دراسات

استراتيجيات الإعلام الانقلابي في تغيير الهوية المصرية.. دراسة تحليلية

  • السيسي يعمل منذ وصوله إلى السلطة على تغذية المشاعر المضادة للدين والمتدينين وكراهية الآخر
  • الإعلام يتبنى تغيير الهوية الإسلامية وتمجيد القيم المادية لتعبيد الطريق أمام سيطرة كاملة للعسكر
  • إحياء النزعة الفرعونية وإضفاء حالة "تقديسية" على الجيش لإبقاء النفوذ والمصالح في دائرة محدودة
  • ترسيخ النموذج العلماني بمعناه المشوه في مسارات الحياة بشكل متعمد.. وتقديم نخب فاسدة ومتسلقة
  • ضرب المكونات والرموز الإسلامية في الدولة والهجوم على الأزهر والتشكيك في التراث الإسلامي
  • محاربة المظاهر الإسلامية في المجتمع والسخرية من الدعاة والتحريض على منع الأعمال الخيرية
  • نشر التفاهات والحض على التحلل القيمي والأخلاقي مع وصم الإسلاميين بالإرهاب وجعلهم أعداء!
  • حملة مسعورة على الإخوان المسلمين وعلى المظاهر الإسلامية وعلى كل خطاب يعارض السلطة
  • محاولات تذويب الهوية أدت إلى انحسار مظاهر التدين وارتفاع معدلات الجريمة وتفكك المجتمع
  • اختفاء مظاهر التكافل وغياب الانتماء وتراجع الإبداع وانتشار الفساد والتخلف في كل مظاهر الحياة

 

إنسان للإعلام- خاص

مقدمة:

في تاريخ المجتمعات عامة، يرتبط ظهور سؤال الهوية بالتحديات التي تواجهها هذه المجتمعات، سواء كانت هذه التحديات خارجية أم داخلية، كما يرتبط أيضاً بمراحل التحول والانتقال التي يترتب عليها انقطاع في السياسات وتشكل أنظمة سياسية جديدة وبلورة اتجاهات وتوجهات سياسية مغايرة، تمثل انقطاعاً بدرجة ما مع ما سبقها من توجهات واستلهاما لبعض التوجهات القديمة في ضوء ظروف ومعطيات مختلفة(1).

وقضية الهوية كانت- وما زالت- محل جدل كبير في مصر منذ بداية القرن العشرين، فمع ظهور تيارات كانت تعبر عن نفسها من خلال الصحافة ثم تحولت إلى أحزاب سياسية، بدأ التناوش حول الهوية، وبرزت طروحات حول ضرورة "علمنة" الدولة، لتواكب المد الحضاري الغربي، وأخرى تتحدث عن "فرعونية" الدولة، في حين أن التيار العام في المجتمع مصطبغ بالصبغة الإسلامية منذ الفتح الإسلامي لمصر سنة  21هـ، 642م.

التيارات المُنشئة لهذا التنازع حول الهوية، عبرت عن نفسها بتشكيل أحزاب سياسية منذ عام 1907م، أشهرها:

– الحزب الوطني بقيادة مصطفى كامل، صاحب جريدة «اللواء»، وكان يعبر عن التيار المعادى للاحتلال الإنجليزي ومن ثم كانت قضية الاستقلال الوطنى همه الأول، وإن كان قد تبنى أيضا الدعوة إلى الدستور، ثم تطورت مواقف الحزب فيما بعد وفاة مصطفى كامل، فاكتسبت أبعادا اجتماعية فى ظل زعامة محمد فريد، حيث بدأ يهتم بالنقابات العمالية والتعاونيات ومدارس الشعب وغيرها من المشروعات.

– حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية، الذي أسسه الشيخ على يوسف صاحب جريدة «المؤيد»، وكان حزبا مواليا للخديو عباس حلمى الثانى ومؤيدا له، وقد انتهى الحزب بوفاة مؤسسه سنة 1913.

– حزب الأمة، الذي أسسه مجموعة من كبار ملاك الأراضى الزراعية وكبار رجال العائلات وبعض رجال السياسة والقانون والصحافة، وكان من أبرز قادته ومفكريه أحمد لطفى السيد مُصدر جريدة «الجريدة»، كما شارك فى تأسيسه محمود باشا سليمان وعلى شعراوى باشا وعبد العزيز فهمى بك وحمد الباسل بك وحسن صبرى بك ومحمود عبد الغفار بك وأحمد فتحى زغلول. وقد تبنى الحزب الفكر الليبرالى ورأى أن الارتقاء بالتعليم وبناء ديمقراطية على أساس من النظام الدستورى الطريق الوحيد لتحقيق رقى مصر واستقلالها.

عمليا كان الحزب الوطني أقرب إلى الهوية الوطنية الإسلامية، أما حزب الإصلاح فكان مواليا للسلطة في حين عبر حزب الأمة عن نزعة ليبرالية علمانية أرادت سلخ المصريين من هويتهم الإسلامية أو التقليل من حضورها في حياتهم.

بجانب ذلك، ظهرت أحزاب ذات توجهات بعضها موال للإنجليز المحتلين وبعضها موال للقصر،  لكن يبدو أن معظم أحزاب تلك المرحلة كانت مجرد برامج وأخبار فى الصحف باستثناء الأحزاب الثلاثة الرئيسية، حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية وحزب الأمة والحزب الوطنى الذى أسسه مصطفى كامل، بل ربما نستطيع القول إن هذه المرحلة انتهت إلى تيارين رئيسيين: تيار الحزب الوطنى وتيار حزب الأمة، حيث امتد تأثيرهما إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى(2).

وبين الحربين العالميتين الأولى والثانية، وتحديدا في عام 1928م، ظهرت جماعة "الإخوان المسلمون" التي نادت بالعودة للإسلام الصحيح واتخاذه منهجا شاملا للحياة، فدخلت بدعوتها هذه معترك إعادة رسم الهوية التي طالما نالها تشوش واضطراب نتيجة عوامل عديدها أولها الاحتلال الفرنسي لمصر في 1798،  ثم ظهور الأسرة العلوية (نسبة إلى محمد علي باشا) بمشروعها "التحديثي" التغريبي، وانتهاء ببزوغ تيارات فكرية سبقت ظهور الأحزاب السياسية في بداية القرن العشرين.

وعندما انتهت الحرب العالمية الأولى كان الحزب الوطنى الحزب الوحيد الذى استمر بمسماه وهياكله وبرنامجه إلى أن تم حل الأحزاب السياسية فى يناير 1953م، بعد الانقلاب العسكري في يوليو 1952، الذي فتح باب مصادرة الحياة السياسية وتشويهها، ثم حاول خلق هوية مصرية جديدة علمانية الطابع، عسكرية البنية، منسلخة من المقومات الحضارية الأصيلة لشعب مصر، التي يمثل الإسلام لبها وجوهرها.

فبعد ثورة 23 يوليو 1952، وتصدر الهوية القومية العربية المشهد السياسي ليس فحسب في مصر وحدها، بل في العالم العربي أجمع، مثل ذلك انقطاعا بدرجة ما واختلافا بدرجة أكبر مع التوجهات التي سبقت قيام حركة الضباط الأحرار بانقلابهم الذى تحول لثورة فيما بعد، عبر تدعيم وبلورة المضمون الاجتماعي والاقتصادي لتوجهات ثورة يوليو، والتقدم صوب الاستقلال عن الغرب ودعم التوجه الوحدوي والقومي العربي(3)، والتنكر للهوية الإسلامية.

وسبق قيام ثورة يوليو بعدد من السنين الجدل الذي أثاره الراحل الدكتور طه حسين في كتابه "حول مستقبل الثقافة في مصر"، في عشرينيات القرن العشرين، والذي انتهى فيه إلى أن مصر بتاريخها وجغرافيتها وثقافتها أقرب إلى الثقافة المتوسطية، أي ثقافة حوض المتوسط، استنادا إلى التبادل الثقافي والتاريخي بين ضفتي المتوسط، وبصفة خاصة تأثير عقائد المصريين القدماء في اليونان وتأثير الفلسفة اليونانية في مصر وغيرها من دول حوض البحر المتوسط.

الشاهد في هذا السياق أن عسكر 1952م، لم ينجحوا في رسم هوية جديدة للمجتمع المصري، فبعد انتهاء المشروع "القومي العربي" بهزيمة 1967م، وأفول نجم جمال عبدالناصر، حاول السادات التصالح مع هوية المجتمع الإسلامية فأطلق على نفسه- أو أُطلق عليه إعلاميا – لقب "الرئيس المؤمن"، وعدل الدستور في عام 1971م لينص في مادته الثانية على أن "مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسى للتشريع"، وأفسح المجال أمام الإسلاميين، لاستعادة نشاطهم في أوساط الشباب، وبدا كأن المجتمع يستعيد جزءا من هويته الأصيلة، خاصة عندما تبنى مجلس الشعب مشروع تقنين الشريعة الإسلامية، وتم تشكيل لجنة بالاتفاق مع الرئيس السادات ضمت صفوة علماء الشريعة الإسلامية من الأزهر والجامعات المصرية والقضاء، برئاسة الدكتور صوفي أبو طالب رئيس المجلس آنذاك، وبعد إنجاز القوانين في ضوء النص الدستوري لم تر تلك القوانين النور لأسباب ما زالت غامضة، ثم أغلق هذا الباب تماما في عهد حسني مبارك، وعندما تولى الدكتور رفعت المحجوب رئاسة مجلس الشعب (1984- 1990) سئل عن قوانين الشريعة فأجاب: " لا توجد عندى قوانين للشريعة"(4).

وفي عهد الرئيس حسني مبارك لم يكن سؤال الهوية مطروحا بتلك القوة التي صاحبت نهايات عهد عبدالناصر وبدايات عهد السادات، وذلك بسبب الاستقرار السياسي طويل الأمد، ووجود حالة من التوازن بين سيطرة النفعيين من أتباع الحزب الحاكم على مؤسسات الدولة الرسمية، وحضور الإسلاميين في النقابات ونوادي هيئات التدريس وعلى منابر المساجد، وتحالفاتهم الحزبية التي دفعت بعشرات منهم إلى البرلمان. كل ذلك أسهم في ألا تكون قضية الهوية محل نزاع أو حضور، وإن وجدت أصوات شاردة هنا وهناك كانت تنادي بالفرعونية تارة وبالعلمانية بكل تفريعاتها تارة أخرى.

وبعد ثورة يناير، كان لاختيار الشعب للتيار الإسلامي، بشقيه الإخواني والسلفي، لتمثيله برلمانيا ورئاسيا، دور في إحياء سؤال الهوية مجددا، وحمل خطاب الإسلاميين طابعا هوياتيا واضحا؛ إذ أكد ضرورة استعادة مصر لهويتها الإسلامية، واستعادة طابع الدولة الإسلامى واكتسب الاحتكام للشريعة والحكم بالشريعة طابعا مغايرا وكليا(5).

ولم يكد يكتمل عام حكم الرئيس مرسي (2012- 2013م) حتى حدث الانقلاب العسكري، فجاء بأجندة علمانية معبأة بعناوين مضادة للدين والمتدينين بشكل أساسي، كان من بينها تجديد الخطاب الديني و التشكيك في السنة ووصم الإسلاميين- والإخوان خصوصا- بالإرهاب، والحض على الانحلال الأخلاقي والقيمي بكل السبل المتاحة.

وكان للإعلام الدور الأبرز في تسويق هذه الأجندة، بل تجاوزها الى التحريض على قتل الإسلاميين المعارضين.

وبدا أن الانقلاب، بهذه الممارسات، يحمل مشروعا متكاملا لطمس الهوية المصرية وتمزيقها، دون أن يقدم ملامح للهوية التي يريد فرضها، سوى أقوال وممارسات متناثرة، تؤكد وجود قطيعة مقصودة مع الإسلام كدين يشكل جوهر الهوية المصرية، والإعلاء من شأن العلمانية والفرعونية، ووضع الجيش والشرطة في مكانة أعلى من الشعب، وتغليب متطلبات الأمن على مجمل الحياة، واختزال مفهوم الدولة في سلطة الحكم.

كل هذا تحول إلى  موجات طاغية في وسائل الإعلام والتعليم، وظهر في مجموعة من الاستراتيجيات التي بدأت مع اللحظة الأولى للانقلاب، والتي استمرت الى اليوم وأثرت بشكل سلبي على بنية المجتمع وإن لم تغيب هويته بشكل كامل.

في هذه الدراسة نرصد مظاهر واستراتيجيات طمس الهوية المصرية التي اتبعها الإعلاميون الانقلابيون بشكل خاص، منذ لحظة الانقلاب في مساء الثالث من يوليو 2013م، وتداعيات ذلك على الدولة المصرية بشكل عام. 

محاور الدراسة:

المحور الأول: ما معنى الهوية؟

المحور الثاني: لماذا يتلاعب العسكر بالهوية المصرية؟

المحور الثالث: مفردات وأدوات الخطاب الإعلامي الانقلابي لتذويب الهوية

المحور الرابع: أثر الخطاب الإعلامي الانقلابي على هوية المجتمع المصري

فرضيات الدراسة:

– الانقلاب العسكري جاء بمشروع إعلامي لتغيير الهوية المصرية

– التلاعب بالهوية أحد أدوات العسكر للتمكين والتحكم في الشعب

– الخطاب الإعلامي الانقلابي حافل بخطاب تغيير الهوية وهدم الثوابت

– المضامين الإعلامية لتذويب الهوية المصرية أثرت في قطاعات من الجمهور

تساؤلات الدراسة:

– لماذا يعمد النظام العسكري الانقلابي لتغيير الهوية الوطنية؟

– ما دور الإعلام المصري بعد الانقلاب في تغيير الهوية؟

– ما هي أبرز المضامين والبرامج التي تركز على تغيير الهوية المصرية؟

– ماهي مظاهر الخلل الهُوياتي الناتجة عن الخطاب الإعلامي بعد الانقلاب؟

عينة الدراسة:

تعتمد هذه الدراسة على عينة عشوائية من الصحف والمواقع وشبكات التلفزة التابعة لسلطة الانقلاب في مصر، من خلال رصد أهم ما ينشر ويبث فيها عن موضوع الهوية أو محاولات تغييرها منذ 2013 وحتى الآن.

منهج الدراسة:

تقوم هذه الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي الذي يشيع استخدامه في العلوم الإنسانية بشكل عام، وهو وهو "عبارة عن وصف وتحليل دقيق وتفصيلي لظاهرة معينة أو موضوع محدّد، ويكون على صورتين الأولى نوعيّة والثانية كميّة رقميّة، إذ إنّ التعبير الكيفي يصف الظاهرة ويُوضّح خصائصها، أمّا التعبير الكمي فيوضّح وصفًا رقميًّا مهينًا؛ حيث يُبيّن مقدار هذه الظاهرة أو حجمها ودرجة ارتباطها مع الظواهر المختلفة الأخرى، وقد يقتصر هذا المنهج على بيان وضع قائم في فترة زمنية محددة أو تطوير يشمل عدة فترات زمنية"(6)

وهذا المنهج يساعدنا هنا في رصد وتحليل ظاهرة تغيير الهوية، التي عمد النظام الانقلابي في مصر إلى التوسع في مفرداتها وخطابها بشكل زاعق بعد الانقلاب، مستعينا في ذلك بوسائل الإعلام المختلفة.

وبهذا تعرض الدراسة لأهم نماذج تغيير الهوية ومضامينها منذ الانقلاب وحتى الآن، محاولة الربط بينها وتحليلها وصولا الى نتائج علمية.

المحور الأول: ما معنى الهوية؟

مبحث الهوية مبحث معقد ومتشعب ذو طبيعة نفسية وفلسفية مركبة. وإذا ما نظرنا إلى الهوية في ارتباطها بالثقافة والتاريخ فإن الهوية الوطنية تُبني ويُعاد بناؤها وتُعرف ويُعاد تعريفها وتفسيرها عبر التجليات الظاهرية والمضمرة التي تتناقلها الأجيال عبر العصور وتحمل هذه التجليات التقاليد الثقافية والصورة الذاتية عن الجماعة، وصورة الآخرين لديها من خلال ما يمكن تسميته "بالشفرة"، التي يفهمها الناس ويتناقلونها في إطار الجماعة القومية.

ومع ذلك فإنه يمكن القول إن الهوية هي ما يميز شخصا عن آخر إذا ما تحدثنا عن الهوية الفردية، وأنها ما يميز جماعة عن أخري إذا ما تحدثنا عن الهوية الجماعية، وثمة من الدلائل والاستدلالات التي تؤكد أنه لا يوجد شخصان متطابقان تمام التطابق حتى لو تم ذلك عن طريق الاستنساخ، وربما أمكن القول بناءًا على ذلك وقياسا عليه، إن لا تتطابق جماعة مع أخرى تمام الانطباق؛ حيث أن كل جماعة ستختلف في كثيرا من معالمها وخصائصها عن الجماعة الأخرى، حتى لو انتمت هاتان الجماعتان لديانة واحدة أو اشتركت كلاهما مع الأخرى في العديد من القواسم المشتركة(7).

ولكن على مستوى الدول فإن الهوية تعني  "الجوامع المشتركة، والخواص التي تجتمع حولها هوية اجتماعية ما لها ما يميزها عن غيرها، أي أن الهوية تعبر عن كل من الميزات الفارقة والعلامات المميزة التي تمنح الخصوصية وترسم الحدود بين الديموغرافيا البشرية، وعن السقوف الجامعة ومناطات الاشتراك والاتفاق عند جماعة أو أمة ما. وعموما؛ هي مجمل السمات التي تخص عنصرا أو جماعة دون غيرها.

والهوية فلسفيا تراكمية فلا توجد هوية الفرد حتى توجد هوية الجماعة والخلفية الجماعية التي يشغل الفرد مخيطا في نسيجها الكبير. ويعبر المنظور الفلسفي عن الهوية على أنها فرصة المطابقة والتشابه والتي تصنع بتضافرها هوية ثقافية لشعب لا يشركه فيها بكل محدداتها شعب آخر وإن اشترك معه ربما في بعضها"(8). وللهوية مكونات أساسية تحدد ملامحها في كل جماعة أو أمة دون غيرها:

أ ـ اللغة:

 واللغة هي مكون أساسي من مكونات الهوية الثقافية، واللغة العربية مقوِّم أساسي من مقومات الثقافة العربية الإسلامية ، ذلك أن العربية ليست لغة أداة فحسب ، ولكنها لغة فكر أساساً ، وحتى الشعوب والأمم التي انضوت تحت لواء الإسلام، وإن كانت احتفظت بلغتها الوطنية ، فإنها اتخذت من اللغة العربية وسيلة للارتقاء الثقافي والفكري، وأدخلت الحروف العربية إلى لغاتها، فصارت تكتب بها ، وعلى هذا الأساس فإن الثقافة العربية هي ثقافة الأمة العربية؛ التي هي أمة الإسلام الذي منه اكتسبت صبغتها ، وحملت صفتها، واستمدت طبيعتها.

ب ـ اقتصاد مشترك:

 فالهوية ترتبط بنمط التنمية، فإذا كان نمط التنمية مستقراً، فكان سبباً للتنمية والنمو، فالهوية تكون مستقرة وقوية، أما إذا كان مذبذباً ، فكذلك تكون الهوية ، ويؤثِّر اضطراب نمط التنمية في خلق مناخ سياسي داخلي متوتر.

ج ـ العامل السياسي:

تبحث الهوية السياسية عن عناصر ارتكاز لها في الهوية الثقافية، ليس لأن الهوية الثقافية هي المعبر عن مصالح الجماعة، ولكن لأن الهوية الثقافية أصبح لها دور أساسي في الصراع غير المتكافئ على السيطرة والهيمنة في العالم ، ويمكن القول أن الهوية السياسية تعد الدافع والغرض لهوية متحركة المقاصد ، قادرة على التجدد بشكل أسرع من الهوية الثقافية ، وهي ابنة أوضاع داخلية وعالمية أكثر منها ابنة ذاكرة جماعية وفردية ، ضرورية الاستحضار.

د ـ الانتماء والتحضر:

الانتماء غريزة فطرية لا تقتصر على البشر فقط ، ولكنها ترتبط كذلك بملايين الأنواع من الكائنات الحية، وعلى المدى الواسع لفصائلها ، وطبيعة حياتها ، فكل هذه الكائنات تنتمي لنوعها، والأرض التي تعيش عليها، والبيئة التي خرجت منها، أو تعيش فيها، وكلها تستمد قوتها ومعيشتها من هذا الانتماء، وافتقاد الانتماء يكون أحد أسباب تعاستها.

والسلوك الحضاري لا يقتصر على الأفراد، بل يتصل بالسلوك الجماعي لمجتمع من الأفراد، أو وطن من الأوطان، والسلوك الحضاري للأفراد والسلوك الحضاري للمجتمع كله سلوك متبادل، فالوطن المتحضر نتاج لشعب متحضر، كما أن الفرد المتحضر هو نتاج جهود لوطن متحضر

والانتماء والتحضر في علاقة ترابط قوية، ففقد الانتماء يقود إلى تصرفات فاقدة للسلوكيات الحضارية، والعكس صحيح. والانتماء والتحضر أساسيان للتنمية الاقتصادية، فلا يمكن القفز بمعدلات تنمية قياسية بعناصر إنتاج من أفراد انتماؤهم أو تحضرهم ضعيف ، أو من عناصر لا تملك منظومة مشتركة من الحقوق والواجبات تحكم العلاقات بينهم.

هـ . جغرافيا وتاريخ ووطن مشترك:

فهي أساسية في وضع الهوية، يقول أفلاطون: إن الهوية للكائنات هي ما يبقى كما هو رغم كل المتغيرات… هذه القدرة على البقاء فوق حواجز الزمن، وترهلات المكان، وعواقب الأيام هي التي تمنح التشابه قوة وجودية، فالأرض هي وسيلة للاتصال بين الأفراد وبين الجماعات لتكوين مجتمع، ولتحقيق التعاون والاتصال. ويعود بنا الحديث عن المكان والمجال الجغرافي إلى تعريف الدولة ومكوناتها: الشعب، الإقليم، السلطة، الحد الأدنى من الثقافة المشتركة الملائمة لإقامة حياة مشتركة. ونجد التشابك الكبير والتفاعل المطلق بين كل من الدولة والهوية والتاريخ والجغرافيا بالروابط الوثيقة بينهم، فوجود هذه العوامل مرتبط بالآخر في الأوضاع المستقرة، فإذا تقطعت هنا تحدث المشاكل، وتكمن أزمة الهوية، وينعكس ذلك على مفهوم المواطنة.

و ـ العامل الثقافي في الهوية:

الثقافة كلمة عريقة في اللغة العربية أصلاً، فهي تعني صقل النفس والمنطق والفطانة ، وفي القاموس المحيط: ثقف ثقفاً وثقافة: صار حاذقاً خفيفاً فطناً، وثقفه تثقيفاً: سوَّاه، وهي تعنى بتثقيف الإنسان وتسويته فكراً ووجداناً، وتقويمه سلوكاً ومعاملة ، واستعملت الثقافة في العصر الحديث للدلالة على الرقيّ الفكري والأدبي والاجتماعي للأفراد والجماعات ، والثقافة ليست مجموعة من الأفكار فحسب ، ولكنها نظرية في السلوك بما يرسم طريق الحياة إجمالاً ، وبما يتمثل فيه الطابع العام الذي يتطبع عليه شعبٌ من الشعوب ، وهي الوجوه المميزة لمقومات الأمة التي تتميز بها عن غيرها من الجماعات ، بما تقوم به من العقائد ، والقيم ، واللغة ، والمبادئ ، والسلوك، والعادات ، والقوانين ، والتجارب.

ز ـ العامل الديني في الهوية:

فالدين هو أحد مكونات الثقافة، والدين الإسلامي ساهم في الهوية الإسـلامية التي تقـوم على أربعـة أسـس وعنـاصر: «العقيـدة، التـاريـخ ، اللغة، الأرض». وتجمعت هذه العناصر الأربعة في الأمَّة بمجموعها عن الهويـة الإسـلامية، وقد تضيـع هـذه الهويـة إن ضـاع الفرد عن دينه ؛ لذلك قال تعالى: َ {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ*} وقال جل علا: ُ {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} وخيرية هذه الأمَّة نابعة من استقلاليتها التشريعية، والعقائدية ، والسلوكية، عن غيرها من الأمم الأخرى ، وهنالك متربصون بهويتنا الإسلامية وأمتنا ، كما قال تعالى: َ {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لأَِنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ*}(9)

طبيعة الهوية المصرية وخصائصها:

تتشكل الهوية المصرية من كل ما سبق، لكن الدستور المصري الحالي أحدث اضطرابا في تعريف الهوية المصرية عندما نص في مادته الثانية على أن «الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع». ثم نص في المادة السابعة والأربعين على أن «تلتزم الدولة بالحفاظ على الهوية الثقافية المصرية بروافدها الحضارية المتنوعة». وتضيف المادة الخمسون من الدستور ذاته أن «تراث مصر الحضارى والثقافى، المادى والمعنوى، بجميع تنوعاته ومراحله الكبرى، المصرية القديمة، والقبطية، والإسلامية، ثروة قومية وإنسانية، تلتزم الدولة بالحفاظ عليه وصيانته، وكذا الرصيد الثقافى المعاصر المعمارى والأدبى والفنى بمختلف تنوعاته، والاعتداء على أىٍّ من ذلك جريمة يعاقِب عليها القانون. وتولى الدولة اهتماماً خاصاً بالحفاظ على مكونات التعددية الثقافية فى مصر».

إذن نحن أمام خلطة "هوياتية" مضطربة، تجمع بين كل النقائض، رغم أن الهوية المصرية العربية الإسلامية مستقرة منذ الفتح الإسلامي، مع عدم إهمال مكونات الهوية الأخرى، والتي تلاشى حضورها وتأثيرها بعد استقرار المجتمع على هويته الإسلامية.

ويمكن الإشارة هنا إلى وجود بعض الخصائص التي تميز الهوية المصرية عن غيرها، ومنها:

أولا: التلاقح والتأثير المتبادل مع الحضارات المجاورة:

فقد تأثرت الهوية المصرية بالعوامل الجغرافية الذاتية الخاصة، كما تأثرت وأثرت وتلاقحت مع  الحضارات المجاورة- بفعل هذا التجاور- كما استفادت الهوية المصرية من الغزوات الخارجية والهجرات الجماعية، التي أكسبتها ثقافات وخبرات شعوب هذه الحضارات.

ثانيا: هوية ذات بعد ديني وإنساني:

كانت مصر هى صانعة الحضارة، وباعثة الضمير الإنسانى- كما يشير لذلك العديد من الباحثين على مستوى العالم- من كل هذا تكونت سمات الشخصية المصرية الفريدة، وتشكل أيضا فيها الوجدان والإحساس، وتكونت الطبيعة الشخصية المصرية. وجاء الدين الإسلامي ليصبغ الهوية المصرية بصبغة خاصة تجمع بين الموروث الحضاري المصري والعادات والتقاليد والضوابط الشرعية.

ثالثا: هوية ذات تراكم تاريخي وحضاري متعدد:

تعتبر الشخصية الحضارية المصرية هى العنوان الرئيسى للهوية المصرية. فهذه الشخصية تكونت عبر تراكم حقبات تاريخية، كان أهمها تأثيرا: الفرعونية، واليونانية، والرومانية والمسيحية، والإسلامية.

فكل حقبة من هذه الحقب مهدت وشكلت وصنعت حالة تواصل حضارى بين الحقبات المختلفة؛ فتواصلت وتكاملت.

 رابعا: هوية ذات طبيعة متمدنة ومتحضرة:

حيث إن الإنسان المصري المبدع المتمدن المتحضر منذ فجر التاريخ، المتدين بطبعه عرف معنى الانتماء الوطني منذ أن عرف الزراعة وارتبط بالأرض ارتباطا وثيقا، تلك الشخصية المتفردة رغم تعدد الأزمنة واختلاف العقائد وتباين الأفكار والتوجهات.

من هنا، تشكلت الشخصية الحضارية المصرية؛ إفرازًا وإنتاجا لحقبات تاريخية وحضارية وتجارب إنسانية متعددة، صنعها المصرى منذ فجر التاريخ.

خامسا: هوية واحدة- جامعة متعددة الثقافات:

فقد كان ولا يزال هناك رافد الثقافة المصرية العامة، الذى تصب فيه كل الروافد الثقافية الفرعية المتعددة، فكانت التعددية فى إطار الواحد، وهذا هو سر تفرد وثراء الهوية المصرية.

وبالرغم من التعددية فى الثقافة والعادات والتقاليد والانتماءات الفرعية، حيث نجد هذه التعددية ظاهرة بوضوح فى إطار المجال الخاص سواء في: القرية، أو الحى، أو المسجد، أو الكنيسة.. إلخ.

لكن ما يخص المجال العام الوطنى بكل مكوناته وتداخلاته، نجد الهوية المصرية الواحدة الجامعة القابعة فى الضمير الجمعى المصرى.

سابعا: تتسم الهوية المصرية بالثبات:

الهوية المصرية ثابتة الملامح، وهي لا يمكن أن تهتز أو تُلغى، فالصراعات التي تشهدها مصر منذ عقود و"محاولات التدخل في هوية مصر" قد باءت بالفشل، منذ عهد الهكسوس والتتار والحكم العثماني والاحتلال الفرنسي والبريطاني.

ثامنا: الارتباط بالأرض:

الإنسان المصري مرتبطة ارتباط وثيق بالأرض، فالمصري لازال يؤكد أن الأرض كالعرض، لذلك أنشط قطاع اقتصادي يساهم فيه الشعب كأفراد هو القطاع العقاري لأن كل انسان علي أرض مصر يريد أن يمتلك ارضاً أو عقاراً أو شقة لأن الهوية المصرية مرتبطة بالأرض.

تاسعا: هوية أول وأكبر دولة في التاريخ:

ولها موروث حضاري لا يمكن شرذمته.. وعلينا أن نتذكر مسألة أساسية وهى أن الصورة التى يرى المصريون أنفسهم بها سوف تحدد بالفعل صورتهم التى سيصبحون عليها. مستقبل مصر يبدأ عندما يرى المصريون أنفسهم كمصريين مسلمين.(10)

المحور الثاني: لماذا يتلاعب العسكر بالهوية المصرية؟

تبرز أزمة الهوية غالبا في لحظات ضعف المجتمع، وكان أول بروز لها منتصف عشرينيات القرن الماضي مع سقوط الخلافة الإسلامية العثمانية، وإن كان دستور 1923المعبر عن ثورة 1919 نص في مادته الأولى على دين الدولة ولغتها اللذين يمثلان هويتها، وهو ما تناقلته الدساتير المتعاقبة حتى وقتنا الحالي، ما يؤكد استقرار قضية الهوية على الورق، أي في الدستور، ثم تكررت أزمة الهوية بشكل قوي بعد هزيمة يونيو/حزيران 1967، وفي مرحلة السبعينيات مع موجة المد الإسلامي، ثم أطلت برأسها مجددا منذ انقلاب 2013 وحتى الآن وعبرت عن نفسها بأشكال متنوعة.

ففي السنين الأخيرة، وفي أعقاب الربيع العربي ظهرت النزعة الفرعونية "كيميت" من جديد لتداعب أذهان اليمين القومي المصري، الذي يتخيل أن لمصر هوية ضاربة في الجذور عائدة للفرعونية، وكأن آلاف السنين من الوجود الإغريقي والفارسي والروماني والعربي الإسلامي لم تغير في هوية ولغة الشعب المصري وتبدلها وتدخل عليها مدخلات ثقافية أخرى(11).

وكانت أزمة الهوية وحالة الانهزام الحضاري التي صاحبت سقوط الخلافة العثمانية من مسببات ظهور جمعيات وجماعات إسلامية تنادي بالعودة للحكم الإسلامي بهويته الحضارية الشاملة، ومنها جماعة "الإخوان المسلمون" التي جعلت عودة الخلافة مطلبا أساسيا لها من لحظة نشأتها في  22 مارس عام 1928م.

ورغم الجهود التي بذلها الإسلاميون عبر قرن تقريبا لتصحيح وترسيخ هوية المجتمع المصري، الإسلامية الأصيلة، إلا أن الأنظمة القمعية التي تولت الحكم منذ منتصف القرن العشرين عمدت إلى تزييف الوعي وحرف المجتمع عن قيمه وعن قضاياه الرئيسيّة، لأن هذه هي البيئة المناسبة التي تستطيع العمل فيها.

ولما جاء انقلاب يوليو 1952، وتمكن جمال عبدالناصر من الإمساك بزمام السلطة في عالم 1954، بدأت موجة مما يسمى "المد القومي العربي" تفرض نفسها على مصر بإرادة سياسية خالصة لعبدالناصر، وشن حربا لا هوادة فيها على كل ما هو إسلامي، حيث أودع الإخوان المسلمين السجون بعد حادث المنشية الملفق في 26 أكتوبر 1954، وفتح بابا للتطاول على الشيوخ والعلماء وغير قانون الأزهر ليخضعه للسلطة التنفيذية، وأطلق يد الكتاب العلمانيين، من اليسار خصوصا، للاستهزاء بكل المظاهر الإسلامية في المجتمع والدعوة إلى تحييد الدين وحصره في مظاهر طقوسية لا علاقة لها بواقع الناس، والدعوة إلى الانحلال الأخلاقي؛ حتى صار المجتمع المصري، في الفترة من نهاية الخمسينيات إلى نهاية الستينيات من القرن العشرين، مسخا مشوه الهوية. كان هدف عبدالناصر هو إحكام السيطرة على المجتمع والدولة، وقد نجح في ذلك بالفعل، إلا أن هزيمة يونيو 1967 قوضت مشروعه وأحدثت استفاقة للمصريين وطرحت سؤال الهوية من جديد.

وبعد وفاة الرئيس عبدالناصر في 28 سبتمبر 1970 تولى السادات الرئاسة من بعده، وقاد توجها جديدا  بالقضاء على ما أسماه في حينه "مراكز القوى" من أصحاب التوجه القومي الناصري وبقايا نظام عبدالناصر،  وأصدر دستورًا جديدًا لمصر في 11 سبتمبر 1971، نص في مادته الثانية على أن " مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع"، ثم أطلق سراح معتقلي الإخوان وقياداتهم وسمح لهم بالعمل العام، وفتح المجال أمام العمل الطلابي الإسلامي في الجامعات، فاصطبغ المجتمع بصبغة أقرب للإسلام وإن بقيت العلمانية تحكم دواليب الدولة السياسية والاقتصادية والأمنية، وهو ما امتد إلى بدايات سنوات حكم حسني مبارك حتى بدأ في التضييق على الإخوان من بداية التسعينيات وزاد هذا التضييق شيئا فشيئا حتى وصل ذروته في نهاية العقد الأول للألفية الثانية، وتحديدا مع الانتخابات البرلمانية في نوفمبر وديسمبر 2010، والتاي كانت من أهم أسباب الثورة على نظام مبارك في يناير 2011.  

والحاصل في مصر الآن: أن دروس التاريخ الثمينة مهملة؛ بل التاريخ الآن في مصر يداس عليه بالبيادة وتمزق وثائقه؛ والإعلام السلطوي يستخدم أحط حيل التلاعب بوعي المصريين ويتمادى في إغراقهم في ضباب لا يمكن الرؤية الصحيحة من خلاله. ولم يبق من "حيل السلطة" الآن للاستمرار في الحكم غير: مخاصمة الواقع والحقائق وخلخلة مؤسسات الدولة؛ لصالح "حكم الفرد" المعتلي "جيش السلطة" منذ التخطيط لإجهاض "الثورة الشعبية" وألا تصبح واقعاً في مصر

وخلال فترة هذا الحكم المستبد؛ قدم السيسي ما لم يقدمه غيره أبدا من تنازلات في قضايا تمس وجود الدولة المصرية، وهي التنازلات التي لم يسبقه في تقديمها أي حاكم لمصر في تاريخها المعروف(12).

وكانت أحدث جولات أزمة الهوية في مصر صاحبت الكشف مؤخرا عن تصميمات لعملات ورقية جديدة، إذ رغم شمولها لرموز إسلامية إلى جانب الرموز الفرعونية كما هو معتاد في العملات المصرية على مدى عقود طويلة، إلا أن تمرير رموز جديدة لفت الأنظار مثل ألوان علم المثليين، ومثل صورة مسجد السيسي في العاصمة الإدارية (الفتاح العليم) المبني حديثا والذي لا يمثل رمزا تاريخيا، لكن الأهم فيما نطرحه هو مسارعة العديد من الشباب الذين يغلب عليهم الوجه الليبرالي لنشر تصميمات خاصة من إنتاجهم على صفحاتهم غالبيتها رموز فرعونية، ما يعني انحيازهم للهوية الفرعونية، وهو ما فتئ يطلبه الكثيرون من النخب العلمانية المصرية، الذين يتأففون من الهوية العربية الإسلامية.

وعمل نظام السيسي منذ وصوله إلى السلطة في 2013 على تغذية هذه المشاعر الفرعونية، ظنا منه أن ذلك جزء من محاربته للتيار الإسلامي، بحسبان أن هذا التيار هو القيم على الهوية العربية الإسلامية وهو المروج لها، ولعل مشهد نقل مومياوات ملوك الفراعنة من متحف التحرير إلى المتحف الجديد، في إبريل/ نيسان الماضي، كان أحد المظاهر المهمة في هذا السياق، حيث صاحبته زفة إعلامية وثقافية عن هوية مصر الفرعونية، وجذورها الفرعونية الضاربة في عمق التاريخ، وهو أمر لا مشكلة فيه إذا نظر إليه في سياق التطور التاريخي للمجتمع وليس باعتباره نهاية التاريخ لمصر، وكان من مظاهر هذه الزفة الفرعونية أيضا إعلان وزير التعليم المصري طارق شوقي عن البدء في تدريس اللغة الهيروغليفية (لغة الحضارة الفرعونية) للأطفال الصغار في المدارس الابتدائية، وهو نوع من المبالغة والمزايدة الرخيصة، التي تغذي معركة الهوية دون أن تكون نابعة عن احتياج حقيقي لتدريس لغة مندثرة، ويمكن تدريسها في كليات الأثار، أو أقسام التاريخ بكليات الآداب (13).

وبالعودة إلى السؤال: لماذا يتلاعب العسكر بالهوية المصرية؟ نجد أن هناك أهداف أهمها: إبقاء المصالح الاقتصادية والنفوذ السياسي محصورة في دوائر معينة لا تتعداها إلى غيرها، وهي دوائر أفرزها انقلاب يوليو 1952، بدأت بدائرة قيادات الجيش وتطورت مع الوقت إلى نخب نفعية محيطة بهذه الدائرة من سياسيين وإعلاميين وقضاة وأجهزة أمنية وموظفين عموميين تم تجييرهم لصالح أي سلطة قائمة بحكم القوانين البيروقراطية، وكل ذلك يكون في مجمله ما يسمى بالدولة العميقة التي تقاتل للحفاظ على مصالحها بمعطيات فاسدة، يأتي في مقدمتها الهوية المنسلخة من أي قيم دينية أو أخلاقية.

لذلك فإن ترسيخ النموذج العلماني – بمعناه المشوه- في مسارات الحياة المصرية هو بحد ذاته ممارسة متعمدة ومقصودة لنظام الحكم العسكري والمتسلقين حوله منذ 1952 وحتى الآن.

الخلاصة أن طمر الهوية المصرية التي يشكل الإسلام عمودها الفقري أمر مستهدف الآن وظاهر في الأداء الإعلامي والأمني والقضائي للدولة المصرية، وإن كان الإعلام يأخذ النصيب الأوفر في هذه المهمة منذ انقلاب الثالث من يوليو 2013م؛ تحقيقا لمصالح ضيقة لمجموعات نفعية لا تقيم وزنا لقضية الدولة ومقوماتها ودون أي اعتبار لشعبها الذي يتم تجاهله دوما في أي قضايا تتعلق بمصيره ومستقبله، ويدار من قبل النخب وجماعات المصالح الحاكمة على أنه مجرد "قطيع"!.

وكما يقول الباحث هشام جعفر: " إن الترويج لما يسميه الحكام العرب "الإسلام المعتدل" -الذي يدور صراع في المنطقة عمن يمثله- عن طريق مأسسة وتنظيم المجال الديني؛ يعني الوصول إلى صورة عن الإسلام لا تمثل تهديدا لكياناتهم السياسية وبقائها ونمط تحالفاتهم وشبكات امتيازاتهم المالية والدولية، وليس إسلاما يعيد توزيع السلطة والثروة في المجتمع -كي لا يكون دولة بين الأغنياء- كما نصت آية سورة الحشر"(14).

المحور الثالث: مفردات وأدوات الخطاب الإعلامي الانقلابي لتذويب الهوية

تحدث السيسي بعد الانقلاب عن فكرة "الأذرع الإعلامية"، ثم عمد بعد الانقلاب إلى استحواذ جهاز المخابرات العامة والمخابرات العسكرية على كافة وسائل الإعلام، العامة والخاصة، وصياغة المضامين والرسائل الموجهة للشعب بطريقة لا تنتمي لعصرنا، عصر السماوات المفتوحة والفضاء.

أراد السيسي أن "يدجن" وعي المصريين ويضعهم في قالب يخدم توجهاته ومصالحه، ومن بينها تغيير الهوية الإسلامية للمجتمع وتمجيد القيم المادية وتعبيد الطريق أمام سيطرة كاملة للعسكر على كل مفاصل الدولة وقولبة حياة المواطنين ليكونوا "عبيدا" للنظام. 

واعتمدت أذرع الإعلام الانقلابي والثورات المضادة في حربها على هوية مصر على عدة محاور، أهمها: ضرب المكونات والرموز الإسلامية في الدولة (الجماعات والهيئات والأشخاص)، والهجوم على المؤسسات الإسلامية وخاصة الأزهر الشريف، والتشكيك في التراث الإسلامي والكتب الصحيحة وبشكل محدد كتب السنة الشهيرة مثل صحيحي البخاري ومسلم.

كما تبنى الإعلام الانقلابي الهجوم المباشر على المظاهر الإسلامية في المجتمع ومحاربتها، والترويج للتضييق على الدعاة وتقليص دور المساجد والجمعيات الإسلامية، والتحريض على منع الأعمال الخيرية ذات الصبغة الإسلامية والتضييق عليها الى أقصى حد، ونشر التفاهات والحض على التحلل القيمي والأخلاقي، والتحذير من وهم اسمه "سعي الإخوان لتغيير هوية الدولة"، ثم ترسيخ عبودية من نوع جديد تتمحور حول أدوات القوة المسلحة في الدولة ؟(تمجيد الجيش والشرطة والحاكم الفرد)

1- ضرب المكونات والرموز الإسلامية

أ. تشويه الإسلاميين:

كان للإسلاميين (الإخوان المسلمون والسلفيون وغيرهم) الدور الأبرز في الحشد والتعبئة لاستكمال ثورة يناير 2011م، وصاحب ظهورهم في ميادين الثورة منذ يوم 28 يناير 2011 حملات تشويه ممنهجة في إعلام نظام مبارك، ثم في فترة حكم المجلس العسكري التي تلت تنازل مبارك عن السلطة.

كان الإعلام الموالي للعسكر يتعمد في تلك الفترة الربط بين المكونات الإسلامية الموجودة في الميدان وبين جماعات العنف والتكفير، وخصوصا تنظيم القاعدة، فمثلا: تم اطلاق اسم "جمعة قندهار" على مظاهرة مليونية للتيار الإسلامي يوم الجمعة 29 يوليو 2011 ضمن أحداث الثورة وتم تصوير المشهد إعلاميا على أنه "ظهور لأشخاص بملامح غريبة، حملوا أعلام السعودية وتنظيم القاعدة" وأن هذه الوجوه "ذات انتماءات تتعاظم على الانتماء الوطني المصري"!!

وعندما ظهر مرشحون إسلاميون في انتخابات الرئاسة 2012، كانت الحرب الإعلامية عليهم بلا هوادة، وبعد فوز الرئيس محمد مرسي بمنصب الرئاسة بالغ إعلاميو العسكر في إهانته كرمز للدولة مع التخويف مما أسموه "أخونة الدولة"، إلى أن جاء الانقلاب في يوليو 2013 ليفتح بابا واسعا لهجوم كاسح على جماعة الإخوان المسلمين، كونها النواة الصلبة للحركة الإسلامية بشكل عام والأكثر ثقلا سياسيا على الساحة.

وبعد الاعتقالات الواسعة التي شملت معظم الإسلاميين، وبخاصة الإخوان، ثم صدور قرار حكومي بتصنيف الإخوان كجماعة إرهابية، ظهرت أبعاد الحملة المنظمة ضد الجماعة، وبدأ تأطيرها إعلاميا بمفردات ثابتة ومتكررة، منها: "الجماعة الإرهابية"، "الإخوان ليسوا وطنيين ولا يعترفون بالوطن"، "الوطن عندهم حفنة تراب"، "خوارج العصر"، "المتاجرون بالدين"، "إخوان الشياطين"، "الإخوان هي الجماعة الأم لكل جماعات العنف"..إلى آخر هذه الأوصاف المفتراة على الجماعة والتي يقصد منها تنفير الرأي العام منهم.

كان الإعلام هو الوعاء الواسع لهذه الحملة، بمساهمة واضحة ومنظمة من المؤسسات الرسمية للدولة المصرية، وفي مقدمتها دار الإفتاء ووزارة الأوقاف،  التي لم تأل جهدا في "صك" دعايات كاذبة ضد الجماعة ووصمها بالإرهاب والعنف، وأنها "تحرف الدين" وأساس "كل الشرور"، متماهية في ذلك مع خطاب قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي، الذي حرص من أول يوم لانقلابه على  وصف الإخوان بأنهم "أهل الشر".

حالة التأطير والقولبة هذه استمرت وزادت حدتها منذ الانقلاب، وتخطت الإخوان الى السلفيين وجماعة التبليغ والدعوة وغيرها.

وضمن توزيع الأدوار، عمد الدعاة الرسميون والإعلاميون إلى تنظيم برامج وبث مفردات تربط بين الجماعات الإسلامية وبين كل نقيصة في المجتمع، فظهر الشيخ أسامة الأزهري، مستشار السيسي للشئون الدينية ببرنامج "الحق المبين" ليخصص كل حلقاته تقريبا للطعن في منهج وفكر الإخوان وتشويه تاريخهم، ونظم الإعلامي حمدي رزق لقاءات مع مفتي مصر شوقي علام عبر برنامج " نظرة" ليقول المفتي عن الإخوان ما ليس فيهم ويفتري عليهم كذبا، وانبرى الإعلامي إبراهيم عيسى ليلصق كل نقيصة بالإخوان والسلفيين، واصفا إياهم بأنهم "سبب عدم وجود الديمقراطية" وأنهم "بندقية للإيجار" وغير ذلك من التعبيرات ذات الدلالة السلبية.

ولا تكاد تخلو وسيلة إعلامية تابعة للانقلاب في مصر من قدح في الإخوان بصفة يومية، في إطار منهجية تنفير الناس منهم، وما وراء ذلك من خلق حالة من الكراهية للإسلام ذاته في إطار الهدف الأكبر وهو نسف الهوية الإسلامية للدولة المصرية.

ب. التشكيك في الجمعيات الإسلامية والدعوة لحلها

قادت وسائل إعلام الانقلاب هجوما حادا على الجمعيات الإسلامية الخيرية، ما هو تابع منها لجماعة لإخوان وماهو قريب منها، مثل الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة المحمدية.

وبعد الانقلاب مباشرة في يوليو 2013، تشكلت اللجنة المكلفة بالتحفظ على أموال جماعة الإخوان المسلمين، بعد صدور حكم قضائي مسيس بالتحفظ على أموال وممتلكات الجماعة، التي تم حظرها واعتبارها جماعة إرهابية بعد أن عزل الجيش الرئيس الشهيد  محمد مرسي.

كانت للجماعة شعبية كبيرة اكتسبت قدرا كبيرا منها من العمل الخيري و

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى