قضايا وتحليلات

6 سنوات على الجريمة ومازال الجناة طلقاء| التعبئة الإعلامية ضد الرئيس “مرسي”.. من الشيطنة إلى الاغتيال

• "دراسة": إعلام الدولة العميقة روّج أكثر من خمسة آلاف أكذوبة لزعزعة استقرار مصر في عهد مرسي

• مخطط اغتيال الرئيس مرسي بدأ منذ إعلان ترشحه للانتخابات الرئاسية والإعلام كان رأس الحربة

• "الاستبن".. "الخائن".. "العميل".. "الإرهابي".. مفردات روّجها إعلام العسكر للنيل من شخص الرئيس

• "بيع قناة السويس".. "التنازل عن حلايب وشلاتين".. "التفريط في النيل".. شائعات لاحقت مرسي وحققها السيسي

• فرح وشماتة بموت الرئيس مرسي ومحاولات مستميتة لتبرئة "السيسي" ونظامه من جريمة الاغتيال

• مهاجمة المنظمات الحقوقية التي أثبتت تعمُّد "السيسي" تصفية الرئيس مرسي بالإهمال الغذائي والطبي

 

إنسان للإعلام- ملف تحليلي:

منذ اللحظة التي أعلن فيها "حزب الحرية والعدالة" ترشيح الدكتور محمد مرسي لرئاسة الجمهورية في 7 أبريل 2012، وحتى سقوطه مغشيًا عليه داخل قفص المحكمة في 17 يونيو 2019، لم تتوقف نيران الحملة الإعلامية الشرسة التي استهدفته، قيادةً وصورةً ومشروعًا.

كانت الآلة الإعلامية للدولة العميقة ــ بقيادة الجيش والمخابرات الحربية والعامة وجهاز أمن الدولة ــ تعمل بتناغم مع خصومه السياسيين، من بقايا الحزب الوطني وأحزاب المعارضة، في معركة بدا أن هدفها الأوحد هو الإجهاز على أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر.

لم يكن ما تعرّض له مرسي مجرد نقد سياسي أو خلاف في الرأي، بل حملة منظمة ومدفوعة بتوجهات ومصالح متشابكة، استخدمت كل أدوات الإعلام، من الخطاب الممنهج، والمفردات المعبّأة، إلى التضليل المتعمد، لتشويه صورته وتقويض شرعيته في وعي الجماهير.

في هذا الملف، نكشف خيوط مخطط الاغتيال المعنوي الذي سبق اغتياله الجسدي، ونرصد كيف بدأت التعبئة الإعلامية ضده منذ إعلان ترشحه، واستمرت لتغطي سنة حكمه، وتُطمس إنجازاته، وتُشيطن مواقفه.

 كما نتابع تصاعد الهجوم بعد الانقلاب عليه، وصولًا إلى لحظة استشهاده داخل قاعة المحكمة، وسط صمت إعلامي مريب، بل وفرح علني وشماتة فجّة من إعلاميي النظام، الذين سارعوا إلى تبرئة السيسي ونظامه، وشنّ حملة مضادة على المنظمات الحقوقية التي كشفت تفاصيل الجريمة، وأثبتت تعمّد تصفيته بالإهمال الطبي والغذائي.

تعبئة إعلامية مبكرة مع انطلاق سباق الترشح

لم يعد السابع عشر من يونيو/حزيران يومًا عاديًا في الروزنامة السياسية المصرية، بل تحوّل إلى تاريخ محفور في ذاكرة القهر الوطني، شاهداً على تغوّل النظام العسكري الذي نشأ بعد انقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013.

نظام لم يتورع عن اغتيال رجلٍ عالم، حاصل على الدكتوراه من إحدى أعرق الجامعات الأمريكية، عاد إلى وطنه حالمًا بالإصلاح عبر السياسة والدعوة، فصار نائبًا في البرلمان، ثم أول رئيس مدني منتخب في تاريخ البلاد.

الرئيس الشهيد محمد مرسي، لم يكن هدفًا لانقلاب عسكري فحسب، بل لحملة ممنهجة من الحصار والتشهير والتنكيل، بدأت منذ إعلانه نيته الترشح عقب ثورة يناير 2011، وامتدت عبر عام حكمه الوحيد، حتى لحظة اغتياله البطيء داخل قاعة المحكمة، وما تلاها من محاولات طمس الحقائق وتبرئة الجناة.

منذ اللحظة التي أعلن فيها ترشحه، انطلقت حملة اغتيال معنوي مبكرة ضده، كان الإعلام رأس حربتها، واستغلت مؤسسات الدولة العميقة، ومعها خصومه السياسيون، ترشحه كبديل للمهندس خيرت الشاطر، فوصموه بلقب "الاستبن" – وهو تعبير دارج يحمل دلالة دونية – وسوّقوه كثانٍ لا يستحق الصدارة.

وبدلًا من التنافس السياسي النزيه، انحدر الخطاب الإعلامي إلى مستوى التنابز بالألقاب، في انتهاك صارخ لقيم الدين والمجتمع، ليُختزل مرسي في وصف خالٍ من الاحترام، رغم تاريخه السياسي ومكانته العلمية.

بلغت الحملة حدًّا من الانحدار دفع الإعلامي إبراهيم عيسى إلى استحضار إطار سيارة "استبن" حقيقي على الهواء للسخرية من الرئيس، في سابقة تكشف كيف تحوّل الإعلام إلى أداة للإهانة، لا للرقابة أو النقد.

 ورغم ادعاء بعضهم أن هذه أساليب مألوفة في الحملات الغربية، فإن واقع الأمر يؤكد أن الاستهداف كان سياسيًا وانتقائيًا بامتياز، ولم يُمارَس مع سواه.

ولفرط أدبه، واجه مرسي هذه الإهانات بصدر رحب، وقال إنها لا تضيره، وإنه يرجو فقط أن تكون لغة النقد السياسي في مصر أرفع من التحقير الشخصي، محذرًا من أن هذا النهج سيقود البلاد إلى هاوية أخلاقية، وهو ما تحقق بالفعل.

ومع تزايد فرصه الانتخابية بدعم من الإخوان، وسيرته الذاتية المتميزة مقارنة بخصومه، وفي مقدمتهم مرشح النظام القديم أحمد شفيق، بدأت حملة "التقليب في الدفاتر القديمة".

أعيدت إلى الواجهة القضية التي عنونها الإعلام بـ "الهروب من سجن وادي النطرون"، وروّج الإعلاميون حينها لسؤال: "كيف يكون سجينًا هاربًا رئيسًا للجمهورية؟"، غير أن اللجنة القضائية المشرفة على الانتخابات قطعت الطريق على هذه الرواية، وأعلنت عدم وجود مانع قانوني أو رمزي يحول دون ترشحه، لا سيما بعد تسوية القضية لاحقًا.

واللافت أن مرسي نفسه، في اتصال موثق مع قناة "الجزيرة"، أوضح أن ما حدث لم يكن هروبًا، بل خروجا اضطراريًا في ظل اقتحام السجن من مجهولين، وأنه طلب من السلطات التواصل معه، ومع من كانوا معه من قيادات الإخوان، مؤكدًا أن معظم السجناء قد غادروا، ما عداهم.

بلغة هادئة، دحض مرسي الاتهامات، موضحًا أن المهاجمين كانوا بملابس مدنية وشرطية، استخدموا الغاز فقط، ولم يسقط قتيل أو جريح، مؤكدًا أنه لا يعرف من يقف خلف الاقتحام، لكن الحملة لم تهدأ.

ومع اقتراب الجولة الثانية من الانتخابات، أثار الإعلام تساؤلات خبيثة: "ماذا كان يفعل مرسي في أمريكا؟"، رغم أن الإجابة واضحة: كان يدرس، مثل آلاف المصريين الطموحين، إلا أن الإعلام، مدفوعًا بإيحاءات أمنية، روّج لفكرة أنه جُنّد خلال وجوده هناك لإفشال مشاريع عسكرية عربية مثل "كوندور".

وزعم اللواء أحمد حسام خير الله، وكيل المخابرات العامة سابقًا، أن مرسي تورّط في تهريب مواد حساسة، ومع ذلك عاد إلى مصر ليُدرّس ويترشح! كما ادُّعي أنه عمل مع وكالة "ناسا" فكان أداة في يد خصوم مبارك.

 المفارقة أن العالم الراحل أحمد زويل، نفسه، أشاد بمرسي بعد عزله، مؤكدًا مستواه الرفيع، ومعرفته الدقيقة بالمجتمع الأكاديمي الأمريكي، ما يبرهن على جدّيته ومكانته العلمية.

ومع فشل هذه السرديات في وقف صعود مرسي، انتقل الإعلام إلى مرحلة التشكيك بنتائج الانتخابات، فتم الترويج لادعاءات عن بطاقات مزورة، وقرى مُنعت من التصويت، وتزوير في المطابع الأميرية، وغيرها، بل إن اللواء ثروت جودة، وكيل المخابرات العامة الأسبق، زعم أن شفيق هو الفائز الحقيقي، وأن الحرس الجمهوري توجّه إلى منزله أولًا!

ووصل الأمر إلى نسبة تصريحات لمسؤولين أمريكيين قالوا فيها إنهم من "أنجح مرسي"، في تلميح إلى تدخل خارجي. بل إن مدير المخابرات العامة آنذاك، رأفت شحاتة، – بحسب هذه السرديات – قيل له: "انسَ قسم الولاء.. الأجهزة تعلم أنه خائن"، واستُخدم ذلك لتبرير عدم تزويد مرسي بأي معلومات حقيقية أثناء حكمه.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد إلى التجسس عليه، والتضييق على أقرب مساعديه، حتى صرّح شفيق، ذات مرة، بأنه يعرف ما يأكله خيرت الشاطر يوميًا، ويسمع مكالماته، ومنها واحدة تتعلق بتعيين نائب للرئيس![1].

ومن نماذج المعالجات الإعلامية التي سعت لتشويه صورة مرسي أثناء الترشح:

  • "للباحثين عن مرسي في جوجل: اكتب الاستبن وهو يطلع لك"، الوطن[2].
  • "الاستبن الاحتياطي الضعيف.. أدوات إهانة الرئيس الإخواني"، الوطن[3].
  • "الاستبن يكسب"، بقلم محمود فودة، دنيا الوطن[4].
  • "عرف مرشحك: محمد مرسي.. الاحتياطي"، المصري اليوم[5].
  • "سياسيون وخبراء يرجحون عدم الاستقرار في حال فوز مرسي أو شفيق.. فرحات: الاستبداد الديني أو العسكري كلاهما مرّ.. عبد الرازق: فوز مرشح الإخوان يعني دخول مصر في الحقبة الدينية"، اليوم السابع[6].
  • "منير فخري عبد النور: استغربت من ترشّح محمد مرسي للرئاسة.. كان لا يصلح"، الأهرام [7].
  • الإعلام المقرّب من الجهات الأمنية، أحمد موسى، كتب مقالًا في "الأهرام" تحت عنوان "مرسي المحولجي!"، زعم فيه أن "مرسي" لا يصلح للرئاسة، وأنه كان "مندوبًا" في القصر الرئاسي، وكان مثالًا حقيقيًا لـ«الاستبن»![8] .
  • وزعم عمرو أديب، خلال تقديمه لبرنامج "القاهرة اليوم" على فضائية اليوم المصرية، بتاريخ 22 يونيو 2013، أن مؤسس دولة الخلافة الإسلامية في العراق والشام، المعروفة باسم "داعش"، هو محمد مرسي، وأنه نجح في فتح السجون المصرية بمساعدة حماس![9].
  • بدوره، ادعى الإعلامي الراحل وائل الإبراشي أن الرئيس محمد مرسي اتصل به في أحد الأيام، الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل، ليستطلع رأيه في رفع دعوى قضائية ضد العقيد عمر عفيفي، الذي وصف الرئيس بأنه "شاذ". وأوضح الإبراشي، خلال لقائه ببرنامج "آسفين يا ريس" مع الإعلامي طوني خليفة، أنه نصحه بألّا يرفع دعوى قضائية ضد عمر عفيفي، لأن الصحافة والإعلام سيتناولان القضية تحت عنوان "شذوذ الرئيس"، وهو أمر مهين لرئيس الجمهورية![10].

يتّضح من النماذج السابقة للمعالجات الصحفية والإعلامية، الدور الخبيث الذي لعبه الإعلام المصري في شنّ حملة مسعورة على الرئيس مرسي مبكرًا، استهدفت تشويهه واغتياله معنويًا، والتعتيم على تاريخه السياسي المشرّف. كما أن معظم هذه المعالجات استخدمت مصطلحات موحّدة، ما يؤكّد أن الأمر كان مدبّرًا بليل، وليس من منطلق النقد والرأي الآخر.

هجمة غير مسبوقة على أول رئيس مدني

لم يكن الإعلام المصري، بمختلف وسائطه المسموعة والمقروءة والمرئية، بمنأى عن حالة الاستقطاب الحاد التي واجهها الرئيس الشهيد محمد مرسي، بل كان في كثير من الأحيان رأس الحربة في معركة التشويه والإقصاء، إذ استخدم ضده كافة أدوات التحريض والافتراء، موجّهًا إليه سيلًا من الاتهامات، أغلبها دون أدلة.

تجلّت هذه الصورة القاتمة في وقت كانت فيه وسائل الإعلام المصرية تتمتع بحرية غير مسبوقة، لكنها في المقابل افتقرت إلى أدنى درجات المهنية والموضوعية، فقد غرق الإعلام الخاص، من قنوات وصحف، في انحياز فج لمعارضي مرسي، بينما دخل الإعلام الرسمي، وعلى رأسه "ماسبيرو"، في حالة من التخبط، تتأرجح بين تيار يدين بالولاء للنظام القديم، وآخر عاجز عن مجاراة التغيرات الجديدة.

منذ اللحظة الأولى لدخول مرسي قصر الاتحادية، بدأ الهجوم الإعلامي الممنهج، فراحت صحف وقنوات محسوبة على خصوم جماعة الإخوان المسلمين تروّج شائعات مسيئة تمس الرئيس وأسرته، ثبت لاحقًا كذبها.

حتى بعض الكتّاب والمحللين المحايدين استغربوا من إصرار الإعلام الرسمي على تجاهل فوزه، رافضًا الاعتراف به رئيسًا، رغم مرور أسابيع على انتخابه.

وفي مفارقة لافتة، وُجهت لمرسي تهم بمحاولة "أخونة الإعلام"، رغم أن عهده شهد هامش حرية غير مسبوق باعتراف عدد من قادة المعارضة أنفسهم، بل إن بعض البرامج خُصّصت بالكامل للسخرية منه، بشكل لم يكن ممكنًا في عهد من سبقوه، ولا حتى من خلفوه.

طوال عام حكمه، كانت الصحافة المصرية تغلي بالاحتجاجات، ففي أغسطس/آب 2012، اعتصم صحفيو جريدة "الشعب" بسبب عدم التزام الحكومة بصرف مستحقاتهم المالية.

وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام ذاته، قرر رئيس مجلس الشورى إيقاف الصحفي جمال عبد الرحيم عن رئاسة تحرير جريدة الجمهورية، وهو القرار الذي قوبل برفض واسع من الصحفيين، رغم أن الإجراء ارتبط بأخطاء مهنية واضحة.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2012، انسحب مجلس نقابة الصحفيين من الجمعية التأسيسية للدستور، احتجاجًا على المواد المتعلقة بحرية الصحافة، معتبرًا إياها مقيدة وغير ضامنة لاستقلال المهنة.

وبعدها بشهر، وتحديدًا في ديسمبر/كانون الأول، احتجبت عشرون صحيفة كبرى عن الصدور رفضًا لما اعتبرته محاولة لفرض دستور لا يعبّر عن التوافق الوطني[11].

الشائعات كانت حاضرة بقوة في عهد مرسي

أكدت دراسة بعنوان "الإعلام وحرب الشائعات في عهد مرسي"، نشرها المعهد المصري للدراسات في يونيو/حزيران 2019، أن الإعلام المصري المعارض للرئيس محمد مرسي لعب دورًا محوريًا في الترويج لحملة شائعات ممنهجة استهدفت النيل من شرعيته، وتقويض حكمه منذ اللحظة الأولى.

أبرز تلك الشائعات كانت التشكيك في نتائج الانتخابات الرئاسية التي أُجريت في يونيو/حزيران 2012، حيث روّجت وسائل إعلام مزاعم بفوز منافسه أحمد شفيق، وادعت أن فوز مرسي كان نتيجة تزوير واسع.

ومع اقتراب موعد الاستفتاء على الدستور في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، ادعت بعض القنوات أن نسبة الرافضين للدستور تجاوزت المؤيدين، رغم أن التصويت لم يكن قد انتهى بعد، بل وصلت الشائعات إلى اتهام قضاة، مثل رئيس محكمة المنيا، بالتصويت بدلًا عن آخرين، وهي أخبار ثبت كذبها لاحقًا.

لم تتوقف الحملة عند مرسي شخصيًا، بل امتدت إلى جماعة الإخوان المسلمين، في محاولة لتصوير قرارات الرئيس وكأنها مجرد تنفيذ لإملاءات الجماعة، كما روّج الإعلام لفكرة أن ثورة 25 يناير كانت "مؤامرة خارجية" شارك فيها الإخوان بالتنسيق مع حركة حماس وحزب الله، في خطاب استهدف تشويه الثورة وربطها بـ"العمالة".

وفي أغسطس/آب 2012، أعقب حادث "مذبحة رفح الأولى" حملة إعلامية اتهمت مرسي والإخوان بالتورط في الحادث، وذهبت بعض المجلات إلى تحميل حماس المسؤولية، دون أي دليل.

كما انتشرت شائعات بأن الرئيس أصدر قرارات بالعفو عن منفذي الهجوم، وهو ما نُفي لاحقًا، وكشف الصحفي حسام بهجت، في تقرير موثق، أن الغالبية الساحقة من قرارات الإفراج عن عناصر جهادية صدرت خلال فترة حكم المجلس العسكري، وليس في عهد مرسي.

شائعة "العمالة" للولايات المتحدة و"إسرائيل"

رغم الخطاب المعروف لجماعة الإخوان بدعم القضية الفلسطينية، اتهم الإعلام المصري مرسي والجماعة بإقامة علاقات سرية مع إسرائيل، واستُخدمت في هذا الإطار حادثتان رئيسيتان:

الأولى، خطاب التهنئة الرسمي الذي وجّهه مرسي – بالخطأ ودون مراجعة- إلى الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز بمناسبة تعيين سفير جديد لمصر في تل أبيب، وبدأه بعبارة "صديقي العزيز بيريز"، ما أثار موجة هجوم حادة.

الثانية، تصريحات القيادي عصام العريان حول إمكانية عودة اليهود من أصل مصري إذا تحقق حل عادل للقضية الفلسطينية، والتي تم اقتطاعها من سياقها وتضخيمها على نطاق واسع.

وبدءًا من أبريل/نيسان 2013، تصاعدت حملة تتهم "مرسي" بالتجسس لصالح الولايات المتحدة، وربطته بقضية "الكربون الأسود"، وهي عملية استخباراتية أمريكية تورّط فيها المهندس المصري عبد القادر حلمي في ثمانينيات القرن الماضي.

وكتب محمد عبد الغفار، القيادي بحزب الوفد، مقالًا ألمح فيه إلى أن الواشي في القضية كان "شابًا ينتمي إلى الإخوان"، دون تسميته، لكن تم التلميح بوضوح إلى مرسي.

بدورها، زعمت صحيفة اليوم السابع أن المتهم يشغل "منصبًا سياديًا كبيرًا"، بينما اتهم الفريق حسام خير الله – مسؤول استخباراتي سابق– مرسي علنًا بالخيانة في أحد البرامج التلفزيونية، رغم انعدام أي دليل.

ترويج صورة "الرئيس محدود الكفاءة"

سعت وسائل الإعلام لتكريس صورة مرسي كرئيس محدود الكفاءة والقدرات. روّجت صحيفتا "فيتو" و"اليوم السابع" لشائعة أنه لا يجيد اللغة الإنجليزية، رغم حصوله على الدكتوراه من أمريكا وإجرائه مقابلات كاملة باللغة الإنجليزية، بينها حوار مع شبكة CNN.

وساهم برنامج "البرنامج" لباسم يوسف في تكريس هذه الصورة عبر عرض مقاطع ساخرة، رغم أن باسم نفسه عاد لاحقًا وأكد أن مرسي كان يتحدث الإنجليزية بطلاقة.

شبكة متكاملة من الشائعات ضد الرئيس

أشارت الدراسة نفسها إلى أكثر من خمسة آلاف شائعة رُوّجت في عام حكم مرسي، أبرزها:

  • التنازل عن حلايب وشلاتين للسودان: ظهرت الشائعة بعد زيارة مرسي للخرطوم في أبريل/نيسان 2013، وزعمت صحف، منها "الوطن"، أن عصام الحداد تفاوض مع السودان بشأن السيادة على المنطقة، وهو ما نُفي رسميًا من الجانبين.
  • بيع ماسبيرو لقطر: رُوّج أن خيرت الشاطر اتفق مع الدوحة على بيع أرض مبنى الإذاعة والتلفزيون، وهي شائعة نُفيت تمامًا، لكنها تحققت لاحقًا في عهد السيسي لصالح الإمارات.
  • التفريط في مياه النيل: اتُّهم مرسي بالتقصير في ملف سد النهضة، رغم أن الاتفاق الثلاثي الكارثي مع إثيوبيا تم توقيعه من السيسي، وكان بداية تآكل الحقوق التاريخية لمصر.
  • بيع أراضٍ في قناة السويس لقطر: زعمت تقارير أن الرئيس خطط لبيع أراضٍ ضمن مشروع تنمية القناة لقطر، وهي شائعة كُذّبت رسميًا، بينما تحققت لاحقًا أيضًا لصالح في عهد السيسي مستثمرين إماراتيين.
  • توطين الفلسطينيين في سيناء: ادعاء متكرر ربط مرسي بالتنسيق مع حماس لإقامة وطن بديل، نفاه خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحماس حينها، جملة وتفصيلًا.
  • تأجير الآثار لقطر: تداولت صحف خطابًا غير رسمي من مواطن يقترح تأجير الآثار، وقدّمت القصة كأنها مشروع حكومي، رغم عدم معقوليتها.
  • شائعة أخونة الدولة: زُعم أن الإخوان زرعوا 13 ألفًا من كوادرهم في المناصب الحكومية، وهو ما لم يتم إثباته مطلقًا.
  • أكاذيب عن صحة مرسي: زعمت بعض الصحف أنه يعاني من أمراض مزمنة مثل الصرع والتهاب الكبد، وادعت تقارير أخرى تلقيه هدايا شخصية من قادة إسلاميين.
  • شائعات حول أسرته: قيل إن ابنه خُطب لابنة رئيس الوزراء هشام قنديل، وهو ما نُفي تمامًا، كما ادّعوا تعيينه في وزارة الطيران براتب ضخم، بينما كشفت الوثائق أن راتبه كان 900 جنيه فقط، ولم يباشر العمل أصلًا.
  • الراتب الرئاسي: زعمت صحيفة "الوفد" أن مرسي كان يتقاضى 300 ألف جنيه شهريًا، رغم أن الجهاز المركزي للمحاسبات أكد أن راتبه لم يتجاوز 66 ألفًا، ولم يقبضه أصلا.
  • إفلاس مصر: أواخر 2012، نُسب إلى محافظ البنك المركزي السابق، فاروق العقدة، قوله إن مصر على وشك الإفلاس، وهو ما نفاه رسميًا.

وخلصت الدراسة إلى أن الرئيس مرسي تعرّض لما وصفته بـ"أشرس حملة شائعات في التاريخ المصري الحديث"، هدفت إلى تقويض شرعيته وتشويه صورته وإرباك الرأي العام، بدعم واضح من الدولة العميقة وقيادات أمنية وإعلامية. وأثبتت الوقائع، بعد الإطاحة به، زيف الغالبية الساحقة من هذه المزاعم، بل إن ما أُنكر عليه في حينه، تم تنفيذه لاحقًا دون معارضة تذكر[12].

نماذج من تعاملات الإعلام مع الرئيس الشرعي

على مدى العام الذي حكم فيه الرئيس الشهيد الدكتور محمد مرسي، شنت الصحف والفضائيات حملة غير مسبوقة ضده، وتعمدت نشر أخبار الرئاسة في الصفحات الداخلية بالصحف القومية، على عكس ما كان متبعًا في عهد مبارك، وفيما يلي بعض النماذج لهذه المعالجات:

  •  صحيفة "الأهرام": نشرت خبرًا بعنوان: "الزيات لـ«بوابة الأهرام»: مرسي فشل في احتواء شركائه بالثورة.. وأحذّره من «سُكرة» الحكم"[13] .
  •  كما نشرت عنوانًا آخر: "بيان شديد اللهجة لـ«الوطنية للتغيير»: مرسي فشل في إدارة الدولة والحفاظ على أمنها القومي، وعجز عن وقف تفككها"، في تغطية لبيان الجمعية الوطنية للتغيير، الذي اتهم مرسي بالسعي لتصفية الثورة والثوار"[14] .

صحيفة "اليوم السابع" شاركت بوضوح في الحملة الإعلامية على مرسي، ومن أبرز معالجاتها:

  • "هيكل: الرئيس لديه مصائب بلا حدود، وهناك تواصل بينه وبين الجماعة"[15].
  • "كوارث القطارات في عهد مرسي.. 4 حوادث تطيح بوزير نقل واحد، والبدرشين تخطف الأضواء من عياط مبارك.. والنائب العام يُحيل حادث قطار أسيوط للجنايات ويستقبل آخر في اليوم نفسه، ومرسي المتهم الأول"[16].
  •  "استطلاع لمركز بصيرة: تراجع شعبية مرسي إلى 37%.. و1% فقط سينتخبون البرادعي إذا جرت الانتخابات الآن"[17] .

صحيفة "الدستور" لم تختلف معالجاتها عن سابقيها، ومن أمثلتها:

  •  "أحد مصابي الثورة: فشل مرسي وحكومته وراء حادث أسيوط"[18].
  • "حزب العدل: قرارات مرسي تصنع دكتاتورًا جديدًا"[19].
  • "قضاة: اجتماع مرسي فشل في حل الأزمة.. وقانونيون: مرسي فرعون إسلامي"[20] .

صحيفة "الوطن" حرصت على تشويه صورة الرئيس مرسي، ومن أبرز ما نُشر فيها:

  •  "إسراء عبد الفتاح: يتحدث إليكم الرئيس محمد مرسي مبارك"[21].
  •  "محمد حبيب: على الإخوان رفع يدهم عن الرئيس.. وعلى مرسي تغيير طاقمه المساعد"[22].
  •  "مرتضى منصور يتقدم ببلاغ رسمي للنائب العام ضد مرسي بسبب تطاوله عليه"[23].

برامج "التوك شو" تحولت أيضا، بإيعاز من الدولة العميقة، إلى منصات لبث الكراهية يوميًا تجاه الرئيس مرسي وفصيله السياسي، لتشويه صورته وتضخيم الأزمات، تمهيدًا للانقلاب عليه، ومن ذلك:

  • عمرو أديب في برنامجه "القاهرة اليوم" بتاريخ 18 نوفمبر 2012، قال: "البلد كبيرة عليك يا ريس، وإنت مش قدها"[24].
  •  وفي برنامجه  بتاريخ 24 مارس 2013، حمّل مرسي دم الإعلاميين في مدينة الإنتاج الإعلامي قائلًا: "هي في رقبتك يا ريس"[25]
  • كما دعا الشعب، في حلقة برنامجه بتاريخ  30 يونيو 2013، للنزول والبقاء في الشوارع حتى إسقاط مرسي[26] .
  • الإعلامية هالة فهمي خرجت على الهواء وهي تحمل كفنًا، معبرة عن رفضها للتغطية الإعلامية الرسمية، وواصفة الإعلام بـ"المتواطئ"[27].
  • لميس الحديدي قالت في إحدى حلقاتها موجهة حديثها لمرسي: "مش قد الشيلة ما تشلهاش"، زاعمة أن منصب الرئيس أكبر منه[28].

يتضح من هذه النماذج كيف تحكّمت جماعات المصالح والصراع الأيديولوجي والدولة العميقة في توجيه الإعلام، الذي فقد مهنيته تمامًا في عهد السيسي، بينما كانت حرية الإعلام في عهد مرسي بلا سقف، ويمكن فقط أن نتخيل ما كان سيحدث لو كان الإعلام محايدًا ومهنيًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى