دراسات

العسكر و الإعلام .. “زواج تاريخي محرم” يهز استقرار المنطقة العربية

 

  •  الإعلام كان دوما أداة أساسية بيد زعماء الانقلابات العسكرية العربية  
  • صراع  الجنرالات على السلطة تظهر انعكاساته في وسائل الإعلام الموالية
  • الإعلام أحد أدوات التنكيل الأساسية بالمعارضين أو "العسكر" المخلصين
  • السيسي بدأ انقلابه بتأسيس أذرع إعلامية تمهد للانقلاب على الرئيس مرسي
  • بعد انقلاب 2013 سيطرت المخابرات والأمن على كل وسائل الإعلام المصرية 
  • جنرالات مصر والسودان أغدقوا الأموال على وسائل الإعلام لخدمة أهدافهم
  • الإعلام الطائفي والمليشياوي في ليبيا واليمن أجج الصراع على السلطة بشكل كبير
  • بعد انتعاشه بثورات الربيع العربي.. الإعلام الحر بات ضحية لانقلابات الجنرالات
  • التنكيل والقهر ومصادرة الحريات كان من نصيب الإعلاميين المعارضين للجنرالات
  • الإعلام المحسوب على الانظمة العسكرية فقد مصداقيته بشكل كبير بين الشعوب

 

إنسان للدراسات الإعلامية- خاص:

على مدى أكثر من نصف قرن، شهدت المنطقة العربية عدة انقلابات عسكرية أضرت أشد الضرر باستقرار الدول، وأدت إلي الانحراف الكامل عن المسارات الديمقراطية.

كان الزواج المحرم بين وسائل الإعلام والحكم العسكري أحد دعائم هذه الانقلابات، حيث انبرت وسائل الإعلام في تحسين الوجة القبيح للانقلابات والأنظمة الدكتاتورية التي أفرزتها، وظلت طول الوقت تخدم أهداف هذه الأنظمة وتبرر سياساتها التدميرية.

في هذه الدراسة، نضع أيدينا على بعض نماذج الانقلابات العسكرية في منطقتنا العربية، وكيفية توظيف الأنظمة التي أتت بها هذه الانقلابات للإعلام، والدور المشبوه الذي لعبه الإعلام في تثبيت أركانها وتضليل الرأي العام بشأن سياسات هذه الانظمة واستبدادها، ما أدي إلى انهيار الدول ونهب ثرواتها وإفقار شعوبها.

المحاور:

  1. 7 انقلابات عسكرية في مصر ساندها الإعلام وأيد استبدادها
  2. انقلابات بالجملة في السودان تحت غطاء "الصوت الواحد"
  3. رغم الثورة.. الإعلام الليبي ما زال حبيسا لأوامر العسكر والمليشيات
  4. العسكرية الطائفية باليمن دمرت الدولة بمساعدة الإعلام
  • أولا: 7 انقلابات عسكرية في مصر ساندها الإعلام وأيد استبدادها

شهدت مصر سبعة انقلابات عسكرية في العصر الحديث، خلال  ما يزيد على 60 عاما، بداية من انقلاب يوليو 1952، ثم انقلاب ضباط المدفعية 1953 وقد فشل، فانقلاب الإطاحة بالرئيس محمد نجيب 1954 وقد نجح، واانقلاب المشير عامر ضد ناصر 1967 وقد باء بالفشل، و انقلاب مايو 1971 ضد السادات وقد فشل، والسادس كان انقلاب الجيش مستغلا ثورة 25 يناير 2011 ضد المخلوع مبارك وقد نجح، والأخير كان انقلاب يوليو 2013 ضد الرئيس محمد مرسي وقد نجح.

أشد هذه الانقلابات دموية كان الثالث من يوليو 2013، عندما قاد وزير الدفاع وقتها، عبدالفتاح السيسي، انقلابا ضد الرئيس محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب، و على التجربة الديمقراطية بأسرها وما حققته من إنجازات.

في كل تلك الانقلابات كان الإعلام حاضرا، بل في المقدمة، فوصف الانقلابات بأنها "ثورات"، ثم سوّغ المظالم التي تلتها وباركها؛ فساهم في تأكيد وتعميق الاستبداد والديكتاتورية.

مثلا، وصف ما حدث في 30 يونيو 2013 بمصر بأنه "ثورة" رغم كونها "كذبة مصنعة"، ووصف انقلاب 3 يوليو 2013 بأنه "إنقاذ للبلد من حكم الإخوان المسلمين"، رغم وصف  تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية وكثير من الحكومات له بأنه "انقلاب عسكري".

كانت "سهرة 30 يونيو" حشدا مصطنعا من قوى الدولة العميقة، وكان حدث 3 يوليو انقلابا عسكريا واضحا صريحا- وهذا ما أكدته مجريات السنوات العشر الماضية- ولكن بفعل أطراف وقوى داخلية وخارجية تآمرت على إرادة الشعب، وبفعل آلة إعلامية جبارة تم قلب الحقائق تماما. "1"

وفي ظل انقلاب السيسي الأخير، عدّ الجيش المصري نفسه "فوق الدولة" مؤسساتيًا، وأصّل دوره ومكانته بوصفهما مبادئ "فوق دستوريّة"، لا تخضع للرقابة البرلمانية أو المساءلة الشعبية، بل احتكر حق تقديم المدنيين إلى "محاكمه"، واعتمد على رمزيته الوجدانية "الشعبية"، وتماسكه البنيوي، في واقع تهشمت فيه مؤسسات الدولة الأخرى، للتصرف بالدولة والمجتمع كما يريد. "2" . وقد مارس الإعلام أخطر دور على الإطلاق في التمهيد للانقلاب وتثبيت أركانه.

إعلام الصوت الواحد

سابقا، وخلال مراحل الانقلابات العسكرية بمصر، حدث تزواج بين الإعلام والحكم العسكر، أضر بالبلد أشد الضر، فبعد انقلاب 1952، حاول عبد الناصر السيطرة الكاملة على كل وسائل الإعلام المصري، فتحولت كل الوسائل الإعلامية، الإذاعة والتليفزيون والصحف والصحف، إلى إعلام الصوت الواحد ،  ثم سار على نفس المسار لكن بشكل اكثر انفتاحا السادات ، ثم جاء مبارك ليضع هامشا بسيطا للحريات الإعلامية، ثم شهدت مصر حرية إعلامية غير مسبوقة في تاريخها مع قيام ثورة يناير، وفي ظل حكم الرئيس محمد مرسي ، ثم عاد الإعلام بقوة إلى الصوت الواحد الموجه في عهد السيسي، وأصبحت التعليمات و"المحظورات" توجه من مكان واحد ومن جهاز واحد أحيانا.

كانت معالجات الإعلام لهزيمة 67 ، وماقبلها، دليلا على وجود تزاوج "محرم" بين الآلتين العسكرية والإعلامية، فبعدما بشرت عناوين الصحف بانتصارات وعمية، مثل: "المشير عبد الحكيم عامر يعلن في العرض العسكري الكبير.. الصواريخ الجبارة.. الطائرة القاهرة 300 من أقوى الطائرات في العالم" (مانشيت الأخبار في يوليو 1965"، استيقظ الناس في يونيو 1967 على أخبار علموها من إذاعات أجنبية عن "مقتل الأسري المصريين في صحراء سيناء، و تدمير القدرات المصرية، في حين ظلت صحافة مصر – رغم الهزيمة- تبيع الوهم للناس، وتحلق في أجواء نصر مزعوم، في الفترة ما بين 6 يونيو وحتى 9 يونيو 1967، فقالت: "أسقطنا 86 طائرة للعدو.. قواتنا تتوغل داخل إسرائيل"، "بيانات إسرائيل تعترف بالخسائر الفادحة " ، "الجيش العربي يزحف إلى تل أبيب"!

بالتزامن مع الصحف، كان مذيع "صوت العرب" الشهير، أحمد سعيد، يبشر العرب بنهاية دولة الاحتلال، فالطائرات تسقط والقوات العربية تتوغل داخل إسرائيل، حتى استيقظ العرب على توسع دولة الاحتلال وهزيمة الجيوش العربية على عدة جبهات، فمن أين أتت "شجاعة"الكذب الإعلامي؟.

تحولات عهد عبدالناصر

مثلما اهتم  جمال عبد الناصر بالقضاء على الحياة السياسية اهتم أيضا بالسيطرة على الإعلام وجعله صوتًا واحدًا، وبعد انتهاء صراع مجلس قيادة الثورة مع اللواء محمد نجيب حل عبد الناصر نقابة الصحفيين عام 1954 بدعوى تقاضي الصحفيين مصروفات سرية، ثم أغلق عددا كبيرا من الصحف لأنها تنتمي لأحزاب سياسية، فتقلص عدد الصحف اليومية إلى ثلاث فقط هي “الأهرام” و”الأخبار” و”الجمهورية”، ومجلات أسبوعية منها “روز اليوسف” و”المصور” و”الكواكب” و”آخر ساعة”.

ورغم أن عبد الناصر اعتقل عددا من الصحفيين على مدار عهده، إلا أنه كان يقرب منه آخرين للترويج للجمهورية، كان أبرزهم محمد حسنين هيكل (1923 -2016)، كما كان عبدالناصر يشرف بنفسه على اختيار رؤساء التحرير.

 وفي عام 1960 أصدر جمال عبد الناصر قانون “تنظيم” الصحافة والذي نقل بموجبه ملكية المؤسسات الصحفية إلى الدولة، كما نص القانون على أنه لا يجوز إصدار صحيفة إلا بترخيص من الاتحاد القومي، كما لا يجوز لأي شخص أن يعمل في الصحافة إلا بترخيص من الاتحاد، كما أعاد عبد الناصر الرقابة على الصحف.

لم تكن أخبار النصر على إسرائيل عام 67 في الإعلام العربي الكذبة الأولى، لكنها كانت الكذبة الفاضحة التي كشفت عن سلسلة طويلة من الكذب حول قدرات مصر العسكرية والتنموية قبل “النكسة“.

قبل الهزيمة المذلة في 1967،  كان الإعلام يروج أن "زوال إسرائيل مسألة وقت"، وكان "الشعب ينتظر الحرب لقصف تل أبيب"،

وقبل أعوام من “النكسة” كان يشارك الصاروخان القاهر والظافر في عروض عسكرية في الشوارع الرئيسية بالعاصمة، وكان عبد الناصر يقول في خطبه إن مدى القاهر يصل إلى 600 كيلو متر، والظافر يصل إلى 350 كيلو مترا، ويستطيعان بكل سهولة قصف إسرائيل.

ووصل الأمر إلى أن تحدثت مجلة المصور، في أبريل عام 1965،  عن "سر وجود سفينة فضاء مصرية"، وعلى 10 صفحات كتب حمدي لطفي ما اعتبره "تحقيقا كاملا بالصور عن سفينة الفضاء المصرية"، التي وصفها "بقصة الكفاح العلمي والعسكري لإرسال كبسولة فضاء عربية تحمل مصريًا إلى الفضاء"!

وحينما جاءت الحرب لم نخسر سيناء فقط ولكن خسرنا أيضًا الروح المعنوية التي كانت من ضمن أهداف الكذب الإعلامي، وانكشفت لعبة عبدالناصر ورفاقه.

نكسة مع السيسي

على منوال الكذب نفسه، جاءت النكسة الكبيرة لحرية الصحافة، والسيطرة الكاملة على المؤسسات الإعلامية ، بعد أنقلاب 3 يوليو 2013 ، الذ قاده السيسي؛ ففي أكثر من مناسبة عبر السيسي عن استيائه من الإعلام بسبب ما وصفه "بتصدير التشاؤم للشعب"، وأكد أن  “الزعيم الراحل عبد الناصر كان محظوظا، لأن هو اللى كان بيتكلم والإعلام معه"!

السيسي أراد إدارة الإعلام بالمقاييس التي يريدها، فأمر الإعلاميين أكثر من مرة قائلا: “انشروا الإنجازات”.. "لازم الإعلام يبقى تعبوي"، هكذا كشف السيسي أنه يريد إعلام أشد تضليلا من إعلام عبدالناصر، وبعد  نصف قرن من النكسة لم يتعلم النظام أو الإعلام أن نشر الإنجازات فقط هو جزء من بيع الوهم للشعب لتدعيم السلطة ولن يؤدي إلا إلى كارثة.

كان من الأمثلة الواضحة لبيع الوهم انشغال الإعلام من فبراير 2014 وحتى يونيو من العام نفسه بجهاز كشف وعلاج فيروسيي "الكبد الوبائي C" ، و"الإيدز"، الذي أعلنت عنه القوات المسلحة في مؤتمر بحضور الرئيس المؤقت عدلي منصور والجنرال السيسي، وقيل وقتها إن الجهاز "سيغير وجه مصر"، وأعلن الجيش عن بدء التسجيل لعلاج المصابين في أول يوليو 2014، لكن حتى الآن لم يبدأ العلاج!.

الوهم لم يقتصر على الجهاز فقط، ففي مارس عام 2015 ، عقد السيسي مؤتمرًا اقتصاديًا في مدينة شرم الشيخ انتهى بالإعلان عن استثمارات بلغت 175 مليار دولار، حسب مانشيت جريدة الأهرام، ولكن لم يحدث شئ إلى الآن، بدليل اضطرار النظام لتعويم الجنيه للمرة الأولى في عام 2016، كأحد شروط صندوق النقد الدولي لإقراض مصر 12 مليار دولار.

ومع انكشاف الوهم في كل مرة، يضاعف النظام من إحكام السيطرة على الإعلام، إما بالعصا الغليظة وطرد الإعلاميين المحسوبين على ثورة يناير أو بإرهاب الإعلاميين والنشطاء وممثلي المجتمع المدني والحقوقي، والقبض على بعضهم بتهم نشر أخبار كاذبة، ومنع بعضهم من السفر وحبس آخرين احتياطيًا لمدد تجاوزت ثلاث سنوات.

كما تم اقتحام عدة مواقع صحفية إلكترونية، والقبض على مالك صحيفة المصري اليوم، و منع طباعة وتوزيع أعداد صحف بعضها محسوبة على النظام، منها الوطن وصوت الأمة والبوابة نيوز والمصري اليوم، و في ابريل 2016 اقتحمت قوات الأمن لنقابة الصحفيين للقبض على صحفيين لجآ للنقابة بعد اقتحام قوات الأمن منزليهما.

ثم أحكم النظام سيطرته على الإعلام، من خلال قانون "الإعلام الموحد" واختيار الهيئات الإعلامية الثلاثة المنوط بها تنظيم الإعلام المقروء والمسموع والمرئي بعد تغيير بعض مواد القانون .

 كما أصدر السيسي قانون الإرهاب الذي منع نشر أية أخبار تتعلق "بالحرب على الإرهاب" المزعوم  إلا من خلال البيانات الرسمية.

وتحت غطاء عدد من رجال الأعمال، اشترت مخابرات النظام الصحف والمواقع، ومنها صوت الأمة والدستور و"دوت مصر"، كما اشترى مجموعة قنوات "أون تي في" من رجل الأعمال نجيب ساويرس، ومن ثم اعتمد على عدد من العسكريين للتحكم في الوسائل والرسائل، ومن  أبرزهم المتحدث العسكري السابق العقيد محمد سمير، والمقدم أحمد شعبان، ظل رئيس جهاز المخابرات عباس كامل."3"

ولا أحد يعلم متى اتخذ القرار بتكليف الأجهزة السيادية بالاستحواذ شبه المباشر على غالبية المؤسسات الإعلامية الرئيسية ذات الملكية الخاصة. ولكن تنفيذ القرار بدأ في بداية عام 2016، بتأسيس شركة إعلام المصريين، التي كان في واجهتها ورئيسا لمجلس إدارتها رجل الأعمال المعروف أحمد أبو هشيمة، وهو في حد ذاته شخصية مثيرة للاهتمام

بدأت شركة إعلام المصريين في تنفيذ مهمتها بإنجاز أول استحواذ لها عندما اشترت في مايو من نفس العام مجموعة قنوات أون تي في، من شركة هوا المملوكة لنجيب ساويرس. هدف الاستحواذ ظهر سريعا مع التغيرات المجراة على القناة وتغييب بعض من أهم وجوهها المعروفة أو من تبقى منها وفي مقدمتهم اﻹعلامية ليليان داوود الذي ترافق تركها للقناة بترحيلها عن مصر. وفي الواقع كان إنهاء تعاقد ليليان هو مبرر ترحيلها، في علامة واضحة على تناغم وتنسيق مسبق بين إعلام المصريين وبين السلطة.

في يوليو التالي استحوذت إعلام المصريين على مجموعة قنوات الحياة التي كانت حينها قد انتقلت ملكيتها إلى شركة فالكون، وهي شركة ذات صلات بأجهزة سيادية بدورها. الخطوة أنبأت بأن التوجه أصبح هو توحيد الجهة المسؤولة عن ضبط اﻹعلام، وسيتكرر في الشهور التالية استحواذ إعلام المصريين على مزيد من المؤسسات الإعلامية التي سبق لأجهزة سيادية الاستيلاء عليها أو المساهمة في إنشائها.

في سبتمبر من نفس العام اشترت إعلام المصريين نسبة 51% من أسهم شركة فيوتشر ميديا المملوكة سابقا لمحمد الأمين والذي احتفظ بـ49%، وثمة مؤشرات ﻷن الحصة التي حصلت عليها إعلام المصريين لم تكن يوما مملوكة لمحمد الأمين نفسه وإنما تعود ملكيتها إلى الجهاز السيادي نفسه أو جهاز آخر.

 بالاستيلاء على هذه النسبة ضمت إعلام المصريين إلى ملكيتها مجموعة قنوات سي بي سي.

على جانب المؤسسات الصحفية وبشكل متواز استحوذت إعلام المصريين على صحيفة اليوم السابع (ربما بنقل أبو هشيمة ملكيته لبعض أسهمها إلى ملكية المجموعة). وحصلت إعلام المصريين في الصفقة على الموقع الإلكتروني لليوم السابع وعدة مواقع إلكترونية أخرى تابعة لها، منها فيديو 7 وانفراد، وفوتو7 والبرلمان والقاهرة.

في يوليو استحوذت إعلام المصريين على موقع دوت مصر، كما اشترت صحيفتا صوت الأمة وعين اللتين كانتا لا تزالان مملوكتين لعصام إسماعيل فهمي، وكانت هذه فرصة للتخلص من عدد من صحفيي الجريدتين

شملت صفقات الاستحواذ أيضا عددا ضخما من شركات الدعاية واﻹعلان والإنتاج اﻹعلامي وصناعات أخرى مساعدة بما في ذلك الأكاديمية الإعلامية المصرية إضافة إلى شركة خدمات أمنية!(مراسلون بلا حدود

بعد تمكن إعلام المصريين وأبو هشيمة في واجهتها بتنفيذ هذه المهمة الكبيرة والتي لابد قد احتاجت إلى ضخ موارد مالية ضخمة لانجازها، ولسبب غير معلوم قامت شركة إيجل كابيتال وهي شركة مملوكة لصندوق خاص بالمخابرات العامة المصرية بالاستحواذ على شركة إعلام المصريين. الصفقة لم يكن الغرض منها هو نقل الملكية ﻷن إعلام المصريين نفسها كانت مملوكة في معظمها للمخابرات العامة، ولكن الهدف الواضح كان تغيير اﻹدارة.

فيما يبدو فالإجراء كان الهدف منه جعل إدارة الحصة التي استولت عليها إعلام المصريين من الإعلام المصري على مسافة أقرب من الدولة، والتخلص من أحمد أبو هشيمة كواجهة. "4"

وبجانب ذلك، اعتمد النظام آليات متعددة تتراوح بين الضغط على المؤسسات الإعلامية لتلتزم بالرسالة الموحدة التي يرغب في إيصالها للجمهور، والاستيلاء المباشر على مؤسسات إعلامية قائمة وإنشاء أخرى من قبل أجهزة سيادية تابعة للدولة.

وأصبح  واقع الإعلام بمعناه الواسع، أي كوسيط ﻹتاحة المعلومات، في عصر شبكة اﻹنترنت، أكثر تعقيدا في عهد السيسي من أن ينظر إليه فقط من خلال المؤسسات الإعلامية التقليدية، ففي الوضع الحالي يعاني اﻹعلام المؤسسي من انحسار قدرته على اجتذاب الجمهور، ومن تشابه رسالته اﻹعلامية بتلك التي تتيحها مصادر غير مؤسسية أو مهنية، كما أن مصداقيته لا تتميز بأي حال عن هذه المصادر كونه طرف في التجاذب السياسي مما يجعله غير مؤهل لادعاء تقديم معلومة موثوقة إلى جمهوره.

تغييب جميع الأصوات

وكانت بداية تعامل نظام يوليو 2013 مع اﻹعلام درامية، تليق بالبداية الدرامية للنظام نفسه، فقد كان من أوائل ما اتخذه هذا النظام من إجراءات إغلاق عدد كبير من المؤسسات اﻹعلامية التابعة بشكل مباشر لجماعة اﻹخوان المسلمين وحلفائها فيما يسمى بتحالف الشرعية.

هذه الخطوة التي خالفت سلوك السلطة تجاه المؤسسات الإعلامية خلال الفترة السابقة كانت مؤشرا لنهج النظام الجديد تجاه اﻹعلام واستعداده لاستخدام إجراءات جذرية لتحقيق أغراضه التي اتضح مع الوقت أنها لا ترضى بما هو أقل من تغييب أي صوت إلا الصوت الوحيد للنظام نفسه.

وإذا نظرنا إلى التعامل الخشن من قبل نظام السيسي الانقلابي مع الإعلام، فيما بعد عام 2014 ، نجد  أنه انتهج سياسة تكسير العظام للمؤسسات والصحفيين واﻹعلاميين الذين بدا أنه لا سبيل إلى احتوائهم وفرض الالتزام بتوجهه عليهم، وهو ما يمكن ملاحظته اليوم بوضوح ليس فقط في غياب الأصوات المعارضة بل حتى في تدنى مستوى اللغة واختيار العناوين وغير ذلك من التفاصيل الشكلية.

كما أسس النظام قنوات تنطق بلسانه من خلال مجموعة قنوات دي إم سي التي بدأ نشاطها بإطلاق قناة رياضية هي دي إم سي سبورتس في سبتمبر من عام 2016. ومع بداية العام التالي (يناير 2017)، أطلقت المجموعة قناة دي إم سي العامة.

و سبق ذلك حملة إعلانية ضخمة عن مجموعة القنوات الجديدة، أعطت انطباعا واضحا بحجم استثمارات ضخم وراءها.

لم يقتصر تميز بداية قنوات دي إم سي على حجم الإنفاق الضخم وغير المسبوق، ولكنه يمتد كذلك إلى مظاهر توحي بالنفوذ السياسي الداعم لها، مثل تمكن المجموعة من استئجار عدد من استديوهات التليفزيون المصري الرسمي وهو الأمر الذي لم يسبق حدوثه من قبل.

هكذا، وعلى مدار حكم السيسي "عانى الإعلام المصري أشد المعاناة من ممارسات عملية وصلت إلى حد القتل للعديد من الصحافيين والمصورين، ومن تشريعات قمعية كفيلة بإخراس أي صوت ناقد، أو غلق أي منبر حر"، بحسب مرصد الإعلام العربي، الذي أفاد بأن "نحو 300 صحافي دخلوا السجون وأقسام الحجز المصرية، وبعضهم تجاوز مدة الحبس الاحتياطي التي يقدرها القانون بسنتين كحد أقصى ولم يفرج عنهم، ولم توجه لهم اتهامات جدية، وبعضهم يعاني أمراضاً فتاكة في محبسهم، وترفض إدارات السجون نقلهم للعلاج خارج السجون ولو على نفقتهم الشخصية".

كما ذكر أن  "10 صحافيين قُتلوا بسلاح الجيش والشرطة، وهم أحمد عاصم، أحمد عبد الجواد، حبيبة عبدالعزيز، مصعب الشامي، مايك دين، محمد الديب، تامر عبدالرؤوف، مصطفى دوح، محمد حلمي، وميادة أشرف، ولم يُعاقب أحد إلى هذه اللحظة".

واعتبر المرصد أنه "في جمهورية الخوف التي نتجت عن انقلاب الثالث من يوليو  2013، أصبحت الرقابة الذاتية ظاهرة عامة تجنباً لملاحقة الأجهزة الأمنية أو عقوبات جهة الإدارة، أو حتى الفصل من العمل، وأصبحت تُهمُ التخابر أو دعم الإرهاب جاهزة لأي صحافي يخرج عن الخطوط الحمراء، وأصبحت القنوات الفضائية الرئيسية في قبضة مباشرة لأجهزة الأمن والمخابرات، وأصبحت نقابة الصحافيين مباحة لرجال الشرطة يقتحمونها من دون إذن قضائي ويقبضون على صحافيين من داخلها، بل ويحوّلون نقيبها ووكيلها وسكرتيرها العام للمحاكمة التي تقضي بحبسهم عاماً مع وقف التنفيذ".

وأكد المرصد أنه "في ظل حكم الانقلاب العسكري شغلت مصر المركز 161 من 180 دولة بمقياس حرية الصحافة العالمي، وأصبحت أحد أكبر سجون الصحافيين في العالم وفقاً لتقارير المنظمات الدولية".

وهكذ مر الإعلام المصري في ظل العسكر برحلة استغرقت أكثر من 70 عاما ، بمراحل شديدة التباين، وربما يكون قد عاد إلى ما يشبه نقطة البداية أو من منظور آخر إلى ما هو أسوأ بكثير منها."  "5"

  • ثانيا –  انقلابات بالجملة في السودان تحت غطاء "الصوت الواحد"

إذا انتقلنا إلى السودان، سنجد أن الوضع السياسي الداخلي السوداني معقد ومركب للغاية، فارتباط الأحزاب بحركات دينية مختلفة هو أمر بديهي في المجتمع السوداني؛ نظراً لطبيعة تكوين الحياة السياسية الأولى قبل الاستقلال وبعده، فالإرث السياسي الاجتماعي- كما يقول الدكتور حسن علي الساعري، في كتاب "السودان الواقع وآفاق المستقبل"-مرتبط دائماً بالحركات الدينية على نحو ما؛ فحزب الأمة يقف خلفه الأنصار وحزب الأشقاء (الوطني الاتحادي لاحقاً) يقف خلفه الطريقة الختمية.

ولتحجيم دور الحركات الإسلامية في العمل السياسي، حاول رجال القوات المسلحة العمل بالسياسة بشكل متكرر، لهذا ظلّ التداخل بين السياسيين والعسكريين في الشأن العام السوداني مبرراً كافياً للتدخل العسكري في الحياة السياسة السودانية.

 ويمكن رصد بداية تلك العلاقة من طبيعة تنشئة الضباط السودانيين في الكلية الحربية، حتى أنّهم شاركوا، العام 1924، في المظاهرات التي عمّت أرجاء السودان ضدّ المستعمر الإنجليزي، وتمت محاكمة الطلاب عسكرياً، وأغلقت الكلية الحربية وقتها، وأعيد فتحها العام 1936، واستمرت علاقة الضباط بالسياسة قائمة، ولم تتغير.

ومن خلال استيلاء رجال القوات المسلحة على السلطة في السودان، حاول الجنرالات السيطرة بشكل مستمر على  العملية السياسية، متأثرين في ذلك بسلوكيات عسكر مصر بعد العام 1952، فوجدنا سلسلة من  الانقلابات العسكرية في السودان، منها ما نجح ومنها ما فشل ، ومنها:

–  محاولة انقلاب 1957، التي قادها مجموعة من ضباط الجيش والطلاب الحزبيين بقيادة عبد الرحمن إسماعيل كبيدة، ضدّ حكومة عبد الله خليل، ولكنها باءت بالفشل، وحكم على عبد الرحمن ورفاقه بالسجن، ولم يخرج إلا مع الانقلاب التالي.

– انقلاب 1958: في 17 نوفمبر 1958، وبإيعاز من حكومة عبد الله خليل وحزب الأمة، ومباركة من القادة الدينيين في ذلك الوقت، لأكبر جماعتين، السيد عبد الرحمن المهدي زعيم الأنصار، والسيد علي الميرغني، زعيم طائفة الختمية، قاد الفريق إبراهيم عبود انقلابا ناجحا، و شكّل حكومة عسكرية برئاسته، حكمت السودان لمدة 7 أعوام، أوقف فيها العمل بالدستور، وألغى البرلمان، وقضى على نشاط الأحزاب السياسية التى عارضت هذا الانقلاب ، ثم اندلعت ثورة شعبية عارمة، تطالبه بمغادرة الحكم، في أكتوبر1964، فسلم السلطة لسرّ الختم الخليفة، وتولى البلاد إسماعيل الأزهري، فيما يعرف بـ"أيام الديمقراطية".

– انقلاب 1969: عاد المدنيون للسلطة بعد انتخابات العام 1965، لكن نتائج الانتخابات غير الحاسمة دفعت الأحزاب إلى اللجوء إلى التحالفات، الأمر الذي أدى إلى قيام حكومات غير مستقرة، وبعد ثلاثة أعوام من الديمقراطية، فشلت الأحزاب في التوافق والانسجام فيما بينها،بسبب دسائس العسكر،  مما عرّض البلاد لحالة من الفوضى، وعزّز ذلك تنامي مشاكل البلاد الاقتصادية والبطالة ونقص السلع الاستهلاكية والتمرد في جنوب البلاد، مما مهّد لنجاح الانقلاب الذي قاده العميد  جعفر محمد نميري، ومجموعة من الضباط المحسوبين على الحزب الشيوعي والقومي، في 25 مايو 1969، فاستلم نميري السلطة، وأسس نظامه الذي امتد 16 عاماً.

– محاولة انقلاب 1971: في 19 يوليو 1971، حاول هاشم العطا، وهو أحد رفقاء جعفر نميري، أن يستولي جزئياً على العاصمة الخرطوم لمدة يومين، لكن استطاع النميري أن يعيد سلطته ويقوم بمحاكمة الانقلابيين فيما عُرف بمحاكمة الشجرة، التي طالت كلاً من زعيم الحزب الشيوعي السوداني آنذاك: عبدالخالق محجوب، ومساعده الأيمن الشفيع أحمد الشيخ، وبابكر النور، وآخرين من المدنيين، ومن الضباط: قائد الانقلاب هاشم العطا، وعشرات من الضباط والجنود.

– محاولة انقلاب 1975: وقعت محاولة انقلابية أخرى فاشلة، في الخامس من سبتمبر 1975، بقيادة الضابط حسن حسين، ولقلة عدد الضباط المشاركين في الانقلاب، تمّت السيطرة عليه، وإصابة المقدم حسن حسين أثناء محاولته الاستيلاء على مقر القيادة العامة، ولقي الانقلابيون، وعلى رأسهم المدبر حسين، حتفهم رمياً بالرصاص، أو شنقاً حتى الموت، واتهم جعفر نميري الأحزاب بمساندة هذا الانقلاب الفاشل.

– محاولة انقلاب 1976: حاولت القوى المعارضة لنظام نميري، التي كانت تنطلق من ليبيا قلب نظام الحكم، وأوكلت المهمة للعميد في الجيش، محمد نور سعد، بمشاركة واسعة من عناصر معارضة، وفي 2 يوليو 1976 تسللت إلى الخرطوم عبر الحدود مع ليبيا، وقد تعامل نظام النميري مع المحاولة بعنف غير مسبوق.

وبعد أربع محاولات انقلابية فاشلة، لم يتعرض نظام نميري لأية محاولة انقلابية أخرى، حتى عصفت به ثورة شعبية عارمة، في 6 أبريل 1985، عُرفت بـ"انتفاضة أبريل"،  وأعلن الفريق أول عبدالرحمن سوار الذهب انتهاء حكم دولة مايو، واستلامه الحكم لفترة انتقالية، وبالفعل أجرى انتخابات ديمقراطية، وسلم الحكم لسلطة مدنية منتخبة.

– انقلاب 1989: بعد استلام الأحزاب الحكم من سوار الذهب، أهدرت الفرصة في النزاعات السياسية؛ لذا اتسمت الحكومات بعدم الاستقرار نسبة لطبيعتها التحالفية، وشهدت تلك الفترة تسييساً واستقطاباً حاداً، واستمر تعطيل الحكومة عن القيام بواجباتها تجاه الشعب، إلى أن أصدر مئة وخمسون من ضباط الجيش، بقيادة رئيس هيئة الأركان، الفريق فتحي أحمد، في فبراير 1989، مذكرة طلبت من الحكومة التركيز على السياسة الخارجية، ومنع التدهور الاقتصادي والتضخم وارتفاع الأسعار، ومنع تكوين المليشيات، والحدّ من الانفلات الأمني، والتحذير من تفكّك المجتمع السوداني وانتشار الفساد، ومن تأثير الصراع المسلح في دارفور، لكن لم تنتبه الحكومة إلى خطورة الموقف إلا بعد تحرك وحدات من القوات المسلحة، بقيادة الفريق عمر حسن البشير، في 30 يونيو 1989، وبمساعدة الإسلاميين في السودان المتمثلين بحزب "الجبهة الإسلامية القومية" الذي كان يتزعمه حسن الترابي، وتغير وجه السلطة مرة أخرى، فحكم البشير السودان حتى أطاح به جترالات الجيش في 11 أبريل 2019، بعد احتجاجات شعبية.

– محاولة انقلاب 1990: تم كشف تنظيم بقيادة اللواء عبد القادر الكدرو، واللواء طيار محمد عثمان حامد، بهدف القيام بمحاولة انقلاب على حكم البشير، وإلغاء كافة المراسيم الصادارة عن السلطة العسكرية، منذ الثلاثين من يونيو 1989، وانتهت هذه المحاولة الانقلابية بإعدام 28 ضابطاً في الجيش، أبرزهم قائدا المحاولة.

– محاولة انقلاب 1992: كانت هذه المحاولة فاشلة أيضاً، وتزعمها العقيد أحمد خالد، ولا يوجد تفاصيل كثيرة عنها.

– محاولة انقلاب 2004: تحدثت الحكومة حينها عن محاولة انقلابية، ونسبتها إلى حزب المؤتمر الشعبي المعارض.

– عزل البشير 2019: خرج الشعب السوداني يطالب بإسقاط البشير وحكومته، وبعد أشهر من الاحتجاجات؛ أعلن وزير الدفاع السوداني، عوض بن عوف، عزل البشير واعتقاله، وبعد يوم تنازل عن رئاسة المجلس الانتقالي، وسلم الراية للفريق الركن، عبد الفتاح البرهان."6" 

– انقلابات ما بعد البشير: بعد الإطاحة بالبشير ونظامه ، عاد البرهان، في اكتوبر 2022، لينقلب على المدنيين اليساريين الذين دعموا انقلابه ضد البشير، ثم عاد البرهان و محمد حمدان دقلو (حميدتي) لينقلبا علي بعضهما البعض في انقلاب ثالث، بعدما فشل كلاهما في تحجيم نفوذ الاخر أو ابعاده كي يسيطر وحده على السلطة، وبدأت مواجهة عسكرية بينهما منذ 16 أبريل 2023."7"

إعلام تحت السيطرة

في ظل الانقلابات العسكرية بالسودان، عاشت الصحافة حقبة من المعاناة لا تقلّ عن المعاناة التي يقاسيها المواطنون اقتصاديا وسياسيا. ويكمن جوهر المشكلة في أنه بينما تتحدث الحكومات  عن هامش للحريات الصحفية، فهي تضع في الوقت ذاته سقفا لهذه الحريات.

و بمرو الوقت ، أضبح هذا السقف لا يفسح المجال لأي تعبير، فضلا عن أنه ينسف قول المؤرخ البريطاني توماس ماكولاي، المتوفى عام 1859، والذي اتخذه الصحفيون السودانيون أيقونة لأكثر من نصف قرن من الزمان: "إنّ المقصورة التي يجلس فيها الصحفيون أصبحت السلطة الرابعة في المملكة".

بهذا، لم تكن التجارب الرهيبة التي يتعرض لها الصحفيون وليدة عصر البرهان ، فنظام جعفر نميري لم تعوزه الوسائل لإسكات صوت الصحف، حتى أنّه قام بتأميمها مع الشركات والبنوك الأجنبية منذ 1969.

ومنذ استقلال السودان عام 1956 وحتى الآن لا توجد سوى إضاءات قليلة اتسمت بها العهود الديمقراطية القصيرة، فلا تكاد الصحافة الوطنية تتنسم عبير الديمقراطية حتى يأتي انقلاب عسكري آخر يقودها إلى بيت الطاعة بأشكال عديدة سواء أكان بالقمع أو تفصيل قانون يخوّل للسلطة الحق في كبح التعبير عن الرأي.

وبالرغم من ازدهار الصحافة في فترة الديمقراطية الثالثة ما بين 1985-1989، فإن بعض المراقبين يتحفظون على نوعية الأداء الذي كان فوضويا في مجمله في تلك الفترة، وفي رأيهم هو الذي قاد إلى انقلاب الإنقاذ بمسلسل اغتيال الشخصيات عبر الصحافة الحزبية. وأول ما فعلته حكومة الإنقاذ، بقيادة البشير، هو تعطيل عشرات الصحف، ولما أعادت بعضا منها كانت بوجوه تنظيمية تابعة أيديولوجيا وحزبيا لها بعد تبنيها بشكل كامل.

كما استخدمت الحكومة بعض التعابير مثل "الأمن الوطني" و"هيبة الدولة" كذريعة لتخويف الصحفيين والذين يقومون بعملهم في كشف تجاوزات الحكومة للناس، مما مكنها من اتخاذ أداة أكثر فعالية في قمع الصحافة بتوجيه التهم المجانية من شاكلة الخيانة والتخريب والتجسس.

ويمكن ملاحظة أنّ كثيرا من الصحف تحولت بشكل ما إلى أبواق للسلطة وصحافة تابعة، لدرجة أنّها أصبحت لا تملك الشجاعة لأن تدعي التجرد والبحث عن الحقيقة خارج إطار الجهة التابعة لها.

وبالرغم من الجهد الذي تبذله منظمات المجتمع المدني إلا أنّها فشلت في الحدّ من تمرير القوانين القامعة لحرية التعبير حتى بعد استخدامها لآراء حقوقية قانونية تتضمن أنّ أي حدٍّ لحرية التعبير هو بمثابة أول طريق للانحدار وأنّ ما يعتبره شخص أو جهة ما بمثابة فتنة أو قذف يستوجب المحاسبة يمكن أن يعتبره شخص آخر بمثابة رأي منطقي.

واحتل السودان مرتبة متدنية جدا على مستوى العالم في انتهاكات حرية الصحافة ومضايقة الصحفيين، حيث جاء ترتيبه 170 من أصل 177 دولة حول العالم، في التقرير السنوي لمنظمة "مراسلون بلا حدود" لعام 2013.. "8"

بالتالي، ليس من المستغرب أن تكون وسائل الإعلامية السودانية من بين الأكثر قمعاً وفقاً لمؤشر حرية الصحافة لعام 2017 الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود، والذي وضع السودان في المرتبة 174 من أصل 180 بلداً.

من جانب آخر، يحظى البث التلفزيوني في السودان باحتكارٍ من قبل مؤسسة الإذاعة والتلفزيون السودانية، وهي شبكة حكومية تأسست في عام 2002. ولا يتم رسمياً حظر القنوات التلفزيونية الخاصة، إلا أن قبضة الحكومة على البنية التحتية والتمويل تعني وجود محطات أقل.

وقد تجرأت بعض الصحف على تبني موقف أكثر انتقاداً تجاه الحكومة في عهد البشير، والتي تشمل صحيفتي الوطن والتيار، حيث تم إيقاف كليهما مؤقتاً، وصادرت أجهزة المخابرات والأمن نسخاً كاملة منها. أغلقت التيار بين عامي 2012 و2014 لانتقادها مراقبة الحكومة لأحزاب المعارضة. وفي عام 2015، تم إيقافها مرة أخرى، وهذه المرة لمعارضتها تخفيضات دعم الوقود. وفي فبراير 2015، استولت السلطات على نسخ مطبوعة من صحف الوطن والتيار وأخبار اليوم و11 صحيفة يومية أخرى. وتعتبر صحيفة الجريدة، المعارضة المرخصة من الحكومة، هدفاً متكرراً بشكل خاص للتهديدات الحكومية.."9"

هكذا نجد أن الإعلام السوداني كان يدور في فلك السلطة- اختيارا أو إجبارا- ويسوغ ما تقوم به الانقلابات العسكرية في كل مرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى