مقالات

وسائل التواصل والعولمة الإعلامية| كيف فتحت غزة ملف التعريف بالإسلام في الغرب؟

حنان عطية

رصدت وسائل الإعلام الغربية تزايدًا ملحوظًا في توجه عدد من المشاهير والمؤثرين وغيرهم من عموم الناس في أوروبا والولايات المتحدة نحو الإسلام، في ظاهرة بدت فيها أحداث حرب الإبادة في غزة عاملًا حاسمًا في تشكيلها، ودافعًا مباشرًا لاتخاذ قرار التحول الديني لدى كثيرين منهم!

وقد نشر الباحث الصهيوني إليعادر بن دافيد تقريرًا في صحيفة «يسرائيل هيوم»، يوم الثلاثاء 25 مايو 2024، أوضح فيه أن معدل اعتناق الإسلام في الولايات المتحدة يشهد ارتفاعًا غير مسبوق منذ عملية «طوفان الأقصى»، التى  أشعلت مجرياتها خطابًا معاديًا للصهيونية بين أعداد كبيرة من الجمهور الغربي!.

 وفى السياق خلصت دراسة أعدها «معهد تأثير الإيمان في الحي ونشرها موقع «الجزيرة نت» إلى أن حرب الإبادة التي شنها الاحتلال الصهيوني على قطاع غزة قد تسببت في اعتناق عدد كبير من البريطانيين للدين الإسلامي.

وإذا كانت حرب الإبادة على قطاع غزة كانت الباعث لكثير من هذه التغيرات، إلا أننا نجد أصابع الإعلام في عصر العولمة تظهر في الكواليس، خاصة وأن هذه الحرب – وإن كانت الأكثر عنفا ضد المدنيين – إلا أنها لم تكن الأولى في تاريخ الإجرام الصهيوني.

ومن الواضح أن الإبادة هذه المرة التقت مع تأثيرات البث المباشر للجرائم المرتكبة بحق أهل غزة ، بما كان له أثر واضح لدى الرأي العام الغربي ، ليس فقط في الاتجاه نحو التعرف على القضية الفلسطينية ومعرفة أبعادها وحق الشعب الفلسطيني في التحرر من الاحتلال، ولكنها اتسعت لتفتح شهية قطاع كبير منهم للتعرف على طبيعة هذا الدين الذي يولد مثل هذا الصمود وتلك التضحية ويدفع أصحابه للتمسك بحقهم وأرضهم دون تفريط.

مشاهير أعلنوا إسلامهم

ومن بين الشخصيات البارزة التي أعلنت إسلامها بعد مطالعة الشاشات التي كانت تنقل الحرب عى غزة ساعة بساعة، الشابة الأمريكية “ماديسون ريفز”، وهي أم تبلغ من العمر 24 عامًا، اشتهرت بتناولها قضايا الإسلام عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وأعلنت إسلامها وارتداءها الحجاب علنًا، مؤكدة أن الإسلام منحها هدفًا ومعنى جديدين للحياة، ووجهت انتقادات للإعلام الأمريكي، متهمة إياه بالتضليل وتشويه صورة المسلمين.

كما أعلنت الناشطة الأمريكية التي كانت تعرف نفسها بأنها يسارية، ألكسندرا، المعروفة على مواقع التواصل الاجتماعي باسم «أليكس»، اعتناقها الإسلام بعد رحلة بحث شملت قراءة القرآن الكريم باللغة الإنجليزية، وذلك وبعد أيام من اندلاع الحرب في غزة، فحولت أليكس حساباتها بالكامل إلى نشر محتوى يشرح تاريخ الاحتلال الصهيوني لفلسطين، والأحداث الجارية في غزة، قبل أن تعلن لاحقًا إسلامها وارتداءها الحجاب، مؤكدة عزمها عدم العودة إلى ما وصفته بنمط الحياة الغربي الاستعماري.

أما ” ميغان رايس ” والتي تعد من أشهر نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي الذين أعلنوا إسلامهم بعد أحداث غزة، فقد تأثرت بصمود أهل القطاع وقدرتهم على تحمل الظلم والقهر الناتجين عن الاحتلال الصهيوني.

ومع بداية العدوان، كانت تشارك تحليلات وتساؤلات حول أسباب ما وصفته بالوحشية الصهيونية تجاه المدنيين، ما دفعها إلى قراءة القرآن الكريم بحثًا عن فهم أعمق، وأكدت أنها وجدت في القرآن إجابات لأسئلة تتعلق بالحرب وبالحياة عمومًا، وأعلنت إسلامها في بث مباشر وهي ترتدي الحجاب، ناطقة بالشهادتين أمام آلاف المتابعين.

و أعلنت الأمريكية “نفرتاري مون”، وهي فنانة قصص مصورة على الإنترنت ومصممة أزياء تبلغ من العمر 35 عامًا، اعتناقها الإسلام بعد تأثرها بالتزام الفلسطينيين ومواقفهم في مواجهة الهجمات الصهيونية على قطاع غزة.

وقالت في تصريح لوكالة «الأناضول» التركية أن إيمان وشجاعة الشعب الفلسطيني هما ما دفعاها إلى الاتجاه نحو إعادة التعرف على الدين الإسلامي من جديد.

ومن بين الحالات اللافتة أيضًا، الناشطة الأمريكية “جاك ويلدز”، التي كانت تعتنق اليهودية، إذ تأثرت بمقاطع ميغان رايس حول الإسلام والحرب على غزة، ما قادها إلى اعتناق الإسلام وارتداء الحجاب.

وأعلنت ويلدز إسلامها عبر حسابها على «إنستغرام» بعد نشر سلسلة من الفيديوهات عن القضية الفلسطينية والدين الإسلامي، وظهرت وهي تنطق الشهادتين في أحد التجمعات الإسلامية في الولايات المتحدة.

وقد أشار إلى هذا المعنى خبر صحفي نشره موقع «الشرق» القطري، في 8 يوليو 2024م، نقلًا عن صحيفة «غلوب آي نيوز» تحت عنوان «ارتفاع معدل اعتناق الإسلام في أوروبا إلى 400% منذ بدء العدوان الصهيوني على غزة»، والذي كشف عن ارتفاع ملحوظ في معدلات اعتناق الإسلام في أوروبا منذ بدء العدوان. وأوضحت الصحيفة أن انتشار مقاطع فيديو على منصات التواصل الاجتماعي، يتحدث فيها أصحابها عن إقبالهم على قراءة القرآن بحثًا عن سر صمود الشعب الفلسطيني، كان من أبرز أسباب هذه الظاهرة، مع توقعات تشير إلى أن المسلمين سيشكلون بحلول منتصف القرن الحالي خُمس سكان الاتحاد الأوروبي.

وبعد اندلاع الحرب، توجه العديد من المدونين والنشطاء، خاصة في الولايات المتحدة، إلى البحث في المفاهيم الأساسية للإسلام، وفي مقدمتها القرآن الكريم. وكانت المدونة الأمريكية       ” آبي حافظ ” من بين هؤلاء، إذ صرحت بأن ما جرى في فلسطين شكّل نقطة تحول في حياتها، حيث دفعها الصمود واليقين اللذان أظهرهما أهل غزة إلى البحث العميق في الدين ودراسة القرآن الكريم بحثًا عن الإجابات.

رسائل من غزة

ما يمكننا قوله بالفعل إن رسائل غزة  التي طارت عبر الشاشات إلى مختف بلدان العالم، عملت علي إعادة فتح السؤال الديني في الغرب، ولكن من بوابة غير متوقعة، وهي بوابة المأساة،  فقد كشفت الحرب حدود النموذج القيمي الغربي، وفتحت المجال أمام الإسلام ليُقرأ من جديد، خارج خطاب الخوف والتشويه.

هذا الانتشار لا يمكن فهمه بوصفه موجة عاطفية عابرة، بل كأحد تجليات التحول العميق في وعي أجيال غربية شابة، تبحث عن عدالة مفقودة، ومعنى غائب، وإيمان قادر على تفسير الألم لا الهروب منه. وبين غزة والعالم، لم تعد المسافة جغرافية، بل أخلاقية وروحية، يعبرها الإسلام اليوم بقوة الصورة، وصدق التجربة، وعمق المعنى.

وما يمكن التسليم به في هذا السياق، أن الحرب على غزة، بما صاحبها من تدفق غير مسبوق للصور والمقاطع المصوّرة والشهادات الحية عبر الإعلام الجديد، أسهمت بصورة مباشرة وغير مباشرة في إعادة تعريف الإسلام داخل الوعي الغربي، ودَفعت أعدادًا متزايدة من الشباب، والنساء على وجه الخصوص، إلى البحث الجاد عنه، بل واعتناقه، لا بوصفه دينًا «للآخر» أو «للخطر»، وإنما باعتباره منظومة أخلاقية وروحية تفسّر الصمود، وتمنح معنى للحياة في قلب الموت.

العولمة الاعلامية.. والدور المزدوج

وقد لعبت العولمة الإعلامية دورا مساعدا كبيرا فى كسر احتكار الرواية، فلم يعد المشاهد الغربي أسير نشرات الأخبار الرسمية أو تحليلات مراكز التفكير المرتبطة بالسلطة، ولكن الهاتف المحمول والبث المباشر ومنصات مثل تيك توك وإنستغرام جعلت مشاهد غزة تدخل البيوت والجامعات والمقاهي دون وساطة، وبلا مكياج لغوي أو سياسي، فالجميع يرى أطفالا تحت الأنقاض وآباء يحمدون الله وهم ينتشلون أبناءهم  وأمهات يرددن آيات الصبر واليقين، ومجتمع بأكمله يواجه آلة القتل بثبات يربك المنطق المادي السائد.

هذه الصور، في سياقها الإنساني الخام، طرحت سؤالًا وجوديًا على المتلقي الغربي: من أين يأتي هذا الإيمان؟ وكيف يمكن لإنسان محاصر، يفتقد لكل شيء تقريبًا، أن يحتفظ بهذا القدر من الطمأنينة؟

هنا بدأ الفضول ، ولكنه ليس الفضول السطحي، بل الفضول العميق الذي يدفع إلى البحث والقراءة وإعادة النظر في المسلمات.

كثيرون توجهوا إلى القرآن الكريم، لا باعتباره كتابًا دينيًا، بل بوصفه مفتاحًا لفهم الحالة النفسية والمعنوية للفلسطينيين.

شهادات شخصيات معروفة على مواقع التواصل الاجتماعي، مثل ميغان رايس، وآبي حافظ، وماديسون ريفز، وجاك ويلدز، وغيرهم، لم تكن مجرد قصص فردية، بل مؤشرات على تحول أوسع..هؤلاء لم ينجذبوا إلى الإسلام عبر خطاب دعوي تقليدي، بل عبر التجربة المعاشة التي نقلها الإعلام المعولم من قلب غزة إلى شاشاتهم.

اللافت أن كثيرًا من هؤلاء أعلنوا صراحة أن صدمتهم الأولى لم تكن في وحشية الحرب وحدها، بل في ازدواجية المعايير الغربية، فالإعلام الذي طالما تحدث عن حقوق الإنسان والديمقراطية، وحرية الشعوب، بدا عاجزًا أو متواطئًا أمام الإبادة الجماعية.

هذا الانكشاف الأخلاقي دفع شريحة واسعة من الشباب الغربي إلى التمرد على القيم السياسية السائدة، والبحث عن بديل أخلاقي وروحي أكثر اتساقًا، فكان الإسلام في هذا السياق هو الأفق الواضح أمامهم، فلم يظهر كدين طقوسي، بل كخطاب عدالة  وصبر، ومقاومة للظلم، وهي قيم تلامس وجدان جيل يشعر بالاغتراب داخل منظومة رأسمالية قاسية وفارغة روحيًا.

العولمة الإعلامية لعبت دورًا مزدوجًا، فمن جهة، فضحت التضليل الإعلامي الذي مارسته مؤسسات إعلامية وسياسية كبرى لعقود، ومن جهة أخرى منحت المسلمين ولا سيما الفلسطينيين،  فرصة غير مسبوقة لتقديم صورتهم بأنفسهم، فلم يعد المسلم موضوعًا للحديث، بل أصبح متحدثًا عن تجربته، عن ألمه، وعن إيمانه.. هذه النقلة كانت حاسمة في تغيير الصورة الذهنية عن الإسلام في الغرب.

إعلان شخصيات مؤثرة مثل شون كينغ، الذي كان قسًا لسنوات طويلة، أو مغني الراب الشهير ليل جون، إسلامهم، لا يمكن فصله عن هذا السياق، فتأثير هؤلاء لا يكمن فقط في عدد متابعيهم، بل في كسرهم لحاجز الخوف الاجتماعي المرتبط باعتناق الإسلام.

فحين يرى المتلقي الغربي شخصًا يشبهه ثقافيًا واجتماعيًا يعلن إسلامه دون تردد، يصبح السؤال مشروعًا: لماذا؟ وهنا تبدأ رحلة البحث الفردي، التي غالبًا ما تقود إلى القرآن، ثم إلى تجربة روحية شخصية مع الاسلام نفسه!.

صور داحضة للتزييف

لقد كشفت العولمة الإعلامية، بخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عن حدود السردية الغربية التقليدية التي طالما احتكرت تعريف الضحية والجلاد، والحق والباطل، فمع تدفق الصور الحية من غزة، لم يعد المشاهد الغربي أسيرًا لخطاب القنوات الإعلامية الكبرى وحده، بل أصبح شاهدًا مباشرًا على معاناة المدنيين، وعلى مشاهد أطفال يُنتشلون من تحت الركام، ونساء يودعن أبناءهن، ورجال يواجهون الموت بعبارات إيمان وصبر.

هذه الصور التي انتقلت من شاشات الهواتف إلى الوعي الجمعي، لعبت دورًا حاسمًا في إثارة فضول أخلاقي وروحي لدى شرائح واسعة من الشباب الغربي، دفعهم إلى التساؤل: من أين يستمد هؤلاء الناس كل هذا الثبات؟

هنا تحديدًا، بدأ الإسلام يخرج من القوالب النمطية التي رسمها له الإعلام الغربي لعقود، فلم يعد الإسلام في نظر كثيرين دين عنف أو تطرف، بل صار دين صبر وعدالة، والاتجاه نحو القرآن الكريم لم يكن دينيًا خالصًا في بدايته، بل كان محاولة لفهم سر هذه القوة النفسية والمعنوية التي يتمتع بها الفلسطينيون في غزة.

 ومع القراءة الأولى، ثم التعمق وجد كثيرون أنفسهم أمام نص يجيب عن أسئلة الوجود والظلم والمعاناة، ويضع الإنسان في علاقة مباشرة مع الله، بعيدًا عن الوسائط المعقدة.

لا يمكن فصل هذه التحولات عن دور الإعلام الجديد، الذي كسر احتكار المؤسسة الإعلامية الغربية للرواية، فـ”تيك توك” و”إنستغرام” و”يوتيوب” لم تكن مجرد منصات ترفيه، بل تحولت إلى فضاءات لسرديات بديلة، حيث عرض ناشطون ومؤثرون تجاربهم الشخصية مع الإسلام، أو رحلتهم في البحث عن الحقيقة، أو صدمتهم من حجم التضليل الإعلامي الذي اكتشفوه.

وقد كان الإعلان عن اعتناق الإسلامية بطريقة علنية من شخصيات معروفة، سواء كانوا نشطاء أو فنانين أو مؤثرين، أثرا كبيرا في منح هذه الظاهرة بعدًا رمزيًا مضاعفًا، وجعلها مادة للنقاش العام، لا قرارًا فرديًا معزولًا.

غزة، في هذا السياق، لم تكن سببًا مباشرًا لاعتناق الإسلام بقدر ما كانت محفزًا لكشف التناقض الأخلاقي في الخطاب الإعلامي الغربي، فقد رأى الشباب بوضوح غير مسبوق، كيف تُرفع شعارات حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية، بينما تُبرر الإبادة الجماعية، ويتم إسكات كل صوت متضامن مع الضحايا، هذا التناقض دفع الكثيرين إلى التمرد القيمي، والبحث عن منظومة أخلاقية بديلة أكثر انسجامًا مع العدالة والكرامة الإنسانية، فكان الإسلام، بالنسبة إليهم هو البديل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى