دراسات

شروط النهضة..والأزمة الحضارية للمسلمين

 قراءة في كتاب مالك بن نبي "شروط النهضة"

إعداد: أسامة  أحمد

الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و صحبه ومن والاه .   و بعد

يعتبر المفكر الجزائري العربي المسلم مالك بن نبي ( 1905 – 1973 ) رحمه الله من أبرز أعلام العرب المتخصصين في مجال الفكر الإسلامي في القرن الماضي ، بل هو أحد رواد النهضة الفكرية في العالم الإسلامي . له جهود متميزة في بناء الفكر الإسلامي و تحليل و تفكيك المشكلات والأزمات الحضارية للعالم الإسلامي ، و تحديد عناصر الإصلاح و أدواته .

و عندما يتناول مالك الأزمة الحضارية للعالم الإسلامي لا يتجاهل البعد الإنساني ، بل يبرزه و يعرضه ليس لوجود مساحات تاريخية كبيرة مشتركة ، بل لأن التراث الإنساني مليء بالخبرات و التجارب التي لا يجوز إهمالها .

من أبرز و أهم ما كتب مالك بن نبي رحمه الله كتاب "شروط النهضة". يعرض فيه بإيجاز شديد صدى صرخات المصلحَيْن : الأفغاني و محمد عبده. هذه الصرخات التي أيقظت البعض فأحس بالألم فبدأ يبحث عن الدواء في صيدلية الحضارة الغربية فلم يجد سوى بعض المسكنات ! والتي تكمن في بعض منتجات الحضارة الغربية. لكن مالك وجد دواءً متاحاً للبشرية كلها و هو ما حدده في عناصر ثلاثة: الإنسان و التراب والوقت، لكن المشكلة تكمن في كيفية استغلال هذه العناصر . فيبدأ يحلل كلاً منها. و بالطبع كان عنصر "الإنسان" هو أهمها فأفسح له قريباً من ثلث الكتاب .

في الحقيقة أجاد مالك في عرض الأزمة الحضارية التي يعيشها المسلم بدءاً من ثقافته التي تناول معناها في التاريخ و معناها في التربية و التي حدد عناصرها و أسهب في تفصيلها ، ثم تحدث عن مشكلة المرأة بين دعاة تحريرها و دعاة تكبيلها ، و بيَّن دورها المميز في صناعة النهضة . تناول أيضاً عنصر "التراب" بمعناه الذي يسع كل العناصر المادية الموجودة على ظهر الأرض من خامات و أدوات و مواد طبيعية . ثم دعا إلى أمرين : الحفاظ على هذا التراب ، و حسن الاستفادة منه ، و ذكر أمثلة تبين كيف أن الحفاظ عليه و الاستفادة منه غَيَّر الواقع الحضاري بدرجة كبيرة . ثم تناول مالك "الوقت" و بيّن أن التربية هي الوسيلة الوحيدة لتعليم شعوبنا قيمته ، و قدم مثالاً لألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية و كيف استغلت عنصر الوقت لاستعادة مكانها الحضاري سريعاً من نقطة الصفر .

و يختم مالك كتابه القَيّم بأن الاستعمار الذي يفرض على الإنسان المستعمَر خططاً لإذلاله و القضاء على طموحه ، هذا الاستعمار ما كان ليفعل ذلك إلا لوجود قابلية و استعداد لدى المستعمَر لذلك و يقدم لذلك الأمثلة . لكن يبقى أن الاستعمار ليس شراً كله ، بل إنه كان – حسب تعبير مالك – السوط الذي أيقظ العالم الإسلامي من نومه !

كتاب شروط النهضة – كشأن كتابات مالك بن نبي – تتميز بالعمق الشديد ، و يبدو أن المؤلف يتصور أن من يقرأ له لديه عمق في الثقافة و إلمام جيد بالتاريخ ، كما أن من قام بترجمة معظم كتبه ، الدكتور عبد الصبور شاهين رحمه الله ، له أسلوبه الأدبي الرصين و ذوقه البلاغي الذي فرض نفسه على الترجمة و الذي ربما أبعدتنا عنهما – للأسف الشديد – ثقافتنا المعاصرة . لذا كان لا بد من عرض هذا الكتاب القيم بشكل مبسط و مختصر لتوضيح أفكار الراحل المبدع مالك بن نبي رحمه الله راجياً من الله تعالى التوفيق أن تصل مثل هذه الأفكار إلى كل من يهتم بهم الأمة الأكبر و هو كيف تستعيد حضارتنا الإسلامية مكانها .

ملاحظة : لتوضيح بعض المعاني قمت بعمل هوامش موسومة أسفل بعض الصفحات بعلامة * أو ** وهكذا .

الحاضر و التاريخ

في القرن التاسع عشر كان الشرق الإسلامي كله تقريباً تحت نير الاستعمار ، و كان الهم الأكبر للشعوب و في مقدمتهم العلماء و المصلحون هو مكافحته و العمل على التخلص منه ، فشغلتهم المظاهرات و عقد المؤتمرات و تدبيج الخطب تنديداً بالمستعمر . و نتيجة لذلك لم يلتفتوا إلى المشاكل الاجتماعية التي مهدت لهذا الاستعمار ، فأهملوا الأمراض الاجتماعية من جهل و غياب وعي و فقر و أمراض بدنية و أخلاقية .

أيقظ جمال الدين الأفغاني القوة الروحية في الشعوب الإسلامية الخاملة فآتت أكلها في الضمير الإسلامي و جعلت الشعوب تنبذ أوضاعها الكريهة ، و كان في شعب الجزائر المحتل من فرنسا منذ عام 1830 صدىً لصيحات الأفغاني ، فظهرت الفكرة الإصلاحية 1925عام و التي حركت المشكلة الجزائرية و أيقظت أفكار الشباب التي انطلقت و تشابكت بين من يميل للتحديث متبعاً أفكار كمال أتاتورك – وقتها – و من يميل لفكر محمد بن عبد الوهاب ، لكن الجميع كان متفقاً على الحركة و التجديد و الفرار من ( الخرافات و الدروشة ) إلى مواطن أكثر طهراً و فائدة . كان الشعب مصغياً ، و بدأ التغيير و ظهرت آثاره ، حتى – كما عبر مالك – "أُشْرِب الشعب في قلبه نزعة التغيير ، فانتشر الوعي بدلاً من الدروشة ، و تحول رواد الخمارات إلى رواد للمساجد و دور العلم ، مع أن البدايات لم تكن أكثر من كلمات من الفصحى و بعض آيات من القرآن" .

اهتم المجتمع الجزائري وقتها بهذا التغيير حتى أن الناس كانوا يتسامرون حول شؤونهم الاجتماعية كالتعليم و التربية و الأخلاق و العادات و مستقبل المرأة و استخدام رؤوس الأموال ، كما بدأ الأدب الجزائري يسير في الركب فكانت هناك قصائد تُغَنَّي ربيع النهضة . كان حديث الإصلاح مسموعاً في كل مكان بين مؤيد و منتقد لكن تمتع الجميع بلسان عف و سريرة نقية ، و بدأت المعجزة – حسب تعبير مالك – تشق  طريقها . إلا أن حدث ما أوقف هذا التغيير .

في عام 1936 التقى العلماء من رموز حركة الإصلاح مع السياسيين في المؤتمر الجزائري . كانت الجزائر لا تزال وقتها تحت الحكم الفرنسي ، و في المؤتمر أنبهر الإصلاحيون بأداء السياسيين ، و شعروا إزاءهم بالنقص فمالؤوهم و سايروهم* ، فزاد اهتمامهم السياسي و قَلّ أداؤهم الإصلاحي حتى هبطوا في أوحال السياسة و هبطت معهم الفكرة الإصلاحية رغم نيتهم الطاهرة و قصدهم البريء ، فأصبحوا لا يتكلمون إلا عن الحقوق السياسية و تقرير المصير و نسوا واجباتهم نحو مجتمعهم من تعليم و تربية و وعي و أخلاق .

المستقبل

كانت حال العالم الإسلامي كمريض استسلم طويلاً لمرضه حتى فقد شعوره بالألم ، و قبل القرن العشرين جاء من يُذَكّره بمرضه فبدأ يشعر بالألم ، فبدأ يبحث عن الدواء ( هذه اللحظة الحضارية يمكن أن نسميها النهضة ) . اصطدم المصلحون بذلك الوضع الراهن ( المرض ) فوصف كل منهم الدواء تبعاً لآرائه :
وجد جمال الدين الأفغاني أن مشكلة العالم الإسلامي سياسية ، بينما وجد تلميذه محمد عبده أنها دينية . كلا التشخيصين – كما يرى مالك – لا يتناول حقيقة المرض ، بل يتحدث عن أعراضه .. كمريض يعاني من السل فلا يهتم بعلاجه ، بل يهتم بعلاج الحمّى الناتجة عن السل . المريض ، و هو العالم الإسلامي ، كان يحتاج إلى علاج من أمراض الاستعمار و الأمية و الكساح العقلي و غير ذلك ، لكن المشكلة أن المريض لم يكن يعرف حقيقة مرضه ، بل جرى نحو الصيدلية .. صيدلية الحضارة الغربية .

دخل الصيدلية و لديه كل أعراض المرض . تعاطى حبوباً ضد الجهل ، فبنى مدارس حديثة . تناول أقراصاً ضد الاستعمار فبدأ يطالب بالاستقلال و عقد المؤتمرات . و تناول عقاراً ضد الفقر فبدأ بناء المصانع . لكن كونه تنبه إلى مرضه و دخل الصيدلية يبحث عن دواء فهذه بادرة حضارة و لا يسعنا إلا أن نوافق على هذا ، و لعله سيجد دواءً يتعاطاه فيبرأ .لكن حين نبحث حالته عن كثب فلن نجد شفاءً ، أي أننا لن نجد حضارة لأن المقياس العام في عملية الحضارة هو أن الحضارة هي التي تلد منتجاتها ، و ليس العكس . و إن الحضارات التي تبيع لنا منتجاتها و آلاتها لا يمكن أن تبيع لنا روح حضارتها و أفكارها و ثرواتها الذاتية و أذواقها* . إن تراكم المنتجات الحضارية و تكدسها المتزايد يمكن أن يحقق على طول الزمن ما يسمى "حالة حضارة" . و هناك فارق بين حالة الحضارة عندنا و بين تجربة مخططة مثل روسيا ( ثورتها الصناعية ) و الصين حيث حدث هناك انتقال حضاري سريع .

هذا الانتقال الحضاري السريع للمجتمعات يمكن أن يتم بهذه المعادلة : ناتج حضاري = إنسان + تراب + وقت    و لنضرب مثالاً لهذه المعادلة : المصباح الكهربي كناتج حضاري يلزمه إنسان يفكر و يبدع ، و تراب ( عناصر و مواد من أسلاك و موصلات و عوازل ) ، و وقت الذي تتم خلاله عملية التصنيع . و تصدق هذه النتيجة مع أي منتج حضاري . و لكن إذا كانت هذه الحضارة نتاجاً لهذه العناصر الثلاثة فلماذا لا يتكون هذا الناتج تلقائياً ؟ و الإجابة نمهد لها بهذا السؤال : الماء نتاج للهيدروجين و الأكسجين ، فلماذا لا يتكون منهما تلقائياً ؟ و الجواب : يجب أن يتدخل مُرَكِّب ما ، لا تتم عملية تكون الماء بدونه . هذا المُرَكِّب – في الحضارة – هو الفكرة الدينية التي رافقت الحضارة دائماً خلال التاريخ .

الدورة الخالدة

يجب أن نحدد مكاننا في دورة التاريخ ، و ندرك أوضاعنا و ما نحن عليه من أسباب القوة و الضعف لنعرف عوامل النهضة و السقوط في حياتنا . و يجب أن نعلم أيضاً أن الأزمات و الكوارث التاريخية التي تُبعد الأمة عن طريقها ليست بالأمر الشاذ ، بل هي أمر طبيعي ، فواقعة صفين التي حدثت عام 38 من الهجرة مثَّلَت أزمة تاريخية حيث أخرجت العالم الإسلامي من جو المدينة حيث الهدى النبوى و سير الراشدين إلى جو دمشق حيث مظاهر الترف و فتور الإيمان ، و مع ذلك  فلم تكن حدثاً شاذاً ، بل أمر طبيعي في دورة الحضارة ( سنتبين ذلك لاحقاً ) . هذا التباين في الزمان و المكان يلزمه تباين في التعامل مع المشكلات الاجتماعية و الأزمات الحضارية : فما كان يصلح في المدينة لم يعد يصلح في دمشق*.

نحن كشعوب إسلامية حديثة اليقظة يجب أن نعرف : هل نحن نملك أسباب تقدمنا ؟ نجد الإجابة في القرآن الكريم في قوله تعالى : "إن الله لا يغير ما بقو حتى يغيروا ما بأنفسهم" سورة الرعد أية 11 . هذا المبدأ لا يجب أن نقرره فقط حسب إيماننا به بل يجب أن نقرره أيضاً في ضوء التاريخ لنعرف كيف تم تفعيل النص القرآني تاريخياً ، و هنا نبحث في أمرين : أولاً .. هل هذا المبدأ القرآني مؤثر فعلاً في التاريخ ؟ ثانيا .. هل يمكن أن تطبق الشعوب الإسلامية هذا المبدأ ؟

الأمر الأول : لابد للقادة أو من يقود عملية التغيير أن يدرك طبائع الأشياء و سنن الله الكونية و الاجتماعية ، و أن الزاد في المسير إلى الحضارة يجب أن يكون هو المبدأ الديني مصحوباً بالعناصر الثلاثة ، و هي الإنسان و التراب و الوقت ، و مازجاً لها .و بتحليل دورين كاملين من أدوار الحضارة المسيحية و الإسلامية نجد أن كلا الحضارتين تنطلقان من الفكرة الدينية المؤثرة في الفرد و الموجهة له نحو أهدافه السامية . في الجزيرة العربية عاش شعب بدوي بسيط ، و بتعبير الأستاذ مالك : "كانت العوامل الحضارية لديه ( الإنسان و التراب و الوقت ) راكدة ليس لها دور تاريخي ، لكن عندما نزل الوحي و انتشر ( دون عوائق فكرية و حضارية كبيرة ) و أحدث التغيير ، وثَبَتْ القبائل على مسرح التاريخ ، و انتشر الإسلام في قوميات كثيرة ظلت تحمل للعالم حضارة تقوده إلى التمدن و الرقي . هذه الحضارة لم تكن من صنع السياسيين و العلماء ، بل ناس بسطاء إلا أن أنظارهم توجهت إلى ما وراء أفق الأرض . تجلت لهم آيات في أنفسهم دفعتهم بروحها إلى القمة الخلقية الرفيعة ، و انتشرت منها حياة فكرية متجددة نقلت من علوم الأولين ، و أدخلت علوماً جديدة حتى إذا بلغت درجة معينة انحدرت القيم الفكرية و الروحية فأخلدت إلى الأرض شيئاً فشيئاً" . إذن هي فكرة دينية تنطلق قوية ثم يبدأ أفولها بتغلب جاذبية الأرض عليها فيسيطر العقل مدة ثم تغلب الغرائز شيئاً فشيئاً لتعود بالإنسان إلى الأرض .

و يقرر مالك أن المدنيات الإنسانية حلقات متصلة تتشابه أطوارها مع أطوار المدنية الإسلامية و المسيحية . أما عن المسيحية فهي قد سبقت الإسلام كنبوة و دعوة بستة قرون إلا أن الإسلام سبق المسيحية كحضارة بعدة قرون . و يعود السبب إلى أن الجزيرة العربية كانت بيئة عذراء خالية من الفلسفات و الأفكار على عكس أوروبا ( اليونان و الرومان ) بما لديهم من فلسفات و أفكار . و لم تحتضن أوروبا المسيحية كحضارة إلا بعد وصول القبائل الجرمانية* الخالية من أي فلسفات و أفكار . و قد يتبادر إلى الذهن سؤال :

ماذا عن الحضارة الشيوعية التي لم تنبثق من عالم الروح ؟

يعتبر مالك أن الشيوعية من الناحية التاريخية أزمة في الحضارة المسيحية و ليست منفصلة عنها .

الأمر الآخر و هو الإجابة عن السؤال الثاني :
هل تستطيع الشعوب الإسلامية أن تطبق هذا المبدأ و هو التغيير الحضاري ؟

يذكر مالك أن الدين مؤثر صالح في كل زمان و مكان و يمكن أن يتجدد و يستمر ما لم يخالف الناس شروطه و قوانينه و هذا ما تشير إليه الآية الكريمة "فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم"  سورة النور آية 63

العدة الدائمة

نلاحظ دائماً ما يُذَكِّرُ مالك دائماً أن رأس مال أي حضارة ليس إلا الرجل البسيط الذي يتحرك ، و التراب الذي يمده بما يحتاجه حتى يصل إلى هدفه ، و الوقت اللازم لوصوله . و حتى الدول التي انهارت في الكوارث لم تستطع العودة حضارياً إلا بالعناصر الثلاث .

أثر الفكرة الدينية في الحضارة

و لتوضيح هذا الأثر يحسن عقد مقارنة مع مدارس فكرية أخرى : فالمدرسة الماركسية ترى أن الحضارة لا تكون إلا نتيجة ضرورات مادية ، و أن الحاجة و الإبداع التقني يمثلان القطبين لقوى الإنتاج . لكن هذه النظرية غير صحيحة تاريخياً لأن الحضارة الرومانية انهارت مع وجود نفس الحاجات و نفس وسائل الإنتاج . و في القرن العشرين ظهرت نظريات و مناهج أخرى للتفسير الحضاري مثل الألماني شبنجلر Spengler الذي يُفسر الحضارة باعتبارها ثمرة لعبقرية خاصة ، كما ظهرت نظرية التحدي و الاستجابة للبريطاني آرنولد توينبي ، حيث تلعب الجغرافيا دوراً أساسياً كتحدٍ حضاري* . أما الحضارة الإسلامية ففيها عاملان ضروريان :أولاً الفكرة الإسلامية و هي أصل عملية الدفع .
ثانياً الفرد المسلم و هو سند الفكرة المحسوس و حاميها .

و عند دراسة الحضارة الإسلامية يجب أن ندرس من حيث الأساس العلاقة العضوية التي تربط الفكرة بسندها ، أو الإسلام بالمسلم .

هذا الرسم يوضح علاقة المسلم بالفكرة الإسلامية التي يحملها و يصعد معها ، منطَلِقاً حضارياً من فطرته مع بدء الدعوة ، و يعلو مع تنزل الوحي و هدى النبوة ، و يسمو بهما على عقله و غريزته ، فمنعت بلالاً من أن يصرخ من الألم بل جعلته يقول : أحد أحد !*. و انصهر المجتمع داخل هذه الفكرة و تفاعل معها ، و نشأت مشكلات اجتماعية تعامل
معها الوحي . و هكذا سارت الحضارة الإسلامية متتبعة أثر النبوة في عهد الخلفاء الراشدين .

في موقعة صفين* سلكت الحضارة الإسلامية منعطفاً جديداً هو منعطف العقل ، حيث بدأت الروح تقل أمام العقل و الغرائز**. سارت الحضارة الإسلامية يقودها العقل بشكل كبير قبل أن تبدأ عملية الأفول عندما تفلتت الغرائز متغلبة على العقل*** ، و أصبحت الفكرة الدينية عاجزة عن القيام بمهمتها في مجتمع منحل قد دخل نهائياً في ليل التاريخ****. و هنا تصبح العلوم التي أثمرت عنها الحضارة مجرد علوم ينتفع بها أصحابها على حساب الجهل المستشري حضارياً .

 نلاحظ – من الرسم أعلاه – أننا أمام طرفين يعبران عن بداية الحضارة و نهايتها : الإنسان الفطري ( الطبيعي ) المهيأ تماماً لبداية حضارة ، و الإنسان المتفسخ حضارياً الذي لم يعد قابلاً لأي إنجاز حضاري إلا إذا تخلى هو نفسه عن جذوره ( المتفسخة ) و البدء من جديد .

يتضح من عرض الدورة الحضارية دور و أثر الفكرة الدينية ( الروح ) علواً و انخفاضاً في صعود و هبوط منحنى الأمة الحضاري . لكن دور الفكرة الدينية لا ينتهي عند هذا الحد ، فالمجتمع في سيره الحضاري لا يمكنه مجابهة الصعوبات و التحديات ما لم يكن على بصيرة من هدف وجوده و هو "الدار الآخرة"  . إن قوة هذا الهدف في المجتمع المسلم يمنح الحضارة الإسلامية قوةً و استقراراً .

الإنسان

يعاني الإنسان عموماً مشاكل متنوعة تبعاً لاختلاف بيئته و لتنوع مراحل التاريخ . و المشكلة في العالم الإسلامي هي مشكلة الإنسان أولاً . في بلاد مستعمرة كالجزائر* هناك صنفان من الناس : الأول هو ساكن المدينة ، إما متعطل أو بائع أو شرطي ، و قليل من له مهنة . و الثاني ساكن البادية إما مترحل أو فلّاح . الأول تتمثل فيه القِلّة في كل شيء ، فيرضى بأي شيء ، هو يحمل – بتعبير مالك – روح الهزيمة و دواعي الانحطاط ، و دائماً في منتصف الطريق : فليس نقطة انطلاق في التاريخ كرجل الفطرة ، و ليس نقطة انتهاء كرجل الحضارة . دخل في ميدان الإصلاح فمسخها نصف إصلاح ، و أسماها سياسة ، لأنه لم يكن مستعداً إلا لنصف جهد . هذا النموذج البشري نجده في كل مكان .

و لكي نفهم كيف يؤثر الإنسان في عمل التاريخ نجد أنه يؤثر في مجتمع القرن العشرين بثلاث مؤثرات :
1- بفكره                          2- بعمله                          3- بماله            وإذا كان الفكر تصنعه الثقافة ، فلكي يكون الإنسان مؤثراً في مجتمعه يجب توجيهه في جوانب ثلاثة : الثقافة و العمل و رأس المال .

فكرة التوجيه

التوجيه هو إدارة السواعد و العقول و حسن استخدامها تبعاً للظروف المناسبة للجميع . و عندما تتحرك العقول المفكرة و السواعد العاملة بالدوافع الدينية فإن الهدف يتحدد و الخطى تبدأ .

توجيه الثقافة

عندما نتحدث عن النهضة يلزمنا أن نتصور الثقافة من ناحيتين :
الثقافة التي تتصل بالماضي من تدهور و عادات و تقاليد و إطار خلقي و اجتماعي مليء بالسلبيات أو بتعبير مالك "عوامل قتّالة و رمم لا فائدة منها" فهذة يجب تصفيتها حتى يصفو الجو للعوامل الحية و الداعية إلى الحياة . هذه التصفية لا تأتي إلا بفكر جديد و هذا هو التصور الثاني للثقافة ، هذا التصور الذي يحطم ذلك الوضع الموروث عن فترة تدهور مجتمع أصبح يبحث عن وضع جديد ، هو وضع النهضة .

قامت الحضارة الإسلامية نفسها بهاتين العمليتين مرة واحدة و صدرت فيهما عن القرآن الكريم الذي نفي الأفكار الجاهلية البالية ، ثم رسم طريق الفكرة الإسلامية الصافية التي تخطط للمستقبل بطريقة إيجابية ، و هو ما يلزم اليوم للنهضة الإسلامية . هذا المعنى يلزمنا أن نحدد محتوى الثقافة بعناصر جوهرية و هي :
1- الدستور الأخلاقي                       2- الدستور الجمالي                3- المنطق العملي                         4- الصناعة (بتعبير ابن خلدون)*

الثقافة هي نظرية في السلوك أكثر منها نظرية في المعرفة ، فلو أن فردين مختلفين في الوظيفة و الظروف الاجتماعية ( مدير و عامل ) لكنهما ينتميان لمجتمع واحد ( مجتمع بدوي ) فسيصدر عنهما تماثل معين إزاء مشكلات الحياة . لكن إذا كان الفردين متّحِدَيْن في العمل و الوظيفة ( مديرين ) لكنهما ينتميان إلى مجتمعين مختلفين ( بدوي و حضري) فسيصدر عنهما استجابات مختلفة إزاء مشكلات الحياة .                             

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى