“سكاي نيوز عربية” على حافة الإغلاق.. غياب المهنية يفجّر أزمة ثقة مع الشريك الإماراتي
- من مشروع إعلامي إلى أداة نفوذ سياسي.. كيف انحرفت القناة عن أهدافها المعلنة؟
- اتهامات بتبييض الإبادة في السودان تدفع “سكاي” البريطانية لمراجعة شراكتها مع أبوظبي
- نموذج “سكاي نيوز عربية” يعيد طرح أسئلة الاستقلالية في شبكات الإعلام العابرة للحدود
“إنسان للإعلام”- قسم الترجمة:
في تطور لافت يعكس تصاعد الجدل حول دور الإعلام العابر للحدود، كشفت صحيفة “الغارديان” أن شبكة “سكاي نيوز” البريطانية تدرس إنهاء مشروعها المشترك مع دولة الإمارات، المتمثل في قناة “سكاي نيوز عربية”، مع احتمال سحب ترخيص استخدام علامتها التجارية، وذلك على خلفية اتهامات متزايدة بتورط القناة في بث محتوى دعائي وإنكار جرائم ذات طابع إبادي في السودان.
ووفقًا للتقرير، تجري إدارة “سكاي” البريطانية محادثات مكثفة مع شريكها الإماراتي بشأن مستقبل القناة، بما في ذلك احتمال إنهاء ترخيص العلامة التجارية خلال العام المقبل.
ترويج روايات دعائية
وتأتي هذه الخطوة في ظل اتهامات للقناة بـ”الترويج لروايات دعائية” وتبييض انتهاكات جسيمة في السودان، وهو ما يتعارض – بحسب مسؤولين داخل الشبكة – مع الخط التحريري الذي تقوم عليه “سكاي” في نسختها الأصلية، ويعكس في الوقت ذاته أن المشروع لم يكن منذ بدايته إعلاميًا خالصًا، بل ارتبط باعتبارات النفوذ السياسي والاقتصادي.
وكانت “سكاي نيوز عربية” قد واجهت انتقادات سابقة بسبب نشرها معلومات ثبت لاحقًا عدم صحتها، من بينها تغطيتها لمحاولة الانقلاب في تركيا عام 2016، حين روجت القناة لادعاءات حول فرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى ألمانيا، وهو ما تبيّن كذبه لاحقًا بعد فشل الانقلاب.
وتعود جذور المشروع إلى عام 2010، حين أبرمت “سكاي نيوز” اتفاقًا مع شركة “آي إم آي” الاستثمارية، المملوكة لجهات سيادية في الإمارات ويشرف عليها الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، لإطلاق قناة إخبارية عربية تعمل على مدار الساعة، مع منحها ترخيص استخدام علامة “سكاي”، إلا أن القلق داخل الأوساط البريطانية ازداد تدريجيًا حيال الخط التحريري الذي تبنته القناة في تغطية قضايا المنطقة.
انحيازات تنقض المهنية
وقد وُجهت للقناة اتهامات بتغطية الفظائع التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في السودان، المدعومة إماراتيًا، بطريقة تُسهم في تبييض صورة ما وُصف بجرائم إبادة جماعية.
وفي نوفمبر 2025، قررت الحكومة السودانية حظر عمل “سكاي نيوز عربية” داخل أراضيها، بعد أن بثت القناة تقريرًا من مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، زعمت فيه استقرار الأوضاع الأمنية والإنسانية، في تناقض مع تقارير ميدانية وشهادات مستقلة.
وكشفت التحقيقات أن المراسلة التي أرسلتها القناة إلى الفاشر متزوجة من مسؤول رفيع في الحكومة الموازية التابعة لقوات الدعم السريع، ما أثار تساؤلات حول تضارب المصالح.
كما نشرت القناة لاحقًا تقارير ومقالات تشكك في مصداقية صور الأقمار الصناعية وشهادات الناجين، رغم أن بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة خلصت في فبراير إلى أن الحصار والسيطرة على المدينة لمدة 18 شهرًا استهدفا عمدًا تدمير مجتمعات الأقليات العرقية، في ممارسات تحمل “سمات الإبادة الجماعية”.
منصة للسياسات الإماراتية
أُطلقت قناة “سكاي نيوز عربية” عام 2012 من أبوظبي، لتبث إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في محاولة لمنافسة قنوات إخبارية بارزة مثل “الجزيرة” و”بي بي سي عربي”. وتم التعاقد مع شركة “International Media Investments” الإماراتية لتمويل المشروع، مع وعود بتقديم تغطية مهنية ومتوازنة.
غير أن مسار القناة – وفق منتقدين – انحرف تدريجيًا عن هذه الأهداف، لتتحول إلى منصة تُعبّر عن السياسات الإماراتية، وتدافع عن مشاريع أبوظبي الإقليمية، بما في ذلك مواقفها المناهضة لتيارات الإسلام السياسي، وهو ما انعكس بوضوح في تغطياتها لملفات مثل حصار قطر عام 2017، والأزمة التركية، وتطورات الربيع العربي.
أزمة الاستقلال التحريري
منذ انطلاقها، أثيرت تساؤلات جدية حول مدى استقلالية القناة، نظرًا لارتباط شريكها الإماراتي بمراكز صنع القرار، وقد حذّرت تقارير مبكرة من أن التمويل السياسي قد يؤثر على الخط التحريري، وهو ما تجسد لاحقًا في اتهامات متكررة بانحياز القناة في تغطية قضايا إقليمية حساسة.
وتعرضت “سكاي نيوز عربية” لانتقادات رسمية، من بينها شكاوى قدمتها دول مثل قطر، اتهمتها فيها بـ”انتهاك الحياد”، ومع تزايد الضغوط الإعلامية والسياسية في بريطانيا، وتصاعد المخاوف من تأثير ذلك على سمعة علامة “سكاي”، برزت فكرة عدم تجديد الترخيص وإنهاء الشراكة مع الجانب الإماراتي.
تبييض جرائم الحرب
تُعد الحرب في السودان نقطة التحول الأبرز في الأزمة، حيث واجهت القناة اتهامات مباشرة بتبرير أو التقليل من حجم المجازر التي ارتكبتها قوات الدعم السريع، ونشر روايات تتعارض مع تقارير أممية وشهادات ميدانية توثق انتهاكات جسيمة.
وفي عام 2026، تفجرت الأزمة بشكل أكبر، مع اتهامات للقناة بالعمل كمنصة دعائية تخدم الأجندة الإماراتية، وهو ما أدى إلى تصاعد التوتر داخل “سكاي” نفسها.
ونقل عن مسؤولين سابقين في الشبكة أن القناة تحولت فعليًا إلى أداة دعائية، في ظل غياب سلطة حقيقية لمجلس التحرير، نتيجة هيمنة المالك الإماراتي.
وأدى ذلك إلى نقاشات داخل الإدارة البريطانية حول جدوى استمرار الشراكة، في ظل ما اعتُبر تضاربًا بين القيم التحريرية للشبكة البريطانية وممارسات القناة العربية، وهو ما أشار إليه تقرير “الغارديان” الذي تحدث عن توجه جدي نحو عدم تجديد الترخيص، بما يعني عمليًا تفكيك المشروع أو إعادة هيكلته.
صراع الإعلام والتمويل
تكشف هذه القضية عن إشكالية أعمق تتعلق بعلاقة الإعلام بالتمويل السياسي، وتطرح تساؤلات جوهرية حول إمكانية استقلال القنوات الممولة من دول. فالمشروع، منذ بدايته، كان جزءًا من استراتيجية إماراتية أوسع لبناء نفوذ إعلامي عالمي عبر الاستثمار في مؤسسات إعلامية كبرى، وهو ما أثار بدوره أزمة ثقة في نماذج الشراكات الإعلامية الدولية.
وتعيد هذه التطورات طرح أسئلة ملحة: هل تخضع هذه الشراكات للاعتبارات السياسية أكثر من المهنية؟ وهل تمثل “سكاي نيوز عربية” مجرد قناة مثيرة للجدل، أم نموذجًا لصراع النفوذ داخل الإعلام الدولي؟
وعند إطلاق القناة، أكدت إدارتها التزامها بالاستقلالية والتغطية المهنية “دون خوف أو تحيز”، حيث قال نارت بوران، رئيس القناة آنذاك، إن “التوازن هو ما سيميزنا”. غير أن الواقع – بحسب منتقدين – سار في اتجاه مغاير.
يُذكر أن شركة “نيوز كوربوريشن” كانت قد أبرمت الصفقة الأصلية للمشروع المشترك عندما كانت تسيطر على “سكاي”. وبعد استحواذ شركة “كومكاست” الأمريكية على الشبكة عام 2018، قررت عدم تجديد اتفاق ترخيص استخدام علامة “سكاي نيوز” في أستراليا، حيث من المقرر إعادة تسمية القناة هناك إلى “نيوز 24”.
كما أُلغيت خطة لإطلاق قناة إخبارية عالمية مشتركة بين “سكاي نيوز” وشبكة “إن بي سي” الأمريكية، كانت ستحمل اسم “إن بي سي سكاي وورلد نيوز”، في خطوة تعكس إعادة تقييم أوسع لاستراتيجية التوسع الإعلامي.
وفي تعليق رسمي، قال متحدث باسم شركة “آي إم آي” إن أي حديث عن قرارات نهائية بشأن مستقبل الشراكة “غير دقيق”، مؤكدًا أن المناقشات لا تزال جارية بشكل إيجابي، وأنها ذات طابع تجاري وسري، ولا علاقة لها – بحسب قوله – بالسياسات التحريرية أو بعمل غرف الأخبار.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر:
سكاي تدرس إنهاء مشروعها الإخباري المشترك المثير للجدل في الإمارات العربية المتحدة، “الجاريان”، 18 مارس 2026، https://2h.ae/pXwec




