مصر: المخابرات تبحث عن ممولين لتغطية فساد المنظومة الإعلامية
يبدو أن ملف إدارة الإعلام المصري، والشركات التابعة للأجهزة السيادية المحتكرة لنشاط الإنتاج الفني والإعلامي في البلاد، سيشهد مستجدات مهمة في الأيام القليلة المقبلة، انطلاقاً من الأزمة الأخيرة التي تعرضت لها الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، التي تعتبر المظلة الاستثمارية التابعة مباشرة للمخابرات العامة، وتتبعها الشركات القائمة على الأنشطة الدعائية والفنية والإعلامية بمختلف أنواعها، من تنظيم الفعاليات وتجهيزات التصوير الجوي والميداني، وسوق الإعلانات، والصحافة المطبوعة، والمواقع الإلكترونية، ومنصات المشاهدة الرقمية والراديو والقنوات الفضائية، والإنتاج السينمائي والدرامي والمسرحي.
وكشفت مصادر حكومية وإعلامية واسعة الاطلاع، لـ"العربي الجديد"، أن مكتب مدير المخابرات عباس كامل قد استقر على أن هذا "التغيير الكبير" سيتمثل في طرح أسهم "المتحدة" للمرة الأولى في البورصة المصرية، وإدخال عدد من رجال الأعمال، الذين يمكن تصنيفهم من فئة الصفين الثاني والثالث، والموالين أيضاً للدولة، كمساهمين فيها، من خلال شركاتهم التي ستندرج تحت "المتحدة"، وكذلك الإفصاح عن التوزيع الحالي لأسهم الشركة، والتي يمتلك الحصة الأكبر منها أشخاص غير معروفين كواجهات لملكية المخابرات العامة. ولطالما كان احتكار الجيش والأجهزة السيادية في مصر للشركات الخاصة بها، من دون طرحها في البورصة، سبباً أساسياً للانتقادات الأميركية لمصر في السنوات الأخيرة.
وأضافت المصادر أن هذا التحوّل سيشرف عليه الخبير المصرفي والاقتصادي الرئيس التنفيذي الأسبق للبنك العربي الأفريقي الدولي حسن عبدالله، والمساعد السابق لمحافظ البنك المركزي طارق عامر، والذي يعبّر اختياره عن تفاقم صراع كبير على توجيه سياسات الدولة الاقتصادية بين عامر من جهة، وعباس كامل ومجموعة الخبراء الاقتصاديين المحيطين به من جهة أخرى.
هذا الصراع ظهرت بوادره للمرة الأولى نهاية العام الماضي بعد إطاحة عامر بالرئيس التنفيذي لبنك "CIB" هشام عز العرب، المقرب من المخابرات. ثم اكتسب أبعاداً جديدة بإثارة خلافات أخيراً حول حصص إعلانات البنوك وأسعارها بين البنك المركزي وشركة "POD" التابعة إلى "المتحدة"، والمتحكّمة في سوق الإعلان المصري.
ودارت مناوشات واسعة منذ تولي عامر البنك المركزي عام 2015، انتهت باختيار عبدالله مساعداً أول لمحافظ البنك عام 2018، وتعيين شريف علوي خلفاً له في البنك العربي الأفريقي، في خطوة اعتبرها الخبراء آنذاك محاولة من طارق عامر لتحجيمه وإخلاء إدارات البنوك من الشخصيات القوية التي يمكنها مناطحته. ثم تحوّل الخلاف إلى ما يشبه الفضيحة العلنية، في مايو/أيار 2019، عندما أعلن عامر الإطاحة بعبدالله بتهمة الفساد المالي والاستيلاء على المال العام ومنح كبار العملاء تسهيلات ائتمانية بلغت 9.2 مليار جنيه (580 مليون دولار)، واستخدام جزء منها في سداد تسهيلات وقروض ممنوحة لهم من البنك نفسه بقيمة 2.8 مليار جنيه، وبنوك أخرى بقيمة 191 مليون جنيه.
وآنذاك سرب عامر إلى الصحف تقريراً لقطاع التفتيش والرقابة في البنك المركزي، ذكر أن حسن عبدالله منح الشركات تسهيلات بما يخالف قرارات تأسيسها وطبيعة نشاطها. بل لم يقم بالمتابعة لاستخدام القروض والتسهيلات لبعض العملاء، واتضح عدم سلامة الدراسات الائتمانية لبعض الشركات، وأنه حصل مع مسؤولين كبار بالبنك على أموال من دون وجه حق، وصلت إلى 5.2 ملايين دولار في 2018 فقط.
لكن الفضيحة التي أراد بها عامر القضاء على خصمه لم تكتمل، بسبب تدخل شخصيات اقتصادية كبرى من دول عربية "أوصت الأجهزة السيادية المصرية بحماية عبدالله" بحسب المصادر، التي فسرت بذلك سبب عدم تطور الأزمة إلى مسارها القضائي الذي كان يتمناه عامر، بل أصبح تقرير التفتيش المذكور، على ما فيه من اتهامات خطيرة، حبيس الأدراج.
والمفارقة أنه بعد عامين من هذه الأزمة، أصبح حسن عبدالله قاب قوسين من إدارة أكبر المصالح الاقتصادية للمخابرات العامة، والتي تساهم فيها أيضاً بصورة غير مباشرة المخابرات الحربية والشرطة، بعدما تم تغيير نظام ملكية المؤسسات الإعلامية، التي امتلكتها الأجهزة السيادية بعد عام 2014، لتصبح المنظومة موحدة.
وأشارت المصادر إلى أن اختيار عبدالله لهذه المهمة يحمل أهدافاً أخرى، مثل استغلال علاقاته الجيدة مع المستثمرين الخليجيين لضخ مزيد من الأموال، تعوض الخسائر الفادحة التي تكبدتها "المتحدة" في العامين الأخيرين، وغموض التصرفات المالية، في غياب الرقابة على جميع ما يتم تنظيمه أو إنتاجه، وهي الخسائر التي تعتبر حتى الآن السبب الرئيس لتوافر إرادة تغيير الهيكل الإداري والمالي للمجموعة. ويأتي بعد ذلك تردي مستوى الأعمال الفنية وضعف التأثير الإعلامي، وتكرار شكاوى الفنانين والإعلاميين من الفساد المالي، وتأخر صرف المستحقات وتصنيفهم واستبعادهم لأسباب غير فنية واحتكار مجموعة محدودة من النجوم والمخرجين للأعمال.
المصدر العربي الجديد




