وجدي العربي: الحديث في الدين مسؤولية.. وازدواجية الفنان تُفقد رسالته المصداقية
- تراجع الدراما الدينية والتاريخية حرم أجيالًا جديدة من أعمال شكّلت الوعي سابقًا
- المصداقية شرط لتقبّل الجمهور.. وازدواجية الفنان بين الخطاب الأخلاقي ونقيضه تُضعف تأثيره
- شهرة الفنان تمنحه تأثيرًا واسعًا يتجاوز أحيانًا تأثير المتخصصين.. لكن الفتوى مسؤولية العلماء
- الأمانة العلمية تقتضي الاعتراف بعدم المعرفة.. وتقريب المفاهيم الدينية يتطلب الاتساق والمسؤولية
- استغلال الفن والدراما لتوجيه الوعي أو تشويه أطراف بعينها يطرح إشكالات أخلاقية
- حرية التعبير لا تعني تجاوز الثوابت.. واحترام الدين وقيم المجتمع شرط أساسي لأي نقاش
حوار – حامد راضي:
أكد الفنان وجدي العربي أن الحديث في الشأن الديني عبر البرامج الإعلامية مسؤولية كبيرة تتطلب وضوحًا واتساقًا بين الرسالة والسلوك، مشددًا على أن العبادة في الإسلام منظومة متكاملة لا يجوز تجزئتها أو اختزالها في ممارسات شكلية.
وفي حوار مع “مركز إنسان للدراسات الإعلامية”، اعتبر “العربي” أن ظهور بعض الممثلين في برامج ذات طابع ديني على الشاشات المصرية محاولات فردية وليست توجهًا عامًا تدعمه الدولة أو المؤسسات الثقافية، خاصة في ظل تراجع الإنتاج الدرامي الديني والتاريخي الذي كان حاضرًا بقوة في الدراما المصرية وأسهم في تشكيل وعي أجيال كاملة.
وشدد على أن الفنان قادر على تقديم رسالة دينية أو قيمية مؤثرة إذا كانت نابعة من قناعة صادقة، لكنه حذر من الازدواجية بين ما يطرحه الفنان في البرامج الوعظية أو الأخلاقية وبين ما يقدمه في أعمال فنية قد تناقض تلك الرسائل، مؤكدًا أن المصداقية والاتساق بين القول والفعل هما العامل الحاسم في تقبل الجمهور لأي طرح، خاصة أن الجمهور يراقب سلوك الفنان وخياراته الفنية ويقارن بينها.
وأشار “العربي” إلى أن شهرة الفنان تمنحه تأثيرًا واسعًا قد يتجاوز أحيانًا تأثير المتخصصين في العلوم الشرعية، وهو ما يجعل مسؤوليته مضاعفة أمام الجمهور وأمام القيم التي يطرحها، مؤكدًا ضرورة أن يقدم الفنان ما يؤمن به فعلًا لا ما يحقق مكاسب مادية أو حضورًا إعلاميًا فقط، محذرًا في الوقت نفسه من توظيف الفن أو الدراما لتمرير رسائل موجهة أو تشكيل وعي الجمهور وفق أجندات معينة.
كما حذر من تدخل غير المتخصصين في القضايا الفقهية والعقدية، مؤكدًا أن الفتوى والكلام في الدين لهما أهلهما من العلماء، وأن الأمانة العلمية تقتضي الاعتراف بعدم المعرفة بدلًا من الخوض في مسائل تحتاج إلى علم راسخ، مع ضرورة تجنب الطرح الذي قد يسبب خلطًا في المفاهيم الدينية أو يثير البلبلة بين الناس.
وأوضح أن الفنان قد يسهم في تقريب المفاهيم الدينية للشباب وتعزيز القيم الأخلاقية، لكن ذلك يتطلب قدرًا كبيرًا من الاتساق والمسؤولية، لأن الجمهور – خصوصًا الأطفال – قد يخلط بين شخصية الفنان في أدواره الفنية ومواقفه الحقيقية.
وأكد أن حرية التعبير لا تعني تجاوز الثوابت الدينية أو الإساءة إلى المقدسات، مشددًا على أن الحرية تقترن بالمسؤولية والاحترام، وأن تحويل النقاش الديني إلى ساحة للجدل والاستفزاز يضر بقيم المجتمع ويزعزع الثقة في الخطاب الإعلامي. وإلى نص الحوار:
كيف تابعت تناول ممثلين للشأن الديني في برامج متخصصة، مثل برنامج سامح حسين العام الماضي وبرنامج عمرو عبد الجليل هذا العام؟
في الحقيقة، لم أتابع برنامج الفنان سامح حسين، ولم أشاهد أي حلقة منه للأسف، لكنني سمعت أن ما يقدّمه عمل جميل وهادف.
البرنامج يحمل اسم “قطايف”، وأرى أن فكرته مميزة؛ فمن الرائع أن يلتقط الإنسان زهرة صغيرة من بستان واسع، فيرعاها وينمّيها ثم يقدّمها للناس في صورة رسالة بسيطة ومؤثرة.
نحن اليوم، خاصة في هذا العام، نتعرض عبر التصفح ومواقع التواصل لمحتوى متنوع يصل إلينا رغمًا عنا؛ منه الجيد والسيئ، المفيد والعابر.
ومن بين ما شاهدت، برنامج للفنان عمر عبد الجليل برفقة شقيقه الشيخ أيمن، وهو برنامج بعنوان “التوأم”، يتناولان فيه بعض القضايا الفقهية، تابعت منه حلقتين تقريبًا، ولاحظت طرحًا أثار لديّ بعض التساؤلات.
على سبيل المثال، طُرح سؤال حول ما إذا كان صيام شخص يرتكب معاصي كالكذب أو السرقة يُعد مقبولًا أم لا، وهنا تكمن الإشكالية؛ إذ لا يصح أن نأخذ جانبًا من الفكرة ونغفل جانبًا آخر.، فالصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب فحسب، بل هو عبادة تشمل الجوارح كلها، فكيف نفصل بين صيام الجسد وسلوك الإنسان؟
الصيام الحقيقي لا يقتصر على صيام المعدة والفم، بل هو صيام العين عن النظر إلى الحرام، وصيام اللسان عن الكذب والغيبة، وصيام اليد عن الأذى، وصيام القلب عن النية السيئة. ولهذا تحدّث العلماء عن مراتب للصيام، منها صيام العامة، وصيام الخواص، بل وخواص الخواص، فالصائم قد يفطر فيأكل ويشرب، وهذا مباح، لكن تظل هناك أمور أخرى ينبغي أن يحفظها؛ فلا يطلق بصره فيما لا يجوز، ولا يترك لنفسه العنان في الغضب أو الشتيمة أو التطاول.
الرسالة التي ينبغي إيصالها هي أن العبادة وحدة متكاملة، لا تتجزأ، ومن أراد أن يقدّم طرحًا دينيًا أو فقهيًا، فالأولى أن يقدّمه بصورة واضحة ومتوازنة، حتى لا يختلط الأمر على الناس أو يُفهم الكلام على غير مقصده.
- ما الذي يدفع الممثل إلى تناول قضايا دينية على المنصات الإعلامية؟
لا شيء يمنع الممثل من تقديم عمل ديني أو طرح رسالة طيبة، لكن ما قد يعيق تأثيره الحقيقي هو الازدواجية، فلا يصح أن يقترن العمل الجاد والهادف بأعمال أخرى تناقضه تمامًا في المضمون والسلوك، فمن غير المنطقي أن يتحدث الفنان عن القيم والأخلاق في برنامج ديني، بينما يراه الجمهور في عمل آخر يقدم صورة سطحية أو سلوكيات لا تنسجم مع ما يدعو إليه.
المسألة هنا ليست في كونه ممثلًا، بل في مدى صدقه مع نفسه ومع جمهوره، لا ينبغي أن يحدث انفصام بين ما يقدمه في جانب، وما يمارسه أو يروّج له في جانب آخر، فالاتساق مهم، لأن الناس تراقب وتقارن، وتبحث عن المصداقية قبل أي شيء.
وفي المقابل، إذا كانت نية الفنان صادقة، ويريد بالفعل أن يقدم رسالة نافعة أو فكرة إيجابية من خلال برنامج ديني، فما الذي يمنعه؟ بل قد يكون هذا التوجه دافعًا له لمراجعة نفسه وتطوير اختياراته الفنية، وربما يرى أن مكانته لدى الجمهور ومحبة الناس له يمكن أن تكون وسيلة لنشر كلمة طيبة أو قيمة مؤثرة، فيكون بذلك قدوة حسنة.
الأمر في النهاية يتوقف على النية والصدق والانسجام بين القول والفعل، فإذا تحققت هذه العناصر، فلا مانع من أن يجمع الفنان بين فنه ورسالة يقدمها للناس، بل قد يكون لذلك أثر طيب وملموس.
- برأيك هل ظهور ممثلين في برامج دينية توجه عام أم حالات فردية؟
أنت تقصد بالتوجه العام أن الدولة تدعم ظهور الممثلين في برامج دينية أعتقد أن الأمر حالات فردية وليس توجها عام وإلا كانت الدولة بادرت بدعم حقيقي من الدولة أو من المؤسسات الثقافية لتقديم أعمال ومسلسلات ذات طابع ديني أو تاريخي، فمنذ سنوات طويلة لم نشهد في مصر إنتاجًا منتظمًا لمسلسلات دينية كما كان يحدث في السابق، حين كان شهر رمضان يرتبط بأعمال تتناول السيرة والتاريخ الإسلامي.
لقد قُدّمت في الماضي أعمال عديدة تناولت شخصيات مؤثرة ومراحل مهمة من التاريخ الإسلامي، مثل مسلسلات (محمد رسول الله، وهارون الرشيد، وعمر بن عبد العزيز، إلى جانب شخصيات بارزة مثل مسلم بن الحجاج، وسفيان الثوري، وجعفر الصادق، وصهيب الرومي وغيرهم.
كانت هذه الأعمال تطرح سيرة وحضارة وفكرًا، وتسهم في تشكيل وعي أجيال كاملة، أما اليوم، فالأمر يقتصر غالبًا على محاولات فردية متفرقة، سواء من بعض الفنانين أو الشباب الذين يرغبون في الاقتراب من هذا اللون من الطرح.
ولا أرى في ذلك أمرًا سيئًا، بل على العكس، هو توجه محمود إذا كان نابعا من قناعة حقيقية. أتمنى فقط ألا يكون الأمر اندفاعًا عابرًا أو خطوة غير محسوبة، الفكرة ببساطة هي الحفاظ على الاتساق: كن فنانًا محترمًا فيما تقدمه فنيًا، وفي الوقت ذاته قدّم قيمة حقيقية عندما تتناول موضوعًا دينيًا.
بالتالي يمكن الجمع بين الوجبة الفنية الراقية والرسالة الهادفة دون تناقض، إذا توفرت النية الصادقة والرؤية الواضحة، هذا هو المقصود.
- برأيك هل يساهم ظهور الفنان في تقريب المفاهيم الدينية للشباب وتعزيز القيم الأخلاقية؟
بالطبع، ولهذا أقول إن الأفضل أن يكون الفنان صاحب توجه واضح، يسير في طريق واحد مباشر إلى الأمام، لا في اتجاهين متناقضين، لأن الصورة التي يكوّنها الجمهور عن الفنان قد تتأثر سريعًا بأي تضارب بين أدواره.
أتذكر موقفًا حدث معي بسبب الفنان الراحل نور الشريف بعد تقديم شخصية عمر بن عبد العزيز في عمل تاريخي مميز، وكانت ابنتي آنذاك طفلة صغيرة تشاهد المسلسل وتتأثر بالشخصية.
وبعد فترة، وأثناء تقليب القنوات، ظهر الفنان نفسه في عمل آخر بشخصية مختلفة تمامًا، مثل دوره في الحاج متولي، حيث بدا في مشهد مرح يحمل عصا ويرقص، ففوجئت بابنتي تسألني بدهشة: “أليس هذا هو عمر بن عبد العزيز؟” حاولت أن أشرح لها أن ما تراه تمثيل، وأن هذه شخصية مختلفة، لكن ارتباكها كان واضحًا.
هذا الموقف البسيط يوضح حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الفنان، فحين يجسد شخصية ذات قيمة دينية أو تاريخية كبيرة، فإن صورته تترسخ في أذهان الناس، خصوصًا الأطفال، لذلك فإن الصدق مع النفس، والاتساق في الاختيارات، أمران في غاية الأهمية. فالمسؤولية ليست مجرد أداء دور، بل رسالة قد تظل عالقة في وجدان الجمهور، وعندما يكون الفنان صادقًا ومتوازنًا، تصل قيمته وما يريد إيصاله إلى الناس بوضوح وصدق.
- هل تخشى أن يؤدي حديث غير المتخصصين في الدين إلى تبسيط مخل أو خلط في المفاهيم العقدية؟
بالطبع، ولهذا أؤكد أن الاحترام هو الأساس، الشيخ أيمن عبد الجليل شخصية محترمة، وملامحه توحي بالوقار، كما أن عمرو يتمتع بخفة ظل وحضور لطيف يجذب المشاهدين.
لكن في النهاية، الفتوى لها أهلها، والكلام في الدين مسؤولية كبيرة.. هناك مسائل كثيرة قد تُطرح، وليس من السهل الخوض فيها دون علم راسخ ودراسة متخصصة.
عن نفسي، حين أجد مسألة أكبر من قدرتي أو من حدود علمي البسيط، أفضل أن أقول بوضوح: لا أعلم. لا أستطيع أن أتكلم بغير علم، ولا أن أردد كلامًا غير دقيق لمجرد المشاركة.
المقصود أن التحلي بالأمانة العلمية أهم من الظهور أو كثرة الكلام، فالدين ليس مجالًا للاجتهاد العشوائي أو الآراء المرتجلة، بل يحتاج إلى علم ومسؤولية ووعي بحجم الكلمة وأثرها، هذا هو جوهر ما أردت قوله.
- كيف تنظر إلى أثر هذه الظاهرة على قيمة التدين في المجتمع سلبا أو إيجابا؟
بالتأكيد، الفنان يتأثر ويؤثر في الوقت نفسه، سلبًا وإيجابًا؛ لذلك أرى أن عليه أن يكون صادقًا فيما يتناوله وفي الرسالة التي يوجهها للناس وصادقا في المشاعر، وفي الأداء، وحتى المفاهيم التي يطرحها، كلها عناصر أساسية تحفظ له مكانته ومصداقيته.
المشكلة تظهر حين تختلط المفاهيم، فيُحرَّم الحلال ويُحلَّل الحرام، أو تُطرح قضايا عقدية بطريقة تثير البلبلة، هناك ثوابت تربينا عليها، وقيم راسخة لا ينبغي العبث بها أو تقديمها بصورة تربك الناس، لأن الجمهور حين يشعر بالتناقض أو الاهتزاز في الطرح، قد يهتز ثقته في الشخص نفسه وفي ما يمثله من قيم وأفكار.
محبة الناس للفنان قد تمنحه تأثيرًا واسعًا، وهذا التأثير سلاح ذو حدين، فإذا استُخدم بشكل غير منضبط، قد يترك أثرًا غير طيب، خاصة لدى من يتأثرون بشخصيته ويثقون في كلماته، لذلك فالمسؤولية كبيرة، والوعي بها ضرورة لا غنى عنها.
- إلى أي مدى يمكن أن يحدث خلط لدى الجمهور بين شخصية الممثل في أدواره الفنية وبين حديثه في الشأن الديني؟
ذكرت مثال الراحل نور الشريف وأيضا الفنان حسن يوسف الذي قدم أعمالًا دينية مهمة، منها شخصية الإمام الشعراوي، والإمام المراغي، وأعمال أخرى عملت معه في بعضها.
في المقابل، قدّم أعمالًا أخرى مختلفة في طبيعتها ومضمونها، مثل مسلسل زهرة وأزواجها الخمسة، ولم أكن أتمنى أن يقدم هذا النوع من الأعمال، خاصة بعد ارتباط اسمه في أذهان الجمهور بشخصيات دينية ذات مكانة كبيرة.
القضية ليست في تنوع الأدوار بحد ذاته، فهذا حق مشروع لأي فنان، وإنما في الصورة الذهنية التي تتكوّن لدى الناس عندما يرسخ الفنان في وجدان الجمهور بصورة معينة، خصوصًا إذا كانت مرتبطة برموز دينية أو قيم رفيعة، يصبح الحفاظ على هذا الاتساق أمرًا مهمًا، لأن أي تناقض قد يربك المتلقي ويؤثر في مصداقية الصورة التي تكوّنت لديه.
- هل ترى أن الشهرة الفنية تمنح صاحبها تأثيراً قد يتجاوز تأثير المتخصصين في العلوم الشرعية؟ وهل تُعد هذه ميزة أم مسؤولية مضاعفة؟
بالتأكيد نعم وفي رأيي هي مسؤولية مضاعفة لأن الفنان ينبغي أن يقدّم للناس ما يؤمن به فعلًا، وما يراه طيبًا وصالحًا، فلا يصح أن أروّج لفكرة لست مقتنعًا بها، أو أن أنقل رسالة لا أؤمن بها، فاقد الشيء لا يعطيه، ولا يجوز أن أقول كلامًا غير صادق مستغلًا محبة الناس لي وثقتهم فيّ، إن فعلت ذلك أكون قد أخطأت في حق نفسي قبل أي شيء، فالمسؤولية أمام الله أولًا.
لا أريد أن أضرب أمثلة محددة، لكننا رأينا عبر السنوات الماضية أعمالًا درامية صُنعت لتوجيه الناس ضد فصيل معيّن أو لتشويه صورة طرف ما، ورُصدت لها ميزانيات ضخمة، ومع ذلك، تبقى النيات مكشوفة أمام الله: وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين.
لذلك أقول: لا ينبغي أن يكون منطق الفنان «اطلب تجدني»؛ افعل ما يُطلب منك بلا قناعة، هذا ليس من الدين في شيء، الأساس هو الصدق والاقتناع بما يُقال ويُقدَّم، لا أن تكون المسألة مجرد مكسب مادي، لأن المال إذا جاء على حساب القيم والمبادئ، فهو حرام من وجهة نظري .
- برأيك ما هو الحد الفاصل بين حرية التعبير وبين الخوض في مسائل تمس ثوابت الدينية؟
هذه نقطة جوهرية مهمة جدًا أن ندرك أن لكل شيء في الدنيا سقفًا وحدودًا، حتى الحرية. نعم، الحرية مطلوبة، وينبغي أن تُمنح بأريحية، لكن لا يمكن أن تكون بلا ضوابط، فحريتك تقف عند حدود حريتي؛ لا يجوز أن تتعدى عليّ ثم تقول هذه حرية، هذا ليس مفهومًا صحيحًا للحرية، بل هو اعتداء على حقوق الآخرين، لذلك أقول إن كل شيء له سقف وحدّ لا ينبغي تجاوزه.
ولا يصح أيضًا أن يتحول الحديث عن الثوابت الدينية إلى ساحة عبث بدعوى الاختلاف أو حرية الرأي.
قد تختلف المعتقدات بين الناس، لكن هذا لا يبرر الإساءة أو التطاول، فلا يجوز أن يُقدَّم الأمر على أنه رسالة تنوير، بينما يتضمن إساءة إلى الله سبحانه وتعالى أو إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى القرآن الكريم، كما يفعل بعض الإعلاميين أحيانًا بقدر من التجاوز وعدم اللياقة.
حين يتخطى الخطاب هذا الحد، فإنه لا يمس الدين وحده، بل يسيء كذلك إلى قيم المجتمع وإنسانية الإنسان، ويهز ما يفترض أن يكون راسخًا من أخلاق واحترام، الحرية مسؤولية، وإذا انفصلت عن الاحترام والوعي، تحولت من قيمة إيجابية إلى أداة هدم لا بناء.
- هل ترى أن الجمع بين التمثيل والحديث في الدين يعزز مصداقية الممثل أم قد يضعها محل تساؤل؟
الموضوع يتعلق في ماذا أقدّم أنا للناس؟ عندما أتحدث مثلًا في برنامج عن أسماء الله الحسنى، فأشرح معنى اسم الله الكريم أو المنّان أو العظيم، وأحاول أن أقرّب للناس دلالات هذه الصفات وعظمتها وأثرها في حياتنا، لا يصح بعد ذلك أن أظهر في لقاء أو عمل فني وأنا أهدم القيم نفسها التي دعوت إليها.
التمثيل في حد ذاته شيء مختلف؛ فقد أقدّم دور شخص ملحد مثلًا، لكن في سياق درامي يوضح رحلة بحثه عن الحقيقة، أو يبيّن عاقبة إصراره على الضلال رغم ما حوله من نماذج صادقة طيبة.
وقد جسّدت بالفعل شخصيات معادية للدين في أعمال تاريخية، وهذا جزء من طبيعة الفن والدراما، لكن يظل الفرق واضحًا بين أداء دور تمثيلي، وبين الرسالة التي أتبناها وأقدّمها بوعي في برنامج ديني.
ما أقصده أن هذه نقطة حساسة جدًا، فالحياة مليئة بأنماط متعددة، لكن كنت أتمنى أن يبتعد الإنسان عما يثير الجدل في طرحه الديني، خاصة في زمن أصبحت فيه المنصات الرقمية، من تيك توك إلى يوتيوب وغيرها، ساحة مفتوحة للجميع، والمؤسف أن بعض أصحاب الملايين من المتابعين يقدّمون محتوى سطحيًا وغير هادف.




