دراسات

تجارة الأعضاء والبلازما في مصر.. “بيزنس الجيش” يهدم قواعد الدين والإنسانية

  • ماذا يعني إعلان السيسي إنشاء أكبر مركز إقليمي لزراعة الأعضاء في الشرق الأوسط وأفريقيا؟
  • 8 مليارات جنيه للمدينة الطبية الجديدة ضمن مخطط تطوير مستشفى معهد ناصر بإشراف الجيش
  • الإحصاءات الرسمية تشير إلى إجراء ألف عملية نقل كلى سنوياً داخل مصر.. و90% منها غير قانونية
  • ارتفاع نسب الفقر والجوع أدى إلى رواج تجارة الاعضاء بمصر خلال السنوات الثلاث الأخيرة
  • نقل الأعضاء يتم داخل مستشفيات خاصة بعد اتصالات بشخصيات عربية وأجنبية تحتاج إلى عمليات
  • 15 شخصا تمكنوا من توثيق توكيل رسمي للتبرع بأعضائهم حتي 2022 .. والسيسي يبدأ المتاجرة بالمصريين
  • سلطة الانقلاب تدرس إضافة اختيار التبرع بالأعضاء في البطاقة الشخصية و"الإفتاء" تساير حملة المتاجرة بالأعضاء!
  • مصر ضمن العشر الأول عالميا في تجارة الأعضاء.. وجاءت في المركز الثالث في عام 2016
  • «الكُلى» أكثر الأعضاء مبيعاً فى مصر ويصل سعرها إلى 80 ألف دولار وقرنية العين بالمرتبة الثانية
  • عصابات تجارة الأعضاء نشطت في مصر بعد الانقلاب بمساعدة بعض المستشفيات والمعامل الخاصة
  • بيع الأطفال لأعضائهم داخل مصر.. وعصابات تستدرج الشباب خارج البلاد بحجة العمل وتسرق أعضاءهم
  • مصر تحولت إلى مركز لتجارة أعضاء الافارقة بعد عجزهم عن دفع متطلبات سفرهم في الهجرات غير الشرعية
  • الجهات الأمنية والرقابية في مصر كشفت أكثر من 50 عصابة متخصصة في بيع الأعضاء..وما خفي أعظم
  • فضيحة نوفمبر 2021 … تورط أساتذة جامعيين محسوبين على النظام في إجراء عمليات نقل أعضاء مجرمة قانونا
  • تسريب في أكتوبر 2021 يكشف تورط قيادات بالجيش في  سرقة أعضاء نحو 16 ألف طفل مشرد
  • أيدي النظام امتدت لتجارة البلازما بعد تمرير برلمان السيسي مشروع قانون"تنظيم عمليات تجميع بلازما الدم"
  • بعيدا عن الإجراءات الدستورية.. الجيش يعلن افتتاح "أول مركز متكامل في أفريقيا والشرق الأوسط لتجميع البلازما"!
  • الدولة تفرض تعتيما كاملا على طبيعة مشروع تجميع البلازما.. والجيش أنشأ 20 مركزاً للتبرع بها   
  • النشاط الجديد في تجارة البلازما أصبح حكرا على جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع لوزير الدفاع مباشرة

 

إنسان للإعلام-خاص 

مقدمة

في ظل الظروف الاقتصادية المتأزمة التي يعيشها الشعب المصري، فتح السيسي الباب على مصراعيه أمام تجارة الأعضاء، بمخالفة القواعد الدينية والإنسانية وفي احتقار مهين للإنسان المصري، الذي يحاول السيسي المتاجرة في أعضائه ودمه، وذلك من خلال إعلانه مؤخرا إنشاء أكبر مركز إقليمي لزراعة الأعضاء في الشرق الأوسط وقارة أفريقيا، داخل المدينة الطبية الجديدة المقرر إنشاؤها ضمن مخطط تطوير مستشفى معهد ناصر في العاصمة القاهرة.

الهيئة الهندسية للقوات المسلحة قدرت تكاليف أعمال تطوير معهد ناصر وإنشاء مركز زراعة الأعضاء بنحو  8 مليارات جنيه للإنشاءات فقط، مما يعني أن "بيزنس الجيش" سيشهد نشاط غير عادي في هذا المجال وسيكون مظلة كبيرة للانحرافات في تجارة الاعضاء البشرية، خاصة بعد أن سعى النظام لتقنين هذه التجارة من خلال تعديل قانون التبرع بالأعضاء البشرية الذي يعكف عليه برلمان العسكر بمصر، والذي أصدر قانونا خاصا في مارس 2021 للتجارة في بلازما الدم.

مؤخرا أثير الكثير من اللغط بشأن توجه السيسي إلى التجارة في الأعضاء البشرية والبلازما، خاصة بعد حملة ظهر فيها مستشار السيسي للشئون الصحية ليعلن أن الدولة تدرس وضع اختيار التبرع بالأعضاء ضمن بطاقة الرقم القومي للمواطنين، ضمن حملة إعلامية مخططة شارك فيها فنانون وغيرهم للتشجيع على التبرع بالأعضاء!  

وقانون البلازما الذي تم إقراره ينظم "عمليات تجميع بلازما الدم لتصنيع مشتقاتها وتصديرها"، ويهدف إلى جمع وتوزيع الدم ومركباته بغرض التصنيع في مصر، وتصدير بلازما الدم كمادة خام بغرض بيعها في الأسواق العالمية، بناءً على توجيهات السيسي. وبانظار قانون آخر معروض على البرلمان التابع للسلطة التنفيذية لتقنين التبرع بالأعضاء رغم اعتراض الأزهر.

من خلال هذه الدراسة نكشف مخاطر قرارات السيسي وقوانينه المصطنعة في مجالات زراعة الاعضاء وتجميع البلازما.

محاور الدراسة

1- السيسي يطلق مبادرة التوسع في زراعة الأعضاء

2- القوانين المنظمة للتبرع بالأعضاء

3- التبرع بالأعضاء بين الشرع  والقانون

4- المؤسسات الدينية الرسمية منقسمة بشأن التبرع

5- حملة ترويج إعلامية واسعة للتبرع بالأعضاء 

6- مصر أكبر سوق لتجارة الأعضاء 

7- تدهور الظروف المعيشية وراء ارتفاع معدلات الإتجار بالأعضاء

8- أخطر 6 عصابات لتجارة الأعضاء البشرية  في مصر

9- الجيش يتورط في سرقة أعضاء 16 ألف مشرد

10- تقنين التجارة بالبلازما

11- البلازما رافد جديد لاقتصاد الجيش

1- السيسي يطلق مبادرة التوسع في زراعة الأعضاء

في خطوة شكك في نواياها كثير من المراقبين، وجّه السيسي حكومته مؤخرا بإنشاء أكبر مركز إقليمي لزراعة الأعضاء في الشرق الأوسط وقارة أفريقيا، داخل المدينة الطبية الجديدة المقرر إنشاؤها ضمن مخطط تطوير مستشفى معهد ناصر في العاصمة القاهرة، والذي قدرته الهيئة الهندسية للقوات المسلحة (الجيش) بنحو 8 مليارات جنيه للإنشاءات فقط.

وتشير إحصاءات إلى إجراء ألف عملية نقل كلى سنوياً في المستشفيات المصرية، وأن العمليات التي تنال موافقة وزارة الصحة والأجهزة المعنية، بما فيها نقابة الأطباء، لا تتجاوز 10 في المائة من مجموع تلك العمليات، ليجري الباقي خارج إطار القانون.

وتُجرى عمليات نقل الأعضاء داخل مستشفيات خاصة في مصر بعد إجراء اتصالات بشخصيات عربية وأجنبية، في حاجة إلى عمليات زرع كلى أو فصوص أكباد نظير مبالغ مالية كبيرة يتقاضاها الأطباء، ومعاونوهم، فضلاً عن الوسيط. وفي المقابل، يحصل صاحب العضو على مبلغ صغير من المال في نهاية الأمر."1"

و كشف الدكتور خالد عبدالغفار وزير الصحة بحكومة السيسي ، عن تفاصيل إنشاء أكبر مركز إقليمي لزراعة الأعضاء في مصر والشرق الأوسط، فقال إن المركز سيكون به 12 ألف غرفة عمليات بتصميمات عالمية تتقبل كافة الزراعات، وسيكون لدينا شبكة قومية لزراعة الأعضاء ومركز أبحاث أيضًا، ولأول مرة سيتم اعتماد زراعة الرئة في مصر."2"

وقال الدكتور عبد الغفار، أنه سيتم خلال الفترة المقبلة زراعة الرئة في مصر من الحالات المتوفاة حديثا، وأبدي مخاوفه من تحولها إلى تجارة وتصارع بين الورثة..

وتعود فكرة توثيق أول توكيل رسمي للتبرع بالأعضاء بعد الوفاة إلى شخص يدعى يوسف راضي عام 2014، دشن مع آخرين مجموعة "التبرع بالأعضاء بعد الوفاة" على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك وتجاوز عدد أعضائها 10 آلاف بقليل."3"

2- القوانين المنظمة للتبرع بالأعضاء

أقرّت مصر قانون رقم (5) لسنة 2010 وكان أول قانون ينظم زرع الأعضاء البشرية، وتضمّن 28 مادة تتعلق بالأحكام العامة، ومنشآت زرع الأعضاء البشرية، وإجراءات زرعها، والعقوبات الخاصة بمخالفة تلك المواد.

ونصت المادة 5 من اللائحة التنفيذية للقانون رقم 5 لسنة 2010 بشأن تنظيم زراعة الأعضاء على "في جميع الأحوال يجب أن يكون التبرع صادرًا عن إرادة حرة لا يشوبها غلط أو تدليس أو إكراه ثابتًا بموجب إقرار كتابي من المتبرع معززا بشهادة اثنين من أقارب الدرجة الأولى أو مصدقا عليه من الشهر العقاري".

وقبل أن يفتح السيسي "بيزس" زراعة الاعضاء، أجاز الأزهر الشريف ودار الإفتاء التبرع بالأعضاء البشرية وزرعها في جسم الإنسان، على خلاف بين العلماء في كيفية التبرع والأعضاء المسموح التبرع بها، دون أن تتم المتاجرة بها.

في الوقت نفسه،  يخطو برلمان السيسي خطواته الأخيرة نحو التعديلات على القانون رقم 5 لسنة 2010 بشأن تنظيم زرع الأعضاء البشرية بادرت وزارة العدل بتوجيهات عاجلة لمصلحة الشهر العقاري والتوثيق بشأن زرع الأعضاء.

وظهر "المنشور الفني" رقم 28 لسنة 2022 الذي عممته مصلحة الشهر العقاري إلى مكاتبها ومأمورياتها ومكاتب التوثيق وفروعها والإدارات العامة بالمصلحة على مستوى الجمهورية،  فأوضح كل ما يخص عملية زرع الأعضاء البشرية حيث الفئة العمرية المسموح لها بالتبرع وأنواع الأعضاء التي يمكن التبرع بها وشروط التبرع وموقف الأطفال من ذلك بالإضافة إلى وضع الأجانب.

ووفق المنشور، فإنه عند توثيق محررات متضمنة وصية من المتبرع إلى غيره بعضو أو جزء من عضو أو نسيج من جسمه بعد وفاته إلى أي إنسان حي ولا يشترط تعيين الموصي إليه متى توافرت الشروط الآتية:

  • أن تكون جنسية الموصي والموصي إليه مصرية متى تم تحديده بالإقرار.
  • أن تتضمن الوصية بالتبرع البيانات الكافية عن العضو أو النسيج الموصي به.
  • أن تتضمن الوصية بالتبرع بيانات الموصي الشخصية ورقمه القومي.
  • أن تكون الوصية بالتبرع بدون مقابل مادي أو عيني أو مقابل منفعة مادية أو عينية سواء للموصي أو الموصي له أو ذويهما أو ورثتهما.

وبصدور القانون رقم 5 لسنة 2010 بشأن تنظيم زراعة الأعضاء البشرية أصبحت مصلحة الشهر العقاري والتوثيق هي الجهة المنوطة بتلقّي عمل الإقرارات والتصديق على التوقيعات الخاصة بالتبرع.

ويقول رئيس مصلحة الشهر العقاري والتويثق الدكتور جمال ياقوت، قبل صدور هذا القانون كان يُحظر على جميع مكاتب الشهر العقاري توثيق أو التصديق على الإقرارات الخاصة بنقل الأعضاء ولا يجوز توثيقها بل كان يمتنع على السادة الموثقين إجرائها إلى أن جاء هذا القانون بشأن تنظيم وزراعة الأعضاء البشرية ووضع الضوابط والشروط التي على هديها يتم نقل وزرع الأعضاء بين الأحياء أو بين الأحياء والأموات وصدر هذا القانون بعد موافقة الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية."4"

3- التبرع بالأعضاء بين الشرع  والقانون

وبقرار السيسي بالتوسع في زراعة الاعضاء ، عادت قضية التبرع بالأعضاء بعد الموت إلى الواجهة في مصر مجددا وسط زخم إعلامي كبير،  ومخاوف من ان يكون ذلك بوابة للتوسع في تجارة الاعضاء بمصر على حساب الفقراء .

وأوضحت الدولة اتجاهها لهذا التوسع من خلال تصريحات السيسي، وتأكيد مستشارة لشؤون الصحة والوقاية الدكتور محمد عوض تاج الدين، أنه يتم دراسة إضافة اختيار التبرع بالأعضاء في بطاقة الرقم القومي، وهو معمول به في كثير من بلاد العالم.

وكان أول توثيق  رسمي (لسيدة) للتبرع بالأعضاء بعد الوفاة عام 2018،  وإن عدد الذين تمكنوا من توثيق توكيل رسمي للتبرع بأعضائهم 15 شخصا  حتي 2022 .

وتعود فكرة توثيق أول توكيل رسمي للتبرع بالأعضاء بعد الوفاة إلى شخص يدعى يوسف راضي عام 2014، دشّن مع آخرين مجموعة "التبرع بالأعضاء بعد الوفاة" على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك وتجاوز عدد أعضائها 10 آلاف بقليل، وهي مجموعة مغلقة.

وشهدت مصر انتشارا واسعا لتجارة الأعضاء البشرية، ولذلك شهدت التشريعات  مضاعفة الغرامة، وشهدت العقوبة تغليظا لتصل إلى الإعدام وفق قانون رقم (142) لسنة 2017، بتعديل بعض أحكام القانون رقم (5) لسنة 2010، بشأن تنظيم زرع الأعضاء البشرية."5"

4- مؤسسات دينية تبيح نقل الأعضاء وعلماء يعارضون

في فتوى حملت رقم 739 بتاريخ 22 أكتوبر/تشرين الأول 2003، أباحت دار الإفتاء المصرية التبرع بالأعضاء وفق ضوابط وشروط محددة، أهمها وجود غاية طبية ضرورية وملحّة، وموافقة المتبرع، وعدم تقاضي أي مقابل مادي أو معنوي بشكل مباشر أو غير مباشر.

وفي عام 2009 أجاز مجمع البحوث الإسلامية، التابع لمشيخة الأزهر، في مؤتمره العام، التبرع بالأعضاء للمتوفى. وحسب مواقع محلية، شهد المؤتمر تقديم 3 أبحاث لكل من شيخ الأزهر رئيس مجمع البحوث الإسلامية محمد سيد طنطاوي، ورئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يوسف القرضاوي، وعميد كلية الطب بجامعة الأزهر السابق إبراهيم بدران، حيث أباحوا نقل الأعضاء، سواء بين الأحياء أو الأموات إلى الأحياء، وحرموا البيع.

وأكد مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الموقف نفسه عام 2009، وهو ما مهد لصدور قانون نقل وزراعة الأعضاء في العام التالي، حيث أصدر المجمع بياناً ينص على أن "تبرع الإنسان البالغ العاقل المختار غير المكره بجزء من جسده جائز شرعاً بين الأقارب وغيرهم ما دام التبرع يقول بنفعه الأطباء الثقات على أساس قاعدة الإيثار وبشروط منها ألا يكون العضو المتبرع به أساسياً لحياة صاحبه، وألا يكون حاملاً للصفات الوراثية ولا من العورات المغلظة، وألا توجد وسيلة أخرى تغني عن نقل الأعضاء".

على الناحية الأخرى، كان للشيخ محمد متولي الشعراوي، وزير الأوقاف المصري الأسبق، فتوى شهيرة تحرم التبرع بالأعضاء باعتبارها "ملكاً لله وليس البشر"، ودائماً ما تبرز إلى الواجهة عند إثارة القضية.

كما رأى أستاذ الفقه المقارن والشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر الشيخ أحمد كريمة أن إثارة قضية زراعة الأعضاء البشرية تهدف إلى "إلهاء وإشغال الرأي العام المصري عن مشاكله الرئيسة كما رأينا في المساجلات التي أثيرت بخصوص إرضاع المرأة لأطفالها وخدمتها في بيتها، فقد جرّوا العلماء والمفكرين وغيرهم إلى قضايا ثانوية".

وأشار كريمة مؤخرا -في حديث للجزيرة نت- إلى أنه لا توجد حتى الآن بنوك أعضاء لاستقبالها وحفظها، ومن ثم فإن إثارة تلك القضية من باب العبث، وهناك قضايا مهمة في المجتمع لا يتحدث عنها الإعلام ولا يجرؤ.

وفي ما يتعلق بالحكم الشرعي، يخالف الشيخ كريمة الرأي القائل بجواز وإباحة زرع الأعضاء، وقال إن رأيه الشخصي الذي يمثله فقط ولا يمثل الأزهر هو تحريم وتجريم نقل الأعضاء الآدمية من حي إلى حي ومن ميت إلى حي، لأن الآيات القرآنية واضحة حيث يقول عز وجل "إِنَّ السَّمعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كانَ عَنهُ مَسْئُولا"، أي إن الأعضاء الآدمية ملك لله.

وحذر كريمة من آثار زرع الأعضاء وفتح باب الاتّجار بها، واستغلال الفقراء، فقال "الذي ينتفع هم السماسرة والأطباء والمستشفيات، ويتم البيع تحت مسمى التبرع حتى لا يتعرض أحد للمساءلة القانونية، وسيتم تحويل أعضاء الفقراء إلى قطع غيار للمقتدرين، لذا فإن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح".

لا توجد قواعد ولا آليات علمية

ورغم ما أثير حول قضية توثيق التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، فلا توجد قواعد ولا آليات لتنظيم مثل هذه الأمور، حسب الدكتور رشوان شعبان عضو مجلس نقابة الأطباء المصريين وممثل اتحاد نقابات المهن الطبية.

وأوضح شعبان، في تصريحات للجزيرة نت، أن عملية التبرع بالأعضاء بحاجة إلى إمكانات غير متوفرة، ولا توجد لديهم ملفات تتعلق بحالتهم الصحية، ومدى كفاءة أعضائهم، "ولا نعرف متى وأين سوف يموتون".

وأضاف شعبان أن عدم وجود بنوك خاصة بالتعامل مع أعضاء المتوفين يحول دون تطبيق التبرع في حال وفاتهم، "رغم أن بعض الدول العربية سبقتنا في هذا الأمر".

واستبعد عضو مجلس نقابة الأطباء أن يفتح تقنين التبرع باب الاتجار بالأعضاء، لأن المتوفى سيكون قد مات سواء أكان فقيرا أم لا، بخاصة أن القانون يجرّم بيعها بمقابل، فلن يستفيد حتى الورثة لأن عملية نقل الأعضاء ستكون خاضعة لقواعد وضوابط وزارة الصحة."6"

5- حملة ترويج إعلامية واسعة للتبرع بالأعضاء  

وتبع قرار السيسي بإنشاء اكبر مركز للتبرع بالأعضاء  حملة إعلامية واسعة للترويج ، شارك فيها فنانون، فوجدنا إعلان إلهام شاهين بشكل مفاجئ رغبتها في التبرع بأعضائها السليمة بعد وفاتها، مؤكدة أنها وثقت ذلك رسمياً في الشهر العقاري وأبلغت أشقاءها به!

كما أعلنت  الصحفية المؤيدة للنظام وعضو مجلس النواب المصري فريدة الشوباشي تبرعها بكل أعضائها بعد الموت قائلة "أوصيت ابني الوحيد بأن يتبرع بكل أعضائي بعد وفاتي".

وعلى الرغم من كل هذا الجدل القديم المتجدد في مصر في شأن قضية التبرع بالأعضاء، فإن مصر- رغم تعداد سكانها الضخم- من أقل الدول التي تشهد رواجاً للفكرة، في وقت تحتل البلاد مكاناً متقدماً في عدد الوفيات بسبب حوادث الطرق التي تعد مصدراً مهماً للتبرع بالأعضاء حول العالم، إذ سجلت الإحصاءات الرسمية نحو 12 ألف حالة وفاة في حوادث الطرق عام 2019."7"

6- مصر أكبر سوق لتجارة الاعضاء  

تزدهر تجارة الأعضاء البشرية داخل مستشفيات كبرى في مصر تحت مسمى (التبرع)، وتندرج مصر ضمن الدول العشر الأولى ذات الرواج الأكثر لتجارة الأعضاء في العالم. وصنفت الأمم المتحدة مصر في المركز الخامس عالمياً عام 2010، على خلفية اضطرار آلاف من مواطنيها إلى بيع أعضائهم مثل الكلى والكبد، بسبب معاناتهم من العوز والفقر والديون.

واحتلت مصر المركز الثالث عالميًا فى تجارة الأعضاء البشرية عام 2016، فى ظل مجتمع لا يأمن فيه الفقير على نفسه وأهله شر العوز والجوع، وصارت أجساد المصريين مصدراً لمواجهة ذل السؤال… وهي أجساد نال منها الجوع والفقر ما نال إلا أنها بضاعتهم الوحيدة يعرضونها فى سوق تسيطر عليه عصابات وتحكمه قوانين خاصة.

فحسب دراسة أجرتها منظمة الصحة العالمية، أصبحت مصر تتصدر الدول فى تجارة الأعضاء البشرية على مستوى الشرق الأوسط.

وتؤكد دراسة للمركز القومى للبحوث الجنائية، رواج هذه التجارة خلال السنوات الثلاث الأخيرة، حيث إن القائمين على هذه التجارة غير المشروعة، وضعوا لأنفسهم قانوناً لحمايتهم حال وقوعهم فى أيدى العدالة، وهو إبرام «عقد تبرع» بين الطرفين المشترى والبائع، يقر فيه بتنازله عن العضو الجسدى الخاص به وهو فى كامل إرادته.

الغريب أن كل هذه الممارسات تحدث على الرغم من أن المادة السادسة من قانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم 64 لعام 2010، تنص على معاقبة كل من ارتكب جريمة الاتجار بالبشر بالسجن وغرامة لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تتجاوز خمسمائة ألف جنيه.

ووفقاً للعديد من التقارير، فإن تجارة «الكُلى» هى أكثر الأعضاء البشرية مبيعاً فى مصر، ويصل سعرها إلى 80 ألف دولار يتم توزيعها بين البائع والجراح وعدد من الوسطاء، بينما تعتبر قرنية العين من أفضل الأعضاء التى يمكن تهريبها، حيث يتم حفظها فى ثلاجات معينة، ويمكن استخدامها خلال 24 ساعة من يوم استخراجها، بالإضافة إلى أنها ليست من العمليات المعقدة ولا تحتاج لأدوات كثيرة.

وتعمل عصابات تجارة الأعضاء بمساعدة بعض المستشفيات والمعامل الخاصة، بعد إغراء الضحايا بالأموال، ويتورط فيها وسطاء وسماسرة شكلوا معاً عصابات للجريمة المنظمة تمارس عملها فى الخفاء بعيداً عن رقابة وزارة الصحة والأجهزة الأمنية، وترتبط بعلاقات مشبوهة مع منظمات دولية يمتد نشاطها بين الدول الفقيرة التى تواجه اضطرابات داخلية وحروباً أهلية مثل سوريا والعراق وفيتنام والسودان وباكستان وأفغانستان والدول التى يحتاج مرضاها إلى قطع غيار بشرية مثل الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية.

وينحصر ضحايا تلك التجارة فى فئات اجتماعية بعينها، يأتى على رأسها الفقراء والمحتاجون الذين يقبلون ببيع أعضاء أجسادهم مقابل مبالغ مالية؛ لمواجهة ظروف الحياة الصعبة، وهو ما يبدو ظاهرياً أنه يتم وفقاً لإرادتهم، لكنَّ هناك الكثير من الطرق التى يتم بها إجبار فئات أخرى على التبرع بأعضائها، ومن ذلك قيام العصابات المنظمة باختطاف بعض المواطنين والأطفال وسرقة أعضائهم تحت التخدير، والدليل على ذلك ارتفاع عدد بلاغات المتغيبين والمفقودين، وكذلك سرقة الجثث بعد دفنها مباشرة، وجثث المحكوم عليهم بالإعدام وليس هناك من يتسلمها.

 كما يعد أصحاب الأمراض العقلية والنفسية المنتشرون بالشوارع صيداً سهلاً للسماسرة لعدم إدراكهم المخاطر الصحية التى يمكن أن يتعرضوا لها مقابل نزع أعضائهم.

ويعتبر أطفال الشوارع وبعض الجمعيات الخيرية سوقاً رائجاً لهذه المنظمات لكونهم الفئة الأضعف فى المجتمع التى لا تمتلك القدرة على الدفاع عن النفس ضد الإيذاء البدنى بالخطف أو القتل أو ضد عمليات النصب التى قد يقعون فريسة لها، بل إن فتيات الشوارع الحوامل لا يسلمن من تلك العصابات التى تقوم بتوفير الرعاية لهن فى أماكن محددة حتى ولادتهن، ثم يقومون بأخذ الطفل وهى عادة لا تريده وتتم المتاجرة بأعضائه أو بيعه فى الخارج للتبنى.

وفى بحث ميدانى أجراه المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية بعنوان «صور الاتجار بالبشر فى المجتمع المصري» رصد بيع الأطفال لأعضائهم – من خلال عينة مكونة من 400 طفل – وبالتحديد الكلى فقط، حيث باع طفلان كليتيهما مقابل 15 ألف جنيه لأحدهما، و25 ألف جنيه للآخر، والاثنان من الذكور فى الفئة العمرية من 15 إلى 18 عاماً والاثنان من الذين تسربوا من مرحلة التعليم الابتدائى.

وكثيراً ما يلجأ أفراد العصابات إلى بعض الحيل لسرقة الأعضاء البشرية، ومن ذلك قيام سيارة بصدم أحد المارة فى الشارع وإسراع صاحبها بنقله إلى أحد المستشفيات التابعة لهم بحجة إسعافه، ثم يقومون باستئصال ما يريدونه من أعضائه، ولا يكتشف المصاب ذلك إلا عندما يقوم بإجراء أشعة عندما يعانى من مضاعفات بعد ذلك.

كما تستغل هذه العصابات حالة البطالة التى يعانى منها الشباب المصرى فى إغرائهم بالسفر إلى الخارج عن طريق خداعهم فيطلب منهم إجراء تحاليل فى معامل محددة، وعادة تشير نتيجة التحاليل إلى إصابة العضو المطلوب بمرض يتطلب إجراء جراحة بسيطة، ويعرض السمسار تكاليف العملية على الشاب على أن تكون ديناً يسدد من قيمة عقد العمل فيوافق الشاب ممتناً، وبعدها يكتشف أنه تمت سرقة أحد أعضائه وتم النصب عليه واختفى السمسار والعقد.

الأغرب من ذلك أن مافيا تجارة الكُلى فى سعيها للتغلب على العوائق التى تعترض أعمالها غير المشروعة، يلجأون إلى حيلة شيطانية عن طريق تزويج سيدات وفتيات فقراء يردن البيع من أثرياء عرب بشكل قانونى ظاهرياً، وبعدها يتم الطلاق عقب إجراء عملية الزرع.

وقد تخطى الأمر استغلال تلك الفئات من المصريين، ليتعداه إلى المهاجرين الأفارقة، ففى تقرير لصحيفة التايمز، ذكر أن الأفارقة يعدون سوقاً رائجاً لتجارة الأعضاء، حيث إنهم لا يبلغون عن الانتهاكات التى تحدث فى حقهم بالنظر إلى ارتفاع معدلات الأمية فيما بينهم، إضافة إلى وجودهم فى البلاد بصورة غير شرعية، حتى يتمكنوا من خوض رحلة الموت إلى أوروبا عبر البحر، لأن موقع مصر فى منطقة وسط، ووجود أكثر من مسار يتخذه المهاجرون الأفارقة نحو أوروبا يجعلها المكان المثالى لتلك التجارة.

وكشف التقرير، أن مهاجرين إريتريين لم يتمكنوا من دفع أموال المهربين، وتم بيعهم لبعض القبائل البدوية فى سيناء لحصد أعضائهم مقابل 15 ألف دولار.

وأشار التقرير إلى أن أحد المتبرعين دفع له ما يعادل 15.595 جنيه إسترلينى مقابل بيع كليته، وأن المتلقين يكونون فى أغلب الأحوال من مواطنى دول الخليج.

وأضافت الصحيفة أن صوراً تم تداولها على وسائل التواصل الاجتماعى أظهرت جثامين تسعة لاجئين صوماليين عثر عليها على أحد الشواطئ فى مصر، وقد امتلأت أجسادهم بالندوب، ما يرجح سرقة أعضاء منهم قبل قتلهم.

كما أشار تقرير الاتجار بالبشر الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية العام الماضى إلى أن الأعضاء التى تمت سرقتها من الأفارقة بعد قتلهم، تباع داخل إسرائيل بمبالغ تتراوح بين 100 و150 ألف دولار.

وعلى المستوي الرسمي قال نقيب الأطباء المصريين إن مصر أصبحت تحتل المركز الثالث عالمياً في تجارة الأعضاء البشرية، فيما اعترف وزير الصحة والسكان الأسبق في عام 2016  أن مصر ينتشر فيها تجار الأعضاء، وذلك لأسباب اقتصادية تتعلق بالفقر."8

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى