الداعية عبد الرحمن ياسين ممثل مؤسسة منار الأقصى في مملكة البحرين:
- “طوفان الأقصى” نقل قضية القدس من الأدراج إلى الطاولة الدولية
- منصات التواصل مكّنت الشباب من إيصال صوت الأقصى إلى العالم
- الدوافع لنصرة الأقصى لم تعد دينية فقط… بل إنسانية وأخلاقية أيضًا
- نملك قضية عادلة.. والجانب الإعلامي هو السلاح الأهم في معركة الوعي
- التكامل بين الخطاب الشرعي والإعلامي شرطٌ لصناعة التأثير المستدام
- العمل الفردي لم يعد كافيًا.. ودون استراتيجية وعمل مؤسسي لن يتغير شيء
إنسان للإعلام- حوار : حامد راضي
في ظل التحولات العميقة التي طرأت على حضور قضية القدس والمسجد الأقصى في الوعي العام، لا سيما عقب معركة طوفان الأقصى التي بدأتها المقاومة الفلسطينية ضد الكيان الصهيوني يوم السابع من أكتوبر 2023، برز الإعلام بوصفه أحد أهم أدوات إعادة القضية إلى صدارة الاهتمام العربي والإسلامي والدولي، بعد سنوات من التهميش.
في هذا السياق، أجرى مركز “إنسان للإعلام”هذا الحوار مع الداعية الإسلامي عبد الرحمن ياسين، الناشط في القضية الفلسطينية، وممثل مؤسسة منار الأقصى في مملكة البحرين، وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
يكشف الحوار ملامح الخطاب الإعلامي المتعلق بقضية الأقصى، ودور وسائل التواصل الحديثة في تشكيل وعي الشعوب، كما يناقش التحديات التي تواجه الإعلام الجاد في زمن طغيان الترفيه والمحتوى السطحي، مسلطًا الضوء على ضرورة التكامل بين البعدين الشرعي والإعلامي، والحاجة إلى عمل مؤسسي واستراتيجية مستدامة تضمن بقاء القضية حيّة في وجدان الأمة والإنسانية.
- بدايةً، كيف تقيّمون حضور قضية القدس والمسجد الأقصى في وسائل الإعلام العربية والإسلامية؟
الحقيقة أن قضية المسجد الأقصى والقضية الفلسطينية كانت، كما قال أحد المسؤولين الغربيين، “موضوعة في الأدراج”، لكن بعد السابع من أكتوبر 2023، وبعد أحداث طوفان الأقصى، خرجت القضية إلى الطاولة.
وبما أن القضية أصبحت مطروحة بقوة، انعكس ذلك حتى على المجتمعات الغربية، فاليوم نرى أن القضية أصبحت القضية الأولى في الإعلام، ويحملها المسلم وغير المسلم، العربي والغربي، على اختلاف أعراقهم؛ الأصفر والأحمر والأشقر.
التفاعل مع القضية جاء بدوافع متعددة؛ دافع إسلامي، ودافع إنساني، ودافع أخلاقي. بل وجدنا في وسائل الإعلام كثيرًا من الغربيين مناصرِين للقضية أكثر من كثير من العرب. وهذا إن دلّ على شيء، فإنه يدل على أن القضية أصبحت حاضرة حضورًا قويًا وملحوظًا في وسائل التواصل بمختلف أطيافها وأنواعها.
وما يبعث على التفاؤل أن القضية بدأت تأخذ مسارها الصحيح، وأن الأمة الإسلامية، بل والإنسانية جمعاء، بدأت تعي خطورة هذه القضية، وخطورة هذا الخطر المحدق، المتمثل في العدو الصهيوني المجرم.
- برأيكم، ما مدى تأثير الإعلام في تشكيل وعي الشعوب بقضية القدس والأقصى المبارك؟
لولا الإعلام، وهذه الوسائل التي أوصلت صوت القضية إلى أبعد مما كنا نتوقع، لما وصلت القضية إلى أماكن بعيدة جدًا. حتى في الصين، رأينا شخصًا صينيًا يخرج يوميًا بلافتاته، وعلى مدى سنتين في فترة الطوفان، يناصر القضية ويندد بالاحتلال وجرائمه، فمن أين وصلته القضية؟ لا شك أن ذلك كان عبر وسائل التواصل.
اليوم، أهم ما يخدم القضية هو الدعم الإعلامي والدعم التعبوي عبر وسائل التواصل الاجتماعي.. خذ مثالًا الولايات المتحدة؛ فئة الشباب بين سن 15 و25 عامًا، تشير إحصاءات إلى أن نسبة كبيرة جدًا منهم أصبحت مناصرة للقضية، ومنددة بالاحتلال. من الذي أوصل إليهم الصوت؟ إنها هذه الوسائل التي بثثنا عبرها صوت القضية، عبر أهل القضية أنفسهم، وعبر الصور، والمناشدات، وكشف الجرائم التي ارتكبها هذا الكيان المحتل.
لذلك، أقول بوضوح: الجانب الإعلامي هو الجانب الأهم اليوم. قد تكون لدينا قضية عادلة، وقد نملك الحق، لكن إن لم يكن لهذا الحق صوت يرفعه، ويشرحه، وينشره في كل أصقاع الأرض، ويكشف الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني، لما وصلت القضية إلى هذه المركزية في وعي الشعوب المسلمة وغير المسلمة.
- كيف يمكن للإعلام الإسلامي توظيف التقنيات الحديثة ووسائل التواصل في الدفاع عن قضية القدس والأقصى؟
الأمة اليوم بدأت تستيقظ، والنائم بدأ يعي، وكما يقول الشاعر:
إذا هبّت رياحك فاغتنمها… فإن لكل واردة سكونه.
طوفان الأقصى أيقظ في الأمة أمورًا كثيرة، وأعاد إحياء مفاهيم كانت غائبة، لكن استثمار هذه اليقظة يجب أن يكون بالشكل الصحيح، بمعنى أننا يجب أن نستثمر هذا الطوفان في ترسيخ الشعور بأننا أمة واحدة من شرقها إلى غربها.
لا بد للطيف الإسلامي أن يستغل هذه المفاهيم، وينشرها، ويعمل على توسيعها وترسيخها في وجدان الشعوب المسلمة، وهناك مفاهيم كثيرة أعاد الطوفان إحياءها في الأمة، وكان الفضل بعد الله سبحانه وتعالى لهذا الحدث الكبير.
لكن التحدي الحقيقي هو ألا يخفت هذا الصوت بعد الطوفان، فالحرب الواسعة توقفت، وإن كانت الجرائم لا تزال مستمرة، لكن الخطر أن تنتهي حالة الوعي، لا بد أن يبقى الصوت حاضرًا.
- استخدمتم مصطلح “الطوفانيين”… ماذا تقصدون به؟
أقصد أن يكون كل فرد “طوفانيًا” بالقيم والمبادئ، لا بالشعارات فقط. أن يحمل مبادئ الطوفان، ومفاهيمه، وأفكاره؛ من أن المقاومة حق مشروع مستمر حتى زوال هذا الكيان، ومن أن الأمة الإسلامية لها الحق في مدافعة المستعمر والمحتل، ومن أن نصرة الشعوب المظلومة لا يحدها أي قيد.
إذا استُثمرت هذه المفاهيم عبر وسائل التواصل الاجتماعي – من بودكاست، ومقاطع قصيرة، وفيديوهات مطولة – فإنها تصبح وعاءً عصريًا يحمل هذه الأفكار إلى العالم، وخصوصًا إذا تُرجمت إلى لغات متعددة، فإننا بذلك لا ننشر فقط القضية الفلسطينية، بل ننشر صورة الإسلام الصحيحة التي كشفتها هذه القضية.
- في ظل طغيان المحتوى الترفيهي وغير الجاد، كيف يمكن الحفاظ على حضور القضية وجذب الجمهور؟
لا يجوز أن نكتفي بالجلوس ونقد المحتوى الفاسد أو التافه، مجرد النقد لن يغيّر الواقع، هناك دائمًا تدافع بين الحق والباطل، وهذا التدافع سيبقى مستمرًا.
الواجب اليوم هو أن نضخ محتوى جادًا وقويًا بكثافة، يزاحم هذا المحتوى التافه، ولا بد أن نركز على الكم والكيف معًا، على الجودة والأثر، وأن نقدّم أفكارنا بلغة معاصرة تناسب ذائقة الشباب.
الشباب يتجهون إلى التفاهة لأن البديل الجاد ضعيف أو غير جذاب، لذلك لا بد من صناعة محتوى واعٍ، جذاب، ومؤثر، مع الاستمرار في كشف خطورة المحتوى الهابط على وعي الشباب والفتيات.
- هل تكفي حملات التضامن الموسمية، أم أن القضية تحتاج إلى استراتيجية إعلامية طويلة المدى؟
القضايا الكبرى لا تُحل بردود أفعال آنية، لا يمكن أن نتحرك فقط عند وقوع كارثة، ثم نهدأ ونصمت، هذه حالات انفعالية مؤقتة لا تغيّر الواقع.
إن لم تكن هناك استراتيجية بعيدة المدى، مبنية على تشخيص دقيق للواقع، وبرامج مؤسساتية واضحة تُقاس نتائجها وأثرها، فلن نستطيع أن نغيّر شيئًا، والعمل الفردي اليوم لم يعد كافيًا، والتغيير الحقيقي يحتاج إلى عمل مؤسسي منظم وبرامج طويلة الأمد.
- كيف يمكن إعداد إعلاميين يتناولون القضية من منظور شرعي وإنساني؟
الشرعي لا يستطيع الاستغناء عن الإعلامي، والإعلامي لا يستطيع الاستغناء عن الشرعي. الشرعي يمتلك الرؤية القيمية، والإعلامي يمتلك أدوات التأثير.
لمسة إعلامية ذكية قد تحوّل فكرة بسيطة إلى رسالة عالمية؛ لذلك التكامل بين الطرفين ضرورة، لأنهما جناحان لطائر واحد.
- هل لديكم مبادرات لتدريب كوادر إعلامية لنصرة الأقصى؟
نعم، ومن خلال تجربتنا، تبيّن لنا أن المناهج والكتب التي تبقى حبيسة المكتبات لا تصنع وعيًا حقيقيًا؛ لذلك نعمل على نقل الأفكار الشرعية الكبرى إلى الفضاء الإعلامي، عبر إعداد شرعيين يمتلكون وعيًا سياسيًا وإعلاميًا، وإعلاميين يمتلكون فهمًا شرعيًا.
- ما رسالتكم للمؤسسات الإعلامية في العالم العربي والإسلامي؟
الرسالة واضحة: لا بد من غاية واضحة، وبوصلة ثابتة، واستعداد حقيقي لدفع الثمن، كل من غيّروا مجرى التاريخ قدّموا المبادئ على المصالح، وعاشوا لأمة كاملة لا لأنفسهم فقط، وهذا هو التحدي الحقيقي أمام الإعلاميين اليوم.



