نظام دولي موازٍ وحرب حضارية.. تفكيك خطاب العدوان الأمريكي على إيران
حنان عطية
في 24 فبراير 2026م، ألقى الرئيسُ الأمريكيُّ دونالد ترامب أطولَ خطابٍ لحالةِ الاتحادِ في التاريخ، وشكَّلت السياسةُ الخارجيةُ جزءًا كبيرًا من خطابه، مشيرا إلى زيادةِ الإنفاقِ الدفاعيِّ وتحديثِ القوَّةِ النوويَّةِ والتقليديَّةِ لأمريكا، معتبرًا ذلك ضرورةً لردعِ الأعداءِ التقليديين والتهديداتِ المستحدثة.
أكَّد ترامب دعمَه لأمنِ الكيان الصهيوني، محذِّرًا إيران من اتخاذ أية خطوات لزعزعة الاستقرار في المنطقة، حسب قوله، وتطرَّق مرارًا إلى التحركات الأخيرة للقوات العسكرية الأمريكية ضدَّ إيران والحوثيين في اليمن، وتفاخر بالحملة ضدَّ فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو، لكنه قال القليل عن احتمالات شنِّ هجومٍ عسكريٍّ على إيران، في إجراءٌ تكتيكيٌّ يتبعه الساسة دائمًا، إذ لا يصرِّحون كثيرًا عن إمكانية شنِّ حملةٍ عسكريةٍ بعينها، وهو ما يجعلنا نقف على قراءة هذا الخطاب في محاولة لتفكيكه وفهم رموزه وطبيعة المتغيرات فيه.
يكشف تحليلُ الخطاب الرسمي الأمريكي منذ بدء الحرب الأخيرة – وتحديدًا في خطابات مسؤولين مثل وزير الخارجية ماركو روبيو في مؤتمر ميونخ للأمن، وخطاب حالة الاتحاد لترامب– عن محاولةٍ منهجيةٍ لتأصيل فكرة التفوُّق الأمريكي على أساس «الحضارة المسيحية» و”التراث الغربي المشترك”.
ففي عرض روبيو تمَّ التصريح بأن جذرَ الوحدة الأوروبية –الأمريكية يتمثَّل في الإيمان المسيحي والثقافة المشتركة، وهي مقاربةٌ تهدف إلى استنهاض الهوية الغربية في مواجهة «الأغراب»، وربطها بالحرب ضد “التمرد الإيراني النووي”.
هذا التأصيل الأيديولوجي يُستخدم لتبرير ما وصفه ترامب في خطابه بأنه «انتصارٌ سهل» على إيران، نافيًا التقارير التي تتحدث عن تعقيد أي حربٍ.
ويمكن تلمُّس مفارقةٍ لافتةٍ هنا؛ فالإدارة التي قامت على وعد الانسحاب من «المستنقعات الخارجية» تكرِّر اليوم أخطاء إدارة جورج بوش الإبن، ليس فقط في حشد القوات (الأكبر منذ غزو العراق)، بل أيضًا في الخطاب التبريري المبني على «التهديد الوشيك» للوطن الأم، فقد استخدم ترامب في خطاب حالة الاتحاد تهديدَ الصواريخ الإيرانية، قائلًا إن «إيران طوَّرت صواريخ قادرة على تهديد أوروبا وقواعدنا في الخارج، وهم يعملون على بناء صواريخ ستصل قريبًا إلى الولايات المتحدة».
هذا السرد يستحضر ذاكرة خطاب بوش عام 2002، حين حذَّر من صواريخ عراقية تهدِّد المدن الأمريكية، وهو خطاب ثبت لاحقًا أنه مبنيٌّ على معلوماتٍ استخباراتيةٍ مغلوطة.
الفارق الجوهري أن إدارة بوش أمضت شهورًا في التمهيد للحرب، بينما لم تقدِّم إدارة ترامب سوى تبريراتٍ مبهمة، ما يعكس إشكاليةً خطابيةً تتمثَّل في صعوبة تسويق الحرب لرأيٍ عامٍّ أمريكيٍّ لا يزال يعاني من صدمة حرب العراق وأفغانستان.
تصديرُ نموذجِ فنزويلا
تشير المعطيات إلى أن الإدارة الأمريكية حاولت، في حربها الحالية على إيران، تطبيق السيناريو نفسه الذي نفَّذته في فنزويلا، فقبل أقلَّ من شهرين على الضربات ضد إيران شنَّت الولايات المتحدة عمليةً لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في سابقةٍ هي الأولى من نوعها في استهداف رؤساء دول بشكلٍ مباشر.
وفي العمليتين –الفنزويلية والإيرانية– استُخدمت تقنياتٌ متطورةٌ تعتمد على الذكاء الاصطناعي، ما يشير إلى تحوُّلٍ نوعيٍّ في طبيعة العمليات العسكرية الأمريكية نحو «عصر القتال عبر برامج الدردشة الآلية”.
ما يثير الانتباه هو الطابع الإجرائي المتشابه؛ ففي فنزويلا كان الهدف اعتقال الرئيس وإحلال شخصيةٍ مواليةٍ محلَّ النظام القائم، وفي إيران ذهبت واشنطن إلى اغتيال المرشد الأعلى، مع افتراض أن النظام سينهار أو سيُستبدل بآخر أكثر طواعية، إلا أن التحليلات تشير إلى فشل هذه المقاربة؛ إذ ترى أجهزة الاستخبارات الأمريكية أن «الحرس الثوري» هو المرشَّح الأرجح لملء الفراغ القيادي، ما يعني استبدال نظامٍ بآخر أكثر تشدُّدًا وعداءً لأمريكا، وهذا ما حدث باختيار “مجتبى خامنئي” مرشدا جديدا.
لقد حاول المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف تبرير هذا النهج بتساؤله عن سبب «عدم استسلام» إيران تحت الضغط، معتبرًا أن إظهار القوة العسكرية –بما يشبه النموذج الفنزويلي– كافٍ لإجبار طهران على الرضوخ، لكن هذه القراءة تتصادم مع دروس التاريخ القريب؛ فقد شهدت إيران سقوط معمر القذافي في ليبيا بعد تخليه عن برنامج أسلحة الدمار الشامل، وهو ما عزَّز لديها قناعةً بأن «الاحتفاظ بالأسلحة ضرورةٌ لضمان بقاء النظام»، لذا فإن محاولة استنساخ النموذج الفنزويلي في إيران يواجه عائقًا بنيويًّا يتمثَّل في اختلاف طبيعة النظامين ودرجة التماسك الداخلي.
استهدافُ دولٍ أخرى
لا يقتصر الخطاب الأمريكي على إيران وفنزويلا، بل يحمل تهديداتٍ ضمنيةً لدولٍ أخرى، ففي خطاب حالة الاتحاد تحدَّث ترامب عن «سبع جبهات تهديد» تضم حركاتٍ كالإخوان المسلمين وحزب الله والحوثيين وحماس، وهي جماعاتٌ تنشط في دولٍ متعددة، وهذا التوسُّع في تعريف «التهديد» يفتح الباب أمام تدخلاتٍ مستقبليةٍ في اليمن أو لبنان أو حتى العراق تحت مبرر مكافحة الإرهاب.
كما تتعامل الإدارة الأمريكية مع المنطقة ككتلةٍ واحدةٍ قابلةٍ لإعادة التشكيل، ففي قراءةٍ استراتيجيةٍ تعمد واشنطن إلى خلق «فراغاتٍ أمنية» في دولٍ مثل سوريا وليبيا والسودان وأفغانستان، ثم تتركها دون استواء قوى محلية، ما ينتج صراعاتِ وحروب أهليةً تُبقي المنطقة في حالة ضعفٍ دائم، وتُقرأ هذه السياسة في سياق «إنتاج الفوضى الخلَّاقة» التي تسمح للولايات المتحدة بالتدخل متى شاءت لحماية مصالحها أو حلفائها.
التطورات الأخيرة على الأرض تكشف عن تمدُّدٍ فعليٍّ للمواجهة، فبعد الضربات على إيران استهدفت طهران – فيما وصفته بـ«الحرب غير المتكافئة» – منشآتِ الطاقة في دول الخليج، ما أدى إلى تعطل إنتاج الغاز في قطر، وإغلاق مصفاةٍ في السعودية، واستهداف ناقلات نفط في مياه الخليج.
هنا يتحوَّل الخطاب الأمريكي من مجرد تصريحاتٍ إلى استفزازٍ لردود فعلٍ توسِّع دائرة الصراع لتشمل دولًا أخرى لم تكن طرفًا مباشرًا في المواجهة، ويعيد هذا الوضع إلى الأذهان سيناريوهات حروب الخليج السابقة، حيث وجدت دول المنطقة نفسها في مرمى النيران رغم عدم رغبتها في الحرب.
إشكاليةُ شرعية الحرب
يواجه الخطاب الأمريكي أزمةً داخليةً تتمثَّل في انقسام الرأي العام والمؤسسات، فاستطلاعات الرأي تشير إلى أن 27% فقط من الأمريكيين يؤيدون الضربات على إيران، بينما يرى 56% أن الرئيس «يميل أكثر من اللازم لاستخدام القوة العسكرية»، وحتى بين الجمهوريين يتراجع التأييد حيث أدَّت الحرب إلى سقوط قتلى وارتفاع أسعار الوقود.
على المستوى القانوني يفتقر قرار الحرب إلى سندٍ دستوريٍّ واضح؛ فالدستور الأمريكي يمنح سلطة إعلان الحرب للكونغرس لا للرئيس، ولم يحاول ترامب الادعاء بوجود «تهديد وشيك» أو هجومٍ على الولايات المتحدة يبرر الرد العسكري، كما أن القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة يحظران استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية للدول، وهو ما دفع الأمين العام للأمم المتحدة إلى إدانة الضربات باعتبارها انتهاكًا لميثاق الأمم المتحدة.
هذه الإشكاليات القانونية والسياسية تجعل الخطاب الأمريكي هشًّا أمام النقد الداخلي والخارجي، خاصةً مع تزايد الخسائر البشرية وارتفاع الكلفة المالية، ومع ذلك فإن انشغال الكونغرس بالخلافات الحزبية، وعدم عزله أيَّ رئيسٍ سابق بسبب شنِّ حروبٍ غير قانونية، يمنح الإدارة الحالية شعورًا بالإفلات من المحاسبة.
نظامٌ دولي موازٍ
يكشف تحليل الخطاب الأمريكي عن مشروعٍ أوسع يتجاوز التعامل مع إيران أو فنزويلا؛ إذ تعمل الإدارة الأمريكية على بناء «نسقٍ موازٍ للنظام الدولي القائم» من خلال تجاوز الأمم المتحدة ومجلس الأمن، والاعتماد على تحالفاتٍ أطلسيةٍ جديدةٍ تقوم على «التماثل الحضاري» و«النقاء العرقي»، ويظهر هذا التوجه في استمرار محاولات توسيع أدوار أطرٍ بديلةٍ، وفي عدم اللجوء إلى مجلس الأمن لإعلان الحرب.
كما أن الربط بين الحرب على إيران و«استعادة الميراث المشترك» و«الحرب ضد الأغراب» يضع المنطقة في إطار صراعٍ حضاريٍّ طويل الأمد، حيث تُختزل القضايا السياسية المعقَّدة في معادلة «الحضارة الغربية» في مواجهة «التهديدات الإرهابية»، وهذه الثنائية تسمح باستمرار التدخلات وتوسيع نطاقها، وتوفر غطاءً خطابيًّا لأي عملياتٍ عسكريةٍ مستقبليةٍ تحت مبرر الدفاع عن الحضارة.




