حوارات

الإعلام في زمن الأزمات.. معركة الرواية بين المهنية والتضليل

الكاتب القطري جابر الحرمي رئيس تحرير جريدة “الشرق”:

  • المهنية والمصداقية مقدمتان على السبق الصحفي وتزداد أهميتهما في أوقات الأزمات
  • الاصطفاف المجتمعي هو خط الدفاع الأول في مواجهة الشائعات والدعاية السلبية
  • الإعلام العربي لا يزال أسير ردّات الفعل وسرديته غير قادرة على الوصول إلى الغرب
  • في زمن المنصات الرقمية لم يعد الأفراد مجرد متلقين بل تحولوا إلى مؤسسات إعلامية
  • بناء الثقة يتطلب من المؤسسات الإعلامية الرسمية تدفقًا سريعًا للمعلومات وشفافية
  • رغم صعوبة ضبط الفضاء الإعلامي فالحاجة ملحّة لتكتل إعلامي عربي يتجاوز الخلافات

“إنسان للإعلام” –  حوار: مراد المصري:

في زمن تتسارع فيه الأحداث، وتشتبك فيه الحقيقة مع سيلٍ جارف من المعلومات المضللة، يقف الإعلام على خط تماسّ بالغ الحساسية بين نقل الخبر وصناعته، وبين تشكيل الوعي وتوجيهه، بعد أن تحولت الأزمات إلى ساحات اختبار حقيقية لمهنية الإعلام، وقدرته على الصمود أمام الضغوط، وعلى حماية المجتمعات من الانزلاق إلى فوضى الشائعات والتضليل.

وفي ظل المشهد الحالي المتشابك بشأن الحرب بين أمريكا والكيان الصهيوني من جهة و إيران من جهة أخرى، تتعاظم الأسئلة حول دور الإعلام العربي: هل يمتلك أدواته لصياغة رواية مستقلة، أم لا يزال أسير ردود الأفعال؟ وكيف يمكن للمؤسسات الإعلامية، ومعها الأفراد، أن يوازنوا بين سرعة النشر ودقة التحقق، دون التفريط في المسؤولية الأخلاقية؟

كما تبرز الحاجة إلى قراءة مهنية هادئة تفتح أفقًا لفهم أعمق لدور الإعلام في زمن الأزمات، لذلك أجرينا

هذا الحوار مع الكاتب القطري المعروف جابر الحرمي، رئيس تحرير جريدة الشرق، ليسلّط الضوء على إشكاليات الإعلام في زمن الأزمات من زاوية مهنية، ومدى قدرة الإعلام العربي على بناء روايته الخاصة، ودور الأفراد والمؤسسات في حماية الوعي العام، فضلًا عن أهمية الشفافية وتعزيز الثقة بين الجمهور والجهات الرسمية، في سياق إعلامي مفتوح ومعقّد. وإلى نص الحوار:

• في ظل الحروب والأزمات، كيف يمكن لوسائل الإعلام أن توازن بين سرعة نقل الخبر ودقة التحقق، دون أن تتحول إلى أداة لنشر الشائعات أو الدعاية؟

في كل الأوضاع، يجب على الإعلامي وعلى المؤسسات الإعلامية أن تتحرّى الدقة، وأن تكون لديها مصداقية في نقل المعلومات، والتحري من صدقية الأخبار، لكن المؤكد أن الحاجة إلى ذلك تكون أكبر خلال الأزمات، لأننا اليوم، في ظل الإعلام الرقمي، نشهد تضاعفًا في سرعة انتقال المعلومة، وبالتالي فإن عدم تحري الدقة قد يخلق أزمات كبرى إذا لم تكن هذه المعلومات دقيقة، في ظل أزمات متصاعدة كما هو حاصل اليوم.

لذلك، فإن المهنية والمصداقية مقدمتان على السبق الصحفي على الدوام، وتكونان أكثر أهمية في وقت الأزمات.

واليوم أيضًا، ليس فقط لدينا إعلام متسارع الإيقاع، وإنما لدينا كذلك أساليب كثيرة في “الفبركة” والتضليل، لذلك أصبح مطلوبًا من الصحفي أن يتحرى ما إذا كانت هذه المعلومة أو هذا الخبر صحيحًا. أضف إلى ذلك الصورة، وما إذا كانت هذه الصور صحيحة فعلًا، أم مزيفة، أم طرأ عليها نوع من التلاعب.

كذلك، على الإعلامي اليوم أن يحاول تطوير قدراته فيما يتعلق بالإعلام الجديد، وبوسائل التواصل الاجتماعي، وما يتصل بتنمية الحس الصحفي،  ولذلك، فإن مواكبة المشهد الإعلامي بالنسبة للصحفي مهمة جدًا في تطوير قدراته، وتنمية مواهبه، وتطوير أدواته الإعلامية أيضًا.

• إلى أي مدى تؤثر الاصطفافات السياسية والوطنية في صد الشائعات والدعاية السلبية؟

أعتقد أن الاصطفاف المجتمعي أشمل مما نسميه اصطفافًا سياسيًا، لأننا في الأزمات نحتاج إلى تماسك مجتمعي.

واليوم، يشكّل الأمن المجتمعي، في ظل الأزمات المتصاعدة، ضمانةً وحائط الصد الأول لعدم الاختراق من قبل الأطراف المناوئة. لذلك، علينا جميعًا أن نتحلى بالوطنية على الدوام، وبلا شك فإن ذلك يُعد جانبًا أخلاقيًا أو دينيًا أو مسؤولية مجتمعية، وعلى كل فرد أن يتحلى به، وخاصة في أوقات الأزمات؛ لأن هناك شائعات متعددة، وهناك دعاية سلبية ترد إلينا من الخارج.

• كيف يمكن حماية الجبهة الداخلية بالاصطفاف المجتمعي وتوحيد الصف الداخلي؟

هذه المسؤولية ليست فقط مسؤولية المؤسسات والوزارات والجهات الرسمية، وإنما تمتد إلى الأفراد، كونهم أصبحوا اليوم مؤسسات إعلامية متكاملة، في ظل تمكن أي منهم من امتلاك جهاز صغير يتحول إلى منصة إعلامية ناقلة ومصوِّرة بالفيديو عبر منصات متعددة، وبالتالي، فإن الأمن اليوم ليس فقط سلاحًا أو خططًا دفاعية وعسكرية، بل له أيضًا بعد معلوماتي.

وعليه، كيف يمكن للأفراد أن يساهموا في تدعيم الجبهة الداخلية؟ يكون ذلك من خلال التحري قدر الإمكان من المعلومة، وعدم نقل الشائعات، وإرجاع ذلك إلى المؤسسات المعنية، بحيث تكون هناك مرجعية في نقل الأخبار، سواء كانت إعلامًا وطنيًا أو مؤسسات أمنية أو عسكرية وغيرها، والتي يجب عليها أيضًا أن تتحلّى بالشفافية في هذه الأوقات.

• هل تعتقد أن الإعلام العربي اليوم يملك أدوات إدارة الرواية في أوقات الأزمات، أم أنه غالبًا ما يكتفي بردّ الفعل أمام الرواية الأمريكية الصهيونية؟

الإعلام العربي اليوم يحتاج إلى الكثير لترسيخ الرواية العربية في قضايانا المختلفة، لأن الإمكانات المتاحة للإعلام الغربي في فرض روايته على مجتمعاتنا كبيرة، بينما لا يزال الإعلام العربي، حتى الآن، يميل إلى ردّات الفعل لما يأتيه من الخارج، سواء من الإعلام الأمريكي أو الغربي.

والرواية، أو السردية العربية، تكاد تكون غائبة، ولا نستطيع إيصالها بدرجة احترافية إلى الغرب، لأننا لا نملك تماسكًا كافيًا، كما أن هذه الرواية لا تزال ضعيفة، وهناك قلة في عدد المؤسسات الإعلامية المرتبطة والمتشابكة والمتعاونة على مستوى الوطن العربي.

اليوم، إذا تساءلنا: كم مؤسسة إعلامية تتعاون فيما بينها؟ وكم مؤسسة إعلامية لديها الرغبة في تبنّي قضايا الأمة الأساسية، مثل القضية الفلسطينية، أو قضايا شعوبنا العربية، أو القضايا الإسلامية التي نتعرض فيها للظلم ويتم التجني علينا فيها كثيرًا؟ هل هناك عمل عربي، سواء كان رسميًا أو على مستوى المؤسسات الإعلامية، في القطاعين الرسمي والخاص؟ وهل لدينا منظومة عمل متكاملة؟

باعتقادي، أننا لم نصل بعد إلى ما يمكن أن نسميه إعلامًا متجانسًا، متناغمًا، متكاملًا فيما بينه، يمتلك أولوية في الدفاع عن قضايا أمتنا وشعوبنا، وتحديد قضايا مركزية، مثل القضية الفلسطينية، أو ما حدث في غزة من حرب إبادة وحشية صهيونية طالت الشعب الفلسطيني.

هل لدينا في العالم العربي رواية قادرة على نقل ما حدث من جرائم فظيعة لم يشهدها التاريخ الحديث، وإيصالها إلى المجتمعات الغربية؟ هذا هو التحدي الكبير اليوم أمام إعلاميينا، وأمام المؤسسات الإعلامية، وأمام صانع المحتوى العربي في هذه المرحلة.

• في زمن المنصات الرقمية وتدفّق المعلومات غير المنضبط، ما مسؤولية الصحفي في منع التحريض والكراهية، مع الحفاظ على حق الجمهور في المعرفة؟

اليوم، تقع على عاتقنا مسؤولية كبيرة كإعلاميين وكمؤسسات إعلامية، خاصة في زمن المنصات الرقمية والحسابات التي، للأسف الشديد، تحمل الغث والسمين، فضلًا عن الحسابات الوهمية والصراعات في الفضاء المفتوح.

وكثيرًا ما نجد حسابات تحاول أطراف من خلالها التأثير على الحالة العربية، وتسعى إلى التشكيك في العلاقات العربية-العربية، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي.

هذه الحسابات تحمل هويات وأسماء عربية، لكنها تنطلق من خارج الجغرافيا العربية، أو حتى خارج الهوية الوطنية العربية، وتحاول أن تضرب الشعوب بعضها ببعض.

 لذلك، علينا اليوم أن نتحمل مسؤولية كبيرة، أولًا في التدقيق في هذه الحسابات، وثانيًا في عدم الانجرار خلفها، حتى إذا رأينا إساءات تحاول أن تمرر عبر الفضاء الإعلامي أو عبر الإعلام الجديد والمنصات.

اليوم، يجب ألا تنجرّ الشعوب خلف هذه الحسابات، لأن الكثير منها مضلل، ويسعى إلى ضرب العلاقات العربية-العربية وافتعال أزمات غير حقيقية، ونحن نرى كيف تجتمع الشعوب العربية عندما تلتقي، كما رأينا في الدوحة، في قطر، خلال كأس العالم، حيث كانت الشعوب العربية متآلفة ومتقاربة وتدعم بعضها البعض، وكذلك في كأس العرب، حيث ظهر التفاعل الإيجابي بين الشعوب العربية المختلفة بعيدًا عن أي حساسيات أو إشكاليات؛ إذ كانوا يجلسون ويتسامرون، ويتشاركون القصص والروايات، ويفرحون بالنجاح معًا.

لذلك، عندما أقول إن هناك من يسعى إلى ضرب العلاقات العربية-العربية والتشكيك فيها، فإنني أنطلق مما رأيته من علاقات حميمية بين الشعوب العربية، وكيف أنها لا تقبل الإساءة لأي شعب عربي أو أن يصيبه سوء.

علينا الحذر من هذه الحسابات الموجودة في الفضاء الرقمي، وعدم الانجرار إلى صراعات أو أزمات أو اصطفافات أو حروب طائفية، أو ما إلى ذلك، فنحن نمر بمرحلة صعبة جدًا في العالم العربي والإسلامي، وعلينا أن نكون متيقظين، وأن نكون أدوات بناء لا معاول هدم، سواء في قضايانا أو مجتمعاتنا أو على صعيد أمتنا.

• كيف يمكن للمؤسسات الحكومية أن تبني ثقة الجمهور في روايتها الرسمية في ظل تعدد المصادر وتضارب المعلومات؟

يجب على المؤسسات الحكومية أن تتبنى، أولًا، تدفق المعلومات بسرعة، لحظة بلحظة، في أي حدث، وأن تتحلى بالمصداقية والشفافية، بمعنى أن تُنشر هذه المعلومات من قبل هذه المؤسسات أولًا بأول، بما يسهم في كسر الفكرة السائدة في الذهنية العربية، بأن ما يأتي من المؤسسات الغربية هو الصحيح، وما يأتي من المؤسسات الوطنية الرسمية العربية والإسلامية غير صحيح.

ولسنوات، كانت هذه الفكرة صحيحة إلى حد كبير، لأن بعض المؤسسات العربية كانت تمارس التضليل، أو تنشر أخبارًا غير صحيحة، أو تضخم بعض القضايا، أو تفتقر إلى الشفافية والنقل السريع، مما اضطر المواطن إلى اللجوء إلى مصادر خارج حدوده الجغرافية للحصول على المعلومة.

وللأسف، فإن بعض المعلومات التي تفد إلينا من مؤسسات إعلامية غربية قد تحمل في طياتها الغث والسم، ولا تكون بالضرورة في مصلحة مجتمعاتنا العربية في كثير من الأحيان. لذلك، على مؤسساتنا الإعلامية الرسمية، والواجهات التي تتصدر المشهد، أن تكون سريعة في نقل المعلومة، وأن تتحلى بالشفافية والمصداقية، وأن تبني ثقة مع قطاعات المجتمع في الداخل، وعلى الساحة العربية، وعلى الصعيد الأوسع في الدائرة الإسلامية.

• ما الدور الذي يجب أن تقوم به الهيئات الرقابية أو التنظيمية لضمان التزام وسائل الإعلام بالمعايير المهنية خلال الأزمات دون التضييق على حرية الصحافة؟

مهما تحدثنا عن الدور الذي يجب أن تقوم به الهيئات الرقابية أو التنظيمية، فإنه في ظل هذا الانفلات الإعلامي، والانفتاح الفضائي، وتعدد الأدوات الإعلامية والحسابات والمنصات الرقمية، لا يمكن ضبط المشهد بشكل كامل، ومهما تحدثنا عن ميثاق شرف أو ميثاق مهني وأخلاقي، تظل هناك تحديات قائمة.

لكنني أدعو، في هذه المناسبة، إلى أن تسعى المؤسسات الإعلامية والإعلاميون الذين يقفون في صف واحد إلى تكوين تكتلات، والعمل على بناء وحدات تتوافق مع توجهاتهم وتطلعات مجتمعاتهم وقضايا أمتنا الرئيسية، بحيث نجتمع على ما نتفق عليه، ونضع القضايا الخلافية جانبًا.

نحن اليوم بأمسّ الحاجة إلى إعلام نزيه ومهني، يبني ثقة مع الرأي العام والجماهير في الداخل والخارج، وليس فقط في أوقات الأزمات. فالأزمات قد تحفّز وتسرّع هذا الدور، لكن لا ينبغي لنا أن ننتظر وقوعها.

الأزمات تعيد إنتاج الأفراد والمجتمعات، كما تعيد التقييم والمراجعة، لكننا بحاجة إلى إعلام دائم يتمتع بالمصداقية، ويحمل الرسالة الإعلامية، وينقل الرواية الصحيحة.

 في هذه اللحظات التي يتم فيها تسجيل هذا الحوار، تتعرض العاصمة القطرية لهجمات من إيران.. كيف ترى دور الإعلام في تحقيق تماسك الجبهة الداخلية؟

لله الحمد، فإن الجبهة الداخلية القطرية على درجة عالية من التماسك، كما أن المنظومة الدفاعية أظهرت كفاءة نفتخر بها هنا في قطر في التصدي لكل الاستهدافات، سواء كانت صواريخ باليستية أو طائرات مسيّرة أو حتى طائرات مأهولة تم إسقاطها. وهذا، أولًا، بفضل الله عز وجل، ثم بفضل الجاهزية التي أبدتها دولة قطر، وهي جاهزية دولة متكاملة وليست جاهزية قطاعات فقط.

ولله الحمد، كان القطاع الإعلامي، والقطاع الأمني الداخلي، والقطاع الدفاعي العسكري، وقطاعات الصحة والتعليم والأمن الغذائي، إضافة إلى القطاعات الخاصة، على درجة عالية من سرعة التعامل مع الأزمة، وإيجاد البدائل في سلاسل الإمداد، وضمان سرعة تدفق المعلومات بكل شفافية.

وقبل وصول الهجمات، كان هناك إنذار مسبق بوجود خطر، مع التأكيد على ضرورة الحذر واتخاذ الاحتياطات، وبعد التصدي لها تم إرسال رسائل تفيد بانتهاء الخطر وإمكانية العودة إلى الحياة الطبيعية.

ولله الحمد، لم تتأثر الحياة اليومية، واستمر نمط الحياة في دولة قطر بكل مؤسساتها وقطاعاتها وأفرادها دون تغير يُذكر، مع وجود متابعة من القيادة السياسية، ممثلة في سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء، والوزارات، حيث كانت هناك متابعة مستمرة لكل متطلبات الحياة اليومية والمعيشية، مع الحفاظ على الجاهزية العسكرية والأمنية الكاملة.

وقد لعب الإعلام دورًا مهمًا ومحوريًا في توصيل الرسائل المطمئنة للمواطنين والمقيمين، وبيان الحقائق كما هي، مما كان له أثر كبير في تماسك الجبهة الداخلية واطمئنان الناس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى