مقالات

جيل الحرية: كيف يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي في الكفاح ضد الاستبداد؟!

د. سليمان صالح

لكي نتمكن من استشراف المستقبل، يجب أن ندرس جيل الألفية، أو ما يُطلق عليه جيل زد، بمقاربات علمية متنوعة، وأن نفهم خصائص هذا الجيل لكي نتوقع ما يمكن أن يقدمه من أفكار إبداعية يمكن أن تسهم في تحقيق التغيير العالمي.

وأنا أطلق عليه جيل الحرية، وأدعو الباحثين في علوم السياسة والإعلام والاتصال والاجتماع والقيادة وعلم النفس لدراسة هذا الجيل من مناظير مختلفة، فأهم ما يميز هذا الجيل أنه يعتمد على الإنترنت، وما وفرته من تطبيقات للتواصل في الحصول على المعرفة وتبادلها، وإدارة النقاش الحر، ونشر الأفكار الإبداعية وحب الحرية، وهذا يشير إلى تحول اجتماعي وثقافي يتميز به هذا الجيل.

جيل يكسر قيود الشعوب

وعبر وسائل التواصل الاجتماعي كسر هذا الجيل القيود التي فرضتها النظم الاستبدادية على الشعوب، وعبر عن أفكاره في فضاء مفتوح، وقاطع وسائل الإعلام التقليدية التي تتحكم فيها هذه النظم، بعد أن فقد ثقته فيها، فلم يعد يقرأ الصحف، أو يشاهد قنوات التلفزيون، أو يتابع المواقع الرسمية التي تتحكم فيها السلطات، فتزايدت مساحة الهوة التي تفصل هذا الجيل عن النظم الحاكمة.

وظلت تلك النظم التي تعتمد على الإعلاميين المنافقين تخاطب نفسها برسائل دعائية يدرك الجميع زيفها، ففقدت القدرة على التأثير، في الوقت الذي يحصل فيه هذا الجيل على الكثير من المعلومات عن فساد الحكام الذين نهبوا ثروات الشعوب وأفقروها.

حالة مصر تكشف الحقائق

بالرغم من أنني أميل إلى دراسة شاملة لهذا الجيل على مستوى العالم لاستشراف المستقبل، وأن هذا الجيل، خاصة طلاب الجامعات، سيفرض على كل النظم أن تستمع إليه، وأن تخضع لشروطه، وأن هذه الدراسة يمكن أن تكشف لنا الكثير من الفرص لتحرير الشعوب من الاستعمار والاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والعنصرية والاستغلال الرأسمالي والإسلاموفوبيا؛ إلا أنني سأقتصر على مناقشة حالة مصر التي يمكن أن تكشف لنا حقائق يحاول النظام الانقلابي التعتيم عليها، وهو يخدع نفسه بالدعاية عن الاستقرار الزائف والوعود التي تشكل تضليلاً لشعب مصر.

كما يمكن أن تكشف لنا عن مسارات الأحداث القادمة، وأهم العوامل التي يمكن أن تؤدي إلى التغيير، ومن أهمها عجز النظام عن فهم هذا الجيل والاستجابة لمطالبه.

كراهية الظلم والقهر والاستبداد

أهم نتيجة يمكن أن نتوصل لها من دراسة سلوك الشباب على وسائل التواصل الاجتماعي أن كراهية هذا الجيل للنظام الانقلابي تزايدت، وأن هناك حالة غضب وسخط ارتبطت بالسخرية من دعاية هذا النظام ورموزه، وكراهية للإعلاميين المنافقين، الذين يتم تحويل مقاطع من كلامهم إلى وسيلة للتعبير عن احتقارهم.

ويركز الشباب في رسائلهم عبر الإنترنت على وصف النظام بالفساد والاستبداد، وأنه أفقر الشعب الذي أصبح يئن تحت وطأة الغلاء والقهر والظلم.

فشل استراتيجية التخويف

من أهم نتائج تحليل رسائل الشباب على وسائل التواصل الاجتماعي أن استراتيجية النظام في تخويف الشعب فشلت، فالانقلاب اعتمد منذ البداية على استخدام القوة الغاشمة في تشكيل صدمات للشعب تعني أن كل من يختلف مع النظام أو يرفضه سيكون مصيره الموت أو السجن، ولذلك ارتكبت سلطة الانقلاب جرائم ضد الإنسانية، وقامت بقتل الآلاف في رابعة والنهضة ومذابح الحرس الجمهوري والفتح وسيارة الترحيلات، وقامت باعتقال عشرات الآلاف، وارتكبت ضدهم جرائم التعذيب البدني والنفسي، وسمحت بتسريب المعلومات عن عمليات التعذيب والمعاناة التي يتعرض لها المعتقلون لتثير الخوف في نفوس الناس، ولتوصيل رسالة أن من يعارض الانقلاب سيواجه هذا المصير.

لكن تحليل مضمون رسائل الشباب على وسائل التواصل الاجتماعي يؤكد أن هذه الاستراتيجية فشلت، وأن هذا الجيل كسر حاجز الخوف، فقد أدرك أن الثورة على هذا الانقلاب أكثر أماناً وأقل تكلفة من الموت غرقاً في البحر في طريق الهجرة إلى أوروبا، أو الموت جوعاً وفقراً وذلاً وقهراً داخل وطن يتم بيعه لتسديد فوائد الديون.

ثورة رقمية ولكن!

يمكننا بناءً على هذه الدراسة أن نتوصل إلى نتيجة مهمة، هي أن هذا الجيل يقوم بثورة رقمية سوف تشكل وعي الشعوب بأنها تستطيع أن تنتزع حريتها، وتفرض إرادتها، فصوت المظلومين يمكن أن يصل عبر الإنترنت إلى العالم، وأن جيل الحرية هو الذي يعبر عن حقوق الشعوب، ويكشف ما تتعرض له من ظلم.

وهذا الجيل يستطيع أن يبدع، وأن يقدم الكثير من الأفكار التي لا تتوقعها النظم المستبدة، وبالتأكيد فإن نظام السيسي عاجز عن التعامل مع هذا الجيل ولا يستطيع أن يفهمه؛ فهو يريد إعلاماً يشبه إعلام عبد الناصر، ولم يستطع أحد المنافقين أن يقول له: إن ذاك عصر قد مضى، والعالم يعيش الآن ثورة اتصال، وأنه لم يعد أحد يسمع تلك البرامج التي تبثها قنواته، وتتحدث بشكل ممل عن إنجازاته، كما كانت تفعل وسائل الإعلام السوفيتية قبل أن ينهار الاتحاد السوفيتي بسبب الانغلاق والتعتيم والتضليل والدعاية.

استفتاء على عزل السيسي

وكدليل على أن إبداع الشباب لا يمكن تقييده بتلك الوسائل القديمة، وأنه يمكن أن يقدم أفكاراً لا يتوقعها النظام المتخلف، قام الشباب بتصميم استفتاء على عزل السيسي، وهذه فكرة لها الكثير من الدلالات السياسية والثقافية في العصر الرقمي، وأهم تلك الدلالات أنها تعبير عن احتجاج سياسي رقمي شبابي يشكل خطوة على طريق التعبير عن غضب الشعب المصري وسخطه، وأنه محاولة لقياس الرأي العام بأسلوب جديد، وأن الشباب أصبح يعتمد على أدوات الإنترنت والشبكات الاجتماعية، وأنه وسيلة رمزية لثورة في فضاء افتراضي.

فعل احتجاجي يواجه التقييد

سارعت سلطة الانقلاب باستخدام أسلوبها المتخلف في حجب الموقع داخل مصر، مما جعل المشاركين يستخدمون أدوات مثل الشبكات الافتراضية الخاصة لتجاوز الحجب. وقد أصبحت هذه الاستراتيجية شائعة في حركات الاحتجاج الرقمية داخل البيئات التي يوجد فيها قيود على الفضاء العام.

هذه الفكرة يمكن أن تنتشر وتتطور لتصبح وسيلة لقياس الرأي العام، ولتعبير الشعوب عن رفضها للنظم الاستبدادية، وهذه الفكرة يمكن أن تشكل بداية لعصر جديد يبني معالمه جيل مبدع يستخدم الشبكة العالمية بشكل لا تستطيع النظم أن تتوقعه.

 كما أن ذلك يفتح المجال لتفاعل جماهيري مفتوح عبر الشبكة تشارك فيه الحركات الشبابية في الدول العربية وتتبادل الخبرات.

كما أن هذه الفكرة توضح قدرة الجيل الرقمي على استخدام التكنولوجيا لتجاوز القيود الرسمية، ومحاولة خلق مساحة سياسية بديلة في الفضاء الافتراضي.

حيرة وسائل الإعلام

لكن لماذا لم تحاول وسائل الإعلام الغربية التقليدية تغطية هذا الحدث بالرغم من أنه يثير اهتمام الجماهير؟! إن هذه الظاهرة تشكل تهديداً لهذه الوسائل، فهي تشير إلى أن الجماهير تنصرف تدريجياً عنها، وتجد في الفضاء الرقمي ساحة استراتيجية للوعي السياسي والضغط الشعبي، وأن الإنترنت أصبحت هي وسيلة الشباب للتعبير عن آرائهم.

كما أن هذا الحدث يشكل تهديداً لوسائل التواصل الاجتماعي المعروفة، والتي تسيطر عليها الشركات الكبرى، فالشباب استخدموا تطبيق دسكورد، وهو منصة تواصل رقمي تجمع بين الدردشة النصية والصوتية والمرئية، وتقوم على فكرة الخوادم التي ينشئها المستخدمون لمشاريع محددة، وقد تم إطلاق هذا التطبيق عام 2015 كمجتمع للألعاب، ثم تحول إلى منصة للطلاب والمجتمعات الفكرية والمجموعات السياسية والثقافية، ويفضل الشباب هذا الموقع لأنه شبه مغلق وأكثر خصوصية، ويتوفر فيه الأمان، فهو لا يعتمد على رقم هاتف ولا يرتبط بهوية وطنية أو رسمية، ويسمح بتنسيق الحملات وإجراء تصويت داخلي، وهو فضاء رقمي للحركات الشبابية المعاصرة.

إنه شكل جديد من الاجتماع البشري والتنظيم السياسي في العصر الرقمي، لكنني أتوقع أن يكون ذلك بداية لإنشاء تطبيقات جديدة للتواصل الاجتماعي لا يمكن التحكم فيها، وتشكل ثورة رقمية يمكن أن تتحول إلى ثورات في الميادين تطيح بالكثير من النظم المستبدة الآيلة للسقوط، والتي لا تستطيع أن تفهم جيل الحرية أو تستجيب لمطالبه.

من أهم نتائج تحليل مضمون التعليقات حول هذا الاستفتاء أن النظام الانقلابي في مصر استخدم ذبابه الإلكتروني للدفاع عن السيسي، والهجوم على المشاركين في الاستفتاء باستخدام الشتائم والألفاظ النابية والتهديد باستخدام القوة الغاشمة، وهذا يوضح جهل النظام بالجيل الجديد وإصراره على استخدام أساليبه المتخلفة، وهذا السلوك يزيد الكراهية للنظام.

لذلك فإن نتيجة الاستفتاء ليست مهمة، فقد أحدثت الفكرة تأثيرها في النفوس، وفتحت المجال لأشكال جديدة من الكفاح ضد الاستبداد والظلم والفقر، وأوضحت أن جيل الحرية يمكن أن يكون فاعلاً في بناء المستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى