من الميادين إلى الزنازين.. أوجاع الصحفيين الفلسطينيين في سجون الاحتلال
- اعتقال 94 صحفيًا وعاملًا إعلاميا فلسطينيًا بين أكتوبر 2023 ويناير 2026م
- التعذيب طقس يومي يُمارَس بانتظام وبإحساس كامل بالإفلات من المحاسبة
- الاستهداف لم يقتصر على الصحفيين وحدهم بل امتد إلى عائلتهم وأطفالهم
حنان عطية
بينما بدا العالم وآلته الإعلامية منشغلًا بمستجدات أخرى، راكضًا خلف كل جديد في فضائح جزيرة إبستين، أو منغمسًا في طبخة الحرب الأمريكية الإيرانية التي توشك أن تعيد المنطقة إلى فوهة صراع جديد، كانت فلسطين –وغزة على وجه الخصوص– ترزح تحت نير احتلال اعتاد الإفلات من المساءلة الدولية، رغم ما يقترفه من جرائم يندى لوحشيتها جبين البشرية حياءً.
كما تنصرف كاميرات الإعلام وأقلامه عما يرتكبه الاحتلال يوميًا في الضفة الغربية وقطاع غزة من قتل وهدم للمنازل، واستيطان، ونهب للممتلكات، وتهجير قسري للسكان من أراضيهم، وبحماية أمريكية كاملة، ضربت القوانين الدولية والمنظومة الحقوقية العالمية عرض الحائط، ليُفرض واقع جديد مفاده أن من يملك القوة يملك حق القتل والنهب، في مشهد يؤسس لمرحلة دولية هي الأخطر منذ حقب الاستعمار الأولى.
وفي خضم هذه الفوضى في المعايير التي تحدد أولويات النشر والاهتمامات الإعلامية، خرجت إلى العلن تقارير دولية موثقة تكشف عن انتهاكات جسيمة وغير مسبوقة ارتُكبت بحق صحفيين فلسطينيين خضعوا للأسر، أو ما يُسمّى في لغة الاحتلال بالاعتقال الإداري، منذ أكتوبر 2023م وحتى اليوم، في محاولة واضحة لإسكات الشهود وكسر رواة الحقيقة، إلا أن هذه التقارير غابت عن خريطة الظهور الإعلامي حتى لدى كثير من المؤسسات الإعلامية العربية، رغم أن الأمر يتعلق بصلب عمل هذه المؤسسات.
ووفق تقارير موثقة صادرة عن لجنة حماية الصحفيين، تعرّض أربعة وتسعون صحفيًا وعاملًا إعلاميًا فلسطينيًا للاعتقال في سجون الاحتلال بين أكتوبر 2023 ويناير 2026م، وتوزّع المعتقلون جغرافيًا بواقع اثنين وثلاثين صحفيًا من قطاع غزة، وستين صحفيًا من الضفة الغربية، وصحفيين اثنين من فلسطينيي الداخل.
وحسب التقرير، فإنه حتى التاسع عشر من فبراير 2026م، لا يزال ثلاثون صحفيًا قيد الاعتقال، فيما احتُجز أكثر من ثمانين في المئة منهم بموجب ما يُعرف بالاعتقال الإداري، دون تهم، ودون محاكمات، ودون أي ضمانات قانونية.
وتُعد هذه الأرقام من أعلى معدلات اعتقال الصحفيين في نزاع واحد خلال فترة زمنية قصيرة، وفق مؤشرات حرية الصحافة الدولية.
تغطية إخبارية غائبة
في تلك الأثناء، كانت فلسطين تُستنزف على مهل، قطرةً قطرة، روحًا روحًا، دون أن يلتفت أحد إلى النزيف المتواصل.
هناك، في غزة المحاصرة والضفة المثقلة بالحواجز، لم يكن الموت خبرًا عاجلًا، بل حالة يومية، ولم تكن الجريمة استثناءً، بل نظامًا مستقرًا تُدار تفاصيله ببرود، ويُترك بلا مساءلة، حتى صار الإفلات من العقاب سياسة، وصار الظلم وقاحةً علنية لا تخجل من نفسها، وصارت التغطية الإخبارية لمثل هذه الأحداث غائبة عن المشهد.
في هذا الواقع المعتم، لم يكن الصحفي الفلسطيني مجرد ناقل للحدث، بل كان الحدث ذاته، لم يحمل الكاميرا بوصفها أداة مهنية فحسب، بل حملها كدرع أخير في معركة غير متكافئة: معركة بين الصورة والصاروخ، بين الكلمة والقيد، بين الحقيقة وآلة محو ممنهجة لا تطيق الشهود.
ولهذا، كان الاستهداف مباشرًا، فاضحًا، ومقصودًا: قتلٌ في الميدان، أو اعتقالٌ في الزنازين، أو تهديدٌ يصل إلى العائلة والبيت والذاكرة.
منذ أكتوبر 2023م، دخل الصحفي الفلسطيني زمنًا جديدًا من الخطر؛ زمنًا لم يعد فيه ارتداء السترة الصحفية حماية، بل صار علامة استهداف، ولم تعد الكاميرا جواز مرور، بل صارت تهمة جاهزة.
كانت الغارات لا تفرّق بين بيت وصحفي، وكانت الزنازين تبتلع الأسماء واحدًا تلو الآخر، في صمت كثيف لا يخترقه سوى صدى الصراخ خلف الجدران.
ورغم التقارير الدولية والمحلية، فإن الأرقام، على فداحتها، لا تقول كل شيء. فخلف كل رقم جسدٌ أنهك، وذاكرةٌ محطمة، وروحٌ عُلّقت بين الحياة والموت، فالصحفيون الذين خرجوا من السجون لم يخرجوا كما دخلوا؛ بل خرجوا بأجساد أنحف، وعيون أعمق، وصمت أثقل من الكلمات، بعضهم لم يعد قادرًا على النوم دون فزع، وبعضهم لم يعد يتعرف على وجهه في المرآة.
شهادات صادمة لمعتقلين
تسعة وخمسون صحفيًا رووا ما جرى لهم، وكأنهم يكتبون شهادة جماعية عن الجحيم، وقالوا إن التعذيب لم يكن حادثًا عابرًا، بل طقسًا يوميًا يُمارَس بانتظام، وبإحساس كامل بالإفلات من المحاسبة.
الضرب لم يكن فقط لإيلام الجسد، بل لإذلاله وإقناعه بالعجز. التعليق لساعات لم يكن مجرد أسلوب تحقيق، بل كسرًا متعمدًا للإرادة، والحرمان من النوم لم يكن إهمالًا، بل عقوبة نفسية طويلة الأمد تذيب الزمن وتربك الوعي.
وكان الجوع حاضرًا كأداة تعذيب صامتة؛ جوع بطيء، محسوب، يجعل الجسد يتآكل من الداخل، ويجعل العقل يترقب أي شيء: لقمة، رشفة ماء، أو أمل زائف بالراحة. خمسة وخمسون صحفيًا فقدوا في المتوسط أكثر من ثلاثة وعشرين كيلوغرامًا من أوزانهم.
لم تكن تلك أرقام ميزان، بل مؤشرات انهيار شامل، وصورًا لجسد يُستنزف حتى العظم، ووجه لم يعد يشبه نفسه.
الإهمال الطبي لم يكن أقل وحشية، جروح تُخاط بلا تخدير، وكسور تُترك لتلتئم وحدها أو لا تلتئم، وإصابات في العين والرأس تُهمَل عمدًا، وكأن الألم جزء من العقوبة، وكأن الشفاء رفاهية لا يستحقها من تجرأ على حمل الكاميرا. سبع وعشرون حالة موثقة من هذا الإهمال، وكل حالة تحمل في تفاصيلها رسالة واضحة: أنت بلا قيمة، وجسدك ليس أولوية.
لكن أقسى ما خرج إلى العلن كان ذلك الجانب الذي يُفضّل العالم تجاهله: العنف الجنسي، حيث تم توثيق حالتي اغتصاب داخل السجون، وشهادات أخرى عن تهديدات واعتداءات ذات طابع جنسي، استُخدمت كسلاح إذلال وكسر نفسي.
في تلك اللحظات لم يكن الهدف فقط إيذاء الجسد، بل تدمير الإنسان من الداخل، وزرع العار القسري، وتحويل الضحية إلى سجين داخل نفسه.
تكررت أسماء أماكن بعينها في الشهادات، أماكن تحولت إلى رموز للرعب، حيث القسوة لا تُمارَس في الخفاء، بل كسياسة. هناك تلاشى الفاصل بين التحقيق والعقاب، وبين السجن ومعسكر التعذيب.
وقد وجدت هذه الشهادات صداها حتى داخل المجتمع “الإسرائيلي” نفسه، حين وصفت بتسيلم منظومة السجون بأنها شبكة من معسكرات التعذيب، في اعتراف نادر بثقل ما يجري خلف الأبواب المغلقة.
وفي الوقت الذي كانت الزنازين تبتلع الصحفيين، كان الموت يحصد مئات من الصحفيين الذين ارتقوا شهداء خلال حرب الإبادة؛ بعضهم تحت أنقاض منازلهم، وبعضهم أثناء التغطية، وبعضهم وهم يهرعون إلى مواقع القصف الأول ليشهدوا على الجريمة التالية. لم تكن تلك إصابات عرضية، ولا أضرارًا جانبية، بل نمطًا متكررًا، حيث يُقتل الصحفي لأنه يرى، ويُقتل لأنه يوثّق، ويُقتل لأن صورته تهدد الرواية.
ولم يقتصر الاستهداف على الصحفي وحده، بل امتد إلى عائلته، وأطفاله، وبيته، فقُصفت منازل، ووردت تهديدات مباشرة، في محاولة واضحة لتحويل العمل الصحفي إلى مخاطرة عائلية، ولزرع الخوف في الدائرة الأوسع.




