرفه مباشرة من خلال حساباتها الخاصة.

وفي خطوة اعتبرها كثيرون تصعيدًا غير مسبوق، أقدم المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام على خصم بدل التكنولوجيا عن 55  صحفيًا بجريدة «الطريق» لمدة أربعة أشهر (مارس–يونيو 2025)، دون إخطار النقابة أو إجراء تحقيق، في انتهاك واضح للأعراف القانونية والمهنية، ثم جاءت زيادة البدل بقيمة 600 جنيه فقط، ما فجّر غضبًا واسعًا بين الصحفيين الذين اعتبروا الخطوة محاولة لتأديبهم على اختياراتهم الانتخابية.

وفي سياق متصل، ألقت أزمة أخرى بظلالها على مجلس النقابة بعد أن أصدرت وزارة السياحة والآثار بيانًا في ديسمبر 2025 نفت فيه تصريحات رئيس تحرير موقع «القاهرة 24» خلال ظهوره ببرنامج “بالورقة والقلم” على قناة TEN، بشأن قيام الوزير بتحرير محاضر ضد صحفيين وغياب التواصل مع وسائل الإعلام. وأكدت الوزارة أن تلك الادعاءات غير صحيحة[10] .

نخلص مما سبق إلى أن التراجع الحاد في الحريات الصحفية الذي شهده عام 2025 لا يمكن اعتباره حدثًا عابرًا، بل يُعدّ مؤشرًا خطيرًا على مسار يهدد جوهر العمل الإعلامي ودوره الرقابي والتنويري.

فاستمرار الضغوط وتكميم الأصوات لا يطال الصحفيين وحدهم، بل يمتد أثره إلى وعي المجتمع بأسره، ويمسّ حقه الأصيل في الوصول إلى الحقيقة والمعلومة الموثوقة.

ومن ثمّ، تبرز الحاجة الملحّة إلى تضامن مهني وحقوقي واسع، وإلى مراجعة جادة للسياسات والممارسات المقيدة، دفاعًا عن صحافة حرة ومستقلة قادرة على أداء رسالتها دون خوف أو قيود.

إن حماية الصحفي ليست امتيازًا فئويًا، بل ضمانة مجتمعية لحماية حق الجمهور في المعرفة، وصونًا لدور الإعلام كركيزة للدولة الحديثة لا كأداة للدعاية والتضليل.

ويبقى الرهان الحقيقي على إرادة الجماعة الصحفية في التمسك باستقلالها، وعلى دعم مجتمعي وقانوني يفتح المجال أمام إصلاحات تعيد الاعتبار لحرية التعبير، وتؤسس لمشهد إعلامي يضع الحقيقة فوق كل اعتبار، ويضمن للصحافة المصرية فرصة البقاء والتأثير في زمن تتصارع فيه الروايات، وتزداد فيه قيمة الكلمة الحرة ومسؤوليتها.


المصادر

[1] “حرية الصحافة في مصر تواجه خطرًا متصاعدًا” ، موقع عدالة، 3 مايو2025 ، https://linksshortcut.com/IBEaM

[2]  “مصر في المركز 170 عالميًا بمؤشر حرية الصحافة 2025” ، نافذة مصر، 19 سبتمبر 2025 ، https://linksshortcut.com/RkXJW

[3]  ” اليونسكو: انخفاض تاريخي في حرية التعبير جراء استهداف الصحفيين” ، الجزيرة  نت، 17 ديسمبر 2025 ، https://linksshortcut.com/CSJYq

[4]  “غياب قانون تداول المعلومات يقوّض الصحافة في مصر” ، العربي الجديد، 20 ديسمبر 2025  ، https://linksshortcut.com/OzKHR

[5]    “تقرير حالة حرية الصحافة والإعلام خلال النصف الأول من 2025″، المركز الاقليمي للحقوق والحريات ، 20سبتمبر 2025 ، https://linksshortcut.com/gbkGJ

[6] “تصاعد الانتهاكات في الاوساط الصحفية ” المرصد المصري للصحافة ، 5أغسطس 2025 ، https://tinyurl.com/3a9vz4h6

[7]  “لجنة حماية الصحفيين: مصر تحتل المركز السادس عالميًا في حبس الصحفيين” ، المنصة ، 17  يناير 2025، https://manassa.news/news/21763\

[8]  ” تطورات أوضاع الصحفيين خلال الربع الثالث من عام 2025-” ، موقع المرصد المصري ، 30 اكتوبر 2025 ، https://goo.su/JTb2g

[9]  ““الجمهور” يغلق أبوابه في وجه صحفييه.. حالات فصل تعسفي وحجب حقوق مالية” ، المرصد المصري للصحافة والاعلام ، 30 مارس 2025 ، https://goo.su/91Xo5vY

[10]   “نقابة الصحافيين المصريين في مرمى الأزمات” ، العربي الجديد ، 22 ديسمبر 2025  ، https://linksshortcut.com/fHwrV

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى