ثلاثية الأمان الإعلامي.. ومحاذير السقوط في فخ التضليل
حازم غراب
قبولُ الرأي العام بتجنيد السلطة أو رجال الأعمال أذرعًا وأبواقًا إعلامية يجعل الوسيلة الإعلامية ضالعة في وظيفة مشينة، هي التدليس والغش.
كثيرٌ من الدول والقوى والمؤسسات الأمنية تحرص على امتطاء الإعلام ضمن خططها ومصالحها ومؤامراتها الداخلية والخارجية، وبهذا يتحول الإعلام إلى أداة صراع أو تفاوض أو تدليس في أزمة أو موقف سياسي، على صعيد الدولة أو الإقليم أو الواقع الدولي.
كما أن تضخم دور رأس المال في المشهد الإعلامي يفرض تحديات إضافية، إذ تتحول بعض المؤسسات إلى أدوات نفوذ، لا تعكس الحقيقة بقدر ما تعكس مصالح مموليها، وهو ما يقوض الثقة العامة في الإعلام ويهدد دوره بوصفه سلطة رقابية رابعة.
تتزايد خطورة هذه الظاهرة مع تسارع بيئة الإعلام الرقمي، حيث لم تعد الأخبار تمر عبر قنوات تقليدية فقط، بل تتدفق عبر منصات التواصل الاجتماعي التي تفتقر في كثير من الأحيان إلى ضوابط مهنية واضحة.
هذا الواقع يضاعف من مسؤولية الصحفي والمؤسسة الإعلامية في التحقق والتدقيق، ويجعل من السقوط في فخ “التسريبات الموجهة” أكثر سهولة وخطورة في آن واحد.
الصحفي المحترم النابه هو صمام الأمان الأول القادر على منع هذه الظاهرة، وهذا الصحفي عليه التمييز بين الانفراد الحقيقي بخبر صحيح يجتهد في توثيقه، وبين ما يُلقى إليه من مصادر بعينها.
لا بأس أن يتلقى الصحفي أو الوسيلة الإعلامية المعلومات، لكن البأس يكمن في عدم التحقق، وإهمال سمعة المصادر التي يتلقى منها. ومن وسائل التحقق، مثلًا، دعوة المتخصصين للنقاش والتقييم لما بلغ الجريدة أو الموقع أو المحطة من أخبار تبدو للوهلة الأولى صحيحة.
لا بد للصحفي من حاسة استشعار قوية لكشف من يحاولون استخدامه ووسيلته الإعلامية في تمرير تسريب، خبرًا كان أو وقائع وحوادث انتقائية.
والأصل أن يعلم الصحفي، ويتأكد مبكرًا، أن هناك من يريد ويسعى لتجنيده ووسيلته الإعلامية لصالح طرف أو أطراف في الصراعات الحربية والسياسية والاقتصادية.
مدير التحرير هو صمام الأمان التالي، ثم يليه رئيس التحرير، فكلاهما يتحملان عبء المراجعة والتبين، لتفويت الفرصة على المغرضين المدلسين الذين يهدفون إلى امتطاء الصحفي والوسيلة الإعلامية.
المتلقي أيضًا مسؤول، إن كان متعلمًا واعيًا، أن يتبين بحسه السياسي حقيقة الانفراد بخبر أو ما يسمى بـ”الخبطة الإعلامية”، ويميزهما عن التسريب المتعمد.
وعلى المتلقي الواعي التفرقة بين الذراع أو البوق الإعلامي سيئ السمعة، ووسيلته الإعلامية الدعائية الأجيرة، وبين الصحفي والإعلامي الأمين النزيه المحترم، ووسيلته الإعلامية التي لا تخدم سوى الحق والحقائق اللازمة لتشكيل الرأي العام الواعي.
ويبقى الرهان الحقيقي على ترسيخ ثقافة إعلامية مهنية قائمة على الاستقلالية والشفافية، وعلى بناء وعي جماهيري قادر على التمييز بين الخبر والمعلومة الموجهة، وبين الصحافة الحرة والإعلام المؤدلج، فالمعركة لم تعد فقط داخل غرف التحرير، بل امتدت إلى وعي المتلقي نفسه، الذي بات شريكًا أساسيًا في صناعة الحقيقة أو تضليلها.




