الإخوان المسلمون في مذكرات “هيلاري كلينتون”
حقيقة موقف الإدارة الأمريكية من مصر ومكوناتها السياسية (2009-2013م)
إعداد- مركز إنسان للدراسات الإعلامية
- من خطاب جامعة القاهرة 2009 إلى انقلاب 2013.."أوباما" يخذل ديمقراطية مصر
- حسني مبارك.. مستبد على شعبه.. خادم نشط للمصالح الصهيونية الأمريكية!!
- الرؤية الأمريكية لضرورة التغيير قبل ساعات من ثورات الربيع العربي
- كيف قيمت الإدارة الأمريكية أحداث ثورة يناير في بدايتها ولماذا كانت حريصة على بقاء مبارك؟
- هاجس صعود الإخوان استنفر إدارة أوباما للضغط على مبارك لتحقيق إصلاحات عاجلة
- هيلاري تشاطر "أبو الغيط" خوفه من "تحكم" الإسلاميين: "الانتخابات ليست كافية"!
- إدارة أوباما كانت تأمل بسيطرة مجموعات ليبرالية على الحكم بدلا من الإخوان أو الجيش
- فوز الإخوان بالرئاسة وضع الإدارة الأمريكية على "حبل مشدود" خوفا على "مصالحها الاستراتيجية"
- كيف تعامل الأمريكان مع مخاوف الأقباط من الإخوان؟ وكيف رأوا حكم مرسي و السيسي؟
- كيف حاولت هيلاري اختبار قدرة مرسي على تحقيق الأمن في سيناء؟ وما دلالة "مذبحة الحدود"؟
- قلق أمريكي إسرائيلي من رد فعل "مصر الثورة" على حرب غزة 2012 ومحاولة التوسط لدى "مرسي"
- هيلاري تعترف: مرسي رجل دولة نجح في وقف الحرب على غزة وإعادة مكانة مصر التاريخية
مقدمة:
عندما أصدرت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، هيلاري كلينتون، مذكراتها "خيارات صعبة" في 2014م، تناولتها وسائل إعلام معادية لجماعة الإخوان المسلمين، ومواقع تواصل تابعة لكل من مصر والسعودية والإمارات، على نحو مغاير لما ورد بها، حيث تعمدت تلك الوسائل والمواقع تحريف النصوص ولي أعناقها بهدف تشويه صورة الجماعة.
المذكرات جاءت في 600 صفحة بنسختها الإنجليزية الأصلية الصادرة عن دار "سيمون آند شوستر" في 10 يونيو 2014م، ونحو 637 صفحة في النسخة العربية التي اعتمدنا عليها في هذه القراءة، والتي نشرتها "شركة المطبوعات للتوزيع والنشر في بيروت" في طبعة أولى عام 2015م.
ما يخص مصر في مذكرات هيلاري ورد في الجزء الخامس المعنون بـ"الاضطرابات"(الصفحات من 297- 457 في الطبعة العربية)، ومنه بالأخص الفصل الرابع عشر بعنوان "الشرق الأوسط: مسار السلام المتقلقل"، والخامس عشر بعنوان "الربيع العربي: الثورة"، والعشرون بعنوان "غزة: خطة لوقف إطلاق النار"، أما الفصول الباقية من هذا الجزء وهي من السادس عشر حتى التاسع عشر، فتتناول الأوضاع في ليبيا وسوريا وإيران.
والحقيقة أن ما ورد بشأن جماعة الإخوان المسلمين في المذكرات هو شهادة لصالح الجماعة وليس ضدها، وهو في مجمله – برؤية تحليلية دقيقة- منصف للجماعة، إلا أنه يكشف حقيقة أن موقف الأمريكان من الإخوان هو موقف توجس وريبة وخوف من وصولهم إلى السلطة في أي وقت، لأسباب يراها الأمريكان تتعلق بمصالحهم الاستراتيجية والأمنية في المنطقة، ولتقديرهم أن وجود الإخوان في الحكم سيهدد حقوق الأقليات الدينية وبالأخص المسيحيين في مصر، ويهدد أمن إسرائيل.
في هذا التقرير نقدم قراءة تحليلية لما ورد بشأن مصر والإخوان المسلمين والرئيس مرسي، لنتعرف على منظور الإدارة الأمريكية (الديمقراطية في عهد أوباما) لنظام الحكم الذي كانت ترغبه في مصر، ونظرتها للإخوان ولطريقة إدارة الرئيس مرسي للحكم في البلاد، ولنكتشف إجمالا أن الأمريكان، ديمقراطيين كانوا أم جمهوريين، يفضلون لمصر – كما لبلدان المنطقة- حكما مستبدا مستقرا يلبي مصالحهم، على حكم ديمقراطي تعددي يخدم مصالح المصريين.
******
- من خطاب جامعة القاهرة 2009 إلى انقلاب 2013.."أوباما" يخذل ديمقراطية مصر
قالت كلينتون، في صفحة 311، ضمن حديث عن القضية الفلسطينية: "لقد أعاد خطابان مهمان تشكيل المشهد الدبلوماسي في يونيو 2009، أولا: في القاهرة عرض الرئيس أوباما إعادة تقويم طموحة وبليغة لعلاقة أمريكا بالعالم الإسلامي."
قصدت هيلاري بهذا خطاب أوباما من داخل جامعة القاهرة، والذي لم يرد بالطبع في مذكراتها لكنه قال فيه نصا: "لقد أتيت إلى هنا للبحث عن بداية جديدة بين الولايات المتحدة والعالم الاسلامي استنادا الى المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل وهي بداية مبنية على أساس حقيقة أن أمريكا والاسلام لا يعارضان بعضهما البعض ولا داعي أبدا للتنافس فيما بينهما بل ولهما قواسم ومبادئ مشتركة يلتقيان عبرها ألا وهي مبادئ العدالة والتقدم والتسامح وكرامة كل انسان".
ثم تحدث عن "بعض الأمور المحددة" التي كان يرى أنه يتعين على الأمريكان والمسلمين مواجهتها بجهد مشترك، وهي: مجابهة التطرف العنيف بكافة أشكاله، والوضع ما بين الاسرائيليين والفلسطينيين والعالم العربي، وحقوق الدول ومسئولياتها بشأن الاسلحة النووية، والديمقراطية، والحرية الدينية، وحقوق المرأة، والتنمية الاقتصادية.
وحول الديمقراطية تحديدا قال:"إن نظام الحكم الذي يسمع صوت الشعب ويحترم حكم القانون وحقوق جميع البشر هو النظام الذي أؤمن به… ومع ذلك يلازمني اعتقاد راسخ أن جميع البشر يتطلعون لامتلاك قدرة التعبير عن أفكارهم وآرائهم في أسلوب الحكم المتبع في بلدهم ويتطلعون للشعور بالثقة في حكم القانون وفي الالتزام بالعدالة والمساواة في تطبيقه ويتطلعون كذلك لشفافية الحكومة وامتناعها عن نهب أموال الشعب ويتطلعون لحرية اختيار طريقهم في الحياة. إن هذه الأفكار ليست أفكارا أمريكية فحسب بل هي حقوق إنسانية وهي لذلك الحقوق التي سوف ندعمها في كل مكان.
لا يوجد طريق سهل ومستقيم لتلبية هذا الوعد، ولكن الأمر الواضح بالتأكيد هو أن الحكومات التي تحمي هذه الحقوق هي في نهاية المطاف الحكومات التي تتمتع بقدر أكبر من الاستقرار والنجاح والامن. ان قمع الافكار لا ينجح أبدا في القضاء عليها. ان أمريكا تحترم حق جميع من يرفعون أصواتهم حول العالم للتعبير عن آرائهم بأسلوب سلمي يراعي القانون حتى لو كانت اراؤهم مخالفة لارائنا وسوف نرحب بجميع الحكومات السلمية المنتخبة شرط أن تحترم جميع أفراد الشعب في ممارستها للحكم.
إن الحكومة التي تتكون من أفراد الشعب وتدار بواسطة الشعب هي المعيار الوحيد لجميع من يشغلون مراكز السلطة بغض النظر عن المكان الذي تتولى فيه مثل هذه الحكومة ممارسة مهامها.. اذ يجب على الحكام أن يمارسوا سلطاتهم من خلال الاتفاق في الرأي وليس عن طريق الاكراه ويجب على الحكام أن يحترموا حقوق الاقليات وأن يعطوا مصالح الشعب الاولوية على مصالح الحزب الذي ينتمون إليه".
برغم هذا الكلام القاطع خذلت إدارة أوباما الديمقراطية الوليدة في مصر بعد ثورة يناير 2011م، إذ بدا موقفها مضطربا في البداية من انقلاب 2013م على أول رئيس مدني منتخب، ثم سرعان ما تعاملت مع الانقلاب على أنه أمر واقع، بل وصل الأمر حد "تواطؤ الإدارة مع السيسي".
كان الموقف الرسمي الأمريكي إزاء الانقلاب العسكري في مصر يوم الثالث من يوليو 2013 يدل على "انتقائية" واشنطن للتجارب الديمقراطية؛ فقد عدت الولايات المتحدة أحداث 30 يونيو انتفاضة شعبية ضد الرئيس محمد مرسي، إذ جاء على لسان المتحدث باسم البيت الأبيض، غاي كارني: "إن الرئيس مرسي لم يكن يحكم بطريقة ديمقراطية وإن ملايين المصريين خرجوا للشوارع والميادين مطالبين بعزله وهم يرون أن مساندة الجيش لهم لا تشكل انقلاباً".
وعلى الرغم من إشادة الرئيس الأمريكي السابق "باراك أوباما" بالعملية الديمقراطية في مصر عبر مكالمة هاتفية مع الرئيس محمد مرسي قُبيل الانقلاب بيومين، إلا أن الموقف الرسمي الأمريكي "وقع" في حيرة من أمره، كون مصر تمثل عمقاً استراتيجياً للمصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي. وبالتالي، فإن مصالحها وأهدافها تقتضي التصرف وفق "المصلحة القومية العليا" على حساب مبادئ العقيدة الأمريكية "الديمقراطية".
في ذلك الوقت، صورت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية "جين باكي" الصورة الأوضح في الموقف الرسمي الأمريكي: "لم تكن حكومة مرسي تشكل حكماً ديمقراطياً، وخرج حوالي 22 مليون مصري للتعبير عن آرائهم وإظهار أن الديمقراطية ليست مجرد الفوز في صناديق الاقتراع"!.
وكشف تقرير، أعده مدير مكتب صحيفة "نيويورك تايمز" السابق في القاهرة ديفيد كيركباتريك، في يوليو 2018م، الموقف الحقيقي لأهم أعضاء إدارة ترامب من الإخوان المسلمين، ومن تيارات الإسلام السياسي بشكل عام. وبحسب ترجمة أعدتها صحيفة "عربي 21" تضمن التقرير ما يلي:
أولا- خلافا للاعتقاد السائد بأن أوباما كان الرجل القوي في البيت الأبيض، فإنه في الحقيقة كان مكبلا بخصوص دعم انتفاضات الربيع العربي. فقد كان الرئيس يعاني من خلافات داخل إدارته تجاه "نفس القضايا التي تحدد الآن معالم سياسة ترامب"، مثل "طبيعة التهديد الذي يشكله الإسلام السياسي، وضرورة الوفاء للحلفاء الطغاة مثل حكام الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، وصعوبة تحقيق تغير ديمقراطي في مصر وفي المنطقة"، بحسب التقرير.
لقد انقسمت الإدارة إلى طرفين حسب التقرير، طرف يمثله أوباما ومستشاروه ويدفع باتجاه "إحداث تغيير في السياسة الأمريكية القائمة والتأسيس لعلاقة جديدة مع العالم العربي بهدف مواجهة التطرف المعادي للغرب وقطع الطريق عليه"، ويحث "على ضرورة احترام نتائج الانتخابات الحرة في مصر"، فيما وقف معظم المسؤولين في إدارته في الجانب الآخر، وكانوا يعبرون "عن مخاوف قديمة متجددة من الخطر الكامن في الإسلامي السياسي" ويروجون لوجود "عقبات تحول دون نجاح الديمقراطية في مصر".
ولكن أوباما استسلم لوجهة نظر الفريق المناهض له، عندما قبل باستيلاء العسكر على السلطة، بعد يوم واحد من الإطاحة بالرئيس مرسي.
ثانيا- مارس بعض رموز إدارة أوباما ما يمكن أن يعتبر "خيانة" لتعليمات الرئيس أوباما تجاه الانقلاب في مصر. فعلى سبيل المثال كان البيت الأبيض يرسل إلى وزير الدفاع تشاك هيغل أفكارا يقصد منها تحذير السيسي من الانقلاب، ومن عقوبات أمريكية في حالة الإطاحة بالرئيس المنتخب، ولكن هيغل أوصل رسالة مختلفة تماما كما أكد مسؤول كبير سابق في مجلس الأمن القومي لكاتب التقرير، حيث كان يؤكد للسيسي حرص الولايات المتحدة على علاقات جيدة مع مصر بدلا من تحذيره من خطورة الانقلاب على الديمقراطية.
ويقول كاتب التقرير إن هيغل أخبره في مقابلة عام 2016 أنه خاطب السيسي قائلاً: "أنا لا أعيش في القاهرة، أنت تعيش فيها. عليك أن تصون أمنك وأن تصون بلادك".
ويبدو من هذه التفاصيل، أن هيغل كان ينقل للسيسي ما يؤمن به هو وليس ما يرغب أوباما بنقله، وهو ما يؤكد أن القيادات العسكرية الأمريكية ضالعة في دعم الانقلاب، وأنها تفضل أن تستمر بالتعامل مع العسكريين المصريين، بحكم العلاقة الوثيقة بين الطرفين منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد.
ثالثا- يكشف التقرير تفاصيل عن الاتصال الأخير بين الرئيس أوباما والرئيس مرسي في الأول من تموز/ يوليو 2013، حيث حث أوباما مرسي على التوصل إلى تسوية مع معارضيه المدنيين بحيث تتحول رئاسته إلى حكومة وحدة وطنية تقريباً، فيما شكره مرسي على النصيحة وأخبره بأنها "متأخرة"، لأن مرسي كان فعليا في ذلك الوقت محتجزا في مقر الحرس الجمهوري بالقصر الرئاسي.
ويدل هذا الاتصال على سقوط الرواية التي روجتها وسائل إعلامية مصرية مرتبطة بالانقلاب بخصوص دعم إدارة أوباما لحكومة مرسي، إذ أن أقصى ما قام به الطرف الأقل حماسا للانقلاب في هذه الإدارة هو تقديم النصيحة المتأخرة لمرسي بعقد تسوية مع معارضيه.
رابعا- يكشف التقرير توافقا سعوديا إماراتيا إسرائيليا تجاه رفض الديمقراطية في مصر، والعداء مع الرئيس مرسي وجماعة الإخوان المسلمين. فقد مارست كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، ضغوطا كبيرة على إدارة أوباما لدعم الانقلاب العسكري، ولإقناع واشنطن بخطر الإخوان المسلمين والرئيس مرسي على المصالح الأمريكية، بسبب "ذعرهما من الانتخابات ومن فكرة اعتبارها إسلامية"، فيما مارست إسرائيل ضغوطا مشابهة بسبب خوفها من تهديدات للحدود ودعم لحركة حماس من مصر تحت حكم الرئيس مرسي.
وقد أخبر وزير الدفاع الأمريكي السابق تشاك هيغل كاتب التقرير، في مقابلة أجريت عام 2016م، بأنه كان محاصراً بالشكاوى الموجهة ضد الرئيس مرسي من إسرائيل والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وقال السيد هيغل إن ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان، الحاكم الفعلي للإمارات ورئيس قواتها المسلحة، وصف جماعة الإخوان المسلمين بأنها "باتت اليوم العنصر الأخطر على الأرض في الشرق الأوسط"، وأكد هيغل أنه اتفق معهم جميعاً وأنه سعى إلى طمأنتهم قائلاً للإماراتيين: "إن الإخوان المسلمين خطرون ونحن ندرك ذلك".
كما يكشف التقرير أن مسؤولين أمريكيين علموا بعد الانقلاب العسكري، أن الإمارات كانت توفر دعماً مالياً سرياً لتنظيم الاحتجاجات ضد الرئيس مرسي.
خامسا- خلافا لما تروجه السلطات المصرية عن أن الانقلاب كان قرارا مصريا خالصا، يؤكد التقرير أن المسؤولين العسكريين نسقوا مبكرا مع قادة الجيش المصري للإطاحة بمرسي، وأن هؤلاء المسؤولين أصبحوا يتحاورون بشكل دائم مع نظرائهم المصريين منذ ربيع عام 2013 حول "الهموم المتبادلة حول الرئيس مرسي".
سادسا- لم يكن تأييد الانقلاب مقتصرا على المسؤولين العسكريين، بل إن رئيس الدبلوماسية الأمريكية وزير الخارجية في إدارة أوباما جون كيري كان من أشد المتحمسين للانقلاب، خلافا لما روجته وسائل إعلامية تابعة للسلطة في مصر.
ويكشف التقرير أن كيري، المعروف بعلاقاته المتميزة مع أمراء خليجيين منذ أن كان عضوا في مجلس الشيوخ، ظل يعبر باستمرار عن ارتيابه وعدم ثقته بالإخوان المسلمين. وعندما زار القاهرة لأول مرة كوزير للخارجية في مارس/ آذار من عام 2013، لم يعجبه الرئيس مرسي وشكل عنه انطباعاً سلبياً.
كما علم وزير الخارجية جون كيري بشكل مبكر عن الانقلاب أثناء لقائه بوزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي على انفراد، بعد يومين من لقائه بمرسي. ويشير كاتب التقرير ديفيد كيركباتريك إلى أن كيري أخبره فيما بعد أن الجنرال السيسي قال له في ذلك اللقاء "أنا لن أسمح لبلدي بأن تنساب في المجاري." وأنه أدرك حينها أن "الطبخة قد أعدت لمرسي"، وأضاف كيركباتريك أن كيري أخبره بأنه شعر جزئياً بالارتياح لأنه خلص إلى أن الجنرال السيسي على استعداد للتدخل.
سابعا- يكشف التقرير أن السياسة الأمريكية لا تقوم على أسس "أخلاقية" بل إنها مرتبطة تماما بالمصالح، ويبدو هذا واضحا من الدور الذي لعبه جون كيري في إقناع الرئيس أوباما بأن ما جرى في مصر ليس انقلابا، قبل أن يبرر موقفه هذا في وقت لاحق بكون الولايات المتحدة بحاجة إلى السعوديين والإماراتيين والإسرائيليين من أجل أولويات أخرى، وأنه لم يكن يرغب "في الدخول معهم في مشاكسة حول أمر يتضح من التاريخ أنه الطريقة التي تعمل بها مصر".
ثامنا- يكشف التقرير حقيقة باتت مكررة عن تأييد "إسرائيل" للسيسي حتى قبل تنفيذ الانقلاب، حيث كان الزعماء الإسرائيليون قد قالوا لوزير الدفاع تشاك هيغل إنهم يعولون على الجنرال السيسي لأنهم كانوا قلقين من أن يقوم الإخوان المسلمون بتهديد الحدود أو بمساعدة حماس. بينما كان الجنرال السيسي نفسه قد أخبر السيد هيغل بأنه "توجد بعض القوى الشريرة جداً على الأرض – أنتم لا تستطيعون فهمها كما نفهمها نحن هنا".
تاسعا- يكشف التقرير الموقف الحقيقي لبعض رموز إدارة أوباما، الذين أصبحوا أعضاء مؤثرين فيما بعد في إدارة ترامب، من "الإسلام السياسي"، ويؤكد أن رفضهم للإسلاميين لا يتعلق بتورط بعض الجماعات الإسلامية بالعنف، بل بكونهم إسلاميين أصلا بغض النظر عن طبيعة الأفكار التي يتبنونها.
ومن الأمثلة على ذلك وزير الدفاع جيمس ماتيس، الذي يرى أن الإخوان المسلمين ما هم سوى لون آخر من ألوان القاعدة، وأن الإسلاميين "كلهم يسبحون في نفس البحر"، وهو تقريبا نفس الرأي الذي يحمله مايكل فلين رئيس وكالة الاستخبارات العسكرية أثناء إدارة أوباما ومستشار الأمن القومي السابق لترامب، الذي صرح بأن الإخوان المسلمين والقاعدة "يحملون نفس الأيدولوجيا".
وقد أعلن ماتيس أكثر من مرة تأييده لرئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي، وصرح في ندوة قبل تعيينه وزيرا للدفاع بأن دعم السيسي ضروري "لتقليص كم الأمور السلبية التي تحيط بالدين الإسلامي".
وبعد أن نصَّب السيسي نفسه رئيسا للبلاد في 8 يونيو 2014م بعد انتخابات صورية، استقبله أوباما صبيحة الجمعة 29 سبتمبر 2014م، على هامش اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك وقيل ساعتها إن أوباما "طالب السيسي بإطلاق سراح الصحفيين المحتجزين"، إضافة إلى "إعرابه عن قلقه البالغ إزاء وضع حقوق الإنسان في مصر".
ووصف الرئيس الأمريكي العلاقة الطويلة بين الولايات المتحدة ومصر، في مؤتمر صحفي قبيل اللقاء، بأنها "حجر الزاوية بالنسبة للسياسة الأمنية الأمريكية في الشرق الأوسط".
الخلاصة أن الموقف الأمريكي تجاه الانقلاب والمتمثل في دعم الحكومة اللاحقة، يعكس في الواقع أهمية الرهانات التي تعقدها الولايات المتحدة على ذلك الانقلاب، وسعيها إلى إعادة العلاقات المصرية الأمريكية إلى ما قبل ثورة 25 يناير 2011م.
******
- حسني مبارك.. مستبد على شعبه.. خادم نشط للمصالح الصهيونية الأمريكية!!
تتحدث "كلينتون" في صفحة 318، عن استضافة مصر لمؤتمر للسلام الفلسطيني الإسرائيلي في شرم الشيخ في سبتمبر 2010م، ثم تعلق:"كان مضيفنا هذه المرة الرئيس مبارك، الذي ناصر بشدة حل الدولتين والسلام في الشرق الأوسط، على الرغم من أنه مستبد في بلاده".
هكذا كانت ترى الإدارة الأمريكية مبارك وحكمه، إلا أنها حتى تلك الساعة لم تكن تحرك ساكنا بشأن الديمقراطية وحقوق الإنسان في مصر.
مبارك المستبد هذا خدم مصالح إسرائيل بشكل مرضي عنه أمريكيا، وقدم مبادرة سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين في يونيو/ حزيران 1989، وفق إعلان رسمي، وظل وسيطا مسيَّرا في هذا المضمار 20 عاما، إلى أن جاء "السيسي" وأكمل المهمة ولكن بشكل منحاز تماما للصهاينة، وبعمالة مكشوفة.
تقول كلينتون في مذكراتها، صفحة 324:"لم أكن المسئولة الأمريكية الأولى التي تضغط من أجل تحقيق الإصلاح، فوزيرة الخارجية كوندوليزا رايس زارت مصر في عام 2005، وأدلت باعتراف لافت:"طوال نصف قرن اختارت الولايات المتحدة السعي إلى الأمن على حساب الديمقراطية ولم تحقق أي منهما".
سيختلف الأمر من الآن وصاعدا، على ما وعدت، ودعا الرئيس أوباما أيضا إلى إصلاحات ديمقراطية، بعد أربعة أعوام، في خطاب مهم ألقاه في القاهرة.
وعلى الرغم من كل هذا الكلام الملقى علنا، وآخر صريح أكثر قيل سرا، والجهود الحثيثة للشعوب بمختلف مكوناتها وطبقاتها لحمل بلدانها إلى الحرية والازدهار بقيت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معظمها حتى العام 2011، سجينة الركود السياسي والاقتصادي. خضعت دول كثيرة للأحكام العرفية طوال عقود، وتفشى الفساد في المنطقة علي كل المستويات، خصوصا أعلاها.
كانت الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع شبه معدمة أو مقيدة في إحكام. والأنظمة القضائية غير حرة أو غير مستقلة، والانتخابات إذا أجريت فمزورة غالبا. هذا الوضع المؤسف في إدارة شئون الدول بلغ حدا مأساويا في نوفمبر 2010 حين أجرت مصر انتخابات برلمانية معيبة قضت تقريبا على الرموز السياسية المعارضة".
كانت تلك آخر انتخابات فى عهد حسني مبارك، وكما وصفها البعض بأنها "القشة التى قصمت ظهر البعير"، فحجم التزوير الفج الذى مارسه النظام فاق الخيال، والذى أسفر عن سقوط جميع مرشحى الإخوان في الجولة الأولى التي أجريت يوم 28 نوفمبر 2010م، بجانب اعتقال الآلاف.
وفي 4 ديسمبر 2012م، يوم إجراء الجولة الثانية، أعلن الإخوان المسلمون وحزب الوفد انسحابهم من الانتخابات لما شابها من تزوير وترويع أمني في المرحلة الأولى.
وسبق تلك الانتخابات البرلمانية استعدادات امنية كبيرة، برزت فيها اتهامات بالمسؤولية متبادلة بين أجهزة النظام الحاكم بزعامة الحزب الوطني الديموقراطي المهيمن والمتسلط على رقاب الناس في البلاد ، والمعارضة المتعاظم قوتها شعبيا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا، وما صاحب ذلك من أعمال عنف وترهيب وترغيب في الآن ذاته، بين الحزب الحاكم والمعارضة بكل أطيافها.
رغم هذا الاحتقان الداخلي، كان حسني مبارك مشغولا ومهتما جدا بتحقيق مصالح الصهاينة. تقول هيلاري في صفحة (325): "بينما كنت أتحضر لزيارة الشرق الأوسط مجددا. تعاملت كثيرا عامي 2009 و 2010 مع الرئيس المصري حسني مبارك وملك الأردن عبدالله الثاني، لجمع الزعيمين الإسرائيلي والفلسطيني وإجراء محادثات سلام مباشرة، لنشهد انهيارها بعد ثلاث جولات من المفاوضات المهمة.
وفي صفحة (330)، تقول كلينتون:"التقيت مبارك خلال أعوام، قدرت دعمه الثابت لاتفاقات كامب ديفيد والتوصل إلى حل الدولتين للإسرائيليين والفلسطينيين، حاول كثيرا، أكثر من أي زعيم عربي، إقناع عرفات بقبول اتفاق السلام الذي فاوض عليه زوجي عام 2000، ولكن على الرغم من شراكته مع الولايات المتحدة على أمور استراتيجية رئيسة، خيب الآمال بعدما أمضى في السلطة أعواما طويلة وظل نظامه يحرم الشعب المصري معظم حرياته الأساية وحقوق الإنسان ويسئ إدارة الاقتصاد. تحت حكم مبارك كافح البلد الذي عرفه المؤرخون باسم "سلة الخبز في العصور القديمة" لإطعام شعبه وأصبح أكبر مستورد للقمح في العالم".
******
- الرؤية الأمريكية لضرورة التغيير قبل ساعات من الربيع العربي
وجهة نظر الإدارة الأمريكية في حالة الاحتقان السياسي في مصر وغيرها من الدول العربية لخصتها هيلاري كلينتون بقولها (ص 324 وما بعدها): "بدا أن معظم زعماء السلطة وسماسرتها في المنطقة مستعدون لمواصلة إدراة الشؤون العامة فيها على ما كانت الحال دوما، على الرغم من كل المشكلات.
أما الإدرات الأمريكية المتعاقبة، وعلى الرغم من نياتها الحسنة، فإن الواقع اليومي لسياستها الخارجية أعطى الأولوية للضرورات الاستراتيجية والأمنية الملحة، من مثل مكافحة الإرهاب ودعم إسرائيل والحد من طموحات إيران إلى امتلاك السلاح النووي، على حساب الهدف الطويل الأمد الذي يقضي بتشجيع الإصلاحات الداخلية في دول شركائنا العرب.
ومما لاشك فيه أننا ضغطنا على الزعماء في شأن الإصلاح، لأنه يعزز الاستقرار والازدهار الشامل على الأجل الطويل، لكننا انخرطنا معهم أيضا في مجموعة واسعة من المخاوف الأمنية، ولم نأخذ جديا في الحسبان قطع علاقاتنا العسكرية معهم.
ولقد تحدثت مع ما يكفي من الزعماء العرب طوال أعوام، لأدرك أن معظمهم غير راض عن بقاء الأمور على ما هي عليه، يريدون التغيير شرط أن يتم في بطء.
بحثت عن سبل لبناء علاقات شخصية معهم وثقة متبادلة، وفهم وجهات نظرهم الثقافية والاجتماعية التي تؤثر في تصرفاتهم، والدفع إلى التغيير متى رأيت ذلك ممكنا.
فشل الزعماء العرب، ومعظمهم شركاء أمريكا، في استيعاب الحاجة إلى التغيير، فإنهم يخاطرون بفقدان السيطرة على مواطنيهم الشباب والمهمشين ويشرعون الأبواب أمام الاضطرابات والصراعات والإرهابيين. هذا هو الرأي الذي سأعلنه من دون المجاملات الدبلوماسية المعتادة التي تميع الرسالة".
وبالفعل وجهت كلينتون رسالتها للزعماء العرب في في افتتاح "منتدى المستقبل" في الدوحة يوم الخميس 13 يناير 2011 قبل انطلاق شرارة الربيع العربي في تونس في اليوم التالي، قالت "هيلاري": "يمكنكم المساعدة على بناء المستقبل الذي تؤمن به شعوبكم الفتية وتناصره وتدافع عنه، وإن لم يحدث ذلك فالجمود الراهن الذي يتمسك به البعض قد يكون قادرا على لجم التأثير الكامل لمشكلات بلدانهم لبعض الوقت ولكن ليس إلى الأبد".
وبحسب كلينتون فإن "آخرين سيملاون الفراغ" اذا ما فشل القادة في إعطاء رؤية ايجابية "للشباب وسبل حقيقية للمشاركة".
واعتبرت أن: "العناصر المتطرفة والمجموعات الارهابية والجهات الاخرى التي تتغذى من الفقر واليأس، موجودة على الارض وتنافس على النفوذ (…) لذا انها لحظة دقيقة واختبار للقيادة بالنسبة لنا جميعا".
تقول كلينتون:"حين انتهيت علق الصحفيون الأمريكيون الذين يرافقونني في جولتى على كلامي القاسي في رأيهم. تساءلت: هل يلي ذلك إجراء؟".
******
- كيف قيمت الإدارة الأمريكية أحداث ثورة يناير في بدايتها ولماذا كانت حريصة على بقاء مبارك؟
تقول كلينتون في مذكراتها (ص 329 وما بعدها): "في 25 يناير تفاقم الاحتجاجات في القاهرة ضد إجراءات الشرطة الوحشية، وتحولت تظاهرات إلى ضخمة ضد نظام حسني مبارك الاستبدادي. احتل عشرات آلاف المصريين ميدان التحرير في وسط العاصمة، وقاوموا جهود الشرطة لإجبارهم على التفرق. يوما بعد يوم تضاعفت الحشود في الساحة وصوبت على هدف واحد: خلع حسني مبارك عن رأس السلطة.
وقد عرفت حسني مبارك وزوجته سوزان منذ حوالي 20 عاما، … أصيب مبارك في الهجوم المتطرف الذي اغتال السادات عام 1981، لكنه نجا وغدا رئيسا وقمع، في صرامة، الإسلاميين والمعارضين الآخرين، حكم مصر مثل فرعون بسلطة شبه مطلقة طوال ثلاثة عقود".
وتتابع: "وضعت احتجاجات مصر إدارة أوباما أمام وضع دقيق، عُد مبارك حليفا استراتيجيا رئيسا طوال عقود، على الرغم من أن مثل أمريكا العليا تنسجم أكثر مع الشباب الداعي إلى "الخبز والحرية والكرامة". حين سألني صحفي عن الاحتجاجات في يومها الأول، سعيت إلى إجابة مدروسة تعكس مصالحنا وقيمنا، فضلا عن عدم اليقين المحيط بالوضع، تجنبا لصب مزيد من الزيت على النار فقلت: نحن ندعم الحق الأساسي في حرية التعبير والتجمع لجميع الناس، ونحث جميع الأطراف على ضبط النفس ونبذ العنف، لكن الحكومة المصرية مستقرة وفق تقييمنا، وتبحث عن سبل لاستجابة احتياجات الشعب المصري ومطالبه المشروعة، وتبين أن النظام غير مستقر، لكن قلة من المراقبين أمكنها توقع حد هشاشته.
وقد انضم الرئيس أوباما في 28 يناير إلى اجتماع لفريق الأمن القومي في غرفة العمليات في البيت الأبيض، وطلب منا توصيات تتعلق بطبيعة التعامل مع أحداث مصر، دار النقاش حول الطاولة وغصنا مجددا في الأسئلة التي أربكت صناع السياسة الأمريكية أجيالا: كيف يمكننا تحقيق التوازن بين المصالح الاستراتيجية والقيم الأساسية؟. هل نستطيع التأثير بنجاح في شئون الدول الأخرى الداخلية وتغذية الديمقراطية حيث لم تنشأ يوما من دون تكبد عواقب سلبية غير مقصودة؟ ماذا يعنى أن تتخذ الجانب الصحيح من التاريخ؟"
وانجرف بعض مساعدي الرئيس أوباما في البيت الأبيض، من مثل كثر غيرهم من الشباب في العالم، في درامية تلك اللخظة ومثاليتها، وهم يشاهدون الصور من ميدان التحرير على التليفزيون، اندمجوا مع التطلعات الديمقراطية للمتظاهرين المصريين الشباب ومعرفتهم العلمية والتكتكنولوجية.
في الواقع، تأثر الأمريكيون من كل الأعمار والاتجاهات برؤيتهم هذا الشعب الذي قمع طويلا يطالب أخيرا بحقوق الإنسان العالمية، ونفروا من القوة المفرطة التي استخدمتها السلطات ردا عليهم. شاطرتهم هذا الشعور، فاللحظة كانت مثيرة، لكننى قلقت، على ما فعل نائب الرئيس بايدن ووزير الدفاع بوب غايتس، ومستشار الأمن القومي توم دونيلون، ألا نُعد كأننا نتخلى عن شريك قديم، لنسلم مصر وإسرائيل والأردن والمنطقة ككل إلى مصير مجهول وخطر.
أما الحجج التي تشير إلى وقوف أمريكا وراء المتظاهرين، فتتجاوز النظرة إلينا كمثاليين. كانت مناصرة الديمقراطية وحقوق الإنسان في صلب قياتنا للعالم أكثر من نصف قرن. نعم تهاونا من حين إلى آخر بهذه القيم خدمة لمصالحنا الاستراتيجية والأمنية، بما يشمل الدعم البغيض للطغاة المناهضين للشيوعية خلال الحرب الباردة، مع نتائج مختلفة، ولكن صعب علينا اللجوء إلى هذه التسويات أمام الشعب المصري المطالب بحقوقه المشروعة والفرص التي قلنا دائما إنه، وجميع الشعوب، يستحقونها.
وفيما بدا ممكنا في السابق التركيز على مبارك، الذي دعم السلام والتعاون مع الإسرائيليين ومطاردة الإرهابيين، بات من المستحيل راهنا إنكار الحقيقة وهي أنه مستبد ذو قبضة حديدية، رأس نظاما فاسدا ومتحجرا.
وعلى الرغم من ذلك، تبقى من الأولويات الملحة المصالح الأمنية الوطنية التي دفعت الإدارات السابقة إلى المحافظة على علاقات وطيدة مع مبارك: مازالت إيران تحاول بناء ترسانتها النووية، وتنظيم القاعدة يخطط لهجمات جديدة، أما قناة السويس فطريق حيوية للتجارة، وأمن إسرائيل ضروري جدا، على ما كان دائما.
كان مبارك شريك في كل هذه المجالات على الرغم من مشاعر شعبه المناهض لأمريكا والمعادي لإسرائيل. خدمت بلاده بصفة كونها محورا للسلام في منطقة مضطربة، هل نحن مستعدون للتخلي فعلا عن هذه العلاقة بعد 30 عاما من التعاون؟
وإذا قررنا أنه الخيار الصحيح، كان يستحيل تبيان مقدار التأثير الذي يمكن أن نتركه على الأحداث الميدانية، فخلافا للاعتقاد السائد بمنطقة الشرق الأوسط لم تكن الولايات المتحدة يوما محرك دمى قويا قادرا على تحقيق النتائج التي يريدها.
ماذا لو طلبنا من مبارك التنحي ورفض وتمكن من البقاء في السلطة؟ ماذا لو تنحى وتلت ذلك مرحلة طويلة من الفوضى الخطرة، أو حكومة غير ديمقراطية تخلفه، تعارض بشدة مصالحنا واهتماماتنا الأمنية؟ في الحالين ستختلف علاقتنا عما كانت عليه ويُقوض نفوذنا في المنطقة، وسيرى الشركاء الآخرون طريقة تعاملنا مع مبارك فيفقدون الثقة بعلاقتهم معنا.
بهذه الأقوال لهيلاري كلينتون يتضح جليا أن الإدارة الأمريكية كانت متفاجئة من ثورة مصر ومرتبكة في تقدير مآلاتها في الوقت نفسه، إلا أن المؤكد من كلامها أن أمريكا كانت- ومازالت- تتعامل مع حكام المنطقة كقطع شطرنج تديرهم لتحقيق مصالحا، دون أي اعتبار لتطلعات الشعوب، وبعيدا عن أي قيم توهم العالم بأنها تؤمن بها.
وتقر هيلاري بهذه الأقوال، وللمرة الثانية في سياق مذكراتها، أن مبارك كان خادما قويا للمصالح الأمريكية الإسرائيلية، مستبدا شديد الاستبداد على شعبه.
كانت ثورة يناير أقوى اختبار لمصداقية الإدارة الأمريكية في قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان لكنها أخفقت في هذا الاختبار عندما خذلت الثورة المصرية.
******
- هاجس صعود الإخوان استنفر إدارة أوباما للضغط على مبارك لتحقيق إصلاحات عاجلة
عبرت هيلاري كلينتون عن خوف الإدارة من صعود الإخوان للحكم إذا نجحت ثورة يناير، مقدمة لذلك بمثال الثورة الإيرانية التي قالت عنها:" ثبت تاريخيا ان الانتقال من الديكتاتوريه إلى الديمقراطيه محفوف بالمخاطر وتنجم عنه، في سهولة، أخطاء فادحة. في إيران عام 1979،على سبيل المثال، قبض المتطرفون على الثورة الشعبية الواسعة ضد الشاه وأنشأوا ثيوقراطيه وحشية. إذا حدث أمر مشابه في مصر فستحل كارثة على شعبها وعلى المصالح الإسرائيليه والأمريكيه كذلك".
وقالت (ص 332): "على الرغم من حجم الاحتجاجات في ميدان التحرير، افتقدت إلى القيادة، ودفعتها وسائل التواصل الاجتماعي وتواتر الأخبار، بدلا من حركة معارضة متماسكة بعد أعوام على حكم الحزب الواحد، لم يحسن المتظاهرون في مصر الاستعداد لخوض انتخابات حرة أو بناء مؤسسات ديمقراطية ذات صدقية.
على نقيض ذلك كانت جماعة الاخوان المسلمين المنظمة الإسلامية التي تأسست قبل ثمانين عاما، في موقع جيد يمكنها من ملء الفراغ إذا سقط النظام".
وتابعت: "أجبر مبارك الاخوان المسلمين على العمل سرا، وانتشر أتباعهم في أرجاء البلاد، وكانوا ذوي نفوذ محكمي التنظيم. نبذت الجماعة العنف وتخلت عن السلاح وبذلت جهودا لكي تظهر معتدله ولكن كان من المستحيل أن نعرف كيف ستتصرف و ما الذي سيحدث إذا تمكنت من القبض على الحكم.
وقد دفعتني كل هذه الآراء إلى التمهل ونُصحت بوجوب التزام الحذر، ووافقني في ذلك نائب الرئيس وغايتس ودونيلون. اذا سقط مبارك، على ما قلت للرئيس "قد تنصلح الأمور بعد 25 عاما، ولكن حتى ذلك الوقت ستكون المرحلة قاسية على الشعب المصري والمنطقة، وعلينا"، لكنني عرفت أن الرئيس لن يستريح فيما المتظاهرون يتعرضون للضرب والقتل في الشوارع. أحتاج الى مسار يحث مصر على الاتجاه نحو الديمقراطيهة، وإنما يجنبها الوقوع في الفوضى إذا انهار النظام فجاة.
وحاولت في البرنامج التلفزيوني "ميت ذي بريس" (لقاء مع الصحافة)، الأحد 30 كانون الثاني/ يناير إرساء دعائم نهج دائم "يعتمد الاستقرار طويل الأمد على استجابة احتياجات الشعب المصري المشروعة، وهو ما نريد أن يحدث"، وعليه، على ما قلت نأمل في أن نشهد "انتقالا سلميا ومنظما إلى النظام الديمقراطي"، وقد استعملت كلمة "منظم" بدلا من فوري عمدا، على الرغم من أنه لا يحظى بتاييد بعض الأوساط في البيت الأبيض.
أراد البعض في فريق عمل الرئيس أن ألمح إلى تنحى مبارك أو أن أطالب به، لكنني التزمت رأيي. من الضروري أن يساعد خطابي مصر على تحقيق معظم الإصلاحات التي يسعى إليها المحتجون بطريقة سليمة وهادئة بدلا من التسرع الذي قد تنجم عنه صدمة قاسية على الجميع، وهو ما يجب ان يعتمده في تصريحاتهم ايضا أعضاء الإداره الآخرون.
وحين تحدث ذلك الأسبوع مع وزير الخارجية المصرية أحمد أبو الغيط حثثت الحكومة المصرية على التحلي بضبط النفس وإبداء الاستعداد للاستجابه لمطالب الشعب. "سيكون صعبا على الرئيس مبارك أن يطرح هذه القضيه ويسمعه الشعب بعد 30 عاما إلا إذا أجرى انتخابات حرة ونزيهة من دون أن يحاول تدبير خلف له يفرض فرضا" على ما قلت لأبي الغيط "هذا العمل لا يمكن إتمامه غدا"، على ما أجاب "تقتضي الأحداث الآنية تهدئة الشعب وإعادة الاستقرار إلى البلاد".
لكن مبارك لم يكن يصغي حتى عندما تصاعدت حدة الاضطرابات وبدت سيطرة النظام على البلاد تضعف. ألقى خطابا مملوءا بالتحديات في وقت متقدم من ليل 29 كانون الثاني/ يناير أقال فيه كثر من وزراء حكومته لكنه رفض الاستقالة أو الحد من ولايته الرئاسية.
وقد أوصيت الرئيس أوباما بأن يوفد مبعوثا خاصا من قبله؛ ليتحدث مع مبارك وجها لوجه ويقنعه بإعلان حزمة قوية من الإصلاحات، بما يشمل وضع حد لقانون حالة الطوارئ القمعي الذي يسري في البلاد منذ العام 1981م، وتعهد عدم الترشح إلى الانتخابات المقررة في أيلول/ سبتمبر، والاتفاق على عدم تعيين ابنه جمال خلفا له. قد لا ترضي هذه الخطوات الجميع، لكنها ستعد تنازلات مهمة وتتيح الفرصة امام المحتجين لينتظموا قبل الانتخابات.
واقترحت لهذه المهمة الدقيقة فرانك ويزنر، أحد كبار الدبلوماسيين المتقاعدين، والذي عين سفيرا في مصر بين العامين 1986 و 1991 وجمعته بمبارك علاقة صداقة قوية، وأمضيا ساعات يتناقشان في شئون المنطقة والعالم، و مثل صديقه ريتشارد هولبروك تدرب ويزنر على الدبلوماسية شابا في فيتنام قبل أن يمثل بلادنا في كل النقاط الساخنة في العالم.
أدركت أن ما من أمريكي يمكنه الوصول إلى مبارك وإقناعه مثل ويزنر، لكن البعض في البيت الأبيض شكك في ويزنر ومهمته.أصدروا حكما قاطعا بخسارة مبارك، وبدأ الرئيس اوباما يفقد صبره، لكنه وافقني أخيرا على إعطاء الدبلوماسية فرصة أخرى.
التقى ويزنر مبارك في 31 كانون الثاني/ يناير ونقل إليه رسالتنا، استمع مبارك لكنه لم يتزحزح عن موقفه قيد أنملة، بدا منهكا وربما حتى مشوشا مما يدور حوله من أحداث.
وقد ساءت الأوضاع أكثر في القاهرة. تدخل أنصار النظام بالقوة في التظاهرات واشتبكوا مع المحتجين، واجتاح رجال يحملون الهراوات وأسلحة أخرى ميدان التحرير على ظهور الجمال والخيول، وانهالوا على الناس بالضرب، وشجوا رؤوس البعض. اتصلت بنائب الرئيس سليمان لأوضح له أن هذا القمع العنيف غير مقبول إطلاقا، فلم تكرر القيادة المصرية هذا التكتيك في الأيام التالية".
يتضح من هذا الكلام جليا، أن الإدارة الأمريكية كانت تراهن على بقاء مبارك في الحكم مع إحداث إصلاحات ديمقراطية، إلى أن جاءت موقعة الجمل فقلبت الموازين وغيرت حسابات الإدارة الأمريكية.
******




