صراع السرديات في المشهد السوري.. الاستقطاب الإعلامي وأزمة “قسد”
“إنسان للإعلام”- مراد المصري:
دخل المشهد السوري، في النصف الأخير من يناير 2026، مرحلة “السيولة الاستراتيجية”، حيث تشهد الساحة السورية صراعاً محتدماً بين سردية “الدولة الواحدة” التي يقودها الرئيس أحمد الشرع، وسردية “الخصوصية السياسية” التي تحاول قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التمسك بها.
ومع التطورات الأخيرة في شمال شرق سوريا، تحول الإعلام من ناقل للحدث إلى فاعل أساسي في توجيه بوصلة الولاءات الشعبية والسياسية.
سردية دمشق.. استراتيجية “الاحتواء الصلب”:
تعتمد الماكينة الإعلامية لدمشق استراتيجية “المقص”، حيث تعمل على مسارين متوازيين:
– المسار الناعم (مرسوم الحقوق): توظيف “مرسوم الحقوق الكردية” كأداة للقوة الناعمة، إعلامياً، حيث يتم تصوير هذا المرسوم كـ”نهاية لعصر المظلومية”؛ بهدف عزل قيادة “قسد” عن قاعدتها الشعبية، وتصوير أي رفض للاندماج كأنه “تمرد ضد مصالح الأكراد أنفسهم”.
– المسار الصلب (إنهاء التعددية العسكرية): تجلى ذلك في خطاب الرئيس أحمد الشرع، الذي وضع “إطاراً خبرياً” لا يقبل التأويل، فقال: “تعدد الجيوش هو وصفة للحروب الأهلية”.
وفي هذا السياق، برزت رواية رسمية تركز على أن الإجراءات الأمنية في حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب هي “إنفاذ قانون” وليست “عملاً عدائياً”، رداً على ما وصفته بـ”استفزازات المسيّرات” التابعة لقسد.
وفي لقائه الأخير مع قناة “الجزيرة”، صاغ حمزة المصطفى وزير الإعلام لغة إعلامية تعتبر “اتفاق العاشر من مارس/ آذار 2024” هو المرجعية الوحيدة، مما يضع “قسد” قانونياً في خانة “المعطل للاتفاقات”.
سردية “قسد” .. المناورة الرقمية وإدارة الارتباك:
تعيش المكاتب الإعلامية لـ “قسد” حالة من “الارتباك الاستراتيجي” تظهر بوضوح في تناقض الخطاب بين المنصات المختلفة، ويبدو ذلك في :
– ثنائية “الانسحاب والتموضع”: حاولت “قسد”، إعلاميا،ً تسويق تراجعها من أحياء حلب كـ”خطوة طوعية” لإظهار حسن النية دولياً، بينما تصفه التقارير الميدانية بالانسحاب القسري.
– التصعيد الميداني كأداة تفاوض: لجأت “قسد” في الأيام الماضية إلى تكثيف أخبار “الاستنفار العسكري” في دير حافر ومسكنة، وهي رسالة إعلامية موجهة للداخل والخارج مفادها: “لا نزال نملك أوراق القوة”، رداً على ضغوط دمشق لتسليم السلاح الثقيل .
– أزمة المصداقية: يعاني خطاب “قسد” من فجوة بين لغة مظلوم عبدي، القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، “المرنة” سياسياً، وبين التحركات الميدانية لمجلس حلب العسكري، مما أوحي بوجود تصدع في “السردية المركزية” للتنظيم.
المستجدات الميدانية وأثرها على الخطاب الإعلامي:
خلال الايام الماضية، طرأت تحولات أعادت صياغة التغطية الإخبارية، تتمثل في :
– إعلان دير حافر “منطقة عسكرية”: استغلت دمشق هذا الإعلان إعلامياً لتعزيز رواية “الحسم القادم”، بينما صوّرته “قسد” كدليل على “نوايا عدوانية” من طرف الدولة تهدد الاستقرار الهش .
– سلاح المسيرات: أحدث انتشار مسيرات “قسد” في سماء حلب هزة إعلامية؛ إذ استخدمتها دمشق كذريعة لإثبات “خطر السلاح المنفلت”، بينما استخدمتها “قسد” كرسالة لرفع الروح المعنوية لأنصارها.
الدور التركي..و تعرية الكيانات الانفصالية:
لم يكتفِ الخطاب الإعلامي التركي بالثبات على مواقفه المبدئية، بل انتقل إلى مرحلة “المبادأة الاستراتيجية” عبر مسارات محددة، منها:
– كشف التزييف الهيكلي: تتبنى المؤسسات الإعلامية التركية استراتيجية “التوصيف الدقيق”، حيث يتم تعرية تنظيم “قسد” وكشف ارتباطه العضوي بالتنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، و هذا الخطاب لا يقدم الصراع كخلاف سياسي، بل كضرورة “أمنية وجودية” تهدف إلى حماية السيادة الوطنية التركية ووحدة الجوار الجغرافي.
– تفكيك مناورات “تبديل الجلود”: يركز الإعلام التركي على كشف زيف محاولات شرعنة هذه الكيانات عبر دمجها في مؤسسات الدولة السورية، معتبراً إياها مجرد “إعادة طلاء” لمشروع انفصالي يهدد وحدة سوريا.
– المعادلة الأخلاقية (الأمن مقابل العودة): يتم توظيف ملف “العودة الطوعية والآمنة للاجئين السوريين” كركيزة أخلاقية وقانونية؛ حيث يربط الخطاب الإعلامي بين تقويض نموذج “الإدارة الذاتية” وبين خلق بيئة مستقرة تسمح للسوريين بالعودة إلى ديارهم، مما يجعل الرؤية الإعلامية التركية هي الضمانة الحقيقية لمنع تقسيم المنطقة.
ويتصرف الإعلام التركي اليوم كقوة ناعمة موازية للتحركات العسكرية، حيث ينجح في فرض واقع مفاده أن خارطة لمستقبل سوريا لا تضمن استئصال التهديدات الإرهابية وتأمين الحدود، هي خارطة محكومة بالفشل وغير قابلة للاستمرار.
إن الصراع الحالي في سوريا هو “حرب تعريفات” بامتياز، فدمشق نجحت إعلامياً في احتكار مفهوم “السيادة والشرعية”، بينما فقدت “قسد” جزءاً كبيراً من جاذبية سرديتها بعد مرسوم الحقوق الكردية الذي سحب منها فكرة المظلومية.
المصادر :
خطاب الرئيس أحمد الشرع: (يناير 2026) حول شروط دمج القوى المسلحة.
مرسوم الحقوق الكردية: وتحليلات أثره على الحاضنة الشعبية.
لقاء وزير الإعلام حمزة المصطفى (قناة الجزيرة): حول مستقبل أحياء حلب.
تصريحات مظلوم عبدي (قناة المشهد): حول التزامات “اتفاق 10 مارس”.
رصد ميداني (الجزيرة/سانا): حول إعلان دير حافر منطقة عسكرية واستخدام المسيرات في الشيخ مقصود.




