المرصد

دبلوماسية “ترامب” الإعلامية: عندما تصبح الإهانات الشخصية رداً على الأسئلة الصحفية!

“إنسان للإعلام”- مراد المصري:

لم تعد العلاقة بين البيت الأبيض والصحافة في عهد دونالد ترامب مجرد “علاقة شد وجذب” تقليدية، بل تحولت إلى نموذج لما يمكن تسميته بـ “الاتصال الصدامي”، إذ تقوم “دبلوماسية” ترامب الإعلامية على الانتهاكات اللفظية في الغالب ضد الصحفيين.

هذا السلوك غير المعتاد في البيت الأبيض، يوضح أن ثمة منهجية تهدف إلى إعادة تعريف دور الصحفي من “مراقب” يسأل إلى “طرف في نزاع شخصي”، و أن الخطر الحقيقي ليس في الإهانة بحد ذاتها، بل في تحويلها إلى “سيرك إعلامي” يصرف الانتباه عن القضايا الجوهرية التي تهم الشارع الأمريكي.

3 مستويات من الإهانات اللفظية

تعتمد المنهجية اللفظية الحالية لترامب على تحويل النقد من “المؤسسة الإعلامية” إلى “ذات الصحفي”، ويمكن تصنيف هذه الإهانات إلى ثلاثة مستويات بنيوية:

– وصم الصحفيين بـ “الغباء” أو “عدم القدرة الإدراكية”، فعندما يتم توجيه سؤال من صحفية مثل نانسي كورديس أو ويجيا جيانغ ويأتي الرد مشككاً في قواهن العقلية، فإن الهدف هو “إعدام المصداقية” أمام الجمهور قبل سماع الإجابة.

– التنميط الجسدي والجندري، حيث يبرز الخطاب “الميزوجيني” كأداة لكسر الهيبة المهنية، باستخدام أوصاف مثل “قبيحة” أو “خنزيرة” (كما حدث مع كاتي روجرز وكاثرين لوسي) ، وهو ما يعني استدعاء معايير جمالية وجندرية لا علاقة لها بالعمل الصحفي، لتقويض الحضور المهني للمرأة.

– الشيطنة الأيديولوجية للذكور، فعلى خلاف الهجوم الجسدي على النساء، غالباً ما يتم استهداف الصحفيين الذكور عبر وصم “الشخصية” والولاء الوطني.

 نجد ذلك في وصف جيم أكوستا بـ “الفظ والوقح”، أو بيتر ألكسندر بـ “الصحفي السيئ”؛ بهدف تصوير الصحفي كعنصر “تخريبي” وليس ناقلاً للحقيقة.

وخلال عامي 2024 و 2025، وجه ترامب 5 إهانات على الأقل لصحفيين ذكور وإناث، تضمن عبارات مهينة أو جارحة، حيث قال لصحفية شبكة “بلومبيرج”، كاثرين لوسي: “اصمتي يا خنزيرة”، عندما سألته عن الملفات الأخلاقية في قضية “أبستين”، ووصف الصحفي جيم أكوستا، منCNN بأنه “عدو الشعب و فظ”، بما يهدف إلى عزل المؤسسة الإعلامية عن قاعدتها الشعبية.

وحول ترامب سؤالا حول حالته الصحية إلى معركة تنمر، حيث وصف صحفية “نيويورك تايمز” كاتي روجرز بأنها “قبيحة داخلياً وخارجياً”، وأجاب على سؤال عاجل للصحفي بيتر ألكسندر، من شبكة NBC بأنه ” صحفي سيئ ومثير للفتن”، ووجه سؤالا مهينا للصحفية نانسي كورديس، من شبكة CBS، قائلا لها: “هل أنت غبية؟”، عندما سألته عن سبب التهرب من تقديم تفاصيل لوجستية حول ملفات الهجرة.

تداعيات سلبية على “السلطة الرابعة

تشير تقارير لجنة حماية الصحفيين (CPJ) ومراسلون بلا حدود إلى أن استمرار هذا النهج يؤدي إلى ثلاث كوارث إعلامية:

– تطبيع العنف اللفظي، حيث تتحول الإهانة إلى “بروتوكول” مقبول، مما يشجع المسؤولين في مستويات أدنى على محاكاة هذا السلوك.

– العزلة المعرفية للجمهور، فعندما يصف الرئيس الصحافة بـ “حثالة البشر”، فإنه يدفع الجمهور لرفض الحقيقة المادية واستبدالها بالولاء السياسي.

– الرقابة الذاتية القسرية، الناتجة عن خشية الصحفيين الناشئين من التعرض للتشهير الشخصي الذي يتبعه “اغتيال معنوي” عبر منصات التواصل الاجتماعي.

ولكنرغم تصاعد الخطاب الإقصائي، اعتمدت غرف الأخبار الكبرى استراتيجية “تجاهل الإهانة والتمسك بالسؤال” (وتجلى ذلك في:

– التضامن الصحفي : قيام الصحفيين في القاعة بإعادة طرح نفس السؤال الذي تم إهانة زميلهم بسببه.

– التوثيق الفوري:  تحويل واقعة الإهانة إلى مادة خبرية تكشف “آلية الهروب” من الإجابة.

البيئة الرقمية الحاضنة للاعتداءات

المشكلة الأساسية تكمن في أن منصات (X) وتيك توك  تستخدم كغرف صدى للاغتيال المعنوي، إذ  لا تتوقف الإهانة الرئاسية عند جدران قاعة المؤتمرات، بل تتحول عبر منصات التواصل الاجتماعي إلى “سلاح رقمي” عابر للحدود، فبينما تعمل خوارزميات منصة (X) على تعزيز انتشار مقاطع “الإهانات”  تحت مسمى (اللحظات القوية)، مما يحفز جيوشاً إلكترونية لشن حملات تشهير ممنهجة ضد الصحفيين، يقوم “تيك توك” بإعادة تدوير هذه المواقف عبر قوالب ترفيهية ساخرة تنزع الجدية عن العمل الصحفي وتُسطّح القضايا الجوهرية.

وهذا التكامل بين الخطاب الرسمي والبيئة الرقمية يخلق حالة من “الاغتيال المعنوي” المستمر، حيث يتحول الصحفي من باحث عن الحقيقة إلى مادة (تريند) للهجوم والتحقير، مما يفاقم من مخاطر الرقابة الذاتية ويجعل من المنصات الرقمية طرفاً غير محايد في تآكل حرية الصحافة.

عملية تقويض بنيوية للمجال العام

إن مشهد”التنمر الرئاسي” ضد السلطة الرابعة ليست مجرد عارض سلوكي أو فلتات لسان، بل هي عملية تقويض بنيوية للمجال العام، تهدف إلى إحلال “الولاء” محل “المساءلة”.

أيضا فإن تحويل المنصة الرسمية إلى أداة للاغتيال المعنوي وتنميط الصحفيين -جندرياً ومهنياً- يمثل إعلاناً صريحاً عن نهاية حقبة “الدبلوماسية البروتوكولية” وبداية عصر “الاتصال السلطوي المشخصن”.

لذلك، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الإهانة، بل في “هندسة الصمت” التي تفرضها هذه الاعتداءات؛ فعندما يُجبر الصحفي على اختيار أحد المسارين: إما أن يكون صدىً طيعاً للسلطة أو عدواً مستباحاً للمؤسسة، تضيع الحقيقة في الفجوة بينهما.

ومن المؤكد أن حماية الكوادر الصحفية من هذا التنمر الممنهج لم تعد ترفاً حقوقياً، بل هي خط الدفاع الأخير عن سلامة النسيج المعلوماتي للمجتمع؛ فالديمقراطية التي تسمح بتدجين “شاهدها” هي ديمقراطية تشرعن عماها الاختياري، وتمهد الطريق لمستقبل يُصنع فيه الخبر بالترهيب لا بالتحقيق.

المصادر :

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى