قناة “حلب اليوم”.. من شبكة سرية إلى شاشة يشاهدها ربع السوريين
د. عمار أبو غدة مؤسس القناة لـ”إنسان للإعلام”:
- الحقيقة كانت أكثر ما يخيف نظام “الأسد”.. والتصوير كان جريمة لا تغتفر
- أنشأنا شبكة مراسلين سرّية عبر “سكايب” في ظل تغييبٍ كامل للرأي العام
- اعتمدنا على متطوعين .. واستفدنا من علم الحديث في التحقق من الأخبار
“إنسان للإعلام”- حوار: مي الورداني:
على هامش مؤتمر “الهجرة والجاليات” الذي أُقيم في أنقرة، الخميس 18 ديسمبر/كانون الأول 2025، التقى مركز “إنسان للدراسات الإعلامية” بالدكتور عمار أبو غدة، مؤسس قناة “حلب اليوم” السورية، والعضو السابق في الهيئة الإدارية للمجلس السوري–الأمريكي، والخبير التربوي، الذي أكد أن المشاريع الإعلامية الناجحة تولد دائمًا من رحم الحاجة، مشددًا على أن الأنظمة الاستبدادية همّها الأول إخفاء الحقيقة، لا محاربتها فقط.
وفي حديثه عن بدايات الثورة السورية، أوضح أبو غدة أن النظام السوري السابق كان يعاقب المتظاهرين منذ انطلاق الحراك السلمي، لكن العقوبة الأشد كانت لمن يستخدم الهاتف المحمول للتصوير، مضيفًا: “في تلك المرحلة، كانت جريمة التصوير لا تُغتفر، ومن تلك اللحظة أدركنا أنه إذا كان هذا الفعل هو أكثر ما يُخيف النظام، فعلينا أن نُركّز عليه ونحميه ونطوّره”.
شبكة سرّية عبر “سكايب”
وأشار إلى أن الانطلاقة الفعلية كانت من داخل مدينة حلب، حيث جرى إنشاء شبكة مراسلين عبر برنامج “سكايب”، الذي كان آنذاك البرنامج الوحيد الآمن نسبيًا لنقل المعلومات والحقائق، في ظل تغييبٍ كامل للرأي العام، وهيمنةٍ كثيفة لوسائل الإعلام التابعة للنظام، التي كانت تمتلك عددًا كبيرًا من القنوات الجاذبة شكليًا، ما جعل شريحة واسعة من الناس منجذبة إليها.
وأضاف: “كان الشعب مغيّبًا، والإعلام الرسمي يملأ الفضاء، وكان لا بد من أداة بسيطة لكنها فعّالة لكسر هذا الاحتكار”.
وبيّن أبو غدة أن سرّ النجاح في تلك المرحلة تمثّل في الاعتماد على عدد كبير من المتطوعين، جميعهم كانوا يعملون بسرية تامة، مستخدمين أسماء مستعارة على “سكايب”، موضحًا: “استفدنا من علم الحديث النبوي الشريف في التحقق من الأخبار؛ فلا نأخذ عن أي شخص، بل عن شخص يُزكّي شخصًا، فيُضاف إلى المجموعة، وعندما يصلنا خبر نتحقق من أنه ورد من أكثر من مصدر”.
تحدي إيصال المعلومة للجمهور
وأشار إلى أنه خلال فترة قصيرة تشكّلت شبكة مراسلين واسعة وفّرت المعلومة الصحيحة، لكن التحدي الأكبر كان: كيف تصل هذه المعلومة إلى الناس؟
ومن هنا، بحسب أبو غدة، برزت الحاجة إلى قناة فضائية، لأن الناس تشاهد الفضائيات دون تكلفة أو خوف، خاصة أن أطباق الاستقبال (الستالايت) غير مراقبة.
وأضاف: “بدأنا بأبسط الإمكانيات، اشتركنا بسعة واحد ميغابايت فقط، وكانت القناة عبارة عن شاشة ثابتة غير متحركة، لا تسمح حتى ببث فيديو واضح”.
وأكد أن ما جذب الجمهور لم يكن الإمكانيات التقنية، بل شريط الأخبار، الذي كان يُدار بالتناوب من قِبل مجموعة من المتطوعين، على مدار 24 ساعة، سبعة أيام في الأسبوع.
وأوضح: “خلال فترة قصيرة، تعلّم أهل حلب أين يجدون الحقيقة، وأصبحوا يعرفون أنه إذا أرادوا الخبر الصادق فعليهم مشاهدة هذه القناة، حتى باتوا يسمّونها ببساطة: الشاشة”
وأضاف: “قد لا تكون لدينا نشرات أخبار كاملة، ويمكن للمشاهد أن يتابع نشرة الجزيرة أو العربية، لكنه بعد انتهائها يعود إلينا، لأن هذا الشريط ينقل الحقائق من قلب الحدث، والقناة المحلية لها دائمًا خصوصيتها التي تميّزها عن القنوات العامة”.
لماذا اختيار اسم “حلب اليوم”؟
وأشار أبو غدة إلى أن اختيار اسم “حلب اليوم” لم يكن عشوائيًا، بل لأن الهدف كان استقطاب أهل مدينة حلب، موضحًا أن محافظة حلب تمثل قرابة ربع سوريا من حيث الثقل السكاني والاقتصادي.
وأكد: “لم يكن الهدف مناطقيًا، بل عمليًا؛ كما يُقال: أهل مكة أدرى بشعابها، فحين تختص بمنطقة تعرف تفاصيلها بدقة”.
وشدد على أهمية تجربة القنوات المحلية، قائلًا: “إذا أردت كل شيء، تخسر كل شيء. لا أستطيع منافسة الجزيرة، ولا قناة تغطي الشأن السوري كاملًا، لكن حين ركزت على جزئية صغيرة ضمن إمكانياتي، عرف المشاهد أنه إن أراد خبرًا عن حلب، فهذه قناته”.
وأضاف: “هذا النجاح تحقق بإخلاص العاملين، وبتوفيق الله عز وجل”، موضحا أن المرحلة التطوعية استمرت قرابة عام أو أكثر، في ظل حماس الناس وتوقهم للحرية، ثم جرى لاحقًا توظيف بعض المهنيين، الذين كانوا على قناعة منذ اللحظة الأولى بأن المؤسسة غير ربحية.
وقال: “للحفاظ على هذا النهج، أسسنا مجلس أمناء من المتطوعين للإشراف على السياسة العامة والميزانية، لأن المشاريع الشخصية أو الضيقة تتداخل فيها المصالح”.
وأكد أن القناة، التي أتمّت 14 عامًا في الأول من ديسمبر، ما زالت تعمل بذات المجلس تقريبًا، مع تغيّر بعض الأفراد، لكن النهج لم يتغير، لأن العمل قائم على التشاور الجماعي، مضيفًا: “يد الله مع الجماعة، والحمد لله”.
من الداخل السوري إلى تركيا
وأكد أبو غدة أنه لا يمكن إغفال المؤازرة التركية، فالبداية كانت سرًّا داخل حلب، ثم احتجنا إلى تصوير واستوديو، فكانت تركيا الظهير، وانتقلنا إلى المناطق المحررة، ثم اتخذنا من غازي عنتاب مقرًا لنا، وكانت قصة نجاح بتوفيق الله”.
وأضاف: “نستمر رغم الضائقة الشديدة، وما يعيننا هو إخلاص العاملين، فحين يؤمن الإنسان برسالة المكان لا يرفض العمل رغم شُحّ الإمكانيات”.
وفي حديثه عن التعاون مع وقف الهجرة ورئيسه رجب سيّار، قال أبو غدة إنه من النماذج النادرة التي تتجاوز حدود القومية الضيقة، ويتعامل مع قضايا الأمة من منطلق إسلامي واعٍ.
وأوضح: “كان دائمًا داعمًا لنا عبر تعريفنا بالمختصين والمسؤولين في تركيا لتسهيل الدعم اللوجستي، فليس الدعم المادي هو الأهم، بل توفير المكان وحرية الكلمة”.
وأكد أنه على مدار 14 عامًا، لم يأتِ أي مسؤول تركي ليسأل القناة عن محتوى نُشر، رغم وجود انتقادات في بعض الأحيان، مضيفًا: “كنا منصفين، ننتقد الخطأ حين يقع، كحادثة عنصرية أو إساءة لمهاجر، لكن نضعها دائمًا في سياقها دون تضخيم”.
حين يأتي النصر بعد اليأس
وفي ختام حديثه، عبّر أبو غدة عن أمنيته بأن يرى مصر في أحسن حال، داعيًا الله أن يفرّج عن أهلها، مؤكدًا ثقته بأن الخير قادم للعالم العربي والإسلامي، “وما ذلك على الله بعزيز”، فلم يأتِ النصر للسوريين إلا حين استيأسوا تمامًا وتراجع الدعم، وفجأة جاء الفرج، ولذلك لا نيأس.




