قضايا وتحليلات

وفاة ناجي شحاته نموذجا.. هل تصلح تعليقات “وسائل التواصل” كأداة لقياس الرأي العام؟

“إنسان للإعلام”- حنان عطية:

في فضاءٍ رقميٍّ تتدفق فيه ملايين التعليقات يوميًا عبر منصات مثل “إكس” و”فيسبوك”، لم يعد “التريند” مجرد وسمٍ عابر، بل تحوّل إلى بوصلةٍ تُقاس بها اتجاهات الرأي العام، ويراقبه صُنّاع القرار، وتحلله الشركات، وتستثمره مراكز الأبحاث باعتباره مرآةً فوريةً لما يعتمل في وجدان الناس.

وفي لحظاتٍ فارقة، تتحول سطور التعليقات إلى ما يشبه “شهادةً جماعية” بحق شخصيةٍ ما؛ قد تكون شهادةَ احتفاءٍ عارم، وقد تكون لائحةَ اتهامٍ شعبية.

هكذا بدا المشهد عقب وفاة القاضي المصري ناجي شحاتة، حيث انفجرت مساحات التعليق بسيلٍ من ردود الفعل التي تجاوزت الخبر إلى استدعاء ذاكرةٍ مثقلةٍ بالأحكام والمواقف، في مشهدٍ أقرب إلى محاكمةٍ رمزية على الملأ.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تعكس هذه التعليقات حقًا ضمير المجتمع؟ أم أننا إزاء “ضجيجٍ رقمي” تصنعه الفئات الأكثر حضورًا ونشاطًا، فيبدو أكبر من حجمه الحقيقي؟

تُظهر الدراسات الميدانية أن منصات التواصل الاجتماعي توفّر “بياناتٍ ضخمة” (Big Data) تمكّن من تحليل “المشاعر العامة” (Sentiment Analysis) لحظةً بلحظة، وهي ميزةٌ لا تملكها أدوات قياس الرأي التقليدية التي قد تستغرق أسابيع، غير أن هذه البيانات -على وفرتها- لا تمثل المجتمع ككتلةٍ صلبة، بقدر ما تعبّر عن “مزاج الفئات النشطة” والأكثر تأثيرًا في الفضاء العام.

وقد كشفت حالة وفاة ناجي شحاتة عن هذه المفارقة بوضوح؛ فما إن نُشر خبر الوفاة في صحيفةٍ أو موقعٍ إخباري حتى انهالت التعليقات، مستعرضةً مظالم ارتبطت باسمه وبمرحلةٍ قضائيةٍ مثيرةٍ للجدل.

ورغم محاولات بعض المواقع الرسمية وشبه الرسمية إغلاق خاصية التعليق في البداية، فإن فتحها لاحقًا أطلق موجةً غير مسبوقة من التفاعل، بدت معها التعليقات كساحةُ تعبيرٍ بديلة، تكسر حاجز الصمت المفروض على قطاعاتٍ من الإعلام المصري، وتحوّل الخبر إلى مؤشرٍ حيٍّ على اتجاهاتٍ كامنةٍ في الرأي العام.

وقد اشتهر “شحاتة” بإصداره المئات من الأحكام بالإعدام والمؤبدات بحق معارضي انقلاب 3 يوليو وثوار يناير، وهي أحكام صدمت المجتمع المصري والرأي العام الإقليمي والعالمي بقسوتها وجرأتها على إهدار الدماء بأحكام صورية، مما دعا البعض إلى تسمية جلساته بـ”سوق الجملة للإعدامات والمؤبدات”، في ظاهرة مستحدثة لم تشهدها مصر ولا العالم منذ الانقلاب العسكري التركي على حكومة عدنان مندريس في الثمانينات من القرن الماضي!

وقد لُقِّب شحاتة بـ”قاضي الإعدامات”، نتيجة توليه قيادة ما يُسمى “دائرة الإرهاب” منذ 2013، وإصداره أحكامًا بالإعدام الجماعي على أعداد كبيرة من المواطنين في عدد من المحاكمات لمعارضين.

وكان “شحاتة” لا يخفي عداءه لثورة يناير، إذ كان يصفها بـ«25 خسائر» أو «25 كوارث» بدلاً من 25 يناير، وقد غادر الحياة وتلاحقه دعوات الذين طعنت أحكامه قلوبهم في مقتل، نتيجة إعدام ذويهم أو تغييبهم لعشرات السنوات ظلمًا في غياهب السجون.

فهو إذن لم يكن شخصًا عاديًا، وإنما هو خصم لملايين المصريين، سواء الذين طالهم جوره أو الذين عايشوا مرحلة صعبة غلبت عليها رائحة الدم المسفوح ظلمًا وآهات من طالهم العذاب وسلب الحريات، حتى إن بعض المعلقين على خبر وفاته قد شبَّهوا موته بموت الحجاج بن يوسف الثقفي، أحد الجبابرة الذين أذاقوا الأمة الويلات، واتسمت مرحلته بأشد المراحل سفكًا للدماء البريئة!

استفتاء شعبي صامت

وفور إعلان خبر وفاته، امتلأت منصات التواصل بآلاف التعليقات الغاضبة التي استحضرت سجله القضائي، واعتبرته أحد أبرز وجوه مرحلة وُصفت بأنها الأشد قسوة في تاريخ القضاء المصري الحديث وفي تاريخ الحدث السياسي المعاصر.

هذه التفاعلات لم تكن انفعالًا عاطفيًا عابرًا، بل بدت أقرب إلى استفتاء شعبي صامت على مرحلة بأكملها. ومن المهم الإشارة إلى أن هذا السيل الهائل من التعليقات جاء سريعًا وتلقائيًا، بشكل فاجأ المتابعين في عددها وطبيعتها واستمراريتها لأيام بعد الحدث.

وكتب أحد رواد موقع إكس قائلًا: “مات محمد ناجي شحاتة قاضي الإعدامات، الرجل الذي حكم بالإعدام على كثير من الأبرياء، وظن أن الكرسي سيحميه من يوم الحساب”، وكتب آخرون إنه أصدر “أحكامًا مسيّسة” بالإعدام والمؤبد في قضايا عديدة يصعب حصرها، والآن ها هو صاغرًا يقف أمام قاضي السماء، داعين عليه أن يحاكمه الله بعدله لا برحمته!”.

آلاف التعليقات التلقائية التي يصعب حصرها تعكس النبض الجماهيري الحقيقي، الذي وجد في المناسبة متنفسه الأخير في وسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن أغلقت وسائل إعلام النظام خانة التعليقات والردود عندما وجدتها سلبية في تقييم الرجل والنظام الذي مثله، وكذلك في كثرتها وتتابعها بحيث بدت كطوفان هادر.

وجاءت التعليقات كتعبير تلقائي عن رأي عام ظل مكبوتًا لسنوات، حتى ظن الظالمون أن الأمر قد استتب لهم وأن الشعب قد استكان، ثم كانت المفاجأة في لحظة إعلان موت هذا القاضي الأغلظ والأقسى والأكثر تجرؤًا على سفك الدماء المعصومة، حيث وجدت الجماهير العريضة في المناسبة منفذًا لإعلان رأيها وموقفها، فقالت كلمتها وأعلنت موقفها من الرجل ومن المرحلة العصيبة التي أتت به وكان جزءًا منها، ليقول لسان حالها: إلى مزبلة التاريخ هو ومن أتى به!

وبينما نعاه سدنة النظام بالدموع، وكان كل واحد منهم يتصور نفسه مكانه ومآله إلى ما آل إليه، نعاه المصريون فرحين بانتهاء جبروته وغطرسته، نتيجة ارتباط اسمه بسلسلة من القضايا الكبرى المؤلمة لوجدان الشعب.

لم تكن مجرد شماتة

لقد كشفت ردود الفعل الغاضبة على الوفاة حجم الجرح الذي يتعرض له الشعب، بحيث بات واضحًا للجميع أن المسألة لم تكن شماتة في موت إنسان شارك في مقصلة تاريخية لثورة بيضاء بريئة، بل هو تعبير عن شعور عميق بالظلم لدى عائلات شُتتت وخسرت أبناءها، وعن ضياع مستقبل بلد كانت لديه ثورة وأحلام وردية للقادم، فإذا بالغربان تحتال على حلمه وتحيل ساحة الوطن إلى مقتلة كبرى، ولسان حالهم يقول: لقد كان الراحل غرابًا تابعًا، فما بالنا كيف سيكون وداع الغراب الزعيم؟

فهل تتحول التعليقات إلى ساحة جديدة تتيح للجمهور مساحة من التعبير غابت في خضم حالة التضييق والمصادرة لكل الأقلام والأصوات التي يمكنها أن تعبر عن رأيها أو تطالب بشيء من حقوقها؟ أم أن هذه التعليقات مجرد أداة للاستئناس لا للقياس؟

يقول الخبراء: إن تعليقات وسائل التواصل الاجتماعي تصلح لتكون “مؤشرًا أوليًا” أو أداة لاستكشاف القضايا المسكوت عنها، لكنها ليست بديلًا لأدوات قياس الرأي العام العلمية.

في النهاية،يقودنا هذا الطوفان من التعليقات إلى مساحة أعمق من مجرد خصومة مع قاضٍ؛ إنه تساؤل عن العدالة نفسها، فالعدالة ليست مجرد إصدار أحكام، بل منظومة متكاملة تقوم على ضمانات مثل: حياد القاضي، وحق الدفاع الكامل، وتفريد العقوبة، واستقلال القضاء، وغياب الخلفية السياسية.

ووفقًا لتقارير منظمات حقوقية محلية ودولية، فقد سُجل غياب فادح لهذه الضمانات في خلفيات الرجل وأحكامه القاسية وتصريحاته المسيئة لثورة يناير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى