دراسات

كيف نتناول الشخصيات التاريخية الإسلامية؟

إعداد: أسامة  أحمد

هذه موازين يجب أن نستحضرها و نحن نتناول شخصيات تاريخنا الإسلامي بشكل خاص:

1- "إذا ذكر أصحابي فأمسكوا .. و إذا ذكر النجوم فأمسكوا .. و إذا ذكر القدر فأمسكوا" رواه عبد الله بن مسعود .. صححه الألباني

       لا شك أن أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم من أعظم الشخصيات التاريخية أثراً و صناعة للأحداث في تاريخنا . و كونهم بشراً غيرَ معصومين جعل بعض كتاب التاريخ يتجرأ فيتناولهم بألسنة حداد و كلمات خشنة عندما يتعرض لأخطائهم ( قد تكون نتيجة لاجتهاداتهم ) متناسين فضائلهم و صحبتهم و جهادهم و تزكية الله تعالى لهم "محمد رسول الله و الذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله و رضواناً" سورة محمد ، و قول النبي صلى الله عليه و سلم لعمر في حادثة حاطب بن أبي بلتعة "يا ابن الخطاب ! و ما يدريك لعل الله اطّلع على هذه العصابة من أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" أخرجه البزار  و يؤكد ابن تيمية على أن "كل مؤمن آمن بالله ، فللصحابة عليه فضل إلى يوم القيامة"     

2- البشارة بالجنة لا تعني العصمة . و لهذا المعنى علاقة بما سبق ، فالصحابة رضوان الله عليهم و حتى المبشرون بالجنة منهم لهم تجارب بشرية ، فكما نستفيد منها فإنها أيضاً تخضع للتقييم التاريخي بما تحمله من صواب و خطأ ، فلا يحملنا تقديرُهم و مكانتُهم و سابقتُهم و صحبتُهم

على تنزيههم عن التقييم التاريخي لمواقفهم ، فهم أصحاب تجارب ، لابد أن نستفيد منها . و إذا بدر منهم خطأ يرتبط بواقعة تاريخية نتيجة اجتهاد أو حتى ضعف بشري ( يذوب في بحار حسناتهم ) فيجب أن نُقرّه و لا نعتسفَ له التبريرات حتى تتم الاستفادة من تجاربهم .

3- التثبت في النقل و الرواية : فعدم التثبت يؤدي إلى خلل في تناول الشخصية التاريخية . فعندما نقرأ لأي مؤرخ أو كاتب يجب أن نتعرٌف أولاً على توجهاته و منطلقاته الفكرية و النفسية و موقفه من الإسلام عامة و من التاريخ الإسلامي خاصة ، ثم نبحث عما استند إليه من مراجع بخصوص الشخصية التاريخية التي تناولها . و كدارس أو مهتم بالتاريخ يجب أن تتعرف على منهجية أصحاب المراجع التاريخية التي ترجع أنت إليها ، فالطبري – مثلاً – في تاريخه أوضح منهجه : "فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة، ولا معنىً في الحقيقة، فليعلم انه لم يؤتَ في ذلك من قِبَلِنا، وإنما أَتى من قِبَلِ بعضِ ناقليه إلينا، وإنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدِيَ إلينا" فإذا استغربت شيئاً مما نُقِل عن الطبري فابحث عمن نقل الطبري عنه ثم ابحث عن هذا الناقل في طبقات الرجال كطبقات ابن سعد أو سير أعلام النبلاء مثلاً لترى مدى مصداقية هذا الرجل . و لا بأس أن تتجول باحثاً في مراجع أخرى .

         أحياناً ينطبع في الأذهان موقفاً من شخصية تاريخية ما ، كالظاهر بيبرس الذي خان و قتل قائده قطز بطل ملحمة عين جالوت غيلةً ونتخذ منه موقفاً كارها ، فلا نتوقع من سيرته خيراً ، لكن في الحقيقة كانت سيرته كتابين مختلفين ، فبعد تسلطنه على البلاد كان ذا أيادٍ بيضاء على البلاد و العباد : قضى على التمردات الفاطمية في القاهرة ، و أحيا الخلافة العباسية فيها ، و أحدث نهضة معمارية و تعليمية كبيرة في مصر و الشام و كسر شوكة المغول و الصليبيين بالشام .

        و كذلك ينطبع اسم أحمد بن أبي دؤاد قاضي القضاة زمن المعتصم المعتزلي و المرتبط اسمه بمحنة خلق القرآن و سجن و تعذيب الإمام أحمد بن حنبل ، لكن الرجل كانت له مكانته العلمية و الأدبية و يصفه الذهبي في السِيَر وصفاً حسناً ( القاضي الكبير – له كرم و سخاء و أدب وافر )  

4- يعرف الرجال بالحق ، و لا يعرف الحق بالرجال :

        أحوال و مواقف الناس تتغير ، لكن الحق ثابت لا يتغير . عندما سئل علي بن أبي طالب – وقت فتنة الجمل – أيكون الزبير و طلحة و عائشة على الباطل و تكون أنت وحدك على الحق ؟ كان جوابه : "اعرف الحق تعرف أهله . إنما يعرف الرجال بالحق و لا يعرف الحق بالرجال" . و رد عن تساؤل مماثل : "و الله داؤنا العضال أننا نعرف الحق بالرجال" .

5- الاعتراف بحدود الكمال البشري :

        الشخصيات التاريخية – باستثناء الأنبياء – ليسوا معصومين من الخطأ . و عندما نقتدي بالصحابة رضوان الله عليهم فنحن نتبعهم في كل مسلك يسلكونه ،و إذا كنا نتبعهم في اسغفارهم من ذنوبهم و أوبتهم إلى الحق و بكائهم على خطيئاتهم فإن هذا يبين أن لكمالهم حدوداً بشرية . التعامل مع شخصيات الصحابة – تاريخياً – بالمغالاة فيهم و تنزيههم عن الخطأ يحرمنا من الاستفادة من تجاربهم ، فكيف الاستفادة من تجارب أناس معصومين من الخطأ ؟!

        إن المسلم التقي قد تغلبه نفسه أو يغويه الشيطان ثم يتذكر و يعود إلى الجادة . و مدح الله عباده بأنهم يخطئون ثم يعودون إلى الحق "إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون" سورة الأعراف .  جاء في حديث عبادة بن الصامت "فلما اختلفنا في الغنيمة و ساءت أخلاقنا انتزعها الله منا فجعلها لرسوله فقسمها على الناس سواء" ابن حجر – فتح الباري . و أهل بدر هم كما نعلم ، و كما أخبر عليه الصلاة و السلام عمر رضي الله عنه "لعل الله اطٌلع على أهل بدر فقال لهم اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"  ابن حبان .

6- مراعاة الموروث الجاهلي :

        كانت الشخصية التاريخية في العصر النبوي و العصر الراشدي قريبة عهد بالجاهلية ، و لهذا تأثر بعضها بالموروث الجاهلي ، ليس بالطبع بشأن العقيدة الذي قُطِعَ دابره ، بل بالموروث الاجتماعي كالتعصب القبلي كما حدث بين طائفتين من الصحابة في العودة من غزوة المريسيع حتى نهرهم النبي صلى الله عليه و سلم : "ما بال دعوى أهل الجاهلية" البخاري . و لما بايع الناس أبا بكر رضي الله عنه قال أبو سفيان لعليٌ : "غلبكم على هذا الأمر أذلُ بيت من قريش ، و الله لأملأنها عليكم خيلاً و رجالاً" كتاب المغازي . و بعض الباحثين في الدولة الأموية – و منهم الدكتور عبد الحليم عويس رحمه الله – يرون أن من أهم عوامل سقوطها إعلاء شأن العنصر العربي على حساب الأعاجم .

7- وضع الشخصية التاريخية في إطارها الزمني :

        في تاريخنا الإسلامي يتضح البون الشاسع عند مقارنة خلفاء بني أمية أو بني العباس بالخلفاء الراشدين ( باستثناء عمر بن عبد العزيز ) . عند دراسة شخصية تاريخية كعبد الملك بن مروان لا يمكن مقارنته بأي من الخلفاء الراشدين ، فالصراعات و الفتن و البعد الزماني عن المحضن النبوي و الراشدي الذي اقترب فيه الحكم من المثال النبوي ، كل هذا جعل عبد الملك بن مروان يتصدى لتلك الفتن و الصراعات بمنتهى القسوة مستعيناً بسيفبه البتارين الحجاج و المُهَلّب ، و بالطبع لم يكن هذا هو الطريق الوحيد المتاح للقضاء على الفتنة ( كضرب الكعبة بالمنجنيق و إعمال السيف في المعارضين ) بل كانت هناك وسائل أخرى تحقن بها الدماء . لكن كان لسلفه يزيد بن معاوية سابقة في جريمتيه : وقعة الحرة بالمدينة ، و قتل الحسين في كربلاء ، فابتعد المنحنى تماماً عن النموذج النبوي و الراشدي فغاب الكثير من قيم الإسلام عن معظم الخلفاء و وضع إطار آخر – تقبله الناس أو لم يتقبلوه – أصبح واقعاً تُحاكَمُ إليه الشخصيات التاريخية ، و أصبح نهج من جاء بعدهم – إلا من رحم الله – قول عبد الملك بن مروان "إني والله لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف، أيها الناس : إنا نحتمل لكم كل اللَغوبة ما لم يكن عَقْد راية ولا وُثوبٍ على منبر، هذا عمرو بن سعيد، وحقه حقه، وقرابته قرابته، قال برأسه هكذا، فقلنا بسيفنا هكذا". سير أعلام النبلاء

و يوضح الإمام المؤرخ شمس الدين الذهبي هذا المعنى عند تناوله سيرة يزيد بن معاوية "كان قوياً شجاعاً ذا رأي و حزم و فطنة و شجاعة ، و كان ناصبياً فظاً غليظاً جلفاً ، يتناول المسكر و يفعل المنكر . افتتح دولته بمقتل الحسين و اختتمها بواقعة الحرٌة فمقته الناس و لم يبارَك في عمره .. و يزيد ممن لا نسبه و لا نحبه و له نظراء من خلفاء الدولتين بل فيهم من هو شر منه و إنما عظم الخطب لكونه وُلٌيَ بعد وفاة النبي بتسع و أربعين سنة و العهد قريب و الصحابة موجودون كابن عمر الذي كان أولى بالأمر منه و من أبيه و من جده".

8- وجوب الإنصاف :

        يجب عدم الحكم على الشخصية التاريخية من خلال آراء الخصوم فيها أو ما أشيع عنها . المثل التاريخي الذي يُضرَب للمستبد الأحمق هو قراقوش ! لكن من يدرس سيرته يجده الوزير بهاء الدين قراقوش نائب السلطان صلاح الدين الأيوبي و الذي كان ينيبه عنه في سفره للشام ، فكيف ينيب السلطان عنه رجلاً أحمق !؟ و كان أيضاً من أعظم المهندسين في عصره ، فهو من بنى سور مجرى العيون لنقل مياه النيل إلى القلعة عبر مسارب فوق السور بطريقة هندسية دقيقة ! و من أُشاع عنه الحمق و الاستبداد هو أحد أعدائه و كان أديباً نصرانياً و هو ابن مماتي الذي ألف كتابه السخيف "الفاشوش في حكم قراقوش" و قد ملأ صفحاته بسخافات و افتراءات عن قراقوش راجت بين السوقة و العامة لما فيها من سخرية و ابتذال !

9- الابتعاد عن المزالق التاريخية :

        قد يعجبك كاتب أو داعية أو مفكر ، و أثناء استماعك أو قراءتك له يتعرض لشخصية تاريخية – يخرج في تعرضه لها عن الصواب – فتنزلق معه ، و لعلك تقرأ ذلك عن جمال الدين الأفغاني – لكاتب كاره للماسونية – أنه انضم إلى أحد المحافل الماسونية . هذا صحيح ، انضم إلى الماسونية ، لكن هل كان أحَد قد اكتشف حقيقتها وقتها ؟ بالطبع لا ! كانت لها أنشطة خيرية ، و كانت لها شعارات إنسانية مقبولة ( و هذا يعود بنا إلى ما أشرنا إليه آنفاً من ضرورة وضع الشخصية التاريخية في إطارها الزمني و المكاني عند تناولها ) . و تقرأ أيضاً عن أحمد عرابي -لكاتب كاره للتبشير – أن أول مؤتمر تبشيري في مصر كان في بيت عرابي ، و لم يعلم الكاتب أن بيته الذي انعقد فيه ذلك المؤتمر كان قد تم مصادرته بعد ثورته على الخديوي توفيق !

        و عندما لا يكون للمؤرخ نصيب كاف من العلم و الثقافة الشرعية يكون من السهل أن تنزلق قدمه – و هو يؤرخ لشخصية تاريخية – مهما علت قدمه كمؤرخ . الدكتور أحمد شلبي أنكر البراق و المعراج ، كما أنكر الدكتور حسين مؤنس كثيراً من المعجزات النبوية و رد كثيراً من أحاديث الشيخين .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى