تزييف الوعي في الدراما المصرية.. صورة المتدين بين التنميط السياسي والتوظيف الأمني
- من يوليو 1952 إلى ما بعد 2013.. تشويه ملامح “الشيوخ” على الشاشة
- قوالب جاهزة وصور نمطية.. المتدين إما “إرهابي” أو”منافق” أو”شهواني“
- بين التدين الشعبي و”الإسلام السياسي”.. صورة واحدة منفرة للجميع!!
“إنسان للإعلام”- فريق التحرير:
منذ انقلاب يوليو 1952، بدأت الدراما المصرية تُقدّم الشيوخ والمتدينين بصورة سلبية لم تكن معهودة من قبل، حيث ظهرت السخرية من رجل الدين وتقديمه في صورة مهينة رثّة، إما كدرويش، أو شيخ مُدلِّس، أو مأذون لا تنمّ تصرفاته عن الاحترام والوقار.
وبالتزامن مع صعود حالة من التطرف الديني، واغتيال الرئيس أنور السادات (1981)، وتصاعد نشاط الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد في صعيد مصر، وما تبعه من صراع مسلح بينهما وبين الأجهزة الأمنية المصرية، بدأت الدراما المصرية تنتج مسلسلات وأفلامًا تعكس تصاعد موجة العنف المسلح المرتبط بالتطرف الديني، لكنها بدلًا من مواجهة هذه الظاهرة بشكل موضوعي، عالجتها بطرق بدائية عبر تشويه صورة المتدين عمومًا (اللِّحى والحجاب)، لا المتطرف، ووصم الجميع بالإرهاب.
ظهر ذلك في مسلسلات مثل “العائلة”، وأفلام عدة منها “الإرهابي” و”الإرهاب والكباب” و”طيور الظلام”، وجميعها صوَّر المتدين بصورة سلبية للغاية؛ فهو عابس الوجه، عصبي، لا يتحدث سوى عن النار والعذاب، ويُكفِّر من حوله، ويعتزل الدنيا، بجانب قائمة طويلة من الصفات السيئة الأخرى.
ومنذ الانقلاب العسكري في يوليو 2013 على السلطة المنتخبة، ومع كل موسم درامي، خاصة في رمضان، يتكرر الجدل في مصر حول سر تقديم الدراما والأفلام لشخصية الشيخ أو المتدين غالبًا في صورة متشددة، منافقة، انتهازية، سطحية، أو إرهابي وكاره للنساء، يعاملهن بغلظة.
هذا التناول السلبي لصورة المتدين في الدراما، بشكل مستمر قديمًا وحديثًا، طرح تساؤلات حول: هل الدراما تعكس واقعًا اجتماعيًا بالفعل لصورة المتدين، وهذه هي صورته الحقيقية؟ أم أن وراء هذه النزعة الفنية أغراضًا سياسية لإعادة تشكيل صورة التدين في الوعي الجمعي بصورة تجعل المصريين يكرهونه ويكرهون التدين والدين أيضًا؟
بعبارة أخرى، هل نحن أمام معالجة فنية طبيعية لظواهر اجتماعية؟ أم أمام إعادة هندسة ثقافية لصورة المتدين في الخيال الشعبي؟ وهل من حق الدراما أن تُشوّه صورة المتدين بحجة ممارسة حقها في النقد، أم أن هذا نهج متعمد وسياسة مقصودة لـ”تشويه ممنهج للمتدين”؟
من المستفيد من تشويه المتدين؟
هذه الصورة الذهنية السلبية، ومحاولات التنفير والتشهير بالمتدين، كانت مطلوبة أمنيًا وسياسيًا وثقافيًا، لعدة أسباب:
أمنيًا: لتقديم خدمة لجهات الأمن التي تمارس القمع أو التعذيب ضد أي صاحب رأي أو متدين، وتبرير ذلك بحجة أنه “متطرف” أو “إرهابي”.
وسياسيًا: لأنها تخدم التيارات اليسارية، وتُقصي الإسلاميين من الساحة السياسية لصالح صعود اليسار.
أما ثقافيًا: فبهدف تقديم صورة المتدين/المتدينة بصورة سلبية، يقابلها إظهار غير المتدين، والسافرة، وغير المحجبة، بل وحتى الراقصة، في صورة أكثر إنسانية، مع المجادلة بأنهم أكثر فهمًا للدين من “المتطرف” الذي تقدمه الدراما في صورة وحشية غير إنسانية.
المستفيد، بالتالي، من تقديم صورة سلبية للشيوخ والمتدينين هو السلطة والجهات الأمنية في صراعها مع تيارات الإسلام المعتدلة، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين.
وانعكس ذلك دراميًا في تقديم ليس فقط المتدين، ولكن أيضًا الشيخ أحيانًا كرمز للتطرف أو للتوظيف السياسي للدين، لا كشخصية دعوية اجتماعية تقليدية، وضمنه الهجوم على علماء الدين وشيخ الأزهر.
وحاول النظام الاستفادة من الدراما كساحة صراع ثقافي، باعتبارها أداة لتشكيل الوعي؛ فانطلق بعض الكُتّاب والمخرجين من رؤية نقدية للخطاب الديني المحافظ، مدفوعين أحيانًا بتوجيهات من الأجهزة الأمنية، بهدف تفكيك صورة المتدين وتشويهها وتعميم ذلك دون وعي.
كان الهدف هو تشويه صورة المتدين والتدين بإظهار شخصيته كأنها متناقضة (شيخ منافق، متشدد، انتهازي)، تارة بحجة الحبكة والصراع وزيادة نسب المشاهدة، وتارة لأسباب سياسية تتعلق بالصراع السياسي منذ انقلاب 3 يوليو 2013.
والخطورة أنه تم الخلط بين التدين الشعبي وما يُسمى “الإسلام السياسي” في بعض الأعمال الفنية؛ فلم يتم التفريق بوضوح بين المتدين العادي وبين المنتمي إلى جماعة سياسية، وهذا الخلط يعزز الصورة النمطية بأن المظهر الديني يقترن حتمًا بالتشدد عمومًا.
وشجعت على ذلك أعمال درامية ظلت راسخة، وتم النقل عنها في الدراما الحديثة، بنفس القوالب، مثل “الإرهابي” و”طيور الظلام”، اللذين رسّخا صورة الإرهابي الملتحي، وقدّماه كمنافق، ومعادٍ للمرأة أو للفن، ومزدوج السلوك، مع تكرار ذلك حتى تصبح الصورة ذهنية أكثر منها درامية.
تغيير الصورة الذهنية عن المتدين
الدراما التلفزيونية تُعد من أقوى وسائل تشكيل الصورة الذهنية لدى الجمهور؛ فالمشاهد يتفاعل عاطفيًا مع الشخصيات وأبطال الأفلام والمسلسلات أكثر من تفاعله مع أي وسيلة إعلامية أخرى.
لذلك، عندما يُقدَّم في العمل الدرامي نموذج المتدين بصورة نمطية أو سلبية، فإن هذه الصورة تترسخ في وعي الجمهور، وتؤثر في كيفية رؤيته لمظاهر التدين والسلوك الديني.
وقد اعتادت الدراما المصرية تناول المتدين (الإسلامي) بأشكال عمومية، وقوالب جاهزة، وأنماط محددة سلفًا، بوصفه منغلقًا، عابس الوجه، لا يهتم سوى بالأكل والنساء، ولا يعرف غير الانقياد الأعمى، كما في جملة: “لا تناقش ولا تجادل يا أخ علي”، التي رسخت صورة المتدين الذي لا يفكر، بل يسمع ويطيع فحسب.
وتشير دراسات إعلامية إلى أن الدراما المصرية قدمت أحيانًا صورة سطحية أو نمطية تقليدية للشخصية المتدينة، بعيدة عن الواقع الاجتماعي المعقد؛ فقد قدّمت كثير من الأعمال الشخصية المتدينة والدينية بشكل بسيط أو سطحي، يُظهر المتدين كشخصية بلهاء، أو مضحكة، أو غير قادرة على التفاعل مع الواقع، بحجة الحبكة الدرامية، أو بسبب التوجهات الشخصية للمؤلف والمخرج.
دور العلمانيين واليساريين
كثير من الكُتّاب والمخرجين، خاصة في فترات الستينيات والسبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، كانت لديهم وجهات نظر فكرية أو اجتماعية سلبية تجاه الدين أو ضد مؤسسات دينية معينة، فترجموها دراميًا بدلًا من عرض واقع متوازن، في ظل سيطرة التيارات اليسارية على الإعلام والأدب في تلك الأوقات، أو مع اقتراب مصر آنذاك من الاتحاد السوفيتي الشيوعي سابقًا.
واستغل علمانيون ويساريون سيطرتهم على أجهزة الإعلام ومؤسسات الثقافة، ومنها السينما والمسرح، ليخوضوا حربًا غير نظيفة مع الإسلاميين، يشوهون فيها صورتهم، ويقيمون حائلًا بينهم وبين الجماهير، حتى لا تنتشر الفكرة الإسلامية وتؤتي ثمارها، وهو ما ظهرت آثاره في أعمال درامية سلبية شوّهت صورة المتدين.
وقد حرص كثير من كُتّاب ومخرجي الأعمال الدرامية من هؤلاء على تقديم الشخصية المتدينة في أغلب الأحوال بصورة غير صادقة أو حقيقية؛ فهو إما أن يكون متطرفًا وإرهابيًا، أو يُربَط المتدينون بالخرافات والدجل واستغلال البسطاء.
ويقول د. سعد بركات، أستاذ النقد الأدبي، في تصريحات صحفية، إن السينما المصرية يظهر فيها المتدين في أحد دورين: فإما أن يكون مأذونًا شرعيًا أو مدرسًا للغة العربية، وهو في الحالتين يتكلم العربية الفصحى، ومظهره رثّ، ويغازل النساء أو يشجع بطل الفيلم على مغازلة النساء.
ويضيف أنهم يتعمدون تصويره كإنسان يضحك كثيرًا دون سبب، وغير ملتزم بالآداب الإسلامية، وهمّه الرئيسي كثرة الأكل، وأن الشخصية الفنية بهذه الصورة جعلت المتدين إنسانًا سلبيًا سلبية مطلقة، وحوّلته إلى مسخ وأضحوكة وعامل منفر لا يدعو إلى الثقة.
وحذّر من أن الهدف هو زعزعة الثقة في هذا المتدين، وهو ما سيمتد إلى مرجعية هذه الشخصية، وهذه المرجعية طبعًا هي الإسلام، فصار الهجوم على الإسلام بالغمز واللمز وتشويه أهله والداعين إليه.
والملاحظ هنا أن السينما لم تقدح مباشرة في المشايخ وعلماء الدين الإسلامي، وإنما قدحت بطريق غير مباشر في الرمزين اللذين جسدا الدور الإسلامي، وهما المأذون الشرعي ومدرس اللغة العربية.
وقد تناول عدد من كُتّاب الدراما والمسلسلات، ممن ينتمون إلى التيارات الناصرية واليسارية، في العديد من أعمالهم صورة الشيخ والداعية بكثير من الإهانة والتحقير؛ ففي مسلسل «ليالي الحلمية» أظهروا الشاب المتدين عنيفًا ومجنونًا وفاسدًا، ويعتدي جسديًا على خالته لعدم ارتدائها الحجاب، ومنحرفًا سلوكيًا وزيرَ نساء، كما في مسلسل “امرأة في زمن الحب”.
وظهر الرجل المتدين على أنه نصاب ومنافق، كما في شخصية «الحاج ناجي» في فيلم «كراكون في الشارع»، وصورة الموظف المتكاسل الممعن في تطبيق البيروقراطية، المنشغل بالعبادة على حساب العمل الذي يتقاضى عليه راتبًا، وفي الوقت ذاته المفتون بالنساء العاريات، كالشخصية التي جسدها الفنان أحمد عقل في فيلم “الإرهاب والكباب”.
وقُدّم المتدين كنموذج للرجل الشهواني، ورغباته مكبوتة ومنحصرة في الطعام والجنس، وهي الدافع الأساسي لتحريكه وتفسير تصرفاته؛ فمثلًا في دور الممثل أحمد عقل نفسه في فيلم «الإرهاب والكباب»، كان يأكل بنهم، وينظر إلى فتاة الليل (يسرا) بطريقة شهوانية فجّة طوال أحداث الفيلم، مرددًا المواعظ والنصائح التي تُخوّف من عذاب الآخرة.
وفي فيلم «الزوجة الثانية»، الذي أُنتج عام 1967، يظهر الشيخ في صورة الداعم للسلطة الاستبدادية، حين يوظف آيات القرآن في سبيل شرعنة ظلم المستبد وجبروته.
ولم يشذّ عن تلك الصورة إلا فيلم «الشيخ حسن»، الذي أُنتج عام 1954، وجسّد فيه الممثل حسين صدقي شخصية شيخ أزهري صاحب شخصية قوية وحضور مؤثر على من يحيطون به، وظهر في أحد المشاهد بصورة إيجابية وهو يقوم بتعنيف عدد من مدخني الحشيش، ويكسر أدوات التدخين، ويصر على موقفه الملتزم رغم اعتراض أبيه وأصحابه.
كما عالج بطريقة ذكية العلاقة بين المسلمين والأقباط، حين تزوج مسيحية وعانى من عنصرية أسرتها، لكنه أقنعها بالعودة إلى أسرتها بسبب مرض أمها، في تسامح كبير.
وقد مُنع هذا الفيلم لأنه يقدم رؤية إيجابية للشيخ، ويبين قدرة الإسلاميين على التغيير في المجتمع، ولم يُعلَن عن المنع بشكل رسمي، إلا أن الفيلم لم يتكرر عرضه على الشاشات منذ فترة طويلة.
وحاول هؤلاء الكُتّاب اليساريون والعلمانيون إقناع المشاهد بأن المتدين الملتحي هو سبب التخلف الذي تعيش فيه مصر؛ فهو الموظف الذي يترك عمله لأداء صلاة في غير وقت الفريضة، ويتهم الناس بالكفر لأن أحدًا نصحه بأن قضاء حوائج الشعب أهم من صلاة الضحى.
ولأن الدراما أداة لإعادة تشكيل الوعي وليست مجرد ترفيه، بل وسيلة مؤثرة في تشكيل الصورة الذهنية فقد استغلتها هذه التيارات مع الجهات الأمنية في تشويه المتدين وتصاعد الأمر بعد انقلاب 2013 وسيطرة الشركة المتحدة للإعلام على الدراما ليصبح الإنتاج الدرامي محوره تشويه الإسلاميين وتعظيم شأن رجل الشرطة والجيش.
صور نمطية مشوهة
وفي عهد مبارك، وبسبب المواجهة بين جماعتي الجهاد والجماعة الإسلامية من جهة، والأمن من جهة أخرى، خصوصًا في فترة التسعينيات، ظهر الكثير من الأفلام والمسلسلات التي شوّهت النموذج الإسلامي، وصنعت منه مسخًا يثير نفور المشاهدين ومخاوفهم بدلًا من معالجة ظاهرة التطرف على حدة.
وكان من أهم الأعمال التي شوّهت المتدين في تلك المرحلة، في صورة “الإرهابي المتطرف”، مسلسل «العائلة»، وأفلام «الإرهابي»، و«الإرهاب والكباب»، و”طيور الظلام”.
وكانت صورة المتدين في فيلم «الإرهابي» هي صورة من يقتل الناس ويستحل دماءهم، وعينه لا تكف عن التطلع إلى مفاتن النساء حتى في أحلامه، وهو الذي يتخذ من الدين ستارًا لتحقيق أهداف خبيثة، كما في مسلسل «عد تنازلي» ومسلسل «تفاحة آدم»، وهو المخادع المنافق الذي يصل إلى غرضه بطرق غير شرعية، كالرشوة وغيرها، كما في “طيور الظلام”.
وهو الداعية المتاجر بالدين الباحث عن الشهرة، كما في فيلم «مولانا»، وهو الشهواني الذي يأكل بنهم في مشهد مقزز، كما في فيلم «الثلاثة يشتغلونها»، وهو الشيخ المائع المنحل في التعامل مع المرأة، الحافظ لا الفاهم، كما في مسلسل «الداعية» ومسلسل «فاتن أمل حربي»، وهو المتخبط غير المتزن نفسيًا، كما في فيلم «شيخ جاكسون»، وهو المتناقض الضعيف والعنيف، كما في فيلم «حين ميسرة» وفيلم «كباريه» وفيلم “دم الغزال”.
محاولات فضح المحتوى المشوه
لفضح هذا المحتوى المتعمد في تصوير دور المتدين والإسلامي، المنتشر بين صُنّاع المحتوى الدرامي، حاول بعض أعضاء جماعة الإخوان المسلمين التأكيد على أن النماذج التي ظهر عليها الإسلاميون في الدراما ما هي إلا صناعة تلفيقية جرى إعدادها بواسطة رجال أمن الدولة، وبمعرفة رجال الحزب الوطني المنحل، الذين كانت مصلحتهم تكمن في تشويه صورة الفصيل الإسلامي باعتباره مرشحًا محتملًا للحكم، ووجّهوا سخريتهم إلى بعض تلك الأعمال، بحسب تقرير لموقع “رصيف 22”.
وقد وجّه أحد شباب الإخوان المهتمين بالسينما نقدًا لاذعًا للكاتب وحيد حامد بسبب مسلسل “الجماعة”، واتهمه بأنه تعمّد “أن يُظهر رجال الأمن بصورة رجال لطفاء مسالمين يتحرّون عدم الصدام، ويعاملون أفراد الإخوان الجانحين نحو استخدام العنف أفضل مما تعامل به الأم وحيدها”.
وأقام أحد شباب المحامين دعوى قضائية ضد الممثل عادل إمام، بعدما اتهمه “بأنه قدّم أعمالًا فنية أساءت إلى الإسلام وسخرت من الملتزمين دينيًا”.
وحظيت هذه القضية باهتمام كبير على الصعيد الإعلامي، خصوصًا أن محكمة أول درجة حكمت بإدانة إمام، وقضت بحبسه ثلاثة أشهر وتغريمه عشرة آلاف جنيه بتهمة ازدراء الأديان، قبل أن تقضي محكمة الاستئناف بتبرئة الممثل المصري، وقد اعتبر كثيرون هذه التبرئة “نصرًا للفن ورفعًا لرايته عاليًا”.
ومعروف أن هناك تجربة ثرية لمسرح الإخوان المسلمين في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين؛ إذ كانت فرقة القاهرة المسرحية التي أنشأها الإخوان تضم أعضاء مهمين وممثلين معروفين، من أمثال عبد المنعم مدبولي، وسراج منير، ومحمود المليجي، وحمدي غيث، وعبد الله غيث.
وكانت تلك الفرقة تقدم أعمالًا مسرحية فكاهية وأخلاقية وتاريخية، كما يؤكد الشيخ عصام تليمة في بحثه المعنون بـ”البنا وتجربة الفن”.
وبعد اندلاع ثورة 25 يناير، وهيمنة الفصائل الإسلامية على الساحة السياسية المصرية، أعلن عدد من الإخوان المسلمين نيتهم تأسيس شركة إنتاج سينمائي، يتمثل هدفها في “خدمة فكر جماعة الإخوان المسلمين وتقديمهم إلى المشاهدين بصورتهم الحقيقية بغير تشويه أو تحريف”.
وكان من أوائل الأعمال التي نوى الإخوان المسلمون تقديمها عبر تلك الشركة فيلمٌ عن مؤسس الجماعة الشيخ حسن البنا، وذلك بعدما أُعلن في يونيو 2011 عن اختيار الممثل السوري رشيد عساف لتجسيد شخصيته، في عمل بلغت موازنته الأولية ما يقرب من 35 مليون جنيه، وكان من المخطط عرضه في عيد الأضحى عام 2012. غير أن الظروف الصعبة التي تعرضت لها الجماعة، ثم انقلاب 2013، أدّت إلى إيقاف المشروع وغيره من المشاريع الدرامية ذات الصبغة الإسلامية.
إقبال الشباب على التدين
وبسبب هذا التوجه الدرامي المعادي، وتصوير المتدين بصورة غير حقيقية وتشويه المتدينين، نشأت حالة إنكار ورفض شبابية لهذه الدراما المصرية، وانتشر التدين كأثر عكسي، وشهدت علاقة الشباب المصري والعربي عمومًا بالدين تحولًا معاكسًا لما كانت تهدف إليه المسلسلات من تشويه للتدين.
فقد أظهر استطلاع جديد أجرته شبكة “البارومتر العربي” لصالح هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) عام 2022 أن هناك تحولًا كبيرًا في علاقة الشباب دون الثلاثين عامًا بالدين وممارسة الشعائر الدينية في العالم العربي، وأن عدد المقبلين على التدين يتزايد مقارنة بعددهم في عام 2018، في ما اعتبره البعض رد فعل عكسيًا على محاولات تشويه التدين والدين.
وبحسب الاستطلاع، زادت الدعوة إلى التدين في مصر ودول أخرى، منها تونس وليبيا والمغرب والسودان والأردن والأراضي الفلسطينية، وأن مزيدًا من مواطني هذه البلدان باتوا يصفون أنفسهم بالمتدينين.
وبرغم أن محللين فسّروا زيادة التدين بتفاقم الأزمات الاقتصادية، فضلًا عن أزمات التعليم وتدهوره الشديد، فقد أرجع آخرون السبب الفعلي إلى أن ظاهرة التدين تمثل رد فعل على محاولات فرض اللادينية والعلمانية، وتشويه صورة المتدين في الدراما، بعكس ما يراه المصريون في الشارع من حضور طبيعي ومتجذر للتدين في الحياة اليومية.
انتقادات من سلطة الانقلاب
وفي إفطار رمضان الماضي مع الجيش عام 2025، أبدى رئيس النظام المصري، الانقلابي عبد الفتاح السيسي، امتعاضه من مسلسلات رمضان ومضمونها، واصفًا إياها بأنها لا تمثل مصر ولا شعبها العظيم.
ثم تحدث رئيس وزرائه، مصطفى مدبولي، عن تشكيل مجموعة عمل لضبط الإعلام والدراما تنفيذًا لتكليفات الرئيس السيسي، مؤكدًا أن “الأعمال التي ظهرت في رمضان لا تعبر عن المجتمع المصري”.
كما أعلنت شركة المخابرات “المتحدة للخدمات الإعلامية” أنها بدأت في تشكيل لجنة من شخصيات وخبرات متنوعة لوضع خطط للمحتوى الدرامي والإعلامي، ومتابعة ورصد أعمال الشركة، لتحقيق رؤية إنتاجية قائمة على “تحليل دقيق للواقع”.
كان حديث السيسي وتوجيهاته أمرًا غريبًا؛ لأن مسلسلات رمضان تنتجها شركة المخابرات المصرية (المتحدة للخدمات الإعلامية)، التي يوجهها السيسي بنفسه، ويُشرف على تجنيد الصحفيين والإعلاميين والفنانين لإنتاج جميع مسلسلاتها.
كما أن سيناريوهات هذه المسلسلات تُراجع بالتفصيل في أكثر من جهاز أمني قبل الموافقة على إنتاجها وبعد إنتاجها، بما في ذلك مكتب السيسي.
وانتقاد السيسي للدراما اعتبره نقاد ومحللون مصريون وراءه ثلاثة أسباب:
أولها: محاولة السيسي التماهي مع انتقادات المصريين وسخطهم على هذه المسلسلات، التي امتلأت بالهجوم على التدين عمومًا، وبالعري، ومظاهر الخيانة، والبلطجة، والتفاهة، بحيث يظهر أنه يقف مع الشعب ويطالب بإصلاح الدراما.
والثاني: اعتراف ضمني، أو زلة لسان، بأن الدراما الحكومية فاشلة، رغم كل هذا الحصار الأمني المفروض على قصصها، وإنتاجها، واختيار الممثلين، والقنوات التي تُعرض عليها.
أما الثالث: فهو محاولة تحويل مسار النقاش من الغضب بسبب هجوم الدراما الحكومية على التدين، واعتباره منهجًا مرتبطًا بالإخوان، إلى الإيحاء بأن هناك أسبابًا أخرى لفشل الدراما الحكومية، مع إظهار حرصه على التدين ومظاهره.
تبقى صورة المتدين في الدراما المصرية قضية تتجاوز حدود الفن إلى مساحات أوسع تتقاطع فيها السياسة بالأمن، والثقافة بالصراع الأيديولوجي، فليست المسألة مجرد اختيار درامي لشخصية أو حبكة، بل هي -في نظر كثيرين- انعكاس لمعركة طويلة حول تشكيل الوعي الجمعي، وتحديد من يملك حق تعريف التدين، ومن يملك سلطة رسم ملامحه في الخيال الشعبي.
وعلى مدار عقود، تكرّست قوالب نمطية جاهزة قدّمت المتدين إما متطرفًا أو منافقًا أو شهوانيًا أو ساذجًا، حتى باتت الصورة الدرامية أحيانًا أقوى حضورًا من الواقع الاجتماعي المتنوع والمعقّد، غير أن هذا التوجه لم يمرّ دون رد فعل؛ إذ أظهرت تحولات المزاج العام، خاصة بين الشباب، أن محاولات التنفير قد تؤدي أحيانًا إلى نتائج عكسية، وأن الوعي المجتمعي أكثر تعقيدًا من أن يُعاد تشكيله عبر شاشة واحدة أو موسم رمضاني.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع الدراما المصرية أن تتحرر من الاستقطاب السياسي والأمني، وأن تقدم شخصية المتدين بوصفها جزءًا طبيعيًا ومتعدد الأبعاد من النسيج المصري، لا كأداة صراع أو مادة للتشويه؟ أم أن معركة الصورة ستظل رهينة حسابات السلطة وتوازنات السياسة؟




