الانقلابات العسكرية.. أخطر بوابات حكم الطغاة وانهيار الدول!!
- معظم الانقلابات تكون مدفوعة بأطماع شخصية من العسكريين بالاستيلاء على السلطة
- انقلاب بكر صدقي في العراق عام 1936م كان الأول من نوعه في العالم العربي
- مصر فعلا مهيأة لثورة شعبية حقيقية في 1952 فأجهضها انقلاب العسكر وتدخل أمريكا
- الانقلاب العسكري في مصر 1952 كان أعظم كارثة حلت على الأمة بأسرها
- الأمريكيون كانوا يرون أن فلسطين ليست محور اهتمام كبير لدى الضباط الأحرار فشجعوهم
- الانقلابات تؤدي دائما إلى بناء أنظمة مستبدة ومغلقة حتى وإن جلبت استقرارا شكليا
- من طبيعة الانقلابات أنها تفضي إلى ثورات لاحقة أو حروب أهلية وانقلابات متلاحقة
- الانقلابات تؤدي إلى تغيير الأشخاص لكنها لا تغير الهيكل السياسي ولا تأتي بإصلاحات فعلية
- حصيلة حكم الجنرال كنعان إيفرين في تركيا 650 ألف معتقل و517 حكماً بالإعدام
- الانقلابات العسكرية تأتي في الغالب برعاية خارجية.. وأحيانًا بتخطيط وتدبير كامل
- الانقلابات أداة لخدمة مصالح أجنبية وتنفيذ أجندات مشبوهة.. وتفرز أنظمة استبدادية فاشلة
- قادة البلدان المستهدفة يصبحون جزءا من شبكة واسعة مهيأة لتحقيق المصالح الأمريكية
- كاتب أمريكي: نؤيد النظم الديكتاتورية والطغاة دائما وأبدا أينما كانوا لأنهم يحققون مصالحنا
- الاتحاد الإفريقى غيّر موقفه من انقلاب "السيسي" تحت ضغوط أمريكية وسعودية وإماراتية
مقدمة:
شهد العالم في العصر الحديث، العديد من المحاولات الانقلابية، لتغيير نظم الحكم، في كثير من بلدان العالم، منها ما صادفه النجاح، ومنها ما باء بالفشل.
جرت معظم هذه المحاولات ـ بصورة فجةـ في قارتي أفريقيا وأمريكا الجنوبية، وفى قارة آسيا بصورة أقل، وقاد أغلبها عسكريون طامحون في السلطة، فلجأوا إلى الانقلابات لتقويض النظم القائمة، سواء كانت مدنية أو عسكرية، ويطلق على في الحالة الأخيرة "انقلاب على الانقلاب".
أما خطة الانقلاب فتبدأ سرا ومبكرا، وأما لحظته الحاسمة والدراماتيكية فتكون بإلقاء بيان عبر وسائل الإعلام الرسمية، يعلنون فيه الاستيلاء على السلطة.
ونحن هنا لانقوم بعمل استقصاء للكم الهائل من الانقلابات التى حدثت في القرن الماضى وبداية الألفية الثالثة، ولكن فقط نلقي الضوء على دور التدخل الأجنبى في الانقلابات، وتوجيهها حفاظا على مصالح القوى الكبرى، فضلاً عن الأثر التدميرى الذى يترتب على هذه الانقلابات سواء في الجانب الاقتصادي أو السياسي، وانتهاك الحقوق والحريات، وتكميم الأفواه بالقمع والقهر، بزعم حماية الثورة، إضافة إلى تدهور البنية التحتية، ونهب ثروات البلاد ومقدرات الشعب، وتدمير الحياة الاجتماعية و الثقافية، وبروز التخلف العلمى.
أولاً :تعريف الانقلاب:
الانقلاب العسكري يعرف بأنه "تغيير لنظام الحكم السائد في البلاد عن طريق إطاحة الجيش بالحاكم، سواء كان حاكمًا مدنيًا أو عسكريًا، ليتولى الحكم القائد العام للجيش أو قائد المجموعة التي تحركت للسيطرة على الحكم.
ويختلف الانقلاب العسكري عن الانقلاب الأبيض أو السلمي، حيث يكون الانقلاب من داخل مؤسسة الحكم نفسها".[1]
ويعرف المستشار "طارق البشري" الانقلاب العسكري بوصفه "تحرك القوات المسلحة بزعم حفظ أمن الدولة ونظامها القائم، وذلك لتحقق عكس ما أعلنته هدفا لها، وهو هدم هذه الدولة ونظامها وإنشاء نظام آخر".[2]
الفرق بين الثورة والانقلاب:
الثورة كمصطلح سياسي، هي الخروج عن الوضع الراهن سواء إلى وضع أفضل أو اسوأ من الوضع القائم
وللثورة تعريفات معجمية تتلخص بتعريفين ومفهومين:
ـ التعريف التقليدي القديم الذي وضع مع انطلاق الشرارة الأولى للثورة الفرنسية وهو قيام الشعب بقيادة نخب وطلائع من مثقفيه لتغيير نظام الحكم بالقوة.[3]
ـ أما التعريف أو الفهم المعاصر والاكثر حداثةً هو التغيير الذي يحدثه الشعب من خلال أدواته "كالقوات المسلحة" أو من خلال شخصيات تاريخية لتحقيق طموحاته لتغيير نظام الحكم العاجز عن تلبية هذه الطموحات ولتنفيذ برنامج من المنجزات الثورية غير الاعتيادية.[4]
وقد تكون الثورة شعبية، مثل الثورة الفرنسية عام 1789م، وثورات أوروبا الشرقية عام 1989م، وثورة أوكرانيا المعروفة بالثورة البرتقالية في نوفمبر 2004م، أوعسكرية وهي التي تسمى انقلابا، مثل الانقلابات التي سادت أمريكا اللاتينية في حقبتي الخمسينيات والستينات من القرن العشرين، أو حركة مقاومة ضد مستعمر مثل الثورة الجزائرية " 1954-1962".[5]
أما الانقلاب العسكرى، فهو قيام أحد العسكريين بالوثوب للسلطة، من خلال قلب نظام الحكم, بغية الاستئثار بالسلطة والحصول على مكاسب شخصية من كرسي الحكم.[6]
و"الانقلاب (بالإنجليزية: Coup) و(بالفرنسية :Coup d’état)، هو تغير نظام الحكم عبر وسائل سلمية (الانقلاب الأبيض) أو غير سلمية ويكون على العادة من داخل مؤسسة الحكم نفسها سواء كانت سياسية أو مدنية التي تحكم الدول".[7]
إذن جوهر الاختلاف بين الثورة والانقلاب لا يكمن في المعنى وحده، أو من يقوم به فقط، وإنما في الهدف ايضاً، وقد يكون كذلك في الطريقة؛ حيث إن الانقلاب قد يكون منظمًا أكثر من الثورة؛ التي قد تبدأ بحركة عشوائية بسيطة، ثم يرتفع سقف مطالبها إلى أن تصبح ثورة، كما هو الحال في ثورة 25 من يناير فى مصر، فقد انطلقت الشرارة الأولى مطالبة بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية الغائبة، إلى أن وصلت إلى تنحي مبارك عن الحكم الذي ظل فيه طوال ثلاثين عامًا.[8]
إذن جوهر الفارق بينهما هو أن الثورة تقوم من أجل المصلحة العامة التي يتمركز حولها الشعب بكل طبقاته وأطيافه السياسية والاجتماعية؛ حيث تهدف إلى تحريرهم من عبودية وثن الرئيس القائم أو ظلم النظام لهم، وغالباً ما تكون بصورة غير مرتبة وتجمعاتها شعبية وعامة وبمشاركة جماعية، تقوم في وقتها طالبة الحرية بكل صورها في المعيشة و التنقل والتملك وممارسة الحريات الشخصية والعامة، وكذلك التعبير عن الرأي وإن كان معارضا، فضلاً عن أن الأفراد الذين يقومون بها عزل وغير مدربين أو مؤهلين للقيام بها أو حتى لديهم خطة. أما الانقلاب، فهو عمل منظم يقوم به العسكر من أجل حكم قوم ما، أو دولة بعينها، يهدف إلى حكم الشعب، أي يقودها الجيش للحكم وتغيير النظام القائم، وتخوله له قوته كمؤسسة قوية في الدولة أن يقوم بذلك القطاع العسكري.[9]
ثانياً:الانقلابات العسكرية في الدول العربية:
تشتهر الدول العربية والأفريقية بالانقلابات العسكرية التي يستولي فيها الجيش على الحكم، وتكون الأسباب في معظم الحالات أطماعا شخصية تتعلق برغبة العسكريين بالاستيلاء على الحكم، نظراً لأنهم القوة الوحيدة في الدول التي تمتلك التنظيم والمهارة التخطيطية، فضلاً عن تفوقهم بالنسبة للأسلحة والعتاد، بالإضافة إلى ولائهم للمؤسسة العسكرية واهتمامهم بالانصياع للأوامر المعطاة إليهم.[10]
وقد وقع في المنطقة العربية حوالى 123 انقلاباً، منذ العام 1936 وحتى يومنا هذا، نجح منها حوالي أربعون انقلابًا فقط.
ترتيب الدول العربية بناءً على عدد الانقلابات:
1ـ سوريا: إجمالي 34 انقلابا، نجح منها 9، وفشل 25
2ـ جزر القمر: إجمالي 24 انقلابا، نجح 20 و فشل 4
3ـ السودان: إجمالي 16 انقلابا، نجح 3 ، وفشل 13
4ـ موريتانيا: إجمالي 7 انقلابات، نجح منها 6 ، وفشل انقلاب واحد.
5ـ ليبيا: إجمالي 7 انقلابات نجح واحد، وفشل 6
6ـ اليمن: إجمالي 7 انقلابات، نجح 5، وفشل انقلابان
7ـ العراق: إجمالي 6 انقلابات، نجح 3، وفشل 3
8ـ المغرب: 6 محاولات انقلاب فاشلة.
9ـ لبنان: إجمالي 3 انقلابات، نجح اثنان وفشل واحد
10ـ الجزائر: 3 انقلابات، نجح اثنان وفشل واحد
11ـ قطر: انقلابان أبيضان ناجحان
12ـ مصر: انقلابان ناجحان
13ـ تونس: انقلابان، أحدهما نجح والثاني فشل
15ـ عمان: انقلاب السلطان قابوس على والده.[11]
أهم الانقلابات في المنطقة العربية:
1ـ انقلاب بكر صدقى بالعراق 29 تموز1936:
كان "بكر صدقي" ( 1886 ـ 1937) عسكريا وسياسيا عراقيا من أبوين كرديين، ولد في قرية عسكر القريبة من مدينة كركوك، درس في الأستانة (إسطنبول) في المدرسة الحربية (الكلية العسكرية لاحقاً) وتخرج فيها ضابطاٌ في الجيش العثماني، وشارك في الحرب العالمية ألأولى في آخر سنينها، وبعد نهاية الحرب انضم إلى الجيش العراقي الذي تأسس في 6 يناير 1921م، برتبة ملازم أول .[12]
تدرج في رتبته العسكرية حتى وصل إلى رتبة فريق ركن في عهد الملك غازي واشتهر بالصرامة والتنفيذ الحرفي للاوامر العسكرية، وتوطدت العلاقة بينه وبين وزير الداخلية آنذاك التركماني حكمت سليمان، في أواخر عهد وزارة ياسين الهاشمي الثانية، حيث اشتد الصراع بين الوزارة والمعارضة التي عملت جاهدة لإسقاط الوزارة التي سعت للتمسك بالحكم بكل الوسائل والسبل.
وفي تلك الأيام شغل الفريق بكر صدقي منصب قائد الفرقة الثانية وكان يتردد باستمرار على دار قطب المعارضة المعروف حكمت سليمان، وكان الحديث يدور حول استئثار وزارة الهاشمي بالحكم، رغم افتقارها للتأييد الشعبي، وحين ذلك اختمرت عند بكر صدقي فكرة إسقاط وزارة الهاشمي بالقوة عن طريق القيام بانقلاب عسكري وقيل إنه تلقى اقتراح الانقلاب من السفير الألماني في بغداد.
تحرك بكر صدقي واستطاع إقناع رجال ذوي نفوذ داخل المؤسسة العسكرية، في مقدمتهم الفريق عبد اللطيف نوري قائد الفرقة الأولى الذي كان غاضبا من الحكومة لرفضها التكفل بعلاجه، والعقيد محمد علي جواد قائد القوة الجوية (الطيار الخاص لجلالة الملك) للانضمام إلى فكرته وتأييده بالإطاحة بحكومة الهاشمي وقيل إن الملك غازي كان مؤيداً للانقلاب ويعلم به، وعندما سافر رئيس أركان الجيش الفريق طه الهاشمي شقيق رئيس الوزراء بمهمة إلى خارج العراق وأناب عنه الفريق "عبد اللطيف نوري"، سهل ذلك للانقلابيين الأمور كثيراٌ .[13]
ويعتبر انقلاب بكر صدقي في 29 يوليو 1936م الانقلاب الأول في العالم العربي، إذ نجحت الحركة في السيطرة على العاصمة بغداد وفي تأليف حكومة جديدة برئاسة حكمت سليمان المقرب من بكر صدقي، الذي عيّن رئيساً لأركان الجيش.[14]
2ـ انقلاب "حسنى الزعيم" بسوريا 1994:
تلقى حسني الزعيم دراسته المتوسطة والعليا في المدارس العسكرية بحلب وأدرنه واسطنبول، إذ تخرج في المدرسة الحربية برتبة مرشح سنة 1917م، وخلال عام من التحاقه بالجيش رقي إلى رتبة “ملازم” وتم تعيينه في الفرقة العثمانية التي كانت تحارب في جبهة فلسطين في أثناء الحرب العالمية الأولى.
وبعد انتهاء الحرب تطوّع الزعيم في جيش الأمير فيصل سنة 1919م، ليلتحق فيما بعد بالمدرسة الحربية التي أعاد الفرنسيون افتتاحها، وتخرج فيها ملازمًا عام 1923م.[15]
تدرّج بعد ذلك في الرتب العسكرية إذ رُقي إلى رتبة نقيب سنة 1928م وإلى رتبة مقدم سنة 1934م، وفي شهر حزيران 1941م كان حسني الزعيم قد تقلد رتبة عقيد.
أحال الجنرال الفرنسي "كاتو" حسني الزعيم إلى محكمة عسكرية في أثناء الهجوم الفرنسي على دمشق أواخر عام 1941م، بعد أن استقرت الأمور لقوات فرنسا “الحرة”، وجاء ذلك على خلفية انسحابه من المدينة مع عدد من قواته، وظل الزعيم في السجن طيلة عامي 1942 و1943، ولم يطلق سراحه حتى مطلع عام 1944 بعد أن توسط له الرئيس شكري القوتلي.[16]
باشر الزعيم عمله كقائد للواء الثالث في دير الزور خلال عام 1946م، بعد أن أعيد إلى الخدمة في الجيش السوري برتبة عقيد.
وفي أوائل العام 1948م عين مديرًا للشرطة والأمن العام بحلب برتية عميد، وعندما نشبت حرب فلسطين عام 1948 أُعيد إلى الجيش بالرتبة نفسها.[17]
وفي صباح يوم الأربعاء 30 من مارس 1949 سجل تاريخ سوريا أول انقلاب عسكري، بعد أن قام الزعيم بانقلابه على السلطات الشرعية، المتمثلة بالرئيس شكري القوتلي ورئيس الوزارة خالد العظم.
شهدت الفترة القصيرة لحكم الزعيم قرارات مهمة، أعطى لنفسه حق ممارسة السلطات التشريعية والتنفيذية، بما فيها سلطات وزير الدفاع، التي مارسها من 2 أبريل حتى 26 من يونيو 1949م، وعندها رشح نفسه لمنصب رئاسة الجمهورية، بعد أن جعل انتخاب الرئيس على طريقة الاقتراع السري من قبل الشعب مباشرة، وليس من مجلس النواب.[18]
وفي 3 من أبريل عام 1949م شكل لجنة لوضع دستور جديد، ووضع قانونًا انتخابيًا جديدًا، وبدأت حينها فكرة المرشح الوحيد بالظهور، ولم يكتف بسن قوانين جديدة، بل كان أول ما فعله بعد انتخابه رئيسًا للجمهورية أنه رقى نفسه لرتبة “مشير”، وأصبح بذلك الضابط السوري الوحيد الذي حمل هذه الرتبة.
وقد دفع حسني الزعيم ثمنًا للدول الكبرى لاعترافها به، اتفاقيات تخوّلها إقامة مصالح لها في سوريا، كالسماح لشركة “التابلاين” الأمريكية أن تنشئ المطارات وتقيم المنشآت المعفاة من الرسوم والضرائب.
كما وقع اتفاقية بين الحكومة السورية و”شركة خطوط أنابيب الشرق الأوسط المحدودة” البريطانية لنقل النفط العراقي عبر أنابيب مارة في سوريا إلى البحر الأبيض المتوسط.
وفرض”القانون المدني”، الأمر الذي أغضب الرأي العام المسلم، الذي يشكل الأكثرية، ووصفوا إصلاحاته بـ “العلمانية”، واتهموه بتقليد حكم أتاتورك وهتلر.[19]
وفي تلك الفترة بدأ الزعيم يظهر عنصريته ضد العرب، وذلك بعد أن أصدر قرارًا بإعادة تشكيل عناصر وقطاعات الجيش السوري، بحيث جعل الحاميات العسكرية في المدن الرئيسية من العرقيات الكردية والشركسية وغيرها من اﻷقليات الأخرى، أما العناصر العربية فأُبعدت إلى القطاعات النائية وعلى الجبهات.
وبسبب هذه التجاوزات الكثيرة، تحرك العسكريون والمدنيون ضده معًا، وهو ما ساعد على نجاح انقلاب بقيادة العقيد سامي الحناوي، في 13 من أغسطس 1949م، بعد ان اجتمع المجلس الحربي الأعلى برئاسة سامي الحناوي، الذي أجرى بدوره محاكمة سريعة لرؤوس الحكم، وأصدر حكمه بإعدام حسني الزعيم، ورئيس حكومته محسن البرازي، رميًا بالرصاص، لتبدأ بعدها حقبة جديدة من الانقلابات العسكرية المتتالية.[20]
3ـ انقلاب يوليو 1952 فى مصر:
خطط الضباط الأحرار للإطاحة بالملك فاروق وإنهاء الحكم الملكي في مصر، وتم الانقلاب في 23 يوليو 1952مـ والذي بات يعرف فيما بعد بثورة 23 يوليوـ بإجبار الملك فاروق على التنحي، وتم تكوين مجلس وصاية على العرش، فيما أصبحت إدارة الأمور في البلاد في يد مجلس قيادة الثورة المؤلف من 13 ضابطاً على رأسهم جمال عبد الناصر.
وقد تم الربط بين هذه التطورات وبين شخص عبد الناصر، وخاصة بعد انسحاب قوات الاحتلال الثلاثي لمصر في عام 1956م، و استمرت أكذوبة تحويل الانقلاب العسكري إلى ثورة شعبية، بفعل رعاية الجيش للأكذوبة وإبقائه عليها، في ظل وجود الشريك الثاني في صنع الانقلاب الضابط عبد الحكيم عامر قائدًا عامًا للجيش المصري منذ يونيو 1953 وحتى يونيو 1967، حيث الهزيمة المهينة التي حلت بالجيش المصري وانتهت باحتلال الصهاينة لسيناء.[21]
لقد استمر التاريخ المصنوع الذي أتى مع انقلاب يوليو 1952، عبر إنفاق داخلي وخارجي غير مسبوق، شمل شراء مؤرخين أمريكيين وأوروبيين وشراء الصحف والمحطات الإعلامية في كافة أنحاء العالم، من أجل خلق صورة مغايرة للحقيقة الأولى الأساسية، والتي كانت تكشف أن انقلاب 23 يوليو 1952 كان هو الجيل اﻷول من «الانقلابات اﻷمريكية» في مصر.[22]
كانت مصر فعلا مهيأة لثورة شعبية حقيقية فأجهضها الانقلاب، وتدخل التخطيط اﻷمريكي لتصفيتها، وكان مفتاح اللغز في تحرك الضباط في 23 يوليو 1952م هو تخطيط المخابرات المركزية الأمريكية لمنع الثورة الشعبية من الحدوث، ومنها إلى باقي المنطقة العربية.
الثورة الشعبية الفعلية كانت قد بدأت بوادرها في عام 1951م بثورة الفلاحين في تفاتيش الملك الزراعية والتي استولى فيها الفلاحون على قرية الإقطاعي البدراوي عاشور والتي أججتها العاطفة الوطنية، بعد إلغاء مصطفى النحاس باشا رئيس الوزراء لمعاهدة الصداقة والتعاون المصرية البريطانية في 8 أكتوبر 1951م، و بعد ذلك خرجت الأوضاع عن السيطرة، حتى وقوع الانقلاب العسكري في يوليو 1952م.[23]
لم يحمل البيان الأول للجيش بين ثناياه كلمة "ثورة" من قريب أو من بعيد، بل أطلق عليه "حركة الجيش المباركة" وبتوقيع الضباط الأحرار، وحمل عبارات براقة وكلمات رنانة تتوق إليها معظم الشعوب العربية في ذلك الحين، كالقضاء على الإقطاع وسيطرة رأس المال على الحكم، وإقامة عدالة اجتماعية، وإقامة حياة ديمقراطية سليمة.
وبعد أربعين يوما من الاستيلاء على الحكم، أصدروا قانون "الإصلاح الزراعي" الذي يحد من الملكية الزراعية للأفراد، بحيث لا تزيد ملكية الفرد على 200 فدان بعد أن كان يملك الآلاف من الأفدنة، ووُزعت الأراضي على الفلاحين، وأصبح المستأجر مالكا للأرض، وخرج الفلاحون فرحين مهللين بالحركة المجيدة، فاستغلها عبد الناصر ورفاقه للترويج لحركتهم، وخاصة أن هناك قطاعا لا يُستهان به من الشعب كان لا يزال يتوجس خيفة منهم، فاستقلوا قطارا يطوف بين المحافظات عُرف فيما بعد بـ"قطار الثورة"، ليظهروا في شرفاته لتحية الجماهير المحتشدة التي خرجت لاستقبالهم..[24]
4ـ انقلاب هوارى بومدين (الجزائر 1962):
لم يحكم الرئيس الأول للجزائر المستقلة عن الانتداب الفرنسي، أحد قادة الثورة أحمد بن بلة، أكثر من ثلاث سنوات، إذ قام وزير دفاع البلاد آنذاك هواري بومدين بانقلاب عسكري عليه.[25]
في ليلة 19 يونيو 1962، توجهت مجموعة من الشخصيات، بينهم قائد أركان الجيش لاحقاً الطاهر الزبيري وعبد العزيز بوتفليقة، إلى مقر إقامة بن بلة وسط العاصمة الجزائرية، وطلبوا منه مرافقتهم وأبلغوه بأنه لم يعد رئيساً للبلاد، ثم أودع السجن الذي قبع فيه حتى نهاية عام 1979، حين أطلق الرئيس الشاذلي بن جديد سراحه وغادر البلاد للإقامة في الخارج حتى عودته عام 1989. ومنذ الانقلاب ظل هواري بومدين رئيساً لمجلس التصحيح الثوري حتى العام 1975م، عندما انتخب رئيساً للجمهورية، وبقي في منصبه إلى العام 1978.[26]
5ـ انقلاب "الثورة البيضاء" (العراق 1968):
في السابع عشر من يوليو/ تموز العام 1968م، تم إسقاط نظام الرئيس عبد الرحمن عارف.. وأجبر على مغادرة البلاد.. ولم يتم إراقة دماء حسب الاتفاق بين طرفي الانقلاب.. وهما: كتلة أحمد حسن البكر وكتلة القصر الجمهوري: إبراهيم الداوود (آمر الحرس الجمهوري) وعبد الرزاق النايف (معاون مدير الاستخبارات العسكرية).. وأطلق على ذلك الانقلاب اسم (الثورة البيضاء )..[27] ، لكن لم يمض سوى 13 يوماً حتى استطاعت كتلة البكر (حزب البعث) السيطرة على السلطة وإقالة وزارة عبد الرزاق النايف وتسفيره خارج العراق.. وقد برر البكر والبعث ذلك بأن إبراهيم الداوود حنث بالاتفاق.. وأخبر النايف بالعملية وموعدها، ففرض النايف نفسه علينا قبيل ساعات من تنفيذ الانقلاب.. فكان لابد من طردهما الاثنين في اقرب وقت ممكن.. مما فتح الطريق أمام تولي حزب البعث العربي الاشتراكي السلطة في البلاد. وفي عام 1979م، اضطر البكر إلى الاستقالة بعد أن أحكم صدام حسين سيطرته على الأجهزة الأمنية في العراق.[28]
6ـ انقلاب "القذافى"ـ ثورة الفاتح من سبتمبر (ليبيا 1969):
بدأت "ثورة الفاتح من سبتمبر" في 1 سبتمبر 1969م على يد حركة الضباط الوحدويين الأحرار في الجيش الليبي بقيادة الملازم أول آنذاك معمر القذافي. زحف الثوار على مدينة بنغازي واحتلوا الإذاعة وحاصروا القصر الملكي، وأعلنت الجمهورية فى ليبيا، وتولى معمر القذافي الحكم، بعد أن تنازل ولي العهد الليبي عن العرش، بينما كان الملك نفسه فى رحلة علاجية بتركيا.
ودعمت الدول العربية، ومنها مصر وسوريا والعراق والسودان القذافي، حيث تم ضبط الأمور الداخلية فى الدولة الليبية بعد وقت قليل من الانقلاب، فتنازل الملك محمد إدريس السنوسي عن الحكم وتولى القذافي مكانه منذ ذلك العام إلى أن قتل عام 2011.[29]
7ـ انقلاب "حافظ أسد"ـ الحركة التصحيحية (سوريا 1970):
سبق هذا الانقلاب توتر قدّم على إثره الرئيس “نور الدين الأتاسي” استقالته من رئاسة الجمهورية وكافة مناصبه، احتجاجاً على تدخل الجيش في السياسة، وعلى ممارسات “رفعت الأسد” شقيق وزير الدفاع حينها “حافظ الأسد”.[30]
ورغم أن الأتاسي كان رئيساً للجمهورية وأميناً عامّاً لـ “حزب البعث العربي الاشتراكي” ورئيساً للوزراء في الوقت ذاته، إلا أنّه لم يتمتع بالصلاحيات كاملة، والتي كانت بيد “صلاح جديد” الذي يشغل منصب مساعد الأمين العام لحزب البعث.
وإثر استقالة “الأتاسي” فرغت المناصب الثلاثة الرئيسية في الدولة، ووجهت إثرها دعوة لعقد المؤتمر العاشر الاستثنائي لـ “حزب البعث”، الذي قرر فصل كلّ من حافظ الأسد ورئيس الأركان “مصطفى طلاس” من مناصبهما.[31]
وعقب قرار الفصل قام “حافظ الأسد” -وبمساعدة من “مصطفى طلاس”- بانقلاب في (16 نوفمبر/ تشرين الثاني 1970م) أطاح فيه بحكم “الأتاسيّ” وعزل “صلاح جديد” من منصبه، وأودعهما مع العديد من القيادات البعثية في سجن المزة العسكريّ.
وأمضى الأتاسيّ نحو 20 عاماً في السجن، عانى في نهايتها من مرض السرطان، ورفض الأسد تقديم العلاج المناسب له.
وتوفي “الأتاسي” في (2 ديسمبر/ كانون الأول 1992م) بعد أيام قليلة من إطلاق سراحه في باريس، ودفن في حمص، بينما بقي “صلاح جديد” في سجنه حتى وفاته في (19 أغسطس/ آب 1993م).[32]
وأطلق “الأسد” على انقلابه اسم “الحركة التصحيحية“، مدعياً أنه صحح مسار نظام الحكم وحزب البعث، وأنه أنهى زمن الانقلابات والقلاقل السياسية وأعاد الأمن والاستقرار إلى البلاد.
واستمرّ “الأسد” في حكمه حتى وفاته في (10 يونيو/ حزيران 2000م)، ثم تولى ابنه “بشار الأسد” حكم سوريا خلفاً له بعد تعديل الدستور بشكل غير شرعي؛ إذ أنّ مقومات بشار الأسد كانت مخالفة لما يقتضيه الدستور، ولا تسمح بأن يتولى منصب رئيس الجمهورية العربية السورية.[33]
8ـ انقلاب "السلطان قابوس بن سعيد" على والده (عمان 1970):
ولد قابوس في صلالة في نوفمبر 1940م، ونال قسطًاً من تعليمه في بريطانيا العظمى حيث درس أولاً في كلية خاصة منذ 1958 وما بعدها، ثم في الأكاديمية العسكرية الملكية (ساندهيرست)، وخدم كضابط في الجيش البريطاني في جمهورية ألمانيا الاتحادية لفترة قصيرة.
وفي عام 1965، بعد دراسات عليا في لندن وقيامه بجولة حول العالم، تم استدعاؤه إلى الوطن ووضع في عزلة في قصر صلالة.[34]
تعارضت أفكار قابوس التقدمية والعالمية مع ميول والده إلى الإبقاء على محافظة وانعزالية عمان، وبدعم من البريطانيين والصفوة السياسية في عمان، تولي قابوس البالغ من العمر 30 عاماً السلطة بعد انقلاب عام 1970م، ونفي والده إلى لندن حيث مات هناك عام 1972.
واجه قابوس تمرداً شرساً في ظفار، وبمشاركة القوات والمعدات البريطانية، ووحدات مُسلحة من الأردن وإيران، ودعم مالي من المملكة العربية السعودية والإمارات، تم القضاء نهائياً على التمرد في ظفار عام 1975م.[35]
كان حكم قابوس، كحاكم مطلق ومثقف، إشارة لبداية تحول عمان إلى دولة حديثة. وأنشأ السلطان هيكلاً عصرياً للحكومة، وأطلق تغييرات جذرية في التعليم والرعاية الصحية، وبنى بنية تحتية حديثة، وطوّر مصادر البلاد الهامة من النفط والغاز.[36]
9ـ الانقلاب الناصري (اليمن 1978):
بعد اغتيال رئيسين متعاقبين في اليمن هما إبراهيم الحمدي (11 أكتوبر من العام 1977م) و أحمد الغشمي (24 يونيو 1978م)، انتخب مجلس الرئاسة اليمنية علي عبد الله صالح، القائد الأعلى للقوات المسلحة، كرئيس للبلاد في 17 يوليو 1978م، ولكن قامت مجموعة من الضباط الناصريين بقيادة محمد فلاح بمحاولة انقلاب على صالح، الا أنه فشل، ورغم فشله كان لقيامه تأثير كبير على مستقبل اليمن، إذ دفع صالح للقيام بتغييرات كبيرة في إدارة الجيش والمؤسسات الأمنية، معتمداً على المقربين من أسرته والمخلصين له، كما أعدم 30 شخصاً متهماً بتخطيط وتنفيذ الانقلاب.[37]
10ـ انقلاب يونيو (السودان 1989):
قاد العميد عمر حسن البشير انقلابا على الرئيس جعفر نميري، في ظل حكومة الصادق المهدي يوم 30 يونيو 1989م، وأصبح البشير رئيسًا لمجلس قيادة "ثورة الإنقاذ الوطني" ورئيسًا للوزراء.
يومها اعلن التليفزيون السوداني استيلاء بعض الضباط التابعين للجيش على الحكم بقيادة العميد عمر البشير.[38] لم يكن واضحا، في البداية هوية الانقلاب الجديد، مما ساعد الحكومة الجديدة على أن تنال تأييدا واسعا- داخليا وخارجيا- ومن دول كثيرة لا سيما مصر، التي لها وزن كبير في المنطقة.
وقامت الحكومة الجديدة بعدد من الاعتقالات الواسعة، واعتقلت ضمن من اعتقلت الدكتور حسن الترابي نفسه، الذي ظهر وفيما بعد أنه مهندس الانقلاب ورأسه المدبر.
وفي 16 أكتوبر 1993م، تم حل مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني، وانتقل أعضاؤه إلى مواقع تنفيذية أخرى وأصبح البشير رئيسًا للجمهورية.[39]
11ـ انقلاب حمد بن خليفة آل ثاني (قطر 1995):
انقلب أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني على والده الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني في 27 يونيو 1995. حصل الانقلاب في وقت كان فيه والد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في سويسرا للاستشفاء[40].
12ـ انقلاب السيسى (مصر 3 يوليو2013م):
في 30 يونيو 2013م، ومع حلول الذكرى السنوية الأولى لتولي الدكتور محمد مرسي، أول رئيس مصري مدني منتخب في تاريخ مصر الحكم، نظم معارضوه سلسلة من المظاهرات باركها الجيش وخططت لها المخابرات الحربية، تطالبه بالتنحي، أطلق عليها من يقفون وراءها لاحقا اسم" ثورة 30 يونيو"، معتبرين أنها تماثل ثورة 25 يناير 2011م التي أطاحت بالرئيس المخلوع حسني مبارك.[41]
وفي الثالث من يوليو 2013م، انقلب وزير الدفاع الفريق عبد الفتاح السيسي على الرئيس مرسي وأعلن عزله، واحتجزه في مكان غير معلوم، وعطّل العمل بالدستور، وصدرت أوامر باعتقال المئات من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين أحيلوا لاحقا إلى المحاكمة، وصدرت أحكام بإعدام العديد منهم.[42]
تبييض وجه الانقلابات:
غالباً مايتم تسويق الانقلابات على أنها فرصة للخروج من أزمة سياسية أو لتحرير الشعب من ظروف سيئة، وفى الغالب تكون ذلك دعاية كاذبة، لأن الانقلاب غالبا ما يؤدي إلى بناء أنظمة مستبدة ومغلقة حتى وإن جلبت الاستقرار السياسي لفترة، فالأرجح أن انقلابها سيفضي إلى ثورات لاحقة أو إلى حروب أهلية وسلسلة من الانقلابات المتلاحقة.[43]
ولذلك يظل الهاجس لدى الانقلابيين، هو كيف يمكن إكساب فعلهم الانقلابي صيغة شرعية من خلال اتخاذ خطوات لاحقة، سواء من خلال تشريك بعض المدنيين معهم في السلطة أو من خلال إجراء انتخابات شكلية ليظل العسكر هم الحكام الفعليين من وراء الستار.[44]
فبعض الانقلابات تتم تحت ذريعة تحسين فعالية الحكومة (بدعوى فشل الحاكم المنتخب) أو استعادة النظام العام أو محاربة الفساد، وهي تؤدي عموما إلى تغيير الأشخاص لكنها لا تغير هيكل النظام السياسي ولا تأتي بإصلاحات فعلية، بل على العكس من ذلك، غالبا ما تغرق الطغمة العسكرية في الفساد.[45]
أشهر الانقلابات في التاريخ:
1. انقلاب نابليون بونابرت:
فور عودته من حملته العسكرية المشهورة في مصر (أكتوبر عام 1799 م)، بدأ ”نابليون“ حملته للإطاحة بـالمجلس الإداري المكون من خمسة أعضاء، والذي كان يحكم فرنسا حينها.
وبدعم من عدة متآمرين رفيعي المستوى، من بينهم اثنان من المدراء الخمسة، رتب نابليون عقد جلسة تشريعية خاصة خارج باريس في 10 نوفمبر، أعرب فيها عن أمله في أن يسلمه المجلس التشريعي زمام الحكم بمزيج من أساليب الإغراء والترهيب والرشوة.[46]
وعلى الرغم من أن مجلس النواب بغرفته السفلى أساء معاملته وطرده من الغرفة وهم يرددون ”أطيحوا بالديكتاتور“، إلا أنه استطاع أن يصل إلى الحكم، وذلك بفضل دعم العساكر له، حيث أتاح له الجيش إعادة هيكلة المجلس الإداري ليتضمنه هو واثنان من المدراء فقط، مما سهل له أن يعين نفسه القنصل الأول، ثم زحف إلى السلطة وتوج نفسه إمبراطوراً على فرنسا عام 1804 م.[47]
2. انقلاب فرانسيسكو فرانكو:
عندما فازت أحزاب الائتلاف اليساري بالانتخابات الإسبانية في فبراير 1936م، تم نقل الجنرال ”فرانسيسكو فرانكو“ إلى مركز عسكري خارج إسبانيا في جزر الكناري، وعلى الرغم من أنه كان هناك تخطيط سري للإطاحة بالحكومة يحيكه رفاقه الضباط آنذاك، إلا أنه تردد في البداية بالإنضمام اليهم، ثم اقتنع وانضم إليهم لاحقا بعد الإغتيال الثأري لسياسي محافظ.[48]
في 18 يوليو/ تموز قام فرانكو بإذاعة بيان يدعو فيه الجيش للإطاحة بالحكومة المنتخبة ديمقراطياً، وعندما استجاب الجيش إلى دعوته، طار سراً من جزر الكناري إلى المغرب التي كانت تحت سيطرة إسبانيا آنذاك، حيث تولت المعركة القوات العسكرية المتمركزة هناك (وكان قادرا على نقلها عبر البر الرئيسي الإسباني بمساعدة إيطاليا الفاشية أو ألمانيا النازية).
وكانت محاولة الإنقلاب ناجحة بشكل جزئي فقط، حيث كانت قوات فرانكو مسيطرة على ثلث البلاد فقط، مما أدى الى نشوب حرب أهلية دموية في إسبانيا استمرت لثلاث سنوات، ظهر بعدها فرانكو منتصراً بسبب دعم من الفاشيين والملوكيين والنبلاء والكنيسة الكاثوليكية، وحكم إسبانيا حكما ديكتاتوريا حتى وفاته عام 1975.[49]
3. انقلاب أوغوستو بينوشيه:
عُين الضابط العسكري ”أوغوستو بينوشيه“ رئيساً للجيش وقائدا للقوات المسلحة في تشيلي، في نفس الوقت الذي انضم فيه إلى مؤامرة انقلاب مدعومة من طرف وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ضد رئيس البلاد آنذاك ”سلفادور أليندي“.
وفى 11 سبتمبر عام 1973م، وبأمر من ”بينوشيه“ الذي كان متموقعا في مركز قيادة في ضواحي العاصمة، استولت القوات البحرية على مدينة ”فالبارايسو“ الساحلية، بينما تقدمت الدبابات والقوات البرية إلى القصر الرئاسي في وسط مدينة ”سانتياجو“.[50]
أصدر بينوشيه أوامره لطائرتين مقاتلتين بإطلاق صواريخ على القصر الرئاسي، ومع اندلاع النيران في القصر، اقتحم الجنود المبنى، مما دفع ”أليندي“ الماركسي المنتخب ديمقراطياً، إلى الانتحار بدلا من الإستسلام، وقضى رجال بينوشيه بقية اليوم (وأيام أخرى عديدة) في اعتقال وتعذيب مناصري الرئيس المخلوع، وتم إعدام أغلبهم دون محاكمة، وحكم بينوشيه البلاد بعد ذلك 17 عاماً.[51]
أظهرت شهادات الكونجرس الأمريكي وبعض الوثائق التي رفعت عنها السرية في وقت لاحق، أن وكالة الاستخبارات المركزية حاولت منذ سنوات (بناء على أوامر الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون) إسقاط نظام الرئيس ”أليندي“، كما لعبت دوراً فعالا في دعم الانقلاب الذي أطاح به في نهاية المطاف.[52]
4 – انقلاب الأرجنتين 1955 م:
تحالفت المؤسسة العسكرية في الأرجنتين، بالتعاون مع أحزاب المعارضة، للإطاحة بالرئيس الأرجنتيني خوان بيرون سنة 1955م، بعد أن تفاقمت المشكلات الاقتصادية في البلاد، واعتراض المعارضة على طرق حل الرئيس لهذه المشاكل.[53]
وخلال أحداث الانقلاب العسكري وثورة الجماهير في الشارع، قصفت مقاتلات تابعة لسلاح الجو البحري والجوي ميدان "بلازا دي مايو"، واستمرت أحداث العنف لتسفر عن مقتل المئات من المدنيين، في حين قامت بعض الجماعات التابعة لبيرون بحرق العديد من الكنائس، إذ اندلع الخلاف بين بيرون وبين الكنيسة الكاثوليكية قبل الانقلاب بعام.[54]
5- انقلاب تركيا 1980م:
في 12 سبتمبر 1980م، حدث انقلاب عسكري في تركيا، تزعمه الجنرال كنعان إيفرين مع مجموعة من الضباط نشأوا على فكرة حماية المبادئ الأساسية للجمهورية التركية، كما وضعها مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك.[55]
وأتى الانقلاب بعد فترة من الاشتباكات بين ميليشيات يمينية ويسارية متنافسة، ودعا البيان العسكري الأول الذي ألقاه إيفرين الشعب التركي إلى التمسك بمبادئ أتاتورك وأن يشنوا نضالاً ضد "الفوضى والإرهاب" وضد "الشيوعيين والفاشيين والعقائد الدينية المتزمتة".
الانقلاب أسفر عن تعيين إيفرين، الذي كان في تلك الفترة رئيساً لهيئة أركان القوات المسلحة التركية، رئيساً للجمهورية ولم يغادر مهامه على رأس الدولة التركية إلا في سنة 1989.[56]
وبلغت حصيلة حكم الجنرال كنعان إيفرين اعتقال 650 ألف شخص، ومحاكمة 230 ألف شخص آخر، و517 حكماً بالإعدام، و299 حالة وفاة بسبب التعذيب.
كما انتحر 43 شخصاً وقُتل 16 أثناء هروبهم، واعتبر الآلاف في عداد المفقودين، ناهيك عن إقالة 3654 مدرساً و47 قاضياً و120 أستاذاً جامعياً.[57]
فيما رصدت الأجهزة الأمنية التابعة للانقلاب مليوناً ونصف مواطن تركي وقيدتهم في سجلات الأمن كمطلوبين أمنياً وخطر على الأمن القومي التركي، وفر 30 ألف شخص من المعارضين والمفكرين وطلبوا حق اللجوء السياسي خارج تركيا.[58]
الانقلابات العسكرية والتدخل الأجنبي:
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية 1945، وانقسام العالم إلى كتلة شرقية بقيادة الاتحاد السوفيتي، وكتلة غربية بقيادة الولايات المتحدة، برز صراع من نوع أخر بين هذه القوى، فيما عرف بالحرب الباردة، وبينما كانت منطقة الشرق الأوسط خارج نطاق هذا الصراع ودون توجه واضح نحو إحدى الكتلتين، اشتدت المنافسة للسيطرة على هذه البقعة، وحاولت الولايات المتحدة تصفية الاستعمار القديم المتمثل في بريطانيا وفرنسا، لتفسح لنفسها المجال للسيطرة على العالم.[59]
وهنا برز اسم جديد شكل ملامح المنطقة، ومهد الطريق لبسط نفوذ الولايات المتحدة وضمان بقاء مصالحها في المنطقة، وهو عراب الانقلابات ضابط المخابرات الأمريكي” كيم روزفلت” الذي قدم رؤية جديدة من الانقلابات ذات الغطاء الثوري المزيف، تهدف إلى قطع الطريق أمام أي قوى مدنية للوصول إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع، فكان العسكر رهانه الأكبر في تنفيذ تلك الاستراتيجية.
ومنذ بداية الخمسينيات من القرن الماضي، بدأت تسقط حكومات وأنظمة عربية، ويحل مكانها العسكر كجسر تواصل دائم يضمن سريان المصالح الأمريكية بالمنطقة العربية وتحقيق رغباتها.[60]
وعلى عكس ما يروج الجنرالات الانقلابيون في كل الدنيا وعلى مدار التاريخ لانقلاباتهم التي تأتي لحماية الشعوب وتأكيد استقلال القرار الوطني، يخبرنا التاريخ أن الانقلابات العسكرية – خاصة في الدول المؤثرة – تأتي غالبًا برعاية خارجية، وأحيانًا بتخطيط وتدبير كامل من قبل المخابرات الأجنبية، خاصة الأمريكية.
بهذا كانت أمريكا ضالعة في عدد من الانقلابات العسكرية التي تمت خلال القرن الماضي وكان دور المخابرات الأمريكية واضحًا خلالها.[61]
وجاءت فكرة الانقلابات العسكرية في المنطقة العربية كفلسفة سياسية جديدة لخلق أنظمة حكم موالية للمصالح الغربية والأمريكية، فكان العراق هو المدخل الرئيسي لأول انقلاب في المنطقة العربية عام 1936 وعام 1941 ثم أعقبتها سلسلة انقلابات في سوريا ومصر غيرت شكل المنطقة وامتد آثارها الى يومنا هذا، متأثرة بتجربة تركيا الفتاة التي كانت نموذجا لسيطرة العسكر على الحكم”، لذلك عندما قام حسنى الزعيم بأول انقلاب في سوريا عام 1949 قال السياسي السوري فارس خوري” إنه أعظم كارثة حلت بالبلاد منذ حكم تركيا الفتاة”[62]
ومن النادر أن يتم انقلاب ما دون إخطار أجهزة الاستخبارات الأجنبية، حيث يقوم الانقلابيون أنفسهم بالاتصال بالقوى الأجنبية لطمأنتهم على مصالح دولهم والحصول على دعمهم الضمني، بل وكانت بعض الانقلابات نتاجا لترتيب خارجي، حيث تقوم قوة خارجية تريد إسقاط حكومة تهدد مصالحها بتجنيد متآمرين من قيادات جيش البلد المستهدف لتنفيذ انقلاب ضد الحكومة القائمة بالبلد أو لقطع الطريق أمام قوة شعبية صاعدة قد تشكل خطرا على نفوذها.[63]
ومن المعروف تاريخيا أن أول انقلاب، بتخطيط أمريكي، عرفته المنطقة العربية سنة 1949 كان في سوريا على يد حسني الزعيم كما يؤكد "مايلز كوبلاند" رجل الاستخبارات المركزية الأمريكية بالشرق الأوسط في كتابه "لعبة الأمم"، والذي تحدث أيضا عن الدور الأمريكي المهم والفعال في التدبير للانقلاب المصري في يوليو 1952.[64]
والكلام ذاته حصل، وبشكل أوسع، مع انقلاب السيسي على الرئيس المنتخب محمد مرسي في 2013، حيث جرى بتنسيق كامل مع الجانب الأمريكي وبضوء أخضر منه.




