دراسات

تنفّس حرية ثم عاد للعبودية.. تحولات الإعلام المصري بين الثورة و الانقلاب

  • ثورة يناير حررت الإعلام من قبضة العسكر ومنحته فرصا غير مسبوقة في التعبير بلا سقف
  • الثورة ألغت معظم القوانين المقيدة للحريات.. والرئيس مرسي منع الحبس الاحتياطي في قضايا النشر
  • الرئيس "مرسي" عزّز الحريات الصحفية وتحمل النقد اللاذع ليحافظ على مكتسبات الثورة
  • دستور 2012 رفع الرقابة وسمح بإصدار الصحف بمجرد الإخطار فظهر العشرات منها لتعبر عن كل الأطياف
  • انقلاب يوليو 2013 أفقد الإعلام مكتسباته الثورية واغتال حريته وحوله أداة للكراهية السياسية   
  • الانقلاب بدأ خطوته الأولى بإغلاق وسائل الإعلام والمواقع الثورية والقبض على العاملين فيها
  • الخطاب التحريضي بات مسيطرا على الإعلام ومئات الصحفيين تعرضوا للاعتقال والفصل التعسفي   
  • الثورة المضادة والمال السياسي لعبا دورا خطيرا في إعادة الإعلام إلى "حظيرة الديكتاتورية"
  • مصر بالمرتبة 166 من 180 دولة في  حرية الصحافة بعد توسع الانقلاب في القوانين المقيدة للحريات

 

إنسان للإعلام- خاص:

تمهيد

العلاقة بين ثورة 25 يناير والإعلام، علاقة تحرر من قيود عاشتها منذ بداية عهد الحكم العسكري الذي أعقب انقلاب 23 يوليو 1952.

استعاد الإعلام المصري بالفعل حريته مع اندلاع شرارة ثورة يناير، وامتدادها بعد ذلك، وبدأت المعايير المهنية تعود للصحافة، ثم انتعشت وسائل الإعلام، بكل صورها وأشكالها، في عهد الرئيس محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب شعبيا، حيث أرسى دستور 2012 تشريعات أسست لحريات إعلامية  غير مسبوقة.

لكن سرعان ما تم اغتيال هذه الحريات بعد انقلاب وزير الدفاع، عبدالفتاح السيسي، على الرئيس المنتخب، في 3 يوليو 2013، حيث تم تطبيق معايير شمولية على وسائل الإعلام بمصر، وتحول الإعلام إلى "الصوت الواحد"، الذي تسيطر عليه الأجهزة المسماة بـ" السيادية"، حيث بدأ الانقلاب أولى خطوته الأولى بإغلاق وسائل الإعلام والمواقع الثورية والقبض على العاملين فيها، وبث خطابا تحريضيا أفقد الإعلام مكتسباته الثورية واغتال حريته وحوله إلى أداة للكراهية.   

 من خلال سطور هذه الدراسة، نعقد مقارنة بين حرية الإعلام  في عهد الثورة والحكم المدني، وفي عهد "السيسي" ونظامه الانقلابي، لنكشف في النهاية كيف انحدر الأداء الإعلامي إلى مستوى تصنيف مصر في المرتبة 166 من 180 دولة في  حرية الصحافة.

المحاور:

  1. "ثورة يناير" وإطلاق الحريات الإعلامية
  2. إعلام الانقلاب أداة كراهية وانقسام مجتمعي
  3. التشريعات المتعلقة بالحريات بين الثورة والانقلاب 
  4. نماذج من المعالجات الصحفية الثورية والانقلابية

 

أولا –  "ثورة يناير" وإطلاق الحريات الإعلامية

مع اندلاع شرارة ثورة 25 يناير 2011، اندلعت شرارات إعلامية موازية كثيرة حاولت مواكبة الحدث واستغلاله في تحقيق الانتشار، وفي الوقت نفسه انطفأت منصات إعلامية أخرى، وتوارت بعيدًا، فكتبت الثورة عهدا جديدا للإعلام المصري، تخلص فيه من قيود العسكر التي فرضوها عليه على مدار 6 عقود، جعلته محروما من معاني الحرية. 

قصص صعود وهبوط كثيرة لمنصات إعلامية، ارتبطت بانفجار الثورة الشعبية التي أطاحت حكما ديكتاتوريا استمر لثلاثين عامًا، وجعلتها محط أنظار العالم، بينها قصص لمؤسسات نشأت خصيصًا لمواكبة الحدث ومحاولة التأثير فيه سلبًا أو إيجابًا، انتهى بعضها إلى التلاشي، بينما حظر البعض الآخر، وآلت البقية الباقية إلى قبضة النظام الذي أضحى يتحكم في أغلبها.

بالتزامن مع الثورة بزغت قنوات تلفزيونية تحررت من كل القيود، لكن تدخل المال السياسي في تأسيسها، مستغلا اجواء الحرية التي نعمت به مصر بعد الثورة، ونجح رجالات الدولة العميقة في تأسيس كيانات إعلامية، لعبت دورا إجراميا في النيل من الثورة ورموزها بعد ذلك.

  • من أمثلة ذلك  مجموعة قنوات "دريم" التي أسسها رجل الأعمال الراحل أحمد بهج، والتي كانت تبثّ من خارج مدينة الإنتاج الإعلامي، وهي الميزة التي لم يتمتع بها الآخرون، فكانت في البداية سببًا من أسباب اندلاع الثورة على مبارك. إذ كانت تقدم برامج ذات نبرة معارضة، وكانت تستضيف كوادر في تيارات سياسية معارضة، لعرض وجهة نظرها من النظام، الأمر الذي ساهم في تشكيل الوعي لدى الجماهير، وذلك من خلال برنامج مثل "العاشرة مساءً" والذي كانت تقدمه الإعلامية منى الشاذلي، وبرامج أخرى.

ولكن مع اندلاع الثورة، اتخذت قناة "دريم" موقفًا محايدًا وأخذت في تخفيف النبرة ضد نظام مبارك، وظهر ذلك حتى في برنامج "العاشرة مساءً" والذي كان يعتبر برنامج الـ"توك شو" الأول في مصر، عندما بكت المذيعة منى الشاذلي بعد "خطاب مبارك" الشهير الذي تعهد فيه بعدم الترشح للرئاسة مرة أخرى، في محاولة لإخماد الثورة.

احتفظت "دريم" ببعض قوتها من خلال برنامج "صباح دريم" التي كانت تقدمه المذيعة دينا عبد الرحمن، المحسوبة على ثورة يناير 2011، لكنها انتقلت إلى قناة "التحرير" لفترة بسيطة، ومنها إلى قناة "سي بي سي".

أخذت "دريم" بعد ذلك في الخفوت تدريجيًا، مع ترك المذيعين الرئيسيين للقناة وانتقالهم لقنوات أخرى، ومع الضغط الذي مارسه نظام السيسي على رجل الأعمال أحمد بهجت قبل وفاته للاستحواذ على القناة، حتى أصبحت الآن قناة ضعيفة دون مشاهدات.

  • وبينما كانت قناة "دريم" تتراجع تدريجيًا بعد الثورة، أخذت قناة "أون تي في" المملوكة لرجل الأعمال نجيب ساويرس، في الصعود، لا سيما مع انضمام شخصيات محسوبة على الثورة مثل المذيعين يسري فودة، وريم ماجد وغيرهما، ما أعطى زخمًا للقناة في مواكبة أحداث الثورة، وتبني موقف القوى الليبرالية في مواجهة المجلس العسكري الحاكم آنذاك، لكن الأمر لم يستمر كثيرًا، حيث خففت القناة من حدة النقد، وغادرها نجومها من المذيعين بالتدريج. وكان من بين أشهر مذيعي القناة أماني الخياط، وجابر القرموطي، ويوسف الحسيني، وإبراهيم عيسى.

عملت القناة على استقطاب شباب من نجوم من الميدان وقتها لتقديم برامج مثل عضوي ائتلاف شباب الثورة، ناصر عبد الحميد، وخالد تليمة. وأطلقت مجموعة قنوات "أون" لمناسبة الثورة أيضًا قناة "أون لايف" والخاصة بالتغطيات الحية من كل محافظات مصر، ونجحت القناة في تغطية أحداث مهمة كحادث قطار الصعيد 2012، لحظة بلحظة، ما أكسبها زخمًا وتأثيرًا بالشارع.

  • أيضا شجع مشهد الملايين في ميدان التحرير عاملين بمجال الصحافة والإعلام على الاستثمار في الحدث، وإنشاء مؤسسات إعلامية تتحدث بلسان الثورة. وكان من بين هذه المشروعات قناة "التحرير الفضائية" وهي قناة تلفزيونية أسسها الصحافي إبراهيم عيسى، بمشاركة بعض رجال الأعمال والصحافيين، ولكن سرعان ما باعها عيسى، وانتهت الآن إلى أن تكون قناة "تن" المملوكة لرجل الأعمال والقيادي الفلسطيني المفصول من حركة "فتح" محمد دحلان.
  • "سي بي سي" و"النهار"، قناتان تأسستا بعد الثورة مباشرة، الأولى على يد رجل الأعمال، الذي تم حبسه في عهد السيسي  بتهمة الاتجار بالبشر والاعتداء الجنسي على قاصرات، محمد الأمين، والذي توفى داخل السجن فيما بعد، والثانية على يد رجل الأعمال علاء الكحكي. وكانت المؤسستان بمثابة ذراع المجلس العسكري لاختراق الثورة.

نجحت "سي بي سي" في إنتاج برامج زادت شعبيتها مثل البرنامج الساخر الذي كان يقدمه باسم يوسف، وبرنامج "أبلة فاهيتا"، وبرنامج أحمد أمين، وهو ما حقق لها شعبية كبيرة، لكنها كشفت عن وجهها الحقيقي قبل وأثناء الانقلاب، وما بعده، وانتهت أخيرًا إلى قبضة المخابرات، بعدما أجبر الأمين على بيع حصته فيها.

  • "الفراعين" كانت تعد القناة الرسمية الموحدة داخل جميع وحدات القوات المسلحة المصرية، بعد اندلاع الثورة، بشهادة الكثير من المجندين الذين خدموا بالجيش خلال تلك الفترة. وكان يديرها المذيع السابق بالتلفزيون المصري، توفيق عكاشة، الذي شكل بحد ذاته معولًا لضرب أول تجربة ديمقراطية لانتخاب رئيس للجمهورية، عام 2012، إذ كان يستغل أسلوبه الشعبي في التقديم للتأثير على الطبقات الشعبية، والهجوم على حكومة الرئيس محمد مرسي. (1)

استقطاب وتجاذب سياسي بعد الثورة

وقد اكدت دراسة صدرت عن مركز "الزيتونة للدراسات والاستشارات"، أن الإعلام المصري دخل حالة استقطاب وتجاذب سياسي بعد ثورة 25 يناير، حيث شكّلت لحظة رحيل مبارك نقطة فارقة في مسيرته، فوجد نفسه فجأة متحرراً من معظم القيود الأمنية والإدارية التي كانت تحكمه طوال عقود، فتحولت الحرية وسقوط القيود إلى فوضى إعلامية، بينما لم تقم السلطة الانتقالية بأيّ خطوات لإعادة تنظيم الإعلام المصري هيكلياً وتشريعياً بما يتناسب مع الواقع الجديد. وتعرّضت الأصوات الناقدة لأداء الإعلام إلى المضايقات والتهميش، من جانب جهات حكومية وغير حكومية. وتأثّرت وسائل الإعلام الخاصة بملاّكها من رجال الأعمال الذين ارتبطوا بعلاقات مع نظام مبارك والدولة العميقة.

ومع تولي الرئيس الشهيد محمد مرسي الرئاسة، توسعت قاعدة الحريات الصحفية والإعلامية، ولكن للأسف استغلت القنوات الممولة من رجال الدولة العميقة هذه الأجواء غير المسبوقة من الحرية، واستهدفت الرئيس وظهيره الشعبي من الإسلاميين وخاصة جماعة الإخوان، وخرج النقد للرئيس وأدائه عن الإطار المهني، ووصل إلى السخرية، حيث تبارت في ذلك سلسلة من القنوات الخاصة الذائعة الصيت التي يملكها رجال أعمال يرتبطون بمبارك وعهده. ولم ينته الأمر عند هذا الحد، بل إن وسائل الإعلام المملوكة للدولة من قنوات تلفزيون ومحطات إذاعة وصحف ومواقع إلكترونية، كثيراً ما شاركت بقدر أو بآخر في هذه الحملات تحت مظلة الحرية.

وعانى الإعلام المصري حالةً من الاستقطاب خلال حكم الرئيس الشهيد   محمد مرسي. ولم يستطع "مرسي" أن يحدَّ من الحملات التي استهدفته وجماعة الإخوان المسلمين، والتيار الإسلامي عموماً. وامتلأت القنوات الإعلامية بعبارات مثل "أخونة الدولة"، و"ميليشيات الإخوان المسلمين"… ونتج عن ذلك رفع عدد غير مسبوق من القضايا أمام المحاكم ضدّ الصحفيين والإعلاميين بتهمة "إهانة الرئيس".

وتلفت الدراسة النظر إلى أن وسائل الإعلام المصرية لعبت دوراً مهماً في الانقلاب على الرئيس مرسي، خصوصاً فيما يتعلق بإشعال نقمة المصريين عليه، وعلى الإخوان المسلمين. فقد اعتمدت على الهجوم المنظم والمستمر، وحرصت على تحميل مرسي والإخوان مسؤولية أيّ إخفاق أو سلبيات، حتى لو كانت مزمنة ومتوارثة منذ عهد مبارك. وانتشرت شائعات لم تهدف فقط إلى إسقاط الإخوان وتهيئة الساحة للسيسي لتصدّر المشهد، بل لاستخدامها بعد ذلك عند اللزوم في تثبيت حكم السيسي ومحاولة احتواء أيّ إخفاقات يواجهها. وهو ما أكده الإعلامي توفيق عكاشة الذي أعلن عن وجود علاقة وتعاون بين إعلاميين وأجهزة الأمن المصرية؛ بهدف إسقاط جماعة الإخوان المسلمين والرئيس مرسي، وقال عكاشة، إن جميع الإعلاميين هم “أصدقاء الأمن وكانوا عايزين يطيحوا بالإخوان”.

وتذكر الدراسة أن وسائل الإعلام المصري اعتمدت في الشائعات في عهد مرسي على ثلاث استراتيجيات رئيسية، هي: الطعن في شرعيته، والطعن في وطنيته ووطنية الإخوان، وفي تشبيهه بمبارك والإخوان بالحزب الوطني.(2)

كما كشف رصد لمنظمات تعنى بحرية الصحافة أن القنوات الفضائية والبرامج التلفزيونية والصحف الورقية والإلكترونية، لم تشهد أي تدخل حكومي، أو أمني بصورة مباشرة، أو غير مباشرة، خلال حكم مرسي. وقد كان شائعاً أن تهاجمه جهات متعددة، اتضح فيما بعد أن تمويلها السعودي والإماراتي، لم يكن بعيداً عن التمهيد للانقلاب العسكري في 2013. ومازال المصريون يتذكرون برامج باسم يوسف، وإبراهيم عيسى، ويوسف الحسيني، التي كانت تمتلئ بالسخرية من مرسي، وقراراته، وحتى ملابسه؛ بدون أن تتعرض للإيقاف، أو التضييق.

حريات فتحت المجال لمئات الصحف

وكانت الحريات الصحفية التي أسس لها دستور 2012، سببا في تأسيس عشرات الصحف التي كانت تصدر بالإخطار فقط، وتعبر عن كل ألوان الطيف السياسي، وكان لها دور في انعاش الحياة الصحفية ماديا ومهنيا، ولكن كثير منها كانت تصب في معارضة الثورة والانحياز للمجلس العسكري.

 ومن الجرائد الحزبية التى صدرت بعد ثورة يناير، جريدة (النور الجديد) لحزب النور الجديد، جريدة (الحرية والعدالة) لحزب الحرية و العدالة، جريدة (الصقر) لحزب مصر القومى، جريدة (مصرنا) لحزب الاصلاح والتنمية، جريدة (المدار) لحزب مصر الثورة، جريدة (التيار الثالث) لحزب حراس الثورة، جريدة (الربيع العربي) للحزب العربي للعدل والمساواة، جريدة (مصر الحديثة) لحزب مصر الحديثة، جريدة (الشعب الجديد ) لحزب العمل الجديد، جريدة (التحرير المصري) لحزب التحرير المصرى، جريدة (نور الحرية) لحزب الحرية.

أما بالنسبة للصحف الخاصة التى سجلت ما بعد الثورة فهى جريدة (التحرير) للشركة المصرية للنشر العربي والدولي، جريدة (المال الاسبوعى) لشركة المحتوى الجديد للصحافة والنشر، جريدة (الحرية للشعب) للشركة الأهلية للصحافة والطباعة والنشر، جريدة (المشهد) لشركة المشهد للصحافة والطباعة والنشر، جريدة (الفتح) لشركة المجموعة العربية للصحافة والإعلام، جريدة (الخبر العربية) لشركة الخبر العربية للصحافة والنشر، جريدة (المصريون) لشركة المصريون للصحافة والنشر، جريدة (الوطن) لشركة المستقبل للنشر والتوزيع والصحافة، جريدة (المسلمون) لشركة السبيل للصحافة والطباعة والنشر و خمس اصدارات لشركة الرسالة للصحافة والطباعة (مجلة حصاد الفكر- مجلة الرسالة الثقافية – مجلة صوتك – مجلة فارس وزهرة ، مجلة القدس).

وذلك بخلاف  الصحف القومية البالغ عددها 56 صحيفة منها (18) صحيفة لمؤسسة الاهرام، (12 صحيفة) لأخبار اليوم ، (12 صحيفة) لدار التحرير ، ( 9 صحف) لدار الهلال (صحيفتين) لروز اليوسف ، (صحيفة واحدة) لدار المعارف واكتوبر، و (صحيفتين) لوكالة انباء الشرق الاوسط.

وهكذا عاش الإعلام المصري أزهى عصوره بعد الثورة، وتعززت هذه الحريات بشكل غير مسبوق في عهد الرئيس الشهيد محمد مرسي.

ثانيا – إعلام الانقلاب أداة كراهية وانقسام مجتمعي

بعد انقلاب 3 يوليو 2013، فقد الإعلام المصري كل مكتسباته الثورية، واغتال العسكر حرياته، بالتزامن مع سحق أرواح الابرياء في ميادين الثورة ضد الانقلاب ومنها "رابعة" و"النهضة".

ودخل المشهد الإعلامي في مصر مرحلة جديدة بالغة الدلالة والخطورة بعد الانقلاب على الرئيس مرسي، فقد تحول الإعلام بشكل واضح إلى أداة صريحة في الصراع السياسي بين السلطة الانقلابية، وبين المطالبين بالعودة للشرعية، وزادت صعوبة إيجاد مكان للأصوات الناقدة في وسائل الإعلام التقليدية.

وبدأ السيسي انقلابه بإغلاق كل وسائل الإعلام الثورية والمعارضة للانقلاب، وقام الجيش المصري القنوات الإسلامية والمحسوبة على التيار الإسلامي في غضون ساعات من عزل مرسي، وفُرضت الرقابة على المؤسسات الإعلامية، وتعرضت مكاتب إعلامية أخرى للمداهمات، واتهمت السلطات المصرية وسائل الإعلام الأجنبية بتقديم تغطية منحازة.

كما أصبح المشهد الإعلامي المصري غير مهني عموماً بعد عزل الرئيس مرسي، وبالغت معظم وسائل الإعلام المصرية في دعم نظام ما بعد مرسي، في ظلّ وجود بضعة استثناءات فردية تحاول الحفاظ على بعض التوازن.

 وفي العموم، امتلأت موجات الإذاعة والتلفزيون بالأغاني والبرامج الحوارية التي تمجد الجيش، ولعب الإعلام دوراً مؤثراً في المشهد السياسي المصري، لا يقتصر على التحيّز فقط، وإنما تخطاه إلى ما يقول عنه مراقبون ونشطاء إنه “فبركة وتزييف حقائق”.

كما زاد الخطاب التحريضي والعنصري في وسائل الإعلام المصرية، حيث تعالت دعوات فضّ اعتصامات مؤيدي عودة الرئيس مرسي بالقوة، وتضمّن بعضها تحريضاً على العنف وسفك دماء المصريين. وتبنّى الإعلام حملات شيطنة المعتصمين في ميداني رابعة والنهضة؛ حيث وصفهم تارة بالمغيبين والمخطوفين ذهنياً، وتارة أخرى بـ”الإرهابيين المسلحين”، وتارة ثالثة بالقتلة المجرمين. ونظرت أوساط ثقافية مصرية باستغراب إلى ما تصفه بالضحالة الفكرية لدى بعض النخب التي تتصدر المشهد الثقافي والإعلامي في مصر.

ومن جهة أخرى، خصصت نحو 28 قناة مصرية رسمية وخاصة تغطيتها لفعاليات المظاهرات تجاوباً مع دعوة السيسي بالنزول إلى الميادين لتفويضه من أجل مواجهة ما أسماه بـ”الإرهاب”.

في المقابل غابت تغطية المظاهرات المؤيدة لمرسي إلى حدّ كبير عن تغطية القنوات المصرية الرسمية والخاصة، والتي اقتصرت في تغطيتها على عرض لقطات محدودة من ميدان رابعة العدوية ضمن مظاهرات أخرى مؤيدة لدعوة السيسي، وكان التركيز الأكبر في تغطيتها على ميدان التحرير، وذلك بالرغم من استمرار اعتصامي رابعة والنهضة لأكثر من أربعين يوماً بحشود هائلة.

وشهد الإعلام ممارسات حادة ومنفلتة، وراوح مكانه في نفق عميق، على صعيد التنظيم والأداء، وتواصلت الانتهاكات بحق عددٍ من وسائل الإعلام والإعلاميين والصحفيين؛ وهي انتهاكات تنوعت بين الاحتجاز، والاعتداء، والاستهداف القضائي، بحسب عددٍ من المنظمات الحقوقية، وبين المنع، والتقييد، وفق عددٍ من الوقائع الموثقة.

 ومن بين الانتهاكات التي تمّ رصدها، استمرار غلق القنوات والصحف التابعة للتيار الإسلامي، ومنع بعض الكتاب والمذيعين من تقديم برامجهم، ومصادرة بعض أعداد الصحف وإجبارها على تغيير عناوين معينة أو إزالة مقالات.

وتدل المؤشرات إلى أن نظام السيسي كان أكثر قسوةً من سابقيه، حيث تمّ إلغاء عرض البرامج المعارضة والناقدة للنظام، كما قامت وزارة الداخلية بطلب عروض لشراء برمجيات لرصد شبكات التواصل الاجتماعي على الإنترنت.

السيسي يعتبر الإعلام أداة خادمة للسلطة

وعكست تصريحات السيسي المتكررة، بشأن دور الإعلام وأهميته في بناء الدولة الجديدة، حتى قبل توليه السلطة، رؤيةً تنظر للإعلام بوصفه خادماً للسلطة ومكرِّساً لشرعيتها من خلال إقناع الرأي العام بإنجازات الحكومة والحشد والتعبئة للشعب خلفها.(4)

بهذا، سارت مصر على عكس خط السير العالمي، في الحريات الصحافية والإعلامية،  لتضع شعبها بعيدا عن الحياة وتحجبهم عن العالم والواقع، في أكبر جريمة إنسانية وكونية، بعزل أكثر من 100 مليون إنسان عن شمس الحرية، وهو طريق نهايته الانفجار وتهديد الداخل والإقليم بل والعالم أجمع وإزاء الحريات الإعلامية والصحافة.

 لجأ السيسي لسلاح القمع الأمني والسلطوي بالحجب وإغلاق الصحف والمواقع الصحفية، وأصدر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، منذ تأسيسه، قرارات بغلق وحجب عشرات المواقع الإلكترونية، وحسابات وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، وقنوات على موقع يوتيوب، بزعم "مخالفتها الأكواد والمعايير الإعلامية ومواثيق الشرف الصحفي أو الإعلامي" أو "عدم حصولها على ترخيص” وفقا لأحكام قانون تنظيم الصحافة والإعلام، وبات "نشر أو بث أخبار كاذبة"، التهمة الأوسع الصاقا للصحفيين والناشطين على فضاء الانترنت.

وأتى ذلك بالمخالفة لنص المادة (71) من الدستور المصري التي "حظرت بأي وجه فرض رقابة على الصحف، ووسائل الإعلام المصرية أو مصادرتها أو وقفها أو إغلاقها".

وانتهت قرارات الحجب، كسلسلة متواصلة من قبل السلطة الحاكمة، إلى إغلاق اكثر من 700 موقع على الأقل، وذلك بحسب  تقارير حقوقية رصدتها منظمات محلية وإقليمية ودولية.

وفي عهد السيسي عاني مئات الإعلاميين والصحفيين من أوضاع مزرية في السجون، والكثيرون منهم يتعرضون لإهمال طبي متعمد يمثل خطورة شديدة على حياتهم.

وبسبب الانتهاكات اللا إنسانية التي يتعرض لها الصحفيون، تحتل مصر المرتبة 166 من 180 دولة، في  تقرير حرية الصحافة الذي تعده منظمة “مراسلون بلا حدود”، وبذلك تقع مصر المساحة السوداء، بحسب المؤشر، حيث تنتقل حالة الإعلام من سيئ إلى أسوأ.

 وعلى مدار سنوات، تتردد مصر منذ الانقلاب العسكري بين المرتبة 158 و166 في هذا التصنيف، كما احتلت المرتبة الثالثة في قائمة الدول التي تحتجز أكبر عدد من الصحفيين، إذ بلغ عددهم حتى الآن أكثر من 48 صحفيا ، وفقا للجنة حماية الصحفيين غير حكومية.  

وقد تسببت كل تلك السياسات في تقليص توزيع الصحف المطبوعة التي باتت كلها مجرد ناقل للبيانات الحكومية والبيانات العسكرية، في ظل توسع دور الرقابة، بحذف الموضوعات ومنع نشر المقالات، وتغيير المواد المطبوعة، وهو ما أفقد الصحف جاذبيتها، خاصة بعد سلسلة من الاستحواذات من الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، التابعة لجهاز المخابرات العامة، على الصحف والمواقع والقنوات التلفزيونية، وهو ما عبر عنه تراجع توزيع الصحف المصرية من 3.5 مليون في عام 2000 إلى 250 ألف نسخة في يونيو 2023 .

وفي ظل هذه الحالة من مصادرة الحريات الصحفية والإعلامية، لم يتبق تقريبًا على الساحة الإعلامية في مصر، سوى المنصات الإعلامية التي تتبع بشكل مباشر جهاز المخابرات العامة وتمتلكها المجموعة المتحدة للخدمات الإعلامية المملوكة للجهاز، إضافة إلى بعض المنصات المملوكة لجهاز الشرطة.(5)

من جانب آخر، أكد تقرير لموقع "بي بي سي عربي" أن عهد السيسي شهد تضييقا غير مسبوق على الصحفيين الأجانب، حيث يعملون في ظل قيود قانونية شديدة والحكومة تقول إنها لدواع أمنية.

 وأكد صحفي "بي بي سي" في القاهرة، وائل حسين، "إن مهمة الصحفيين في مصر أصبحت محفوفة بالمخاطر على نحو متزايد، …وهناك مخاطر مستمرة للتعرض لتهديدات ومضايقات واعتقال".  

ويقول التقرير: بمجرد رؤية صحفي أجنبي، فإن رجال الأمن يطاردونه، بما ينعكس سلبا على صورة البلاد

وهكذا انقلب الحال في مجال الصحافة والإعلام بمصر في عهد السيسي وأصيب المجال الإعلامي بانتكاسة غير مسبوقة في التاريخ المصري الحديث .(6)

ثالثا- التشريعات المتعلقة بالحريات بين الثورة والانقلاب 

في عهد الثورة نجحت البيئة الحاضنة في إيجاد بنية تشريعية لتعزيز حرية الصحافة  و النشر  من اي رقابة مسبقة، وأن يكون كل شيء مكتوب متاحا أمام الجميع بلا أية قيود وأن تكون هناك حرية لانتقاد المؤسسات الحكومية وغير الحكومية على حد سواء.

وطبقت الجوانب الأساسية للديمقراطية السليمة وتمكن الناس من انتقاد حكومتهم، ووجدت بالفعل صحافة حرة لا تتعرض للملاحقة القضائية، وحقق الرئيس مرسي وعده بإطلاق الحريات العامة والصحفية، وأسس لذلك دستور 2012.(7) 

وقد  تضمن دستور 2012 العديد من النصوص التي تضمن حرية الصحافة واستقلالها، وكان ثمرة واضحة لثورة يناير، حيث أسس لشكل جديد للمؤسسات الإعلامية المستقلة، وهو شكل يختلف كليًا عن سابقه الذي كان يكرس لهيمنة السلطة التنفيذية، ومن هذه النصوص المادة 45 المتعلقة بحرية الرأي والفكر والتعبير، والتي تمنح كل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل النشر والتعبير، ويلحق بها المادة 46 المتعلقة بحرية الإبداع بأشكاله المختلفة أما المادة 47 فدشنت عصرًا جديدًا فيما يخص الحق في الاطلاع على المعلومات حيث ترتب في نهايتها عقوبات لمن يعطل هذا الحق.

أما المادتان 48 و49 فقد مثلتا ثورة في المجال الإعلامي، حيث ضمنتا حرية الصحافة والإعلام ووسائل النشر وحظر وقفها أو غلقها أو مصادرتها إلا بحكم قضائي، وكذا حظر الرقابة على النشر، كما تضمنتا حرية إصدار الصحف بمجرد الإخطار وتملكها للأشخاص الطبيعيين إلى جانب الأشخاص الاعتباريين لأول مرة منذ أكثر من ستين عاما.

كما سعى الرئيس مرسي للانتقال بالإعلام الرسمي من إعلام السلطة إلى إعلام الشعب، ورغم أن الإعلام القومي كان تابعا لنظام مبارك مدافعا عنه، كما أصبح لاحقا تابعًا ومدافعًا عن نظام السيسي إلا أنه لم يكن كذلك في عهد الرئيس مرسي، الذي لم يأل جهدا منحازا للحريات والصحافة، من أجل مجتمع حر.

في 23 أغسطس 2012، أصدر الرئيس مرسي، قرارا بقانون بإلغاء الحبس الاحتياطي للصحفيين في جرائم النشر حفاظا على حرية الرأي والتعبير. وذلك على خلفية قضية الصحفي إسلام عفيفي، رئيس تحرير جريدة الدستور في عهد مرسي، وبسرعة أفرج عنه بعد ساعات من القبض عليه، وأصدر مرسوما بقانون بإلغاء الحبس الاحتياطي للصحفيين في جرائم النشر.(8)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى