قضايا وتحليلات

الإعلام المصري بعد ثورة يناير.. من إدارة التنوع إلى  صناعة الاستقطاب

  • الإعلام تحول من وسيلة لتنوير العقول ونقل الحقائق إلى أداة لإشعال الحرائق السياسية
  • خطاب الفرز والإقصاء انتقل من «الشعب والجيش يد واحدة» إلى “نحن شعب وهم شعب”!
  • برامج “التوك شو” باتت منصات تحريضية لشيطنة الخصوم وقدمتهم بوصفهم خطرًا وجوديًا
  • الشاشات أصبحت أبواقا للقوة الأمنية وغيّبت الحديث عن محاسبة من سفكوا دماء المصريين
  • تفشي ازدواجية الخطاب.. مظاهرات أتباع النظام «سلمية» واحتجاجات المعارضين «إرهابية»!
  • تمدد ظاهرة التمويل الاحتكاري بعد 2013..«الشركة المتحدة» كرّست إعلام الصوت الواحد!
  • انحياز ممنهج في تغطية الاستحقاقات الانتخابية..تغييب التزوير وتكريس شرعية الأمر الواقع

“إنسان للإعلام”- فريق التحرير:

مع دخول الذكرى الخامسة عشرة لثورة 25 يناير 2011، وفي ظل ترسيخ سلطة انقلاب 3 يوليو 2013 سيطرتها التامة على مختلف وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، إلى جانب تشغيل عشرات الكتائب الإلكترونية لترويج خطاب السلطة والطعن في أي معارض أو صاحب رأي مختلف، سقط الخطاب الإعلامي السائد في مستنقع التحريض والتخوين، وتحول إلى ممارسات لا تمتّ بصلة لوظيفة الإعلام الحقيقية، سواء من حيث كشف الحقائق أو الالتزام بالمعايير المهنية ومواثيق الشرف الصحفي.

وقد شهد الخطاب الإعلامي المصري تحولًا حادًا من شعار «الشعب والجيش إيد واحدة» إلى خطاب قائم على الانقسام بين أطياف المجتمع المختلفة، لا سيما بين أصحاب المصالح والنفوذ والمستفيدين من النظام، وبين الغالبية الواسعة من المصريين الذين طالتهم موجات الفقر والظلم نتيجة السياسات الاقتصادية القائمة على الجباية، دون أي معايير حقيقية للعدالة الاجتماعية، وكانت نقطة البداية إطلاق مضامين إعلامية تحرض على قسمة الشعب إلى فريقين، كان من أبرزها أغنية علي الحجار “إحنا شعب وانتو شعب..لينا رب وليكو رب”!

ثم بات الدور الأساسي للبرامج الحوارية (Talk Shows) هو شيطنة الخصوم السياسيين وتجريدهم من صفة السلمية والشرعية، بعد أن جرى تحديد قوائم واضحة بمن تسمح لهم السلطة بالظهور الإعلامي والحديث، مقابل استبعاد أي صاحب رأي مختلف عن المنظومة الإعلامية الرسمية، في مشهد أقرب إلى الإقصاء المنهجي منه إلى التعددية الإعلامية.

وفي السياق نفسه، لم يعد توصيف الاحتجاجات في الخطاب الإعلامي المصري يخضع لمعيار السلمية، إذ لا توصف المظاهرات بأنها «سلمية» إلا إذا كانت مظاهرات مصنوعة لخدمة النظام، بينما تُوصَف أي مظاهرات تطالب بالحقوق والحريات بأنها «إرهابية» أو «خروج على القانون”.

وقد ترتب على هذا النهج الإعلامي انعكاسات مجتمعية بالغة الخطورة، تجلت في تصاعد معدلات العنف في الشارع المصري، وغياب المحاسبة، وتراجع الالتزام بالمواثيق الأخلاقية، ليصبح الإعلام أداة لإشعال الحرائق السياسية بدلًا من أن يكون وسيلة لتنوير العقول ونقل الحقائق.

الإعلام من شاهد محايد إلى فاعل سياسي

على مدار خمسة عشر عامًا، منذ ثورة يناير 2011 وحتى اليوم، لم يعد الإعلام المصري مجرد شاهد محايد وأمين على الأحداث، بل أصبح في معظمه نتاجًا مباشرًا لإرادة السلطة وتوجيهها، الأمر الذي جعله محركًا رئيسيًا للاستقطاب السياسي والاجتماعي في البلاد، سواء عبر تحيزات المؤسسات الإعلامية التقليدية، أو من خلال أدوات الإعلام الجديد واللجان الإلكترونية، وهو ما أفضى إلى دور مركزي لوسائل الإعلام، لا في تشكيل إدراك الجمهور فحسب، بل في تعميق الانقسامات السياسية داخل المجتمع.

ورغم أن ثورة 25 يناير 2011 مثّلت لحظة مفصلية في التاريخ المصري الحديث، وفتحت الباب أمام هامش غير مسبوق من حرية الإعلام وظهور منصات بديلة وحركات نقدية، فإن ما تلاها من أحداث سياسية، أخطرها انقلاب 2013، أدى إلى إعادة تشكيل المشهد الإعلامي بصورة جذرية، بهدف الحيلولة دون تكرار الدور الذي لعبه الإعلام في تقويض نظام حسني مبارك.

بعد الانقلاب، لم يعد الإعلام ناقلًا للأحداث، بل تحول إلى عامل فاعل في توجيه الرأي العام، عبر فرض رؤية أمنية شاملة للنظام، سواء من خلال الإعلام التقليدي (الصحف والتلفزيون)، أو عبر الإعلام الجديد المتمثل في المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.

ويمكن القول إن الإعلام المصري، بعد الثورة، شهد ثلاثة تحولات رئيسية كان لها تأثير مباشر في بناء قناعات الجمهور، وتحويلها، وأحيانًا في تعميق الاستقطاب السياسي داخل المجتمع.

أول هذه التحولات تمثل في الانخراط الكامل في الخطاب السياسي لصالح السلطة، وشيطنة المعارضة، وتحميل جماعة الإخوان المسلمين مسؤولية أي إخفاق سياسي أو اقتصادي، رغم غياب دورهم الفعلي بفعل الاعتقالات الواسعة والقتل والتهجير، وتحولهم إلى شماعة جاهزة لتبرير الفشل.

أما التحول الثاني فكان انهيار المهنية الإعلامية وظهور تحيز فجّ في التغطيات، عقب إبعاد الكفاءات المهنية، والاعتماد على معايير الخضوع والموالاة السياسية، وهو ما أفرز أسوأ نماذج الأداء الإعلامي، وأنتج برامج وتغطيات سطحية، وحوّل الصحف والقنوات التلفزيونية إلى ما يشبه نشرات أخبار رسمية، تُنقل التعليمات فيها إلى الإعلاميين عبر الهواتف المحمولة، ولا يختلف محتواها كثيرًا عما تنتجه إدارات الشؤون المعنوية في القوات المسلحة والشرطة، من تعظيم للسلطة وتشويه للمعارضين.

وامتد هذا النهج إلى الإنتاج الإعلامي الدرامي، الذي فُرضت عليه قيود صارمة تمنع أي تناول نقدي للجيش أو الشرطة في الأعمال الدرامية، مع التركيز على تقديم روايات تُشيطن المعارضين وتُفرغ القضايا السياسية من مضمونها الحقيقي.

أما التحول الثالث فتمثل في انتقال الإعلام من دوره التقليدي القائم على نقل الحقائق والمعلومات بصورة مجردة ومهنية، إلى دور تعبوي يستثمر القضايا الاجتماعية والمعيشية اليومية لتحقيق أهداف سياسية وأمنية محددة، ما أخلّ بالوظيفة الأساسية للإعلام كوسيط بين السلطة والمجتمع.

وقبل ثورة 25 يناير، كان الإعلام التقليدي المصري، ولا سيما الإعلام الحكومي، مرتبطًا بشكل وثيق بالنظام السياسي القائم، لكنه كان يتمتع بهامش محدود من الحرية المحكومة.

وعقب الثورة، أُتيحت مساحة إضافية لظهور إعلام بديل وحركات نقدية، غير أن هذه المساحة سرعان ما جرى إجهاضها عقب انقلاب 2013، وتحويل المشهد الإعلامي إلى ما بات يُعرف بـ«إعلام الأوامر» أو «إعلام سامسونج»، الذي يتلقى التعليمات وينفذها دون نقاش.

وبعد الثورة، ظهرت قنوات وصحف جديدة، إلا أن معظمها انحاز سريعًا لفئات سياسية أو مالية بعينها، فبرزت صحافة وإعلام ممول من أقطاب سياسيين أو اقتصاديين يروجون لخطاب محدد، وهو ما عزز الاستقطاب السياسي والاجتماعي بدلًا من الحد منه، وأسهم في تحويل الإعلام إلى ساحة صراع مفتوحة تخدم مصالح ضيقة.

التمويل.. تعددية شكلية وسيطرة كاملة

شهدت المرحلة التي أعقبت ثورة 25 يناير 2011 ظهور عدد من القنوات الفضائية والصحف والمواقع الإخبارية الجديدة، في سياق اتسم بتراجع القيود الرقابية مؤقتًا، وفتح المجال أمام تعددية إعلامية بدت، في ظاهرها، تعبيرًا عن تحرر المجال العام وتنوع الأصوات، غير أن هذه التعددية سرعان ما اتضح أنها كانت شكلية ومؤقتة، إذ انحاز معظم هذه الوسائل الإعلامية، خلال فترة قصيرة، إلى فئات سياسية أو مالية بعينها، ما أسهم في تعميق الاستقطاب بدلًا من الحد منه.

وبرزت خلال تلك المرحلة صحافة وإعلام ممولان من أقطاب سياسيين أو اقتصاديين، لم يكونوا معنيين ببناء إعلام مهني مستقل، بقدر ما سعوا إلى توظيف المنابر الإعلامية للترويج لخطاب يخدم مصالحهم وأجنداتهم الخاصة، وهو ما انعكس بوضوح على طبيعة المحتوى، واتجاهات التغطية، وأسلوب تناول القضايا.

وكان لتمويل أطراف الثورة المضادة دور محوري في هذا السياق، حيث كشفت الوقائع عن دعم خارجي، لا سيما من دولة الإمارات، لعدد من وسائل الإعلام المصرية، سواء عبر التمويل المباشر أو غير المباشر، إلى جانب دعم إعلاميين بعينهم، بهدف الترويج لخطاب معادٍ للإسلاميين، والتحريض على التمرد ضد أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، محمد مرسي. وقد ساهم هذا التمويل في خلق حالة من الاستقطاب الإعلامي الحاد، ومهّد الطريق سياسيًا وإعلاميًا للانقلاب العسكري، عبر عمليات ممنهجة من التعبئة وغسل العقول.

وعقب انقلاب يوليو 2013، انتقل المشهد الإعلامي إلى مرحلة جديدة اتسمت بالسيطرة شبه الكاملة من قبل النظام العسكري–الأمني، حيث جرى الاستحواذ على غالبية وسائل الإعلام الخاصة، إما من خلال الشراء المباشر، أو عبر الضغط على رجال الأعمال لإجبارهم على التنازل عن ممتلكاتهم الإعلامية. وتم تجميع هذه الوسائل تحت مظلة واحدة، هي «الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية.

وبحسب ما أُعلن في تقارير متداولة، أصبحت الشركة المتحدة تستحوذ على ما لا يقل عن 12 صحيفة وموقعًا إخباريًا، تشمل صحفًا ورقية وإلكترونية، إلى جانب امتلاكها وتشغيلها لما يقارب 17 قناة تلفزيونية تبث عبر الأقمار الصناعية، فضلًا عن نفوذها الواسع في سوق الإنتاج الدرامي والإعلاني، وبذلك تحولت الشركة إلى الذراع الإعلامية الأبرز للنظام، ومركز الثقل الرئيسي في توجيه الخطاب الإعلامي العام.

وأدى هذا الاحتكار شبه الكامل إلى القضاء على أي مظاهر للتعددية الحقيقية داخل المشهد الإعلامي، حيث باتت السياسات التحريرية تُدار من مركز واحد، وتخضع لتوجيهات أمنية واضحة، وهو ما انعكس على تشابه المحتوى، وتكرار السرديات، وتوحيد الخطاب، حتى بدت معظم القنوات والصحف وكأنها نسخة واحدة بأسماء مختلفة.

وفي ظل هذا الواقع، لم يعد الإعلام ساحة لتعدد الآراء أو منصة للنقاش العام، بل تحول إلى أداة لإعادة إنتاج خطاب السلطة، وتكريس رؤيتها للأحداث، وتبرير سياساتها، مع إقصاء كامل لأي صوت معارض أو ناقد، سواء عبر المنع المباشر أو عبر التشويه والتخوين، ما عمّق من أزمة الثقة بين الجمهور ووسائل الإعلام التقليدية.

دور الإعلام في الاستقطاب بعد الثورة

برز دور الإعلام المصري في صناعة وتعميق الاستقطاب السياسي بعد ثورة يناير 2011 عبر عدة مسارات رئيسية، لم تكن منفصلة عن السياق السياسي العام، بل تفاعلت معه وأسهمت في إعادة تشكيله، سواء خلال المرحلة الانتقالية أو بعد الانقلاب العسكري في يوليو 2013.

أولًا: تغطية الانتخابات والانحياز الممنهج:

في الاستحقاقات الانتخابية المتتالية التي شهدتها مصر بعد الانقلاب، بدا الانحياز الإعلامي واضحًا، حيث سارت التغطيات وفق الحسابات السياسية للسلطة، سواء في الإعلام القومي التابع للدولة أو في الإعلام الخاص المملوك لرؤوس الأموال.

وقد تجلى ذلك في الإيحاء بوجود انتخابات حقيقية وتضخيم مظاهرها الشكلية، مقابل تجاهل واسع لمؤشرات التزوير، وحشد الفقراء بالمال وكراتين الطعام، وغياب الرقابة الجادة.

وقد لاحظت دراسات متعددة تناولت تغطية الانتخابات أن الإعلام المصري تصرف، في كثير من الأحيان، بوصفه خادمًا لمصالح السلطة وأجنداتها السياسية والحزبية والأيديولوجية، أكثر من كونه ناقلًا محايدًا للواقع، فاقتصرت الصحف المملوكة للدولة على الترويج لرموز السلطة ومرشحي أحزاب الموالاة، مثل «مستقبل وطن» و«حماة وطن» وغيرها، في حين روّجت صحف أخرى لأحزاب أو شخصيات بعينها يملكها أو يمولها رجال أعمال نافذون.

وفي السياق نفسه، تحول الإعلام الحكومي إلى حالة من التماهي شبه الكامل مع المؤسسة العسكرية والسلطة القائمة، وباتت تغطيته أشبه بنشرات صادرة عن مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، تفتقر إلى أي مسافة نقدية أو مساءلة حقيقية.

ثانيًا: تسريع الاستقطاب الأيديولوجي:

في أعقاب ثورة يناير، ظهر انقسام أيديولوجي واسع بين التيارات الليبرالية والعلمانية من جهة، والتيارات الإسلامية من جهة أخرى، وكان الإعلام أحد أبرز المنصات التي جرى عبرها الترويج للسرديات المتنافسة، وتكريس هذا الانقسام في الوعي العام.

وعقب الانقلاب العسكري، جرى وأد أي تجارب للإعلام الإسلامي بشكل شبه كامل، عبر الحجب والمنع واعتقال الصحفيين، وتحويل الإعلام الرسمي والحزبي والخاص إلى منصات للترويج للنظام العسكري، وعسكرة الخطاب الإعلامي بمختلف وسائله، بما في ذلك مواقع التواصل الاجتماعي، للسيطرة على السردية العامة ومنع أي رواية مخالفة للموقف الرسمي.

وامتد هذا النهج إلى الأساليب الصحفية ذاتها، حيث جرى التركيز على ترويج الأخبار الموالية للسلطة أو المؤدلجة، بدلًا من تقديم أخبار موضوعية، إلى جانب ممارسة التشويه الإعلامي المنهجي للأطراف المنافسة، واستثمار الأحداث الاجتماعية والمعيشية في حشد الدعم السياسي أو الهجوم على فئات بعينها، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، وكذلك بعض أطياف المعارضة اليسارية.

ثالثًا: المال السياسي والنفوذ الأمني:

ظهر بوضوح دور المال السياسي، ثم النفوذ الأمني لاحقًا، في تعميق الاستقطاب السياسي بعد الثورة والانقلاب، حيث دخل كلاهما بقوة في صناعة الإعلام، وأعيدا توجيهه لخدمة أجندات ضيقة، محصورة في رؤية السلطة وروايتها للأحداث، على حساب المهنية الصحفية ومعايير الاستقلال.

وقد أظهرت دراسات أكاديمية أن مستويات المهنية الصحفية شهدت تراجعًا ملحوظًا، ما أدى إلى تحول كثير من التغطيات الإعلامية إلى أدوات سياسية دعائية، بدلًا من كونها أدوات مهنية لنقل الحقائق وتحليلها.

وفي أعقاب انقلاب يوليو 2013، والإطاحة بحكم الرئيس المدني المنتخب محمد مرسي، تحول الإعلام من منصة للتنشيط السياسي العام إلى أداة مركزية لتثبيت روايات السلطة الجديدة، في ظل سيطرة أكثر إحكامًا ومركزية على المحتوى والخطاب.

وساعدت في ذلك طبيعة النخب الإعلامية، التي تعود جذورها إلى ما قبل الثورة، والتي لعبت على مختلف الحبال حفاظًا على مصالحها ومواقعها، فدعمت الانقلاب والسلطة الجديدة، واحتفظت ببعض مواقع النفوذ، ما سهّل استمرار السردية الداعمة لعبد الفتاح السيسي.

 وتركّز الإنتاج الإعلامي الرسمي، في هذا السياق، على تفريغ ثورة يناير من مضمونها السياسي، وتقليص المساحات المتاحة لصوت المعارضة أو النقد.

تعميق الانقسامات الأيديولوجية والمجتمعية

في سياق التحولات التي شهدها الخطاب الإعلامي المصري بعد ثورة يناير 2011، من شعار «الجيش والشعب إيد واحدة» إلى سردية «الشعب في خدمة الجيش والشرطة»، لعب الإعلام دورًا محوريًا في تكريس هذه الرؤية، لا سيما بعد إحكام أجهزة الأمن والشؤون المعنوية والاستخبارات سيطرتها على توجيه المحتوى الإعلامي وخطابه العام.

وقد أسهم هذا التحول في تعميق الانقسامات الأيديولوجية والسياسية بين التيارات المختلفة داخل المجتمع، وأدى إلى تآكل الثقة في المؤسسات الإعلامية التقليدية، بعدما باتت تُنظر إليها بوصفها أدوات للسلطة أكثر من كونها منصات مستقلة لنقل الواقع.

ونتيجة لذلك، اتجهت قطاعات واسعة من الجمهور إلى البحث عن بدائل إعلامية خارج الإطار الرسمي، سواء عبر المنصات الرقمية أو وسائل الإعلام العابرة للحدود.

وفي الوقت ذاته، لعب الإعلام دورًا مباشرًا في الترويج لسرديات سياسية تبرر التغييرات التي طرأت على بنية السلطة بعد عام 2013، سواء لدى الجمهور المحلي أو الإقليمي، من خلال إعادة تعريف مفاهيم مثل «الاستقرار» و«الأمن القومي»، وربطها بإقصاء المعارضة وتجريم أي شكل من أشكال الاحتجاج أو النقد.

وقد ساعد هذا الخطاب على إعادة إنتاج شرعية جديدة للنظام، تقوم على الخوف من الفوضى، لا على التوافق المجتمعي أو المشاركة السياسية، وهو ما انعكس سلبًا على المجال العام، وأسهم في إغلاق مساحات الحوار والنقاش، وتعزيز حالة الاستقطاب والانقسام داخل المجتمع.

كان شعار «الجيش والشعب إيد واحدة» من أكثر العبارات حضورًا في الخطاب الإعلامي المصري خلال اللحظات الثورية وما تلاها، خصوصًا عقب نجاح ثورة 25 يناير. واستمر هذا الشعار في التداول الإعلامي لفترة وجيزة بعد انقلاب 2013، قبل أن يبدأ في التلاشي والانقسام، مع انقلاب السلطة على كثير من القوى والتيارات التي دعمتها في إجهاض التجربة الديمقراطية، خاصة من التيارات الليبرالية واليسارية، التي كانت تأمل في تحقيق مكاسب سياسية من هذا الاصطفاف.

استُخدم هذا الشعار بوصفه إطارًا تعبويًا يهدف إلى إنتاج حالة من الإجماع الوطني، وتحييد الصراع السياسي، غير أن هذا الخطاب لم يدم طويلًا، فخلال سنوات قليلة، شهد الإعلام المصري تحولًا تدريجيًا من خطاب الوحدة والتماسك إلى خطاب قائم على الاستقطاب والانقسام، سواء بين «الدولة» و«المجتمع»، أو داخل المجتمع نفسه.

وظهر خطاب «الشعب والجيش» في لحظة فراغ سلطوي واضطراب سياسي، حيث احتاجت الدولة العميقة والمؤسسة العسكرية إلى شرعية شعبية سريعة، ولعب الإعلام دور الوسيط الأساسي في ترسيخ صورة الجيش باعتباره «حامي الثورة» و«الضامن للاستقرار»، وفق تصور يقوم على أن الدور التاريخي للجيش ليس الحكم، بل منع الفوضى وحماية خيار الشعب.

غير أن هذا التصور سرعان ما تبيّن أنه غطاء لتحول أعمق في عقيدة القيادة العسكرية، لا سيما مع صعود عبد الفتاح السيسي وجنرالات المجلس العسكري، حيث قامت هذه العقيدة على عسكرة المجال العام، بما في ذلك الإعلام والاقتصاد، وتحويل الجيش من فاعل انتقالي إلى سلطة حاكمة.

واتسم الخطاب الإعلامي في تلك المرحلة باستخدام لغة عاطفية وشعاراتية، وتغييب الأسئلة النقدية حول دور المؤسسة العسكرية، وتقديم «الشعب» بوصفه كتلة واحدة متجانسة، مع استدعاء مكثف للرموز الوطنية والتاريخية.

وكانت الوظيفة الأساسية لهذا الخطاب، عقب ثورة يناير 2011، هي إنتاج إجماع رمزي يمنع نشوء صراع مبكر بين السلطة الانتقالية والقوى السياسية المختلفة، ويؤجل النقاشات المتعلقة بالدولة المدنية والديمقراطية، غير أن هذا الإجماع بدأ في التصدع مع انكشاف نوايا الجنرالات في الانفراد بالحكم، ما أدى إلى تصاعد الخلافات السياسية في وقت مبكر.

موجة الهجوم على المعارضة بعد 2013

ومع تدجين السلطة لوسائل الإعلام وتطويعها بصورة شبه كاملة عقب انقلاب 2013، بدأ الإعلام في مهاجمة أي معارضة باستخدام مفردات مثل: «الفوضى»، و«المندسون»، و«الطابور الخامس»، و«عدم الوطنية»، و«الخيانة”.

وفي هذا السياق، شهدت صورة «الشعب» نفسها تحولًا جذريًا؛ فلم يعد يُقدَّم بوصفه وحدة واحدة، بل جرى تقسيمه، عبر التعبئة الإعلامية، إلى «شعب واعٍ» داعم للدولة، و«شعب مُضلل» أو «مُخترق»، في إشارة إلى قوى المعارضة، سواء الإسلامية أو العلمانية. وهكذا انتقل الخطاب الإعلامي من خطاب جامع إلى خطاب فرزي إقصائي.

وبذلك يمكن فهم التحول من خطاب «الشعب والجيش» إلى خطاب «الانقسام» بوصفه انتقالًا من خطاب تعبئة إلى خطاب سيطرة، ومن شرعية ثورية إلى شرعية أمنية، فلم يعد الهدف هو تحقيق الإجماع، بل إدارة الانقسام بما يخدم استقرار السلطة، حتى لو جاء ذلك على حساب التماسك الاجتماعي على المدى الطويل.

ويعكس هذا التحول أزمة أعمق تتعلق بعلاقة الإعلام بالسلطة وبالمجتمع، فبدلًا من أن يكون وسيطًا للنقاش العام، أصبح فاعلًا مباشرًا في إنتاج الاستقطاب، وإعادة بناء خطاب إعلامي يُقصي المجتمع عن مطالب الشرعية والحرية، بدل أن يوحّده حولها.

ومن هذا، تناول الإعلام المصري للمظاهرات: «سلمية» إن صُنعت للنظام و«إرهابية» إن طالبت بالحقوق والحريات

ويُعدّ توصيف المظاهرات أحد أكثر مؤشرات الاستقطاب الإعلامي دلالة على طبيعة العلاقة بين الإعلام والسلطة، إذ لم يكن توصيف الاحتجاجات تعبيرًا محايدًا عن طبيعتها أو أهدافها، بل تحوّل إلى أداة سياسية تُستخدم لإضفاء الشرعية على فعل احتجاجي بعينه، أو نزعها عن فعل آخر، وفقًا لمدى توافقه مع مصالح السلطة الحاكمة.

فالمظاهرات التي تُنظَّم أو تُحرَّك بدعم مباشر أو غير مباشر من السلطة، أو تلك التي تخدم خطابها السياسي، تُقدَّم في وسائل الإعلام بوصفها تعبيرًا صادقًا عن الرأي العام، وتُصنَّف باعتبارها «مظاهرات وطنية» أو «تجمعات شعبية سلمية»، كما هو الحال في بعض التحركات التي جرى الترويج لها دعمًا لرأس السلطة عبد الفتاح السيسي في قضايا مثل رفض تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، أو ملف سد النهضة، أو غيرها من القضايا التي توظفها السلطة لحشد التأييد.

في المقابل، يجري التعامل مع أي مظاهرة مستقلة تطالب بالحقوق والحريات، حتى وإن التزمت بالإطار القانوني الذي صاغته السلطة نفسها، باعتبارها تهديدًا أمنيًا، ويُلقى القبض على المشاركين فيها، سواء كانوا عمالًا يطالبون بتطبيق الحد الأدنى للأجور الذي أقرته الدولة، أو مواطنين يحتجون على نزع أراضيهم وبيعها لمستثمرين عرب بالشراكة مع شبكات مصالح مرتبطة بالسلطة.

ويكشف تتبع الخطاب الإعلامي في هذا السياق عن ازدواجية واضحة في المعايير؛ إذ تُوصَف مظاهرات بأنها «سلمية» و«وطنية» عندما تخدم النظام، بينما تُوصَف مظاهرات أخرى بأنها «إرهابية» أو «فوضوية» عندما تطالب بالحقوق والحريات أو تنتقد السياسات القائمة.

الازدواجية بوصفها سياسة إعلامية ممنهجة

لا تعكس هذه الازدواجية أخطاء مهنية عابرة، بل تمثل سياسة إعلامية متكاملة تقوم على تسييس مفهوم السلمية، واحتكار تعريف الوطنية، وتجريم الفعل الاحتجاجي المستقل. وبذلك، لا يعود السؤال المطروح في الإعلام: «هل المظاهرة سلمية؟»، بل يصبح: «لصالح من هذه المظاهرة؟”.

ويترتب على هذا النهج عدد من الآثار الخطيرة، من بينها تشويه الحق في التظاهر، وتحويل حق دستوري إلى فعل مشروط بالولاء السياسي، وتآكل المهنية الإعلامية، وغياب المعايير الموحدة، وخلط الخبر بالرأي والتحريض، وتعميق الخوف المجتمعي عبر ربط الاحتجاج بالفوضى والإرهاب، بما يؤدي إلى ردع قطاعات واسعة من المواطنين عن التعبير العلني عن مطالبهم.

وبصورة عامة، يمكن توصيف هذا النمط الإعلامي بوصفه انتقالًا من إعلام يراقب السلطة إلى إعلام يحميها، فبدلًا من التوصيف القانوني للاحتجاج، من حيث كونه متوافقًا أو غير متوافق مع القوانين، يجري توصيفه أمنيًا وأخلاقيًا، ما يجعل الإعلام طرفًا مباشرًا في الصراع السياسي، لا وسيطًا ناقلًا له.

وتكشف طريقة تناول الإعلام المصري للمظاهرات عن أزمة بنيوية في مفهومي الاستقلال والحياد؛ إذ لم تعد السلمية معيارًا للسلوك، بل وسمًا سياسيًا، ولم يعد الإرهاب توصيفًا قانونيًا، بل أداة إقصاء. ولا يمكن استعادة الدور الرقابي للإعلام دون فصل واضح بين الحق في التظاهر، وتقييم السلطة للمطالب، والتغطية المهنية المستقلة.

البرامج الحوارية وشيطنة الخصوم السياسيين

عقب ثورة يناير 2011، شهدت البرامج الحوارية في مصر طفرة غير مسبوقة من حيث العدد والتأثير، وتحولت إلى أحد أبرز فضاءات النقاش العام الحر، في مشهد لم تعهده البلاد من قبل. واستمرت هذه الحالة، بدرجات متفاوتة، حتى انقلاب يوليو 2013، الذي مثّل نقطة فاصلة في مسار هذه البرامج، إذ جرى تحويلها تدريجيًا من منصات للحوار السياسي إلى أدوات لشيطنة خصوم النظام العسكري الجديد، مع اختفاء لغة النقاش، وغياب معظم البرامج السياسية الجادة، وتحويل مقدمي البرامج إلى مناقشة قضايا اجتماعية أو تاريخية بعد فرض حظر فعلي على أي حوار سياسي حقيقي.

وبعدما كانت برامج «التوك شو» أحد أهم الفضاءات التي تشكّل فيها الرأي العام، تدهورت هذه البرامج أو اختفت بالكامل، ولم تتطور بوصفها منصات للنقاش الديمقراطي، بل شهدت تحولًا تدريجيًا جعلها أداة مركزية في نزع الشرعية عن الخصوم السياسيين، وتجريدهم من صفة السلمية والمشروعية، بما يخدم خطاب السلطة وأجندتها الأمنية.

وفي هذا السياق، تغيّرت وظيفة المذيع بصورة جذرية؛ إذ انتقل دوره من مدير للنقاش إلى ما يشبه «المدعي العام»، وأصبح بعض مقدمي البرامج شخصيات “حنجورية”، تقوم بتلقين الضيوف ما ينبغي قوله، والدفاع عن السلطة، والهجوم على خصومها، ليتحول المذيع من وسيط مهني إلى طرف أصيل في الصراع السياسي.

وتنوعت آليات “شيطنة” الخصوم السياسيين في هذه البرامج، بدءًا من نزع صفة السلمية عن أي موقف معارض، عبر الربط المستمر بين المعارضة والعنف، واستخدام مصطلحات جاهزة مثل «التحريض»، و«الفوضى»، و«محاولات إسقاط الدولة”.

كما جرى نقل الخلاف من مستوى الأفكار والبرامج إلى مستوى النوايا، من خلال توجيه اتهامات نمطية بالعمالة، أو تلقي تمويل خارجي، أو الارتباط بتنظيمات محظورة، دون تقديم أدلة أو إتاحة حق الرد.

وفي إطار هذا الخلل البنيوي، جرى انتقاء الضيوف بعناية شديدة، مع تسريب قوائم بأسماء المسموح لهم بالظهور، وأخرى بالممنوعين، ما أدى إلى غياب الخصوم الحقيقيين، أو الاكتفاء باستضافة «معارضين سابقين» أو أصوات ضعيفة يمكن التحكم فيها.

وفي المقابل، هيمن المحللون الأمنيون والعسكريون على البرامج الحوارية، مقدمين قراءات جاهزة ومؤدلجة للأحداث من منظور أمني صرف.

ولم تكتفِ هذه البرامج بنزع الشرعية السياسية عن الخصوم، بل مارست تجريدًا رمزيًا واسعًا، عبر تصوير المعارض بوصفه «خطرًا» لا «مواطنًا»، واختزاله في صفة واحدة مثل «إرهابي» أو «عميل» أو «مأجور»، مع إلغاء كامل لدوافعه الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية.

أسهم هذا النمط من الخطاب في تحويل البرامج الحوارية إلى أدوات لتبرير القمع، وتقديم الخصم السياسي بوصفه خطرًا وجوديًا، وتصوير القمع باعتباره إجراءً وقائيًا وضرورة وطنية، وهو ما ساعد على خلق «أغلبية صامتة» خائفة، تتجنب التعبير عن الرأي أو الانخراط في الشأن العام.

ونتيجة لتحول البرامج الحوارية إلى إعلام رأي لا إعلام خبر، وخطاب تعبوي لا حواري، وأداة ضبط لا مساحة نقاش، ترتبت آثار بالغة السلبية على الإعلام والمجتمع، من بينها انهيار المهنية الإعلامية، وتآكل الثقة العامة في هذه البرامج، واتجاه قطاعات واسعة من الجمهور إلى منصات إعلامية بديلة، مع تعميق حالة الاستقطاب والانقسام المجتمعي.

انتشار العنف في الشارع بعد غياب الحوار

في ظل غياب الحوار العام، وتراجع دور الإعلام الحر، وتصاعد خطاب التخوين والشيطنة بحق فئات واسعة من المصريين لصالح السلطة، وتجريم أي مطالب اجتماعية أو اقتصادية، إلى جانب الخطاب الفوقي الذي تتبناه السلطة تجاه المواطنين، اتسعت دائرة الاستقطاب داخل المجتمع، وانعكس ذلك في صورة تصاعد ملحوظ لمعدلات العنف في الشارع المصري، في ظل غياب شبه كامل للمحاسبة، وتآكل واضح للمواثيق الأخلاقية الإعلامية.

فدور الإعلام في المجتمعات الحديثة لا يقتصر على نقل الأخبار، بل يمتد ليشمل الرقابة المجتمعية، وصناعة المعايير الأخلاقية، والمساهمة في ردع العنف الرمزي والمادي. غير أن تراجع الدور الرقابي والمهني للإعلام في الحالة المصرية أسهم في تصاعد مظاهر العنف المختلفة، سواء العنف اللفظي أو الجسدي، مع غياب واضح للمحاسبة الأخلاقية والقانونية.

ومع تراجع استقلال الإعلام وتسييسه، انتقل من كونه سلطة رقابية إلى أداة تبريرية لممارسات السلطة، بما في ذلك الغلاء، والقمع، والبطش، والفساد، وتحول من حارس للقيم العامة إلى ناقل لخطاب القوة، ما ساهم في تطبيع العنف داخل المجال العام.

وفي ظل هذا التطبيع، أسهمت البرامج الحوارية والخطابات الإعلامية في استخدام لغة التخوين، والتحقير، والسخرية من الخصوم، وتجريدهم من الكرامة الإنسانية، وتبرير الإيذاء المعنوي باسم الأمن أو الاستقرار. وأدى هذا العنف الرمزي والاستقطاب المجتمعي إلى تهيئة المناخ لتقبل العنف المادي في الشارع، وتقديم القوة بوصفها حلًا وبديلًا عن القانون والحوار.

كما رسّخ هذا الواقع ثقافة الأخذ باليد، والعدالة الانتقامية، والاستقواء، بدل الاحتكام إلى المؤسسات والقانون، في ظل تراجع الثقة في العدالة، وغياب دور الإعلام في كشف الانتهاكات ومساءلة المسؤولين عنها.

وفي السياق نفسه، أدى غياب المحاسبة الإعلامية وتآكل آليات الردع المهني إلى تراجع دور التحقيق الصحفي، واختفاء التحقيقات الاستقصائية الجادة، وتجاهل قضايا الاعتداءات اليومية، مع التركيز على الروايات الرسمية دون مساءلة.

وقد أسهم ذلك في تفكك المواثيق الأخلاقية الإعلامية، وانهيار المعايير المهنية، من خلال خلط الخبر بالرأي، والتحريض بدل التهدئة، وانتهاك الخصوصية، والتشهير بالأفراد، في ظل إفلات مقدمي البرامج والإعلاميين من أي مساءلة علنية أو مهنية.

وانعكس هذا التراجع الإعلامي على الشارع المصري في صور متعددة، من بينها تصاعد وتيرة العنف اليومي، وانتشار المشاجرات في الطرق ووسائل المواصلات، وتزايد العنف اللفظي، وانتشار ظواهر التنمر والتحرش، وتآكل الثقة في القانون، إلى جانب انتقال العنف إلى الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، عبر حملات التشهير، والسب الجماعي، والتحريض المنظم.

والخلاصة أن تصاعد العنف في الشارع المصري ليس ظاهرة منفصلة عن السياق الإعلامي، بل هو نتيجة مباشرة لخطاب إعلامي يبرر الإقصاء، ويغيب المحاسبة، ويهدر القدوة، ويضعف الثقة في العدالة والمؤسسات. فالإعلام، حين يتخلى عن دوره الأخلاقي والرقابي، لا يكون محايدًا، بل يتحول إلى شريك غير مباشر في إنتاج العنف.

ومن ثم، فإن استعادة دور الإعلام ليست مسألة مهنية فحسب، بل ضرورة اجتماعية ملحّة؛ فالإعلام القادر على الإدانة الواضحة للعنف، ومساءلة جميع الأطراف دون تمييز، والالتزام الصارم بالمواثيق الأخلاقية، يمثل أحد الشروط الأساسية للحد من العنف، وإعادة الاعتبار لفكرة المحاسبة، وبدون ذلك، سيظل العنف في الشارع تعبيرًا عن فراغ أخلاقي ورقابي خلّفه إعلام تراجع عن وظيفته الأساسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى