دراسات

من المنبر إلى “البراند”.. صناعة النجومية و”تسليع الدين” في الفضائيات

“إنسان للإعلام”- قسم الدراسات:

مقدمة:

شهد الإعلام الديني في العالم العربي خلال العقدين الأخيرين تحولات عميقة على صعيد الشكل والمضمون، انعكست بوضوح على طبيعة الخطاب وصورة الشخصيات التي تقدمه، فمن “المذيع التقليدي” أو “المقدم الوعظي” الذي يلتزم بالمحتوى الديني الخالص، إلى “البلوجر الديني” أو “المؤثرة الروحانية” التي تمزج بين النصائح الأخلاقية أو الدينية والترويج التجاري، ما أفرز نموذجًا إعلاميًا هجينا لم تعرفه الأمة من قبل.

في هذا السياق، تأتي هذه الورقة البحثية لتسليط الضوء على تحولات الخطاب الديني في الفضاء الإعلامي الرقمي وفي الفضائيات، مع التركيز على آليات تسليع الدين وتحويل الرموز والقدسية إلى أدوات جاذبة للاستهلاك التجاري، كما تهدف الدراسة إلى تحليل الاقتصاديات الجديدة للمحتوى الديني، حيث أصبح نجاح البرامج والقنوات مرتبطا بعدد المشاهدات، مدة التفاعل، ونسبة الوصول، وهو ما فرض على الإعلاميين، بمن فيهم من يقدمون محتوى دينيا، التكيف مع متطلبات السوق الرقمية دون فقدان مصداقيتهم أمام الجمهور.

وتغطي الورقة أربع محاور رئيسية: أولها “سوسيولوجيا البلوجر الديني”، الذي يعكس كيفية تحول الإعلامي/الإعلامية من ناقل/ناقلة للمعرفة الدينية إلى علامة تجارية وشخصية مؤثرة تسهم في صناعة النجومية والتسويق، والمحور الثاني يدرس “جغرافيا المقدس كخلفية إعلانية”، موضحًا كيف تم تحويل الأماكن المقدسة والمساجد إلى خلفيات بصرية لأغراض تسويقية، وما يترتب على ذلك من تغييب للقدسية، أما المحور الثالث فيركز على “لغة الخطاب الديني الهجين”، الذي يمزج بين المراجع الدينية واللغة الإعلانية بطريقة تجعل المحتوى الديني أداة لبناء الثقة والمصداقية مع جمهور المستهلكين، في حين يعرض المحور الرابع “اقتصاديات المنصات وفخ المشاهدات”، موضحًا تأثير خوارزميات المنصات الرقمية على محتوى الخطاب الديني وظهور صراع مستمر بين القيم الدينية ومتطلبات الربح الرقمي.

وتكمن إشكالية البحث في التناقض القائم بين “طهارة الرسالة الدينية” و”نفعية الإعلان التجاري، حيث أدى تداخل المهام إلى ظهور نمط جديد من “البلوجرز الدينيين” الذين يستغلون المنابر والقنوات وحتى “الحرم المكي والمساجد الشهيرة” كمنصات للدعاية لمنتجات التجميل، شركات السياحة، والأزياء، مما يطرح تساؤلا جوهريا: إلى أي مدى ساهم منطق “التريند” والربح الرقمي في تآكل قدسية الخطاب الديني وتحويله إلى سلعة استهلاكية؟.

وبناء عليه، تهدف هذه الورقة إلى تقديم رؤية نقدية لفهم دور الإعلام الديني في عصر الرقمنة، وتحولات السلطة الرمزية للخطاب الديني، وكيفية إعادة تشكيل العلاقة بين الرسالة الروحية والجمهور الاستهلاكي، بما يسهم في فتح نقاش علمي معمق حول مستقبل الإعلام الديني وملامح استدامته في ظل الضغوط الاقتصادية والتنافس الرقمي.

ويستمد هذا البحث أهميته من كونه يدق ناقوس الخطر حول “تفريغ الدين من محتواه القيمي” وتحويله إلى أداة لخدمة الشركات، كما يسهم في فهم كيفية إعادة تشكيل وعي الجمهور -خاصة الشباب- تجاه الرموز الدينية في عصر “السوشيال ميديا”.

المحور الأول: سوسيولوجيا “البلوجر” الديني:

في ظل التطور المتسارع في وسائل الاتصال وانتقال الجمهور تدريجيًا من الإعلام التقليدي إلى المنصات الرقمية، لم تعد الشخصية الإعلامية الدينية تقدم فقط بوصفها ناقلا للمعرفة الدينية أو وسيطا بين النص الشرعي والجمهور، بل أصبحت جزءا من منظومة أوسع لصناعة النجومية الإعلامية وبناء العلامة التجارية.

وقد أفرز هذا التحول نموذجا جديدًا يمكن تسميته بـ”البلوجر الديني” أو “المؤثرة الدينية”، حيث يجتمع الخطاب القيمي مع محتوى الحياة اليومية في إطار يقترب من نموذج مؤثري نمط الحياة (Lifestyle Influencers).[1]

ففي السابق، كانت المذيعة الدينية تلتزم بـ “كود” بصري صارم “ألوان ترابية، حجاب تقليدي، استوديو مغلق”، والهدف هو إبراز الموضوع لا الذات، أما الآن، فقد انتقل التركيز من “ماذا تقول الآية؟” إلى “كيف أعيش يومي كمسلمة مودرن؟”، كما تحول الحجاب من “فريضة” إلى “أيقونة موضة”، حيث يتم استخدام الإضاءة السينمائية، زوايا التصوير السيلفي، والموسيقى التأثيرية لخلق هالة جمالية تجذب المتابعين.

وهنا تشرك “البلوجر الدينية” الجمهور في تفاصيل حياتها الخاصة “مطبخها، تربية أطفالها، مشترياتها”، مما يخلق علاقة “صداقة وهمية تزيد من تأثيرها.

صك الثقة” وتوظيف السِّمت الديني

لم يعد الدين محصورا في المسجد أو البرنامج الديني الجاد، بل أصبح جزءا من “الروتين الصباحي” حيث يتم الإعلان عن “مقلاة هوائية” أو “مستحضرات تجميل” في نفس السياق الذي يتم فيه الحديث عن فضل “أذكار الصباح”، وهنا تكمن النقطة الجوهرية، كيف يتحول الحجاب واللغة الهادئة إلى “أداة تسويقية”؟ عبر آليات “تسليع الدين” في الفضائيات ومنصات التواصل الاجتماعي.

حيث ي/تسعى المذيع/ة أو “البلوجر” هنا إلى تحويل “تقواه/ا الظاهرة” من “رأس مال رمزي” إلى “أرباح مادية” من خلال عقود الرعاية، إضافة إلى خلق “القدوة الاستهلاكية” فالمشاهدة أو المتابعة لا تشتري المنتج لذاته، بل تشتري “جزءاً من نمط الحياة” الذي تمثله هذه المذيعة “البلوجر”، ظنا أن اقتناء المنتج يقربها من تلك الصورة المثالية للمرأة المسلمة الناجحة والمتأنقة، بينما أدى هذا التحول إلى نوع من “علمنة المظاهر الدينية”، حيث أصبح الحجاب أداة لجذب المشاهدات “Views” وزيادة سعر “الستوري”، مما قد يفرغ السمت الديني من محتواه التزهدي ويحوله إلى “موديل” تجاري.

هذه الظاهرة توضح أن الإعلام الديني لم يعد منفصلا عن التحولات التي شهدتها صناعة الإعلام عالميا، بل أصبح جزءا من الاقتصاد الرمزي الذي تقوم عليه ثقافة الشهرة في العصر الرقمي، فالشخصيات الإعلامية التي تقدم محتوى ذا طابع ديني أو أخلاقي باتت تعتمد، إلى جانب الخطاب القيمي، على عناصر جذب أخرى مثل الحضور الشخصي، والسرد الحياتي، والقدرة على بناء علاقة حميمية مع الجمهور، كما لم يعد الجمهور يكتفي بتلقي الرسائل الإعلامية في شكلها التقليدي، بل أصبح يبحث عن محتوى أكثر قربا من حياته اليومية وأكثر ارتباطًا بتجاربه الشخصية.

ويمكن تفسير هذه الظاهرة في ضوء مفهوم الرأسمال الرمزي الذي طرحه عالم الاجتماع Pierre Bourdieu، والذي يشير إلى أن السمعة الاجتماعية والرموز الثقافية يمكن أن تتحول إلى مصدر قوة وتأثير داخل الحقول الاجتماعية، فالرأسمال الرمزي لا يقتصر على المكانة الاجتماعية أو الشهرة، بل يشمل أيضا القيم الثقافية والصور الذهنية التي تمنح الأفراد قدرا من الشرعية أو المصداقية في أعين الجمهور.

وفي حالة الإعلاميات ذوات الطابع الديني، يتحول السمت الديني مثل “الحجاب، ونبرة الحديث الهادئة، واستخدام المفردات الأخلاقية” إلى شكل من أشكال الرأسمال الرمزي الذي يعزز الثقة الاجتماعية في الشخصية الإعلامية، فالجمهور قد ينظر إلى هذه السمات بوصفها مؤشرا على الالتزام القيمي أو النزاهة الأخلاقية، وهو ما يمنح صاحبة الخطاب قدرة أكبر على التأثير في المتابعين وتوجيه اهتماماتهم.

وتزداد أهمية هذا الرأسمال الرمزي في البيئة الإعلامية المعاصرة التي تقوم على المنافسة الشديدة لجذب الجمهور، حيث يصبح الانتباه موردا نادرا، وقد أشار الاقتصادي وعالم الاجتماع   Herbert A. Simon إلى هذه الظاهرة في حديثه عن اقتصاد الانتباه، موضحا أن وفرة المعلومات تؤدي بالضرورة إلى ندرة الانتباه، وهو ما يدفع وسائل الإعلام إلى البحث عن طرق جديدة لجذب اهتمام الجمهور والحفاظ عليه.

وفي هذا السياق، تسعى القنوات الفضائية والمنصات الرقمية إلى تقديم شخصيات إعلامية قادرة على الجمع بين الرسالة القيمية والجاذبية الجماهيرية،[2] ومن هنا ظهرت فئة من الإعلاميات اللاتي يقدمن محتوى يجمع بين النصائح الأخلاقية أو الدينية وبين موضوعات الحياة اليومية مثل العلاقات الأسرية والتنمية الذاتية وإدارة الضغوط الحياتية، والموضة والعلامات التجارية، وبذلك يتحول البرنامج الإعلامي إلى مساحة تجمع بين الإرشاد القيمي والتجربة الشخصية، وهو ما يعزز شعور الجمهور بالقرب من الشخصية الإعلامية ويزيد من تأثيرها في تشكيل السلوكيات.

ومن هنا يمكن فهم كيف يتحول الخطاب الديني الخفيف إلى جزء من العلامة الشخصية التي تبنيها الإعلامية حول نفسها، فبدلا من الاكتفاء بتقديم خطاب وعظي تقليدي، تصبح الشخصية الإعلامية جزءا من سردية حياتية أوسع تقدم فيها نفسها كنموذج للمرأة المتدينة العصرية التي تجمع بين الالتزام الديني والحضور الاجتماعي الفاعل.

 ويعكس هذا التداخل بين الخطاب القيمي والرسائل التجارية تحولًا أوسع في طبيعة الإعلام المعاصر، حيث لم تعد الحدود بين المحتوى الإعلامي والإعلان واضحة كما كانت في الإعلام التقليدي، بل أصبح الإعلان في كثير من الأحيان جزءًا من السرد الإعلامي ذاته، فهذا النمط من التداخل بين المحتوى والإعلان أصبح سمة أساسية في ثقافة المؤثرين الرقمية، حيث يتم دمج الرسائل الإعلانية في سياق المحتوى الشخصي للمؤثرين.

أمثلة تطبيقية من الفضائيات العربية

يمكن ملاحظة هذه التحولات بوضوح في عدد من البرامج الاجتماعية والدينية التي تبثها الفضائيات العربية، حيث يتم تقديم موضوعات دينية أو أخلاقية في إطار قريب من الحياة اليومية، ففي بعض البرامج الموجهة للأسرة والمرأة، يتم المزج بين النصائح الدينية وقضايا الحياة المعاصرة مثل العلاقات الزوجية وتربية الأبناء وإدارة الضغوط النفسية.

كما أن بعض هذه البرامج يتضمن فقرات مرتبطة بنمط الحياة مثل الصحة أو العناية بالمظهر أو تنظيم الحياة اليومية، وهو ما يجعلها أقرب إلى نموذج محتوى نمط الحياة المعروف في الإعلام الرقمي، وفي بعض الحالات يظهر التداخل بين هذا المحتوى وبين الرسائل الإعلانية، حيث يتم تقديم منتجات أو خدمات في سياق البرنامج، مستفيدة من الثقة التي تتمتع بها الشخصية الإعلامية لدى جمهورها.

وتعكس برامج مثل “قلوب عامرة” و”الدين والحياة” و”اسأل مع دعاء” تحولًا في الخطاب الديني نحو صيغة أسرية–اجتماعية مبسطة، تعيد تقديم الدين بوصفه إطارًا إرشاديًا للحياة اليومية، لا خطابا وعظيا تقليديا فقط، غير أن هذا التحول لا ينفصل عن توظيف “السِّمت الديني” ذاته كأداة جاذبة، حيث تستثمر المصداقية والحمولة القيمية للخطاب الديني في تعزيز القبول الجماهيري، بما يجعله أكثر قابلية للاندماج داخل السوق الإعلامي.

وفي هذا السياق، يصبح السِّمت الديني جزءًا من آليات التسليع، إذ يستخدم كـ”قيمة رمزية” تضفي الثقة على المحتوى، وتسهّل تمرير الرسائل الإعلانية أو الرعايات التجارية داخل بنية البرنامج، خاصة في نماذج مثل “اسأل مع دعاء”، الذى يعتمد على دمج الإعلانات ضمن بنية المحتوى نفسه عبر الرعاة أو التوظيف غير المباشر للمنتجات، وهنا يتجلى الطابع الهجين لهذه البرامج، التي تجمع بين الوظيفة الوعظية والخدمة الاستشارية من جهة، والاعتبارات التسويقية من جهة أخرى، وهكذا لا يُقدم الدين فقط كمضمون، بل كوسيط تسويقي يعيد تشكيل العلاقة بين الجمهور والمحتوى، فيتحول الخطاب الديني من وظيفة إرشادية خالصة إلى مورد قابل للتوظيف ضمن اقتصاد المشاهدة والترويج.

كذلك يمكن ملاحظة أن بعض الإعلاميات اللاتي بدأن مسيرتهن في الفضائيات اتجهن لاحقا إلى منصات مثل “يوتيوب” و”إنستجرام” لتقديم محتوى يجمع بين النصائح القيمية والمحتوى الحياتي، وهو ما يعكس انتقال الشخصية الإعلامية من إطار المذيعة التقليدية إلى إطار المؤثرة الإعلامية متعددة المنصات.

التسويق باستخدام العاطفة الدينية

ولا شك في أن “المحتوى الديني” في الإعلام المصري الخاص أصبح “حاملاً إعلانياً” بامتياز، حيث يتم استثمار العاطفة الدينية لتمرير الرسائل التسويقية “سواء كانت تجارية أو خيرية” بأسلوب يصعب معه الفصل بين “المقدس” و”التجاري”، وقد تجاوز الأمر مجرد الدعوة للخير إلى الترويج لمنتجات استهلاكية ومكملات غذائية غير معلومة المصدر أحياناً، مستغلين السمت الديني.

ومن خلال تحليل عينة من برامج ومحطات فضائية ومواقع تواصل اجتماعي مختلفة تم رصد بعض النماذج الشهيرة التي تقع في فخ التجارة بالدين أو استخدامه وسيلة لترويج بعض المنتجات، فلم يعد دور الإعلاميات أو الدعاة في البرامج الدينية مقتصرًا على تقديم محتوى ديني، بل تحولوا جميعا إلى “مؤثرين  (Influencers) من الدرجة الأولى.

ويتم استغلال هذا الرصيد في الترويج لمنتجات العناية الشخصية والتجميل، وترويج “براندات” محلية لكريمات البشرة، مستحضرات التجميل، أو حتى أجهزة العناية بالبشرة، حيث يتم صياغة الإعلان بأسلوب “تجربتي الشخصية” أو “نصيحة أخت لأختها”، مما يكسر الحاجز النفسي لدى المشاهدة التي تثق في “تديّن” المذيعة.

كذلك ملاحظة الترويج المستمر لـ “خطوط أزياء” معينة -خاصة الملابس المحتشمة والعباءات-، حيث تتحول خاصية الستوري (Story) على حسابات المذيعات الدينيات إلى “كتالوج” يومي يمزج بين الدعاء الصباحي وبين عرض موديلات الملابس.[3]

ولو تطرقنا إلى رصد نماذج بعينها فهناك نموج يمثله الداعية الشيخ “أحمد صبري” والذى يعد من أبرز النماذج التي تخلط المادة الدينية بالإعلانية، حيث يظهر في فيديوهات يبدؤها بـ “قال الله وقال الرسول” لينتهي بترشيح منتجات بعينها مثل “منتجات التخسيس، أنواع معينة من عسل النحل، أو مكملات غذائية”، وغالبا ما يستخدم جملة “جربتها لنفسي” لإضفاء مصداقية شخصية تتجاوز الإعلان التقليدي.

كذلك برامج “تفسير الأحلام” و”الطب النبوي”، والتي تظهر في قنوات مثل (صدى البلد، النهار، الشمس) وهى فقرات مدفوعة لمفسري أحلام أو معالجين بالأعشاب، حيث يتم استغلال النص الديني لبيع “كريمات” أو “وصفات” تحت غطاء ديني وروحانى.
واجهات حصرية لمؤسسات خيرية

في الوقت ذاته تحولت بعض البرامج إلى “واجهة حصرية” لمؤسسات خيرية بعينها، لدرجة أن المذيع يصبح هو “العلامة التجارية” للمؤسسة، ومن هؤلاء الإعلامية “دعاء فاروق” المذيعة بقناة النهار[4]، والتي ارتبط اسمها ومحتواها بشكل وثيق بـ “مؤسسة نبض الحياة” و”مؤسسة مشوار”، والمادة الإعلامية هنا ليست مجرد فتوى، بل هي رحلة ترويجية كاملة تتلخص في حملات صكوك الأضاحي، وصلات المياه، مزارع النخيل، حيث يتم استخدام الفقه لتبرير وجدوى التبرع لهذه الجهات تحديداً دون غيرها.

نفس الأمر تفعله المذيعة “لمياء فهمي عبد الحميد” عبر قناة “الحياة”، حيث تخصص مساحات واسعة جداً لجمعيات مثل “مؤسسة بكرة لينا” أو “جمعية الأورمان” في مواسم معينة، حيث يختلط الوعظ الديني بالأرقام البنكية للجمعيات.
في حين ظهر نوع جديد من الإعلانات يتعلق بالخدمات الدينية الرقمية، وهو ما أحدث لغطاً كبيراً حول “تسليع العبادات”، ولعل الداعية “أمير منير” الذي يتصدر منصة
“فيسبوك” و”يوتيوب”، هو النموذج الأوضح لتحول الداعية إلى “براند لشركات تقنية”، الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً بإعلانه الشهير عن تطبيق “عمرة البدل” وهو تطبيق يدفع فيه المستخدم مبلغا ماليا مقابل قيام شخص آخر بالعمرة عنه. هنا تم استخدام “الفيديو الدعوي” كمنصة بيع لخدمة تجارية ربحية، مما تسبب في صدام مع المؤسسات الرسمية.

اما الداعية مصطفى حسني فرغم رقي محتواه، إلا أنه يمثل “الوجه الإعلاني النظيف” لكبرى الشركات مثل شركات العقارات الكبرى، أو شركات الاتصالات، حيث يحظى بنسبة مشاهدة عالية وسط جمهور الشباب، والإعلان هنا يكون “بين الفواصل” أو “برعاية”، لكنه يستغل كاريزما الداعية الشبابية لربط القيم الروحانية بالرفاهية المادية التي تروج لها الشركة المعلنة.[5]

سوق الفتوى والبرامج الحوارية

تحولت الفتوى في بعض البرامج إلى مادة “لإثارة الجدل” والصعود إلى “التريند” بهدف زيادة المشاهدات التي تتبعها زيادة في حصيلة الإعلانات التجارية للبرنامج، حيث أبرزت العينة التي تم رصدها لبرامج متعددة الشيخ “خالد الجندي”، والشيخ “رمضان عبد المعز” في برنامجهما المذاع عبر قناة “DMC” واعتمادهما على “الديكور العصري” و”الملابس غير التقليدية”، ولغة حوارية اكثر منها دعوية، في حين يتم حشو فواصل البرنامج بإعلانات لشركات عقارية وأغذية كبرى، ويتم هندسة المادة الإعلامية في البرنامج لتكون “خفيفة ومثيرة للجدل” لتناسب طبيعة الجمهور الاستهلاكي للقناة، مما يجعل الدين جزءاً من دورة “الترفيه”.

نفس الأمر يكرره الإعلامي الشهير “عمرو الليثي” في برنامجه على قناة الحياة، حيث يمزج بشكل احترافي بين القصص الدينية الإنسانية وبين إعلانات المؤسسات الطبية والخيرية، ويظهر المذيع أو الشيخ كـ “ضامن” لجودة المستشفى أو الجمعية المعلن عنها.

ومن ثم فإن ظاهرة “بلوجرز الإعلام الديني” قد تجاوزت حدود البرامج التلفزيونية لتصل إلى “الاستغلال المباشر للمنصات الشخصية” مثل انستجرام وفيسبوك، حيث يتحول الحساب الشخصي للإعلامية أو المذيع إلى “متجر إلكتروني” يتم فيه خلط النصيحة الدينية بـ “كود الخصم” الخاص ببراندات الملابس أو شركات السياحة.

تسويق السياحة تحت عباءة الدين

هذه النقطة تعد الأكثر إثارة للجدل في العينة التي تم رصدها في “اقتصاد المحتوى الديني”، حيث يتم استغلال رحلات العمرة أو الحج لتسويق شركات سياحة بعينها، مثل واقعة ظهور الإعلامية “دعاء فاروق” في مقاطع فيديو داخل الحرم المكي وهي تروج لشركة سياحة بعينها، الأمر الذى أثار حالة من الاستياء لدى الكثيرين، إذ تم استغلال “قدسية المكان” و”مشاعر الإيمان” في تلك اللحظات لتقديم “خدمة إعلانية” للشركة المنظمة للرحلة، مما خلق حالة من الدمج التام بين “الطقس التعبدي” و”الخدمة التجارية”.

وهنا يكمن الاستغلال المنهجي من شركات السياحة التي تدرك أن جمهور بعض الإعلاميات هو “الجمهور المستهدف” لرحلات العمرة والحج الفاخرة (VIP)، لذا يتم التعاقد معهن لتقديم “تغطية مباشرة من أمام الكعبة أو في فنادق مكة، مما يعطي انطباعا بأن هذه الشركة هي “الخيار الوحيد الموثوق”، وهو ما يعتبر تسويقا عاطفيا بامتياز.

تحليل النمط الإعلاني للمذيعات

يمكن تلخيص نمط هؤلاء الإعلاميات أو الدعاة الجدد في معادلة تسويقية واحدة وهي أن “السمت المحتشم + الحضور التلفزيوني + الشهرة+ نسبة المشاهدة+ خطاب ديني ناعم” يعادل “ثقة شرائية” عالية، وهذا النمط يجعل المتابع لا يشعر أنه أمام “إعلان”، بل أمام “نصيحة” من شخصية معروفه، مما يرفع من معدلات التحويل    (Conversion Rate)  للشركات المتعاقدة.

وعلى سبيل المثال، نجد في حالة الإعلامية لمياء فهمي عبد الحميد، دمجا ذكيا بين الترويج للجمال والعناية الشخصية وبين برامجها الدينية، حيث أصبحت تظهر بـ “لوك” معين متماشٍ مع براندات تجميل معينة، مما يخلق ربطا ذهنيا لدى المتابعة بين “الحفاظ على المظهر” و”التدين اللائق”.

وهذا النوع من الإعلانات على “السوشيال ميديا”

 يتجاوز الفواصل الإعلانية التقليدية، فهو “إعلان مخفي” يختبئ خلف “حياة المذيعة اليومية”، وهو بمثابة نوع من الاستغلال يحول شهرة الإعلامية الدينية إلى “أصل تجاري” يُباع لمن يدفع أكثر، مما يجعل “الرسالة الدينية” مجرد وسيلة لجذب جمهور “جاهز للشراء” ومستعد للثقة في أي توصية تأتي من هذه القناة أو تلك المذيعة.

إعلاميات عصر “السوشيال ميديا”

تكشف المقارنة بين صورة الإعلامية الدينية في بداية الألفية وصورتها في عصر “السوشيال ميديا” عن تحولات جوهرية في طبيعة الدور الذي تؤديه، ففي بداية الألفية كانت الإعلامية الدينية تظهر في برامج ذات طابع وعظي أو إرشادي، وكان حضورها الإعلامي يرتبط غالبًا بالوقار والالتزام الشكلي بطبيعة الخطاب الديني التقليدي، كما كانت العلاقة بينها وبين الجمهور علاقة أحادية الاتجاه تقتصر على ما تقدمه عبر الشاشة.

أما في عصر “السوشيال ميديا”، فقد أصبحت الشخصية الإعلامية أكثر حضورا في الحياة اليومية للجمهور، حيث تشارك متابعيها تفاصيل حياتها وتجاربها الشخصية عبر المنصات الرقمية، كما أصبحت العلاقة مع الجمهور علاقة تفاعلية تقوم على التعليقات والرسائل المباشرة والمحتوى التشاركي، وهو ما يمنح المتابعين شعورا أكبر بالقرب من الشخصية الإعلامية.

وقد أدى هذا التحول إلى تغيير طبيعة الخطاب الإعلامي نفسه، فبدلا من الخطاب الوعظي المباشر، أصبح المحتوى يعتمد بدرجة أكبر على السرد الشخصي والقصص اليومية والتجارب الذاتية، وهو ما يجعل الرسالة الإعلامية أكثر قربا من الجمهور وأكثر تأثيرا في سلوكياته.

ومن ناحية أخرى، لم تعد الإعلامية الدينية مجرد مقدمة برنامج، بل أصبحت بمثابة علامة تجارية لها حضورها الخاص في الفضاء الرقمي، ويمكن أن تمتد أنشطتها إلى مجالات متعددة مثل إنتاج المحتوى الرقمي أو تقديم الدورات التدريبية أو التعاون مع العلامات التجارية الكبرى، وهو ما يفتح المجال أمام تساؤلات بحثية مهمة حول مستقبل الخطاب الديني في الفضاء الإعلامي، وحدود التداخل بين الرسالة القيمية والاعتبارات التجارية في عصر الإعلام الرقمي.[6]

المحور الثاني: جغرافيا المقدس كخلفية إعلانية:

كان المسجد أو الحرم ملاذ للانفصال عن ضجيج الدنيا والاتصال بالخالق، لكن في عصر “الجغرافيا الإعلانية”، أصبح المكان مساحة استراتيجية لإثبات الحضور الرقمي وتعزيز الهوية البصرية، حيث نشهد اليوم تحولاً جذرياً يتمثل في “تشييء المقدس”، واختزلت المعالم الدينية المهيبة من كعبة ومآذن وزخارف إلى مجرد “عناصر بصرية في كادر تصويري معد بعناية لزيادة معدلات التفاعل، مما يؤدي بالضرورة إلى حالة من “فقدان الهيبة، فالمكان الذي كان يُقصد للخشوع أصبح يتعامل معه كـ “موقع تصوير تخضع فيه الروحانية لمعايير جودة الإضاءة وأفضل زوايا “السيلفي”.

وفي هذا السياق، تبرز ظاهرة “فلوجات العبادة” التي نقلت الرحلة الإيمانية من تجربة ذاتية صامتة إلى محتوى تسويقي مُنتج باحترافية. هنا يتماهى الديني مع التجاري عبر ما يمكن تسميته بـ “التسويق المُقنّع”، حيث يمرر يعض إعلاميي البرامج الدينية إعلانات لشركات السياحة والفنادق الفاخرة تحت غطاء “نقل التجربة”، مما يربط في ذهن المتابع بين جودة النسك ومستوى الرفاهية، ويحول العبادة من فعل مجرد إلى استعراض لنمط حياة باذخ.

إن هذا التحول لا يقف عند حدود الشاشة، بل يمتد ليخلق تداعيات أخلاقية واجتماعية مقلقة، فمن “صناعة الحرمان” لدى البسطاء الذين يرون أنفسهم عاجزين عن بلوغ هذه “الرفاهية المقدسة”، إلى تشتيت المصلين وتحويل الساحات إلى منصات تصوير تعيق حركة العابدين، وصولاً إلى إشكالية “الرياء الرقمي”، يبقى السؤال الجوهري الذي يطرحه هذا المحور وهو: هل ما زلنا نوثق الرحلة للذكرى، أم أننا بصدد بناء “علامات تجارية شخصية” على أنقاض قدسية الزمان والمكان؟.

تقوم فكرة “جغرافيا المقدس” في الإعلام الديني على توظيف الرمزية الدينية للمكان في تعزيز التأثير الاتصالي للرسالة الإعلامية، فالمكان الديني، بما يحمله من دلالات روحية وتاريخية، يضفي على الخطاب الإعلامي قدرًا من المصداقية والقبول الاجتماعي لدى الجمهور، كما يعزز من حضور البعد الروحي في المادة الإعلامية المقدمة.

 وقد أدركت المؤسسات الإعلامية الدينية مبكرًا أهمية هذا البعد البصري، فحرصت العديد من البرامج الدينية على التصوير داخل المساجد التاريخية أو في محيط الأماكن المقدسة، بما يمنح البرنامج بعدا رمزيا يتجاوز حدود الاستوديو التقليدي.

غير أن هذا التوظيف الإعلامي للمكان المقدس، على الرغم من وجاهته من الناحية الاتصالية، يطرح في الوقت ذاته إشكالية تتعلق بالحدود الفاصلة بين التوظيف الإعلامي المشروع للرمزية الدينية وبين تحويل هذه الرمزية إلى أداة ضمن اقتصاد الصورة والإعلان، فالمكان الديني لا يستدعى هنا بوصفه إطارًا روحيًا فحسب، بل بوصفه أيضا عنصرا بصريا قادرا على منح الرسالة الإعلامية قدرا أكبر من الجاذبية والتأثير، ومن ثمّ يصبح حضور المسجد أو الحرم أو الكنيسة داخل الكادر الإعلامي جزءًا من استراتيجية إنتاج المعنى، وتتداخل قدسية المكان مع تقنيات السرد البصري التي يعتمدها الإعلاميون والإعلاميات في البرامج الدينية.

 وفي هذا السياق يذهب ( Daniele Battista, 2024) إلى أننا نعيش عصر “الدين الاجتماعي”، حيث أدت التقنيات الرقمية إلى إذابة الحدود التقليدية بين الفضاء المقدس والفضاء الدنيوي، مما حول المعالم الدينية إلى موارد بصرية تُستثمر في بناء الهوية الرقمية وتعزيز استراتيجيات الجذب البصري.[7]

وقد أسهمت الثقافة الإعلامية المعاصرة، التي تمنح الصورة مركزية كبيرة في تشكيل الوعي العام، في تعزيز هذا الاتجاه، فالجمهور المعاصر يتفاعل بدرجة أكبر مع الخطاب البصري القائم على المشهد والصورة الحية مقارنة بالخطاب اللفظي المجرد، وهو ما دفع بعض البرامج الدينية إلى نقل حلقاتها أو تقاريرها الميدانية إلى فضاءات دينية مفتوحة، مثل المساجد التاريخية أو الساحات المحيطة بالمشاعر المقدسة.

ط وفي هذا السياق يصبح المكان الديني جزءًا من السرد الإعلامي ذاته، حيث تتكامل الصورة مع الخطاب لتقديم تجربة إعلامية تبدو أكثر قربا من الواقع الديني المعاش.

غير أن المشكلة لا تكمن في التصوير داخل هذه الأماكن في حد ذاته، بل في التحول التدريجي في وظيفة المكان داخل الخطاب الإعلامي، حين يصبح المكان المقدس عنصرا أساسيا في بناء العلامة الإعلامية لمقدم البرنامج أو صانع المحتوى، فإنه يتحول من فضاء للعبادة إلى مورد رمزي يستثمر في تعزيز الحضور الإعلامي والشهرة الرقمية، وهنا يتشكل ما يمكن تسميته بـ “رأس المال الرمزي للمكان المقدس”، حيث يستمد الإعلامي جزءا من مصداقيته أو حضوره من اقترانه البصري بالمكان الديني، بما يحمله من هيبة تاريخية وروحية.

ويزداد هذا التحول وضوحا مع انتشار المنصات الرقمية التي جعلت البرامج الدينية لا تكتفي بالبث التلفزيوني التقليدي، بل تمتد إلى فضاء “السوشيال ميديا” عبر مقاطع قصيرة وصور توثيقية تعاد صياغتها بما يتلاءم مع منطق المنصة الرقمية، ففي هذا السياق يصبح المكان المقدس خلفية بصرية متكررة في المحتوى المنشور، ويعاد توظيفه ضمن خطاب إعلامي يهدف إلى تعزيز التفاعل والمشاركة الجماهيرية، وهكذا ينتقل المكان من كونه فضاءً شعائريًا إلى عنصر داخل اقتصاد الانتباه الرقمي الذي تقوم عليه المنصات الحديثة.

كما أن ظاهرة “فلوجات العبادة” تمثل أحد أبرز مظاهر هذا التحول، إذ تقوم على تحويل الرحلة التعبدية إلى مادة إعلامية تروى عبر السرد البصري اليومي، وبدلا من أن تبقى التجربة الدينية تجربة ذاتية يغلب عليها الصمت والتأمل، تتحول إلى سلسلة من المشاهد المصورة التي توثق تفاصيل الرحلة لحظة بلحظة.

 وقد أدى هذا النمط من السرد الإعلامي إلى إعادة تشكيل العلاقة بين المتابع والمكان المقدس، حيث يتعامل الجمهور مع هذه الرحلات بوصفها محتوى إعلاميا يتابعه ويعلق عليه ويعيد نشره، تماما كما يحدث مع أي نوع آخر من المحتوى الرقمي.

وتتجلى خطورة هذا التحول عندما يتداخل الخطاب الديني مع الخطاب التجاري بصورة غير مباشرة، بحيث تتحول التجربة التعبدية إلى مساحة ترويجية غير معلنة لبعض الخدمات المرتبطة بالرحلة الدينية، ففي بعض الحالات تُعرض الرحلة بوصفها تجربة تجمع بين أداء المناسك والتمتع بمستوى معين من الرفاهية الفندقية أو السياحية، وهو ما يؤدي إلى ربط التجربة الروحية بمعايير مادية لا تمثل جوهر الفعل التعبدي، وهذا النمط من التداخل بين الديني والتجاري يعكس تأثير منطق السوق في تشكيل المحتوى الإعلامي المعاصر.

وبنا عليه فإن ظاهرة “جغرافيا المقدس” في الإعلام الديني تكشف عن تحولات أعمق في بنية الخطاب الديني ذاته، إذ لم يعد هذا الخطاب يعتمد على الكلمة المسموعة أو النص الديني فقط، بل أصبح يعتمد بدرجة كبيرة على السرد البصري للمكان والحدث، فالمسجد، أو ساحة الحرم، أو المعلم الإسلامي التاريخي لم يعد مجرد إطار مكاني للحديث عن الدين، بل أصبح عنصرًا فاعلًا في تشكيل الرسالة الإعلامية ذاتها.

وفي ضوء ذلك، يظل التحدي الأساسي الذي يواجه الإعلام الديني المعاصر هو كيفية تحقيق التوازن بين جاذبية الصورة الإعلامية والحفاظ على قدسية المكان الديني، فالإعلاميون والإعلاميات الذين يقدمون البرامج الدينية مطالبون بإدراك حساسية هذا الفضاء الرمزي، بحيث يظل توظيفه في إطار يخدم المعرفة الدينية ويعزز التجربة الروحية، لا أن يحول المكان المقدس إلى مجرد خلفية بصرية في اقتصاد المشاهدات والتفاعل الرقمي.

المحور الثالث: لغة الخطاب الديني الهجين:

يشهد الخطاب الإعلامي في البيئة الرقمية بروز نمط يمكن وصفه بـ “الخطاب الديني الهجين”، وهو خطاب يجمع بين المفردات الدينية واللغة الإعلانية داخل صياغة واحدة، بحيث تتداخل لغة الوعظ مع خطاب التسويق في تقديم المحتوى الإعلامي، وقد ارتبط ظهور هذا النمط بالتحولات التي شهدها الإعلام الرقمي واتساع حضور الإعلاميين على المنصات الاجتماعية، حيث أصبحت هذه المنصات امتدادًا لممارسات العمل الإعلامي، لكنها في الوقت ذاته تفتح المجال لتداخل الحدود بين الرسالة الإعلامية والمحتوى الترويجي.

 تتفق هذه الرؤية مع ما توصلت إليه الباحثة دعاء فاروق بدوي الدسوقي، في دراستها حول خطاب المؤثرين العرب (ص 19، 20 من ملف البحث)، حيث أكدت عدم مراعاة نسق القيم الاجتماعية والاخلاقية للمجتمع في الاعلانات المصرية.[8]

وفي هذا السياق، يمكن ملاحظة توظيف واضح للمفردات الدينية داخل الرسائل ذات الطابع الإعلاني أو شبه الإعلاني، مثل استخدام عبارات: “اللهم بارك”، “لايك وشير وصلى على النبي”، “الحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات”، وذلك أثناء الحديث عن منتجات أو خدمات تجارية، ولا يقتصر حضور هذه المفردات على الاستخدام اللغوي العابر، بل يؤدي وظيفة خطابية تتمثل في استدعاء المرجعية الأخلاقية المرتبطة بالدين بوصفها مصدرا للثقة والمصداقية لدى الجمهور العربي، وهو ما يمنح الرسالة الإعلامية بعدا قيميا يتجاوز الخصائص المادية للمنتج ذاته.

غير أن الإشكال لا يتعلق بحضور اللغة الدينية في الخطاب العام، وإنما بطبيعة السياق الإعلامي الذي توظف فيه، فعندما يستخدم الإعلامي مفردات دينية في سياق الترويج لمنتج أو خدمة دون الفصل الواضح بين المحتوى التحريري والإعلان التجاري، يصبح الخطاب أقرب إلى توظيف الرمزية الدينية في خدمة الرسالة التسويقية، ويعد هذا التداخل بين الرسائل التحريرية والإعلانية أحد أبرز التحديات المهنية في الإعلام الرقمي، نظرا لما قد يسببه من غموض لدى المتلقي حول طبيعة الرسالة الاتصالية.[9]

وفي هذا الإطار برز أسلوب يمكن وصفه بـ”الريفيو الروحاني”، وهو عبارة عن نمط من تقديم المنتجات يعتمد على الجمع بين خطاب النصيحة الأخلاقية والترويج التجاري، ففي هذا النموذج يبدأ الإعلامي حديثه بنبرة توجيهية أو وعظية، مثل التذكير بأهمية الحفاظ على الصحة أو الحرص على “الرزق الحلال”، قبل الانتقال إلى الحديث عن منتج معين بوصفه الخيار الأنسب أو الأكثر موثوقية، وبهذا تتحول مراجعة المنتج من تقييم إعلامي مهني إلى خطاب يحمل طابعا قيميا يوحي بأن التوصية ليست إعلانا مباشرا، بل نصيحة نابعة من الحرص على مصلحة الجمهور.

وتكمن خطورة هذا الأسلوب في أنه يخلط بين سلطة الخطاب الإعلامي وسلطة الخطاب القيمي، فالمتلقي قد يتعامل مع الرسالة بوصفها نصيحة أخلاقية لا دعاية تجارية، خاصة عندما تقدم بلغة دينية أو وجدانية، ومع تكرار هذا النمط من الخطاب، قد تتراجع الحدود الفاصلة بين المجال القيمي والمجال التسويقي داخل المحتوى الإعلامي الرقمي، وهو ما يطرح تساؤلات حول مسؤولية الإعلاميين في الحفاظ على وضوح الخطاب الإعلامي والتزامه بالمعايير المهنية.

 (كتاب)

في هذا السياق، أظهر مؤتمر أخلاقيات الإعلام، الذي نظمته جامعة النهضة ببني سويف، ضمن دراسته لالتزام الفضائيات بالأخلاقيات، أن هناك اتجاهاً متزايدا نحو ما يسمى بـ “الإعلانات الاندماجية” التي يتم دمجها داخل السياق البرامجي أو القيمي دون تنويه كافٍ، مما يؤدي إلى خلط الأدوار بين “الإعلامي الناصح” و”المروج التجاري”، وهذا التداخل يسهم في تمرير الرسالة الإعلانية تحت غطاء من المصداقية الأخلاقية، وهو ما يفسر تقبل الجمهور لـ “الريفيو الروحاني” بوصفه نصيحة نابعة من الحرص على مصلحة المتابع وليس كدعاية مادية.

المحور الرابع: اقتصاديات المنصات وفخ المشاهدات:

لم يعد فهم تحولات الخطاب الديني في الفضاء الإعلامي ممكنا دون تفكيك البنية الاقتصادية التي تحكم إنتاجه وتداوله، فالمحتوى الديني اليوم لا ينتج في فراغ قيمي خالص، بل داخل منظومة رقمية تقوم على ما يعرف بـ”اقتصاد الانتباه”، حيث تصبح المشاهدات (Views)، ومدة التفاعل (Watch Time)، ونسب المشاركة  (Engagement)  هي العملة الأساسية التي تحدد قيمة المحتوى وانتشاره، وفي هذا السياق، تخضع المضامين الدينية كغيرها من المضامين لمنطق الخوارزميات التي تفضل المحتوى الأكثر إثارة للانتباه، بغض النظر عن عمقه المعرفي أو اتزانه القيمي.

لذا، يجب الإشارة إلى البنية المادية والتمويلية التي تحكم إنتاج الخطاب الديني الرقمي، حيث لم يعد “القائم بالاتصال الديني” يعمل بمعزل عن قوانين السوق الرقمية، بل إن التحول من “المنبر” كفضاء وعظي قيمي إلى “المنصة” كفضاء ربحي خاضع للبيانات، فرض منطقاً اقتصادياً يقوم على “تسليع الانتباه” وإخضاع النص الديني لآليات العرض والطلب.
وهو ما أشار اليه محمد عوض الأسمري في بحثه المعنون بـ: اقتصاد الانتباه وعلاقته بصناعة المحتوى المرئي عبر منصات الإعلام الرقمي، المنشور ضمن مجلة البحوث والدراسات الإعلامية، حيث أكد أن منصة “يوتيوب” تعد من أبرز المنصات التي نجحت في توظيف “اقتصاد الانتباه” في الفضاء الرقمي، حيث استطاعت المنصة منذ تأسيسها عام 2005 بناء منظومة اقتصادية فريدة تقوم على جذب انتباه المستخدمين وتحويله إلى قيمة استثمارية، وهو ما جعلها نموذجاً رائدا في كيفية إدارة واستغلال التدفق الهائل للمحتوى المرئي لتعزيز التفاعل واستدامة المشاهدة.[10]

ديكتاتورية الخوارزمية وتفتيت النص

تفرض المنصات الرقمية “مثل فيسبوك، “يوتيوب”، و”تيك توك” ما يعرف بـ “المنطق التقني”، الذي يجبر الداعية أو الإعلامي الديني على تكييف رسالته لتناسب خوارزميات الانتشار.

 هذا الضغط التقني أدى إلى ظهور “الموعظة المجتزأة” التي تفتقر للعمق الفقهي لصالح الإثارة البصرية واللفظية، وفي هذا السياق، يلاحظ أن هذا التحول أدى إلى بزوغ نمط “داعية العلامة التجارية ” (Brand)، الذي لا يكتفي بتقديم النصح، بل يتبنى استراتيجيات تسويقية كاملة لإدارة صورته الذهنية، حيث يتم تقييم نجاح الخطاب بناء على “معدلات الوصول” و”التفاعل اللحظي” بدلا من التأثير السلوكي أو القيمي.[11]
ويرجع الباحث محمد أمين الحق في بحث بعنوان: “استخدام وسائل الإعلام في مجال الدعوة بين الواقع والآفاق”، التحديات الراهنة في الإعلام الدعوي إلى “ضغط المنصات الحديثة التي تفرض إيقاعا سريعا، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى إضعاف جودة المحتوى”.

ويوضح أن هذا النمط الرقمي تسبب في “سطحية الطرح نتيجة الطابع السريع للمحتوى” وانتشار المعلومات المجتزأة. وللمفارقة، تفرض هذه البيئة تحولا نحو “صناعة المحتوى” التفاعلي الجاذب مثل “الفيديوهات القصيرة” لضمان الوصول، مع الاعتماد على “أدوات قياس التفاعل” كمعيار للنجاح.

 وتخلص الدراسة إلى أن الإشكالية تكمن في غياب التخطيط الاستراتيجي وتشتت الجهود، مما يستوجب بناء رؤية تكاملية تجمع بين الأصالة الشرعية والمعاصرة التقنية لمواجهة هيمنة الإعلام التجاري.

وفي هذا الإطار، يمكن ملاحظة تحول ملحوظ في طبيعة المحتوى الديني المتداول على المنصات، حيث تميل العديد من المقاطع إلى العناوين المثيرة من قبيل: “حكم صادم”، “فتوى لأول مرة”، “سر لن يخبرك به أحد”، وهي صيغ أقرب إلى منطق “التريند” منها إلى الخطاب العلمي الرصين، كما يتم تقطيع الخطب أو الدروس الطويلة إلى مقاطع قصيرة (Reels) تركز على لحظات الانفعال أو الجمل الجدلية القابلة للانتشار، وهو ما يؤدي إلى اجتزاء المعنى الديني وإعادة تقديمه في صورة مجتزأة تخدم قابلية التداول لا اكتمال الفكرة.

 اقتصاد الانتباه وتسييل الرأسمال الرمزي

وتعتمد اقتصاديات المنصات على تسييل كل لحظة يقضيها المستخدم أمام الشاشة، وفي المحتوى الديني، يتم تحويل “الثقة الروحية” والمصداقية التي يوليها الجمهور للداعية إلى “بيانات” قابلة للبيع للمعلنين، ومن هنا خلقت اقتصاديات المنصات الرقمية نوعاً من التنميط للمحتوى الإعلامي العربي، حيث تلاشت الحدود بين الوظيفة التثقيفية والوظيفة النفعية، فالمحتوى الديني الذي كان يهدف للتوجيه الأخلاقي، أصبح “مادة خام” يتم تكييفها تقنيا لتوليد أرباح عبر أنظمة المشاهدات أو الرعايات المباشرة، مما يوقع القائم بالاتصال في “فخ المشاهدات” الذي يدفعه أحيانا لتبني أساليب “البلوجرز” في جذب الانتباه لضمان استمرار تدفق الأرباح وتصدر “التريند”.[12]
وتظهر هذه الديناميكيات بوضوح في عدد الصفحات الدينية التي تعتمد على إعادة تدوير مقاطع لعلماء أو دعاة مع إضافة عناوين مثيرة أو موسيقى مؤثرة بهدف زيادة التفاعل.

 كما يتم أحيانا إبراز الفتاوى ذات الطابع الجدلي أو المرتبطة بقضايا المرأة والعلاقات الأسرية، نظرا لقدرتها على إثارة النقاش وجذب التعليقات، وهو ما يعزز من انتشارها خوارزميا، وفي هذا السياق، لا يكون معيار اختيار الموضوع هو أهميته الدينية، بل قابليته للتفاعل الجماهيري.

كما يمكن رصد هذا التوجه في بعض البرامج التلفزيونية الدينية التي أعادت هيكلة محتواها ليتناسب مع متطلبات المنصات الرقمية، حيث أصبحت الحلقات تبنى حول مقاطع قابلة للاقتطاع والنشر على فيسبوك ويوتيوب، مع التركيز على “اللقطات القابلة للترند”، مثل لحظات البكاء، أو الردود الحادة، أو القصص الإنسانية المؤثرة، وهو ما يحول الخطاب الديني تدريجيا إلى مادة قريبة من “الترفيه العاطفي” أكثر منه خطابا معرفيا متماسكا.

تحالف الوعظ مع “البراندات” التجارية

أدى التداخل بين سلطة المنبر وقوة المنصة إلى ظهور “الخطاب الهجين”، الذي يحول الداعية إلى “وسيط تسويقي” يستغل رمزيته الدينية لإضفاء شرعية على سلع مادية.

وهذا التداخل الوظيفي ساهم في ذوبان الفوارق بين “المقدس” كقيمة إيمانية مجردة، و”التجاري” كسلعة خاضعة لقوانين السوق، مما جعل “القداسة” مجرد ديكور خلفي لتعزيز الجاذبية البصرية للإعلان وزيادة القوة الشرائية للجمهور المستهدف  .

وفي هذا السياق، يصبح الداعية أو الإعلامي الديني أمام ضغط مستمر لتحقيق التوازن بين متطلبات المنصة والحفاظ على مصداقيته، فالتراجع في نسب المشاهدة قد يعني فقدان الظهور، وبالتالي فقدان العوائد الإعلانية أو فرص الرعاية، وهو ما يدفع البعض إلى تقديم تنازلات تدريجية في طبيعة المحتوى، تبدأ بتبسيط مفرط، وقد تنتهي بإثارة الجدل أو توظيف العاطفة بشكل مبالغ فيه.

وفي هذا السياق، تبرز إشكالية “تسليع المقدس” كواحدة من أعقد تحولات الخطاب الديني في البيئة الرقمية، حيث لم يعد الإنترنت مجرد وسيط ناقل للموعظة، بل تحول إلى بيئة تعيد صياغة القيم الروحية لتتلاءم مع منطق السوق.

 وكما يشير عبد الإله فرح (2020) في قراءته لسوسيولوجيا الإنترنت الديني، فإننا نعيش “قرن تكنولوجيا الدين بامتياز”، حيث تضطر المؤسسات والرموز الدينية لتبني استراتيجيات “تسويق الذات” “Personal Branding” لضمان البقاء داخل الشبكة المعلوماتية.

 هذا التحول أدى إلى ظهور “خطاب هجين” يذيب الفوارق بين القيمة الإيمانية المجردة والسلعة التجارية، ليصبح الداعية بموجبها “وسيطا تسويقيا” يستثمر رأسماله الرمزي لإضفاء شرعية على منتجات استهلاكية، وهو ما يجعل القداسة مجرد “ديكور خلفي” لتعزيز الجاذبية البصرية للإعلان وضمان تدفق الأرباح في ظل اقتصاد الانتباه.[13]

التوصيات:

وفي ضوء ما كشفت عنه الدراسة من تحولات مركبة في بنية الخطاب الديني المعاصر، تبرز الحاجة إلى بلورة مجموعة من التوصيات التي تسهم في ضبط العلاقة بين القيمي والتجاري داخل المجال الإعلامي.

 وعليه، يمكن طرح عدد من المقترحات الإجرائية التي تستهدف تعزيز مهنية الخطاب الديني والحفاظ على استقلاله الرمزي في ظل الضغوط الرقمية والاقتصادية.

أولا: على مستوى السياسات الإعلامية والتنظيم:

–  ضرورة وضع مدونات سلوك مهنية ملزمة للإعلام الديني، تنظم العلاقة بين المحتوى القيمي والإعلانات التجارية، مع التأكيد على الفصل الواضح بينهما.

– تطوير أطر رقابية متخصصة داخل الهيئات الإعلامية لمتابعة ظاهرة الإعلانات المقنّعة في المحتوى الديني، خاصة على المنصات الرقمية.

– إلزام القنوات والمنصات بالإفصاح الصريح عن المحتوى المدفوع، بما يعزز الشفافية ويحمي المتلقي من التضليل.

ثانيا: على مستوى المؤسسات الدينية:

– يجب تفعيل دور المؤسسات الرسمية في تقديم بدائل إعلامية رقمية احترافية تجمع بين المصداقية والجاذبية، بما يقلل من هيمنة الخطاب غير المنضبط.

– إعداد وتأهيل كوادر إعلامية دينية قادرة على فهم طبيعة الإعلام الرقمي دون التفريط في الضوابط الشرعية والمهنية.

– إصدار أدلة إرشادية توضح الحدود الفاصلة بين الدعوة والإعلان، خاصة فيما يتعلق باستخدام الرموز الدينية والأماكن المقدسة.

ثالثا: على مستوى القائمين بالاتصال (الإعلاميون والدعاة):

– ضرورة الالتزام بمبدأ النزاهة الاتصالية، وتجنب توظيف الخطاب الديني كغطاء ترويجي لمنتجات أو خدمات تجارية.

– إعادة الاعتبار لوظيفة الخطاب الديني بوصفه أداة بناء وعي لا أداة تسويق، مع الحفاظ على وضوح الرسالة ومصداقيتها.

– تجنب استغلال الثقة الجماهيرية في تقديم توصيات تجارية قد تضر بالمستهلك أو تضلله.

رابعا: على مستوى الجمهور والمتلقين:

–  يجب تعزيز الوعي النقدي لدى الجمهور، خاصة الشباب، لفهم طبيعة المحتوى الهجين والتمييز بين النصيحة والإعلان.

–  إدراج مفاهيم التربية الإعلامية والرقمية ضمن المناهج التعليمية، لتمكين الأفراد من تحليل الرسائل الإعلامية وفك شفراتها.

–  تشجيع الجمهور على مساءلة المحتوى وعدم التعامل معه بوصفه حقيقة مطلقة، خاصة عندما يرتبط بالدين.

خاتمة:

تكشف هذه الدراسة، عبر محاورها المختلفة، أن المشهد الإعلامي والدعوي في مصر يمر بمرحلة “سيولة أخلاقية” غير مسبوقة، حيث ذابت الحدود الفاصلة بين المنصة الدينية والمساحة الإعلانية.

 كما تكشف أيضا عن تحول بنيوي عميق في طبيعة الإعلام الديني المعاصر، حيث لم يعد الخطاب الديني مجرد وسيط لنقل القيم والمعارف الشرعية، بل أصبح جزءًا من منظومة اقتصادية رقمية تحكمها قواعد السوق، وتعيد تشكيلها خوارزميات المنصات ومنطق التفاعل والمشاهدات.

وقد أفضى هذا التحول إلى إعادة تعريف دور القائم بالاتصال الديني، من “مرجعية قيمية” إلى “فاعل داخل اقتصاد الانتباه”، يوظف أدوات الجاذبية البصرية والسرد الشخصي لبناء حضور جماهيري قابل للاستثمار.

وتظهر نتائج التحليل أن ما يعرف بـ”تسليع الدين” لا يتم بصورة مباشرة أو فجة، بل عبر آليات ناعمة ومعقدة، أبرزها توظيف الرأسمال الرمزي للسمت الديني، وإعادة إنتاجه داخل سياقات استهلاكية، بما يسمح بتحويل الثقة الروحية إلى سلوك شرائي.

 كما أن تداخل الخطاب الوعظي مع الرسائل الإعلانية، واستخدام الفضاءات المقدسة كخلفيات بصرية، يعكس انتقال الدين من كونه “مرجعية فوق السوق” إلى “عنصر داخل السوق”، يخضع لمنطق العرض والطلب، ويعاد تشكيله وفقا لاعتبارات الربح والتنافس.

كما تُبرز الدراسة أن الخطاب الديني الهجين يمثل أحد أخطر تجليات هذا التحول، إذ يطمس الحدود بين القيمي والتجاري، ويعيد صياغة الوعي الديني لدى الجمهور، خاصة الشباب، في صورة نمط أكثر منه منظومة أخلاقية متكاملة، وهو ما قد يؤدي، على المدى البعيد، إلى تفريغ الدين من مضمونه الدعوي، وتحويله إلى “هوية بصرية” أو “علامة اجتماعية” قابلة للاستهلاك.

وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن التحدي الرئيسي الذي يواجه الإعلام الديني اليوم لا يكمن فقط في مواكبة التحول الرقمي، بل في الحفاظ على تماسكه القيمي واستقلاله الرمزي في مواجهة الضغوط التجارية، بما يضمن بقاء الخطاب الديني أداة لبناء الوعي، لا مجرد وسيط لإعادة إنتاج أنماط الاستهلاك، وهو ما يستدعي تدخلا متكاملا من المؤسسات الإعلامية والدينية والبحثية لضبط هذا المسار، وضمان بقاء الدين في المجال العام بوصفه مصدرا للقيم لا سلعة خاضعة لمنطق الربح.


 

المصادر:

[1] وائل لطفي، ظاهرة الدعاة الجدد: تحليل سوسيولوجي، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2005)، ص 48،  https://2h.ae/vESQD

[2] رشيد جرموني، الدين والإعلام: في سوسيولوجيا التحولات الدينية، (الرياض: دار الفيصل الثقافية، 2019)، ص 17، 71- 85. https://2h.ae/FaNVy

[3] آية أحمد عبد اللطيف، “استراتيجيات التسويق عبر المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي”، المجلة المصرية لبحوث الإعلام، 2025، ص 187–243. https://2h.ae/iuuxh

[4] المصدر السابق ص 188.

[5] مروى السعيد السيد حامد، “اتجاهات النخبة نحو مصداقية التناول الإعلامي للخطاب الديني عبر صفحات الدعاة الجدد على مواقع التواصل الاجتماعي”، مجلة كلية الآداب – جامعة المنصورة، 2017، ص 1375–1376. https://2h.ae/nfLvV

[6] أحمد أحمد عثمان، تحليل خطاب المؤثرين عبر مواقع التواصل الاجتماعي في بحوث ودراسات الإعلام الجديد. المجلة المصرية للعلوم الاجتماعية، 41(2)، 300‑315. https://2h.ae/wqFdA

[7] Daniele Battista, “The Digital as Sacred Space: Exploring the Online Religious Dimension,” Academicus International Scientific Journal, no. 29 (2024): p. 32, 35. https://2h.ae/vZvMV

[8] دعاء فاروق بدوي السوقي، “الخطاب الديني الرقمي للمؤثرين العرب عبر منصات التواصل الاجتماعي: دراسة تحليلية”، مجلة البحوث الإعلامية، جامعة الأزهر، كلية الإعلام، العدد 71، الجزء 2 (يوليو 2024): ص 1041، 1042.
ملحوظة: تقابل هاتان الصفحتان ص 19، 20 في نسخة الملف الرقمي PDF . https://2h.ae/PAXPZ

[9] أخلاقيات الإعلام والإعلان بين الثوابت والمتغيرات”، كتاب مؤتمر، مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار (IDSC)، القاهرة، 2021، البحث الثالث: مدى التزام الإعلانات المقدمة عبر الفضائيات العربية بالأخلاقيات، ص 177، 180.

[10] محمد عوض الأسمري، “اقتصاد الانتباه وعلاقته بصناعة المحتوى المرئي عبر منصات الإعلام الرقمي”، مجلة البحوث والدراسات الإعلامية، إشراف: أ.د. محمد محمد عبده بكير، العدد 31، ج 2 (2025): ص 766 (المقابلة لصفحة 4 في ملف الـ PDF المرفق)، https://2h.ae/ZAchF

[11] محمد أمين الحق، (2025)، استخدام وسائل الإعلام في مجال الدعوة بين الواقع والآفاق، مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، المجلد (9)، العدد (10)، ص 110-118. https://2h.ae/GBhni

[12] محمد أمين الحق، مصدر سابق، ص 115

[13] عبد الإله فرح، “الإنترنت الديني: عرض بيبليوغرافي لمؤلفات وكتب تتناول سوسيولوجيا الإنترنت والدين”، مجلة الفيصل، العدد 523-524، مايو 2020. https://2h.ae/PUbkk

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى