حوارات

في مواجهة التعتيم والمنصات الرقمية.. الإعلام العربي أمام تحدٍّ وجودي

محمد العوني رئيس “منظمة حريات الإعلام والتعبير” المغربية:

  • حرية الإعلام العربي في أدنى مستوياتها رغم الخطاب الرسمي عن الديمقراطية
  • المشكلة ليست في قلة المعلومات فقط.. بل في كيفية التحكم في تدفقها وتوجيهها
  • الإعلام يتسامح في نشر المعلومات الشخصية ويحجب ما يتعلق بالشأن العام!
  • المتلقي لم يعد سلبيًا… وجيل زد فاعل رقمي يفرض حضوره رغم كل التحديات
  • بعض المؤسسات تحوّلت إلى أدوات للدعاية.. و”الترند” خطر حين يكون موجّهًا
  • حين تطغى الأجندات يتحول القرار الإعلامي من وظيفة مهنية إلى أداة توجيه

“إنسان للإعلام”- طارق النبوي:

في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتبدل فيه موازين القوة، لم تعد المعركة محصورة في السياسة والاقتصاد وحدهما، بل انتقلت إلى ساحة أكثر حساسية وخطورة، هي ساحة المعلومة.. من يملكها؟ من يتحكم في تدفقها؟ ومن يحدد ما يجب أن يعرفه الجمهور وما ينبغي أن يبقى في الظل؟

وفي المنطقة العربية، حيث تتباين اعتبارات السلطة مع تطلعات المجتمع، يتحول سؤال حرية الإعلام إلى اختبار حقيقي لطبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن، وبين الخطاب الرسمي وواقع الممارسة.

وفي حين ترفع الأنظمة شعارات الديمقراطية والانفتاح، تتنامى فجوة الثقة بين الجمهور والمؤسسات الإعلامية، في ظل اتهامات بالتعتيم، وانتقائية في النشر، وتداخل ملتبس بين الإعلام والدعاية، وهو ما يجعل وسائل الإعلام والعاملين فيها أمام تحد حقيقي.

وفي قلب هذه التحولات، برز جيل “زد” بوصفه فاعلًا رقميًا جديدًا لا يكتفي بالاستهلاك، بل ينتج محتواه وينظم نفسه خارج الأطر التقليدية، فارضًا إيقاعًا مختلفًا على المجال العام، إذ لم تكن احتجاجات الشباب في المغرب – كما في دول عربية أخرى- مجرد حدث عابر، بل كشفت إعادة تشكيل عميقة لمعادلة الإعلام، مع تراجع أدوار بعض المؤسسات الكبرى، والحضور الطاغي للمؤثرين، وانتشار المنصات العابرة للحدود.

في هذا السياق، أجرى “مركز إنسان للدراسات الإعلامية” هذا الحوار مع الخبير الإعلامي المغربي محمد العوني، رئيس منظمة حريات الإعلام والتعبير، لقراءة معمقة في واقع حرية الإعلام عربيًا، وتشريح إشكالية التعتيم، واستكشاف تحولات الإعلام الرقمي، وتقييم التغطية الإعلامية لاحتجاجات جيل “زد”، وصولًا إلى مناقشة الإطار القانوني المنظم للمهنة في المغرب، بين النصوص والممارسات.

  • في البداية، كيف تقيّمون أوضاع حريات الإعلام في المنطقة العربية؟

التقييم العام واضح لكل من يتابع هذا الملف؛ يمكن القول إن أوضاع حرية الإعلام في أدنى مستوياتها، للأسف، مقارنة بدول ومناطق أخرى، وما زاد الصورة تعقيدًا في السنوات الأخيرة هو حدوث تراجعات على المستوى العالمي، وهو ما استندت إليه قوى التسلط والاستبداد والفساد في بلداننا العربية لتبرير سياساتها، عبر القول إن الحريات تتراجع حتى في الدول التي تُصنَّف ديمقراطية.

الأرقام والمعطيات كثيرة، ولن أثقل بها عليكم، لكنها جميعًا تشير إلى أن معظم بلداننا تقع في ذيل الترتيب وفق معايير حرية الإعلام، بل إن بعض الدول التي بدأت تحاول الخروج من دائرة الإعلام المقموع نحو مساحة متوسطة شهدت تراجعات أعادتها إلى الخلف.

صحيح أن هناك تفاوتات بين الدول العربية، لكن عند النظر إليها إجمالًا -ومعظمها يقع في جنوب البحر الأبيض المتوسط- لا يمكن مقارنتها بدول شمال المتوسط وما بلغته من مستويات في حرية الإعلام.

  • ما الفرق بين قلة المعلومات والتعتيم الإعلامي؟ ومن المسؤول عن هذا التعتيم؟

هذا سؤال مهم، لأنه يقتضي التمييز بين ثلاث حالات أساسية:
الحالة الأولى: قلة المعلومات مع وجود تعتيم.
الحالة الثانية: الإغراق بالمعلومات، أي كثرتها، مع استمرار التعتيم.
الحالة الثالثة: وفرة المعلومات بشكل طبيعي مع وجود التعتيم.

في هذه الحالات الثلاث لا توجد علاقة ميكانيكية مباشرة بين توفر المعلومات ووجود التعتيم؛ أحيانًا يكون هناك قصد في جعل المعلومات قليلة داخل الدولة والمجتمع، بل حتى داخل مؤسسات الدولة نفسها، ويكون التحكم في تدفق المعلومات وسيولتها أحد أدوات التعتيم.

وفي الحالة الثانية، قد يكون الإكثار من نوع معين من المعلومات وسيلة لحجب معلومات أخرى عبر تقليص تدفقها. أما الحالة الثالثة، أي توفر المعلومات بشكل طبيعي، فهي تكاد تكون غائبة في بلداننا العربية، لأن التحكم في المعلومات حاضر بقوة، وأحيانًا بصورة تبدو كاريكاتورية في ظل التكنولوجيا الحديثة والتواصل الرقمي، حيث تُنفق موارد وجهود لمنع معلومات هي متاحة أصلًا بطرق مختلفة.

عندما تُقدَّم المعلومات بشكل طبيعي وقانوني، وتُتاح كل المعطيات التي هي حق للناس، يقلّ التعتيم تلقائيًا، وحتى إن وُجدت إرادة لإخفاء بعض الأمور، فإن قدرتها تصبح محدودة.

لكن لدينا خلط بين المعلومات العامة التي يجب أن تُتاح، وبين المعطيات ذات الطابع الشخصي أو المرتبطة بالمصلحة العامة العليا، والتي من الطبيعي أن تخضع للحماية وفق القانون؛ ما يحدث أحيانًا هو العكس: تُنتهك الخصوصيات بشكل واسع، بينما تُحجب المعلومات التي تمكّن المواطنين من متابعة الأوضاع والمشاركة في اتخاذ القرار، سواء على المستوى المجتمعي أو السياسي.

  • لكن من المسؤول عن هذا التعتيم؟

في الغالب، تتحمل مؤسسات الدولة النصيب الأكبر من المسؤولية، إذ تتعامل مع المعلومة باعتبارها سلطة، ولا ترغب في أن تتحول سلطة المعرفة إلى سلطة مشاعة بين المواطنين؛ لذلك لا يُمنح قطاع مثل التعليم والتربية المكانة التي يستحقها، رغم أنه لم يعد مرتبطًا فقط بالمؤسسات التعليمية، بل أصبح متداخلًا مع الإعلام ووسائل التواصل الرقمي.

لكن المسؤولية لا تقع على الدولة وحدها؛ هناك أيضًا فئات داخل المجتمع، وأحيانًا مؤسسات دينية أو مكونات سياسية، تمارس أشكالًا من التعتيم.

نحن نفتقر إلى ثقافة تعتبر المعلومة حقًا عامًا وأداة للتقدم والمساواة؛ فالمعرفة أداة أساسية لتحقيق المساواة بين المواطنين، لكن هذا الجانب لا يُنتبه إليه كثيرًا.

هناك حديث عن الديمقراطية كعنوان عام، لكن منظومة المواطنة، المتداخلة معها، ما زالت بحاجة إلى ترسيخ، والمعرفة والمعلومات والإعلام والتعليم أدوات ضمن هذه المنظومة الكبرى.

ومن يتأمل تاريخنا العربي الإسلامي يدرك أن لحظات الازدهار الحضاري ارتبطت بمكانة المعرفة؛ فلا يمكن تحقيق تقدم مادي أو حضاري دون أن تحتل المعرفة موقعًا مركزيًا، وهذا يرتبط بكيفية تعاملنا مع المعلومات والأفكار والآراء.

  • تطرقتم إلى أهمية المعلومة وتأثيرها على المجتمع، فهل ترون أن التعتيم يؤثر على جوانب أخرى من حياة الجمهور اقتصاديًا أو اجتماعيًا؟

بالتأكيد، التعتيم يؤثر في مختلف المجالات؛ يؤثر في التقدم الاقتصادي، وفي الأوضاع الاجتماعية، وفي علاقة المجتمع بالدولة ومؤسساتها ومكوناته المختلفة.

وما قد لا يدركه بعض المسؤولين هو أن التعتيم قد ينقلب عليهم، خاصة في ظل التحولات الرقمية والتكنولوجية الراهنة، حيث يبدو أحيانًا سلوكًا يثير السخرية أكثر مما يحقق هدفه.

لنأخذ مثال قطاع الصحة: حسن تدبيره يعود بالنفع على الدولة والمجتمع معًا، لكن عندما تُحجب معطيات صحية مهمة في وقتها المناسب، يمكن أن يؤدي ذلك إلى تفاقم أمراض أو انتشار أوبئة كان بالإمكان احتواؤها، وتجربة جائحة كوفيد-19 مثال واضح؛ ففي بدايتها كان التردد في تقديم المعلومات سببًا في تسريع انتشار المرض.

صحيح أن هذا حدث عالميًا، لكن أثره كان أشد في بلدان تعاني أصلًا من ضعف الشفافية.

  • هل معنى ذلك أن نشر كل التفاصيل يكون دائمًا في صالح المجتمع، أم أن هناك استثناءات؟

طبعًا هناك استثناءات، لكن الأصل أن تكون محددة بدقة في إطار القانون والدستور، وضمن مفهوم دولة الحق والقانون والمؤسسات.

الاستثناء يجب أن يتعلق فعلًا بالمصلحة العليا الحقيقية للبلد، لا بالمصلحة التي يقدمها الفاعل السياسي لتبرير قراراته.

هناك معطيات ذات طابع شخصي لا يجوز الترويج لها، وهذا استثناء مشروع، لكن ما يحدث غالبًا هو العكس: تُحجب المعلومات المتعلقة بتدبير الشأن العام والسياسات العمومية، بينما تُستباح المعطيات الشخصية.

اليوم هناك معركة دولية حول المعطيات الشخصية بين قوى كبرى مثل الدول الأوروبية والولايات المتحدة والصين، بشأن استخدام بيانات المواطنين.

والمنصات الرقمية الكبرى لم تعد مجرد وسائط بسيطة، بل تحولت إلى منظومات ضخمة، وأصبحت إحدى أدوات الهيمنة الاقتصادية ونشر النموذج الرأسمالي المتوحش.

وفي هذا السياق، فرّطنا في معطيات شعوبنا، وفي الوقت نفسه ما زلنا نحرم هذه الشعوب من الحق في الحصول على المعلومات التي تمكّنها من العيش في عصرها والمساهمة في تقدم البشرية.

  • دعنا ننتقل إلى تأثير المنصات الرقمية وسرعة انتقال المعلومات عبرها قبل الإعلام التقليدي.. هل أصبح دور الإعلام التقليدي ثانويًا؟

أعتقد أن تصنيف الإعلام إلى تقليدي وجديد لم يعد مناسبًا. مصطلح “التقليدي” في العربية يرتبط بالتقليد بمعنى النقل دون تمحيص، وهو توصيف غير دقيق، والأفضل أن نصنف الإعلام إلى نوعين: إعلام يقوم بوظائفه، وإعلام يتخلى عنها ويتحول إلى أداة للدعاية أو التضليل.

وظائف الإعلام الأساسية ثلاث: الإخبار، والتنشئة أو التوعية، ثم الترفيه بمضمونه الإعلامي.. واليوم أضيفت وظيفة رابعة أصبحت أكثر وضوحًا، وهي توفير مساحة للحوار العام، بحيث لا يكون الإعلام مجرد قناة من فوق إلى تحت، بل فضاءً لتفاعل الآراء ومكونات المجتمع ومؤسسات الدولة.

مع الإعلام الإلكتروني والتواصل الرقمي، لم يعد المتلقي مجرد مستقبل سلبي، بل أصبح فاعلًا في إنتاج المحتوى وفي التأثير في المجال العام.

اليوم تدور معركة بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة والصين، كلٌّ من موقعه، حول مسألة تدخل وسائط التواصل الرقمي، وأنا لا أعتبرها مجرد شبكات للتواصل الاجتماعي، بل منظومات متكاملة للتواصل الرقمي، فهذه الوسائط لم تعد أدوات بسيطة، بل تحولت إلى كيانات ضخمة عابرة للحدود،

وهناك صراع قائم بينها حول استخدام المعطيات الشخصية لمواطني كل دولة، إذ أن كل طرف يتهم الآخر بانتهاك بيانات مواطنيه.

وفي المقابل، تدور مواجهة أخرى مع هذه المنظومات الرقمية العملاقة نفسها، بعدما أصبحت إحدى الأدوات البارزة لما يمكن تسميته أشكالًا جديدة من الاستعمار، ووسيلة لانتشار نموذج اقتصادي رأسمالي متوحش بصورة غير مشروعة.

  • هل أصبحت “الترندات” هي التي تحدد ما يستحق التغطية وما يمكن بحثه؟

“الترند” هو تسمية لإمكانية وعمل كانا موجودين في الإعلام سابقًا، و”الترند” مرتبط بالتواصل الرقمي، وأنا مُصرّ على ضرورة الفصل بين التواصل الرقمي والإعلام الإلكتروني.

فالإعلام الإلكتروني إعلام يعتمد على الرقمية، لكنه يتوفر على مقومات العملية الإعلامية، أما “الترند” فكان في السابق هو السبق الصحفي أو المعلومة الخاصة، لكن “الترند” اليوم فيه جانب تلقائي، وفيه جانب متحكَّم فيه، أي يُخلَق ويُصنَع، ويتم التعامل معه وفق وضع محدد للمتلقي.

يمكن أن أقول إن “الترند” أصبح يحدد الأولويات، لكن الأخطر عندما يكون “الترند” هو الذي يحدد الأولويات وهو موجَّه، كما نرى في وسائل التواصل الرقمي مثل “فيسبوك” و”تيك توك” وغيرها؛ إذ يمكن من خلالهما أن يحدث التوجيه.

  • كيف رأيتم التغطية الإعلامية لتظاهرات جيل جديد في المغرب؟ هل كانت في المستوى المأمول؟ كيف تقيّمونها؟

بشكل عام، لم تكن في المستوى المطلوب، وسأفصل في ذلك بالعودة إلى ما أشرت إليه سابقًا.. لدينا أولًا الإعلام المستقل، ثم الإعلام الرسمي الذي يُفترض، بحكم كونه رسميًا ومموّلًا من أموال دافعي الضرائب، أن يكون إعلامًا عموميًا يخدم الجميع، لكن للأسف، يمكن القول إن هذا الإعلام أنكر في الأيام الأولى وجود احتجاجات الشباب.

في المقابل، كان للتواصل الرقمي تأثير كبير، وأقصد هنا التواصل الرقمي تحديدًا، لا الإعلام الإلكتروني، فقد كان التواصل الرقمي هو الفاعل الأساسي في البداية، وعندما يتصدر هذا الفاعل المشهد، يتضح أن الطرف الذي كان يُفترض أن يكون في الواجهة أصبح ثانويًا.

أما الإعلام الإلكتروني -وأقصد به الجرائد والإذاعات والقنوات التي تشتغل عبر الوسائط الرقمية- فقد بدا في البداية وكأنه فوجئ بالاحتجاجات، ووجد نفسه أمام سؤال: هل متابعة هذا الملف قد تجرّ عليه مشاكل رقابية، أم أن الأمر لا يستدعي القلق؟ بعض المنابر احتاجت يومين تقريبًا لحسم هذا السؤال، لكن حين انطلق الإعلام الإلكتروني في التغطية، قام بأدوار مهمة، خاصة وأن أغلبه مستقل أو يحاول الابتعاد عن التوجيه السياسي.

هذا التناول كشف حجم الخصاص، ليس فقط في الإعلام العمومي الخاضع لتحكم رسمي، بل حتى في الإعلام الخاص، الذي يُفترض به أيضًا أن يقدم خدمة عمومية.

في المغرب، يبرز الإعلام الخاص أساسًا خارج الإعلام الإلكتروني في الإذاعات، حيث توجد نحو عشر إذاعات خاصة، بينما القنوات التلفزيونية القليلة تُحسب بدورها على القطاع الخاص.

عمومًا، كانت البداية أقل من المأمول، لكن لاحقًا فرض شباب الجيل الجديد أنفسهم على من يُسمَّون بالمؤثرين – وهؤلاء أضعهم ضمن فضاء التواصل الرقمي لا الإعلام الإلكتروني- إذ هددوا بفضح كبار المؤثرين الذين يملكون ملايين المتابعين إن لم يتناولوا قضايا الاحتجاجات، واضطر كثير منهم إلى التفاعل والحديث عن الموضوع، ربما بأساليب غير ملائمة، لكن الاحتجاجات حضرت في خطابهم.

ومع تصاعد الاعتقالات، انحاز عدد معتبر من هؤلاء المؤثرين إلى جانب الاحتجاجات، فالشرطة المغربية لم تجد حرجًا في اعتقال أعداد كبيرة من الشباب.

بصورة عامة، يمكن القول إن أداء الإعلام اختلف باختلاف نوعه وموقعه ومرجعيته.

  • هل ترى أن الإعلام المغربي قد يخشى الاقتراب من بعض الملفات الحساسة؟

نعم، بالتأكيد.. وفقًا للتصنيف الذي أشرتُ إليه سابقًا، فإن الإعلام المستقل يقوم أساسًا على مقاربة هذه الملفات، ومن خلال الاقتراب منها ينمو ويتعزز موقعه تدريجيًا، لأنه يتقدم نحو القضايا التي توصف بالحساسة أو التي يعتبرها بعض المسؤولين ذات طابع خاص.

أما الإعلام المنحاز للسلطة، ففي بعض الحالات لا يمكن حتى اعتباره إعلامًا بالمعنى المهني للكلمة؛ فهناك مؤسسات إعلامية تحوّل نشاطها في الغالب إلى عمل دعائي، وبهذا تنتقل من فضاء الإعلام إلى مجرد أداة للدعاية.

والمشكلة أن المتلقي العادي قد لا يستوعب هذا الفرق، لأنه لا يمتلك دائمًا الخلفية المرتبطة بالتصنيفات المهنية أو الفروق بين العملية الإعلامية والعمل الدعائي.

 صحيح أن التمييز بين الإعلام والدعاية واضح بالنسبة للمتخصصين والمتابعين، لكن بالنسبة للجمهور العام قد تختلط الأمور.

وهذا الخلط بين الإعلام والدعاية، وبين التواصل والدعاية، يتم أحيانًا بشكل متعمد؛ ففي عدد من البلدان العربية، هناك توجه لدى بعض المسؤولين عن السياسات الإعلامية لطمس الحدود الفاصلة بين هذه المجالات.

الإعلام المغربي قد يتردد في الاقتراب من بعض الملفات، لكن الأمر يرتبط أيضًا بالسياق الزمني والسياسي؛ فهناك فترات يصبح فيها الزمن الإعلامي متقدمًا على الزمن السياسي، وعندها يسعى الإعلام إلى بلوغ مساحات لم يكن قادرًا على بلوغها في مراحل سابقة.

لماذا لم تتحول قضية “جيل زد” إلى قضية إعلامية كبرى؟ ولماذا بدت وكأنها اختفت بشكل مفاجئ؟

في تقديري، القضية لم تختفِ بشكل كامل كما يُروَّج أحيانًا.. لا يمكن الحديث عن اختفاء تام لقضية جيل زد، لأن هناك من لا يزال يتابع تطوراتها، وعلى الأقل هناك عشرات الآلاف ممن يتابعون ملف نحو 1300 معتقل من شباب جيل زد؛ بعضهم صدرت في حقه أحكام، والبعض الآخر ما زال في طور المحاكمة.

إذن فالمتابعة قائمة، سواء فيما يتعلق بالمسار القضائي أو بالتحليلات المرتبطة بالأوضاع التي أفرزتها الحركة الاحتجاجية، بل وحتى مقارنتها باحتجاجات خارج المغرب أو باحتجاجات سابقة داخله.

صحيح أن مستوى المتابعة الإعلامية تراجع، وهذا سؤال مشروع؛ فقد انتقل الاهتمام من ذروة عالية إلى مستوى أدنى بكثير، وهذا التراجع يحتاج إلى دراسات معمقة، لكن من خلال الملاحظة العامة يمكن القول إن الدولة ومؤسساتها اعتمدت وسائل وأدوات متعددة، ومن ميادين مختلفة، للتعامل مع الموضوع.

على مستوى الإعلام والتواصل الرقمي – وأقصد هنا الإعلام الإلكتروني والتواصل الرقمي معًا- تم الاشتغال على الحد من بعض المعلومات، وتوجيه الأخبار بطريقة معينة، كما جرى العمل على إعادة الإمساك بخيوط بعض كبار المؤثرين على المنصات الرقمية، والدخول بقوة إلى المنصات الأساسية التي كان الشباب يعتمدون عليها، ومنها منصة “ديسكورد”، التي فاجأت كثيرين بحضورها القوي، حيث تتميز ببنية غير هرمية، وتتيح غرف دردشة متعددة، وقد استغل الشباب هذه الخاصية لتنظيم تواصلهم، لكن لاحقًا التحقت أطراف مختلفة – بعضها بشكل سلبي- إلى هذه الفضاءات، بما في ذلك جهات مرتبطة بالأجهزة الاستخباراتية، وأصبح هناك تأثير مباشر داخل هذه المساحات.

إلى جانب ذلك، كان هناك التعامل الأمني والقمع المباشر، من خلال الاعتقالات والمحاكمات، وكذلك التأثير على أسر الشباب، أحيانًا عبر إغراءات تتعلق بإمكانية الإفراج أو تخفيف الأحكام؛ فصار تركيز بعض الأسر منصبًا على إطلاق سراح أبنائها، بدل الاستمرار في المطالب الأصلية للحراك.

كما كان هناك اشتغال داخل المؤسسات التعليمية للحد من زخم التحركات، فضلًا عن أدوات أخرى في مجالات متعددة، قد لا نعرف تفاصيلها كاملة أو لا نستطيع التدقيق في مستوى تدخلها، لكنها جميعًا أسهمت في تقليص زخم الاحتجاجات، وهو ما انعكس بطبيعة الحال على مستوى التغطية الإعلامية.

ولا ينبغي أن نغفل أن الأسابيع الأخيرة من الاحتجاجات تزامنت مع أحداث رياضية كبرى، ومن المعروف أن بعض مؤسسات الدولة تراهن كثيرًا على كرة القدم كأداة جذب واهتمام جماهيري، وتُضفى على هذه المحطات طابعًا وطنيًا واسعًا. كان هناك جدل حول الربط بين إنجاز المنتخب المغربي لأقل من عشرين سنة وتتويجه بكأس العالم للفئة، وبين واقع الشباب المحتج في الشارع، باعتبار أن هؤلاء أنفسهم يمثلون نموذجًا آخر للشباب المغربي. ثم جاءت كأس العرب، وبعدها كأس إفريقيا، ومع الاهتمام الواسع بكرة القدم في المغرب، شكّل ذلك عامل جذب وانشغال جماهيري كبير.

إضافة إلى ذلك، انشغل الصحفيون بملفات أخرى، مثل قضية المجلس الوطني للصحافة، كما انشغل المحامون بنظام المهنة، إلى جانب أحداث وإجراءات في مجالات متعددة كقضايا الأسعار وغيرها. كل هذه العوامل مجتمعة أثرت في مستوى المتابعة، لكن رغم ذلك لا بد من التأكيد أن جزءًا من الإعلام، وبعض المبادرات الإعلامية والتواصلية، لا تزال تتابع مصير شباب جيل زاد، رغم تقلص المساحة المتاحة لهم أو لجوئهم إلى أشكال أقل ظهورًا.

  • هل كانت التحفظات في هذه القضية مرتبطة برقابة ذاتية لدى الصحفيين، أم برقابة حكومية؟ وهل تعامل الإعلام مع تحركات “جيل زد” كحدث عابر أم كتحول اجتماعي يستحق تحليلًا أعمق؟

لا يمكن التعميم على الإعلام ككل؛ هناك من تعامل مع الحراك بوصفه حدثًا عابرًا، فكلما خرجت مظاهرة اعتُبرت واقعة تُغطّى وتنتهي. وفي المقابل، هناك من طرح سؤالًا أعمق: ما طبيعة التحولات التي أفرزها حراك شباب جيل زاد؟ وأي تحولات مستقبلية قد يسهم فيها؟

إذن هناك تنوع في المقاربات داخل الإعلام، لكن الانطباع العام الذي يتركه الإعلام، وخاصة الإعلام الإلكتروني والتواصل الرقمي، هو أن التركيز الأكبر يكون على تقديم الوقائع اليومية من الميدان، وهذا يرتبط بالخط التحريري لكل وسيلة أو منصة رقمية؛ فبعضها قد يصنع من الحدث العابر قضية كبرى، وبعضها قد يحوّل قضية كبيرة إلى حدث عادي.

  • هل غياب التغطية المكثفة لحدث ما يعني غياب الحدث نفسه، أم هو غياب قرار إعلامي؟

أعتقد أن ما سبق يجيب جزئيًا عن هذا السؤال، هناك جانب يرتبط بالقرار الإعلامي، خاصة عندما تكون هناك أجندات تتحكم في التغطية، وهناك جانب مرتبط بالوقائع نفسها.

وعندما يكون الإعلام، بما فيه الإعلام الإلكتروني، حريصًا على أداء وظيفته الأساسية، وهي الإخبار أولًا، يصبح تأثير القرار الإعلامي محدودًا، أما عندما تطغى الأجندات، فإنها هي التي تتحكم، ويصبح التوجيه هو السائد.

حتى الفئة الوسطى بين الإعلام المتحرر والإعلام المُدجَّن تستعمل آليات معينة، ونجد في حالات كثيرة أن القرار الإعلامي لا يرتبط بالوظائف المهنية كما ينبغي، بل يتأثر بالمناخ السياسي العام، وبالسياق المجتمعي، وبمواقف مؤسسات الدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى