المرصد

“الأمل الزائف”.. الذكاء الاصطناعي يقود التضليل الإعلامي في حرب إيران

  • انتشار واسع لسرديات “إسرائيلية” وإيرانية مضللة مولدة بالذكاء الاصطناعي
  • حسابات وهمية للموساد بأسماء عربية للوقيعة بين دول الخليج وإيران
  • الذكاء الاصطناعي يسرّع وتيرة تحديد الأهداف وضربها بشكل غير مسبوق

“إنسان للإعلام”- فريق التحرير:

مع الحرب على إيران، اجتاحت الإنترنت موجة تضليل شملت صورا معاد تدويرها ومقاطع ألعاب وفيديوهات مولَّدة بالذكاء الاصطناعي نُسبت لعمليات عسكرية، وتفجيرات خصوصا في “إسرائيل” والأسطول الأمريكي.

كما انتشرت السرديات المتضاربة سريعا، ومنها مقتل رئيس وزراء “إسرائيل” بنيامين نتنياهو و6 من أركان حكمه،  وبالمقابل مقتل مرشد إيران الجديد مجتبى خامنئي، محققة ملايين المشاهدات ومسببة ارتباكا واسعا حول الوقائع الميدانية.

بالتزامن، انتشرت حسابات ومواقع تتبع الموساد “الإسرائيلي” (بأسماء عربية عادية) تلعب على السيكولوجية العربية وتُسرب أخبار مزيفة كي ينقلها رواد مواقع التواصل الذين ليس لديهم خبرة أو من يتعطشون لخبر عن دمار في “إسرائيل” لأهداف الحرب النفسية.

والهدف من نشر هذه الأخبار المٌضللة أو غير المؤكدة يأتي ضمن سيكولوجية “الأمل الزائف” في الحروب النفسية، وهو ما تلعب عليه “إسرائيل” لتبريد نار الغضب لتهدئة الجمهور وبث الفرحة لدية من خسائر وهمية يؤدي كشف حقيقتها لاحقا إلى إحباط نفسي.

ويقول خبراء إن نشر هذه الأخبار وأيضا الفيديوهات المزيفة بالذكاء الصناعي بمثابة “فخ نفسي مدروس يؤدي لنتائج عكسية مدمرة”، إذ أن “الأمل الزائف” يتعلق بجعل الجمهور يشعر بحال أفضل، لكنه في حقيقته شكل من أشكال الهروب وأحلام اليقظة؛ لجعل الجمهور العربي يشعر بالرضا الذاتي لوقت وجيز ويغرق في خيالات التغيير، وهو ما يؤدي إلى آثار ضارة منها: “الارتداد النفسي”، فمع رفع سقف التوقعات ثم ظهور عدم صحتها يحدث إحباط جماعي وانكسار في الروح المعنوية.

كما أن من آثار “الأمل الزائف” حرق المصداقية، فيصبح من ينشر ذلك لا يصدقه أحد حتى ولو قال حقيقة، ومنها “صنع أسطورة للخصم” فيظهر “نتنياهو” بعد ظهور حقيقة أنه لم يقتل مثلا كأنه سوبر مان.

كما لعبت الوحدة 8200 في الاستخبارات “الإسرائيلية”، المسؤولة عن التجسس الإلكتروني وقيادة الحرب الإلكترونية في الجيش، دورا خبيثا عبر عشرات الآلاف من الحسابات الوهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، لإحداث وقيعة بين الدول العربية، وتحريض الخليج على الانخراط في الحرب ضد إيران، وهو جزء من أهداف الحرب الدائرة التي تعمل على إثارة الفتن بين عرب يراد لهم أن يكونوا دولا مفككة متناحرة من جهة وبين إيران من جهة أخرى؛ لإنتاج ما يسمى “شرق أوسط جديد” تهمين عليه “إسرائيل”.

مواد مضللة مولدة بالذكاء الاصطناعي

وقد رصدت وكالة الأنباء الفرنسية، منذ بدء الهجوم الأميركي-“الإسرائيلي” على إيران، اجتياح موجة واسعة من المواد المضللة للفضاء الرقمي، تراوحت بين صور أُعيد تدويرها، ومقاطع من ألعاب فيديو قُدّمت على أنها ضربات صاروخية، ومشاهد قتالية مولَّدة بالذكاء الاصطناعي.

وبعدما أشعلت الضربات الأميركية و”الإسرائيلية” نزاعا إقليميا، اندلعت حرب معلومات موازية، إذ أغرق أنصار الطرفين وسائل التواصل الاجتماعي بمعلومات مضللة غالبا ما تنتشر بوتيرة أسرع من الوقائع على الأرض.

وظهرت سلسلة ادعاءات نشرتها حسابات مؤيدة لإيران أعادت نشر مقاطع قديمة للمبالغة في حجم الأضرار الناجمة عن ضربات طهران الصاروخية على إسرائيل ودول خليجية بينها الإمارات والسعودية.

ووصف محللون ذلك بأنه “حرب سرديات على الإنترنت”، بهدف تبرير الضربات عبر الخليج أو الترويج للقوة العسكرية الإيرانية في مواجهة الضربات “الإسرائيلية” والأميركية، وإنهاك العدو.

وفي المقابل، دفعت وسائل إعلام معارضة إيرانية بسرديات مضللة عبر منصتَي “إكس” و”تلغرام” تُحمّل الحكومة الإيرانية مسؤولية ضربة صاروخية استهدفت مدرسة للبنات في إيران، بحسب باحثين، وظهرت حسابات مزيفة تنتحل صفة قيادات إيرانية رفيعة.

وحصدت مقاطع من ألعاب فيديو أُعيد توظيفها على أنها ضربات صاروخية إيرانية، وصور مولَّدة بالذكاء الاصطناعي تُظهر إغراق سفن حربية أميركية، بينها حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن”، ملايين المشاهدات عبر منصات عدة.

ووفقا لمرصد “نيوزغارد” لمراقبة الأخبار المضللة، حصدت هذه المشاهد الملفّقة التي تُظهر إيران بصورة أكثر تهديدا مما تشير إليه المعطيات الميدانية، أكثر من 21,9 مليون مشاهدة على منصة “إكس” وحدها.

وأظهرت دراسة لـ”نيوزغادر” أن أداة البحث العكسي عن الصور التابعة لشركة “جوجل” قدمت ملخصات غير دقيقة مولَّدة بالذكاء الاصطناعي لصور مفبركة ومضللة مرتبطة بالنزاع في الشرق الأوسط.

وقال المرصد إن ذلك يكشف “ثغرة كبيرة في نظام يُستخدم على نطاق واسع للتحقق من صحة الصور”، ولم يصدر تعليق فوري من “جوجل”، وخطورتها في أنها تغذي قدرا كبيرا من الالتباس عبر الإنترنت بشأن الأهداف التي تم قصفها أو أعداد الضحايا على سبيل المثال ما يجعل الوصول للحقيقة من مصادرها أمرا صعبا.

وسبق أن سُجلت أساليب تضليل مماثلة في نزاعات عالمية أخرى، بينها الحرب في أوكرانيا والحرب في غزة.

تعديل سياسة المحتوى في “إكس”

لهذا اضطرت منصة “إكس” لإعلان أنها ستعلّق مشاركة صانعي المحتوى في برنامج تقاسم العائدات لمدة 90 يوما إذا نشروا مقاطع عن نزاعات مسلحة مولَّدة بالذكاء الاصطناعي من دون الإفصاح عن كونها مصطنعة، وذلك خوفا من “تهديد مصداقية المعلومات في خضم الحرب الجارية ضد إيران”، بحسب المنصة.

وقال رئيس قسم المنتجات في “إكس”، نيكيتا بير، إنه “خلال أوقات الحرب، من الضروري أن يتمكن الناس من الوصول إلى معلومات موثوقة من الميدان”، مضيفا أن تقنيات الذكاء الاصطناعي الحالية تجعل “من السهل جدا إنشاء محتوى قد يضلل الناس”.

ويمثل إلزام الإفصاح عن المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي تحولا ملحوظا لمنصة واجهت انتقادات واسعة منذ استحواذ إيلون ماسك عليها مقابل 44 مليار دولار في أكتوبر 2022.

وقال آري أبيلسون، الشريك المؤسس لشركة “أوبن أوريجينز” المتخصصة في التحقق من صحة المحتوى الإعلامي ومكافحة التزييف العميق “إن ضباب الحرب يتحول سريعا إلى فوضى عارمة، إذ يخلق المحتوى بالذكاء الاصطناعي ضجيجا لا متناهيا في بيئات المعلومات”

وأضاف أنه “مع تصاعد حدة صراع عالمي آخر ذي تأثير بالغ في إيران، من المهم أن نفهم جميعا كيف يعمل نظامنا الإعلامي”.

إنجازات وهمية ضمن الحرب النفسية

وتقول صحيفة “نيويورك تايمز” إن التلفزيونات الإيرانية نشرت مقاطع منتجة بالذكاء الاصطناعي للحديث عن إنجازات وهمية ضمن الحرب النفسية، حيث تخوض إيران حربًا إعلامية موازية للحرب على أرض الواقع، تمزج فيها بين الحقيقة والخيال، وغالبًا ما تستخدم ادعاءات غير مثبتة ومقاطع فيديو مفبركة مُولّدة بالذكاء الاصطناعي.

تضيف الصحيفة: تسعى إيران جاهدةً لتقديم صورة حازمة عبر قنوات التلفزيون الرسمية الإيرانية، ومن خلال شبكة من حسابات التواصل الاجتماعي التابعة لها أو المتعاطفة معها، رغم آلاف الضربات التي شنتها “إسرائيل” والولايات المتحدة على مدنها وقواعدها العسكرية وقيادتها السياسية.

وتقول إيران في هذه الرواية إن الصواريخ الإيرانية دمرت تل أبيب ومدنًا إسرائيلية أخرى، وألحقت طائراتها أضرارًا بالغة بحاملة طائرات أمريكية، وقتلت مئات الأمريكيين في قواعد وسفارات في أنحاء المنطقة، وتُظهر هذه الرسائل صمودًا، مُصورة أن البلاد لا تكتفي بالرد فحسب، بل تنتصر أيضًا.

ورغم أن إيران قصفت جبهات متعددة، وألحقت أضرارًا بالمدن “الإسرائيلية” والقواعد الأمريكية القريبة بالفعل، إلا أن هجومها المضاد أسفر عن عدد أقل من القتلى والأضرار مقارنة بما وصفته وسائل الإعلام الرسمية.

ويقول مصطفى عياد، الباحث في معهد الحوار الاستراتيجي، وهو مجموعة في لندن تدرس التضليل الإعلامي لـ”نيويورك تايمز”: “إنها تغمر المنطقة بمحتوى يعكس القوة في أعقاب الهجمات على إيران – وهي تشوه بالمثل صورة ما يحدث  بالفعل داخل البلاد”

وسعت استراتيجية الاتصال الرسمية الإيرانية – الصادرة باللغات الفارسية والعربية والإنجليزية – إلى تضخيم نجاح الهجوم المضاد الذي شنته طهران بعبارات مبالغ فيها، حيث قال مسؤول كبير في بيان بثه التلفزيون الرسمي إن “عمليتها الواسعة والناجحة” ضد “إسرائيل” ودول أخرى “تركت جميع الخبراء العسكريين في حالة من الرهبة.”

وتقول شركة “أليثيا” لتحليل المخاطر الرقمية، إن وسائل الإعلام التابعة للدولة تضخم مزاعم غير موثقة وأنصاف حقائق، فقد نُشرت مزاعم غير موثقة، مثل قيام الجيش الإيراني بتدمير منشأة رادار أمريكية في قطر تدميراً كاملاً، في مقال على موقع “طهران تايمز” الإلكتروني، وفي منشور على موقع “إكس” مصحوباً بصورة مُعدّلة بالذكاء الاصطناعي من وكالة أنباء “تسنيم”، وفقاً لـ”أليثيا”

وزعم أحد حسابات التواصل الاجتماعي التابعة للجيش الإيراني مقتل أو إصابة 560 أمريكياً في المعارك حتى الآن، وهو عدد يفوق بكثير عدد القتلى الـ 11 الذين أعلنهم البنتاغون.

وأتاحت التطورات في أدوات الذكاء الاصطناعي للدول المتحاربة تكثيف حملاتها الدعائية، حيث تقوم بإنشاء ونشر مقاطع فيديو وصور تبدو واقعية بسرعة فائقة، في حين يتمكن خصومها من دحضها، وقد أدى ذلك إلى تفاقم الارتباك حول حقيقة ما يجري على أرض المعركة، وهو ما امتد في هذه الحالة إلى جميع أنحاء المنطقة.

ونشرت قناة  Press TV، إحدى القنوات الإيرانية الرسمية التي تبث باللغتين الإنجليزية والفرنسية، مقطع فيديو على موقع “إكس” بدا وكأنه مُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي، يُظهر مبنىً شاهقًا في البحرين تشتعل فيه النيران بعد غارات جوية إيرانية، (وتم حذف المنشور لاحقًا).

كما انتشرت صورة أخرى زُعم أنها تُظهر السفارة الأمريكية في السعودية تحترق على نطاق واسع على وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك  “إكس” و و “تليجرام”، ولم يتطابق أي من مقطعي الفيديو مع الروايات الموثوقة أو اللقطات المصورة من أرض الواقع.

كما لعبت حسابات التواصل الاجتماعي التي تسيطر عليها إيران أو المتعاطفة معها دورًا في جهود الدعاية، حيث بالغت في وصف النجاحات العسكرية، ونشرت ادعاءات لا أساس لها من الصحة بمقتل مسؤولين أمريكيين و”إسرائيليين” رفيعي المستوى، بمن فيهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

أيضا نشرت بعض الحسابات شائعات مفندة عبر النسخ واللصق، وهو نوع من الرسائل الإلكترونية التي تُنسخ وتُلصق وتُشارك بشكل متكرر.

واكتشف باحثو شركة “أليثيا” ما أسموه “نمطًا دعائيًا متكررًا مصممًا لإيصال رسالة هزيمة نفسية بصريًا”: سلسلة من مقاطع الفيديو المُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي تزعم إظهار جنود أمريكيين في حالة انفعال أو يبكون بعد ضربات صاروخية، مصحوبة جميعها بنفس التعليق، وقد أظهرت مقاطع فيديو مماثلة جنودًا “إسرائيليين”.

ووجدت شركة “نيوز جارد”، المتخصصة في تتبع الروايات الكاذبة على الإنترنت، حسابات شاركت مقطع فيديو لانفجار ضخم وسحابة دخان، ونسبته إلى هجوم إيراني على منشأة نووية في جنوب “إسرائيل”، في حين تعود اللقطات ذاتها لحريق اندلع في مستودع ذخيرة في أوكرانيا عام 2017.

ونشرت حسابات أخرى مقطع فيديو يُزعم أنه لمبنى تابع لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية في دبي تشتعل فيه النيران بعد إصابته بصاروخ إيراني؛ إلا أن المقطع في الحقيقة يعود لحريق اندلع في برج سكني بمدينة أخرى عام 2015.

وفي هذا السياق، نُشر مقطع فيديو قديم لعملية إغراق سفينة خارج الخدمة لإنشاء صورة لشعاب مرجانية، وفقًا لموقع “نيوز جارد”.

لقطات أقمار اصطناعية “مفبركة”

وقد تصاعد استخدام الصور المولّدة بالذكاء الاصطناعي خلال الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران لصناعة لقطات أقمار اصطناعية مفبركة تبدو واقعية وتنتشر بسرعة عبر الشبكات؛ فقد بدت صورة قاعدة أميركية مدمّرة في قطر نشرتها منصة إخبارية إيرانية على أنها ملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية كأنها حقيقية، لكن تبين في الواقع إنها صورة مزيفة مولدة بالذكاء الاصطناعي، ما يؤكد تزايد التهديد الناتج عن المعلومات المضللة المعتمدة على التكنولوجيا خلال الحرب.

و نشرت صحيفة “طهران تايمز” صورة تظهر مقارنة مفترضة بين معدات رادار أميركية في قاعدة في قطر، قبل “تدميرها بالكامل” وبعده، لكن الصورة كانت في الواقع لنسخة صورة من “جوجل إيرث” تعود إلى العام الماضي، وتظهر قاعدة أميركية في البحرين جرى التلاعب بها بواسطة الذكاء الاصطناعي، بحسب باحثين

وشملت الدلائل البصرية التي لم تكن جليّة من الوهلة الأولى، صفّا من السيارات متوقفة في المواقع نفسها في كل من الصورة الحقيقية الملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية، وتلك المعدّلة.

لكن الصورة المعدّلة حصدت ملايين المشاهدات وانتشرت عبر شبكات التواصل الاجتماعي بلغات عدة، ما يكشف فشل المستخدمين بشكل متزايد في التفريق بين الحقيقة والزيف عبر منصات باتت مغرقة بالعناصر البصرية المولّدة بالذكاء الاصطناعي.

يشير برايدي أفريك، وهو باحث في مجال الاستخبارات مفتوحة المصدر، إلى “ازدياد في ظهور صور الأقمار الاصطناعية المُعدلة” على وسائل التواصل الاجتماعي عقب الأحداث الكبرى، بما في ذلك حرب الشرق الأوسط.

ويوضح أن “العديد من هذه الصور المعدلة تحمل علامات واضحة على التوليد غير المثالي بالذكاء الاصطناعي: زوايا غريبة وتفاصيل غير واضحة وملامح مختَلقة لا تتوافق مع الواقع”

ويضيف: “هناك صور معدّلة يدويا، غالبا عن طريق إضافة أضرار أو تغييرات أخرى على صورة عبر الأقمار الاصطناعية، لم تكن تحتوي على مثل هذه التفاصيل في الأساس”

من جانبه، يلفت المحلل المتخصص في حرب المعلومات، “تال هاغين” إلى صورة أخرى بالأقمار الاصطناعية تقوم على الذكاء الاصطناعي التوليدي، تُظهر أن الطائرات “الإسرائيلية” والأميركية استهدفت صورة مطليّة لطائرة على الأرض في إيران، بينما بدا أن طهران نقلت الطائرات الحقيقية إلى مواقع أخرى، وشملت الدلائل الواضحة إحداثيات غير مفهومة مضمنة في الصورة المزيفة التي انتشرت عبر منصات مثل “إنستغرام” و”ثريدز” و”إكس”

وتأتي صور الأقمار الاصطناعية المُزيفة في أعقاب ظهور حسابات مُزيفة لاستخبارات المصادر المفتوحة OSINT عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي يبدو أنها تهدف إلى تقويض عمل المحققين الرقميين الموثوقين.

ووردت تقارير عن صور زائفة بالأقمار الاصطناعية تم إنشاؤها أو تعديلها باستخدام الذكاء الاصطناعي بعد النزاع بين روسيا وأوكرانيا والحرب التي استمرت أربعة أيام بين الهند وباكستان، العام الماضي.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي، يمكن لصور الأقمار الاصطناعية الحقيقية وعالية الدقة المجمّعة في الوقت الفعلي، أن توفر لصانعي القرارات أدلة حيوية تساعد في تقييم التهديدات الأمنية، ودحض الأكاذيب الواردة من مصادر غير موثوقة.

تحول خطير في تنفيذ الحروب

وتقول صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية :إن الذكاء الاصطناعي غير من طريقة تنفيذ الولايات المتحدة لحروبها.

أوضحت أن الذكاء الاصطناعي أعاد تشكيل الطريقة التي يتخذ بها الجيش الأمريكي قراراته في الحرب، وهو تحول تجلى بوضوح في إيران؛ حيث ذكر البنتاغون أنه ضرب أكثر من ألفي هدف في أربعة أيام فقط.

وكانت الوتيرة غير المسبوقة للهجمات المستهدفة مدفوعة جزئياً بأنظمة الذكاء الاصطناعي التي تقوم بغربلة سيل البيانات الاستخباراتية المتدفقة من الطائرات المسيرة، والأقمار الصناعية، وأجهزة الاستشعار الأخرى، مما يولد خيارات للقصف بسرعة تفوق بكثير التخطيط التقليدي الذي يقوده البشر.

ويمثل هذا الصراع أيضاً أول استخدام ميداني لنماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي “المتطورة” مع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع من قبل المدنيين، من موظفي المكاتب إلى الأطباء والطلاب، مما يساعد القادة على تفسير البيانات، وتخطيط العمليات، وتقديم ملاحظات فورية أثناء القتال.

وعلى مدى العامين الماضيين، دمجت وزارة الحرب الأمريكية، التكنولوجيا المدعومة بالذكاء الاصطناعي بشكل مكثف في عملياتها، ويعد نظام “Maven Smart System”  التابع لشركة “Palantir” هو نظام التشغيل الأساسي لبيانات البنتاغون، والذي يشكل، إلى جانب نموذج “Claude” من شركة “Anthropic”، لوحة تحكم لتحليل البيانات في الوقت الفعلي للعمليات في إيران.

وقال “لويس ميسلي”، رئيس شركة بالانتاير في المملكة المتحدة وأوروبا: “إن السبب في الأهمية البالغة لهذه النماذج المتطورة يكمن في انتقالها من مرحلة التلخيص إلى مرحلة الاستنتاج.”

وأضاف أن هذه القدرة لنماذج الذكاء الاصطناعي على الاستنتاج، أو التفكير في المشكلة خطوة بخطوة، قد سمحت بحدوث “قفزة نوعية في حجم القرارات والسرعة التي يمكن بها للأفراد العسكريين اتخاذ تلك القرارات” خلال العمليات الحربية المعقدة، إلا ان التقنيات ذاتها التي تعد بتسريع اتخاذ القرار العسكري تثير أيضاً مخاوف بشأن الرقابة.

 وقد اشتد الجدل في أعقاب خلاف نشب مؤخراً بين “انثروبيك” والبنتاغون بشأن حدود الذكاء الاصطناعي العسكري، مما سلط الضوء على الحساسيات المحيطة بنشر النماذج المتطورة في ساحات القتال.

ويوضح قصف مدرسة ابتدائية للبنات في ميناب، جنوبي إيران، مجدداً المخاطر القاتلة للأهداف التي تُولَّد بسرعة أو تُراجع بشكل غير كاف، رغم أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي قد شاركت في تلك العملية، وإلى أي حد.

وبسبب ذلك استهدفت الولايات المتحدة و”إسرائيل” أكثر من 20 ألف مبنى غير عسكري، وفقاً للهلال الأحمر الإيراني، بما في ذلك 17,353 وحدة سكنية.

ويعمل نظام «مايفن» من شركة بالانتير كـ«العقل» البرمجي خلال عملية عسكرية مباشرة مثل عملية «الغضب الملحمي» في إيران، فهو يدعم سلسلة القتل الكاملة، أي عملية العثور على الهدف وضربه أثناء النزاع الفعلي، بدءاً من تحديد الهدف وترتيب أولوياته، وصولاً إلى اختيار السلاح المناسب وتقييم أضرار المعركة.

وتقليدياً، كانت سلاسل القتل تتضمن طباعة الوثائق والانتظار حتى يدرسها قائد رفيع ويوافق عليها.

ووفقاً لتصريحات علنية للأميرال “فرانك ويتوورث”، مدير وكالة الاستخبارات الجغرافية-المكانية الوطنية، كان نظام مايفن يُستخدم حتى مايو 2025 من قبل أكثر من 20 ألف مستخدم عبر 35 جهة عسكرية في الميدان، وقد يكون هذا العدد أقرب إلى 50 ألف مستخدم في الولايات المتحدة اليوم، بحسب باحثين في شؤون الدفاع، مع انضمام حلف الناتو لاستخدام مايفن في عام 2025.

وقال “ويتوورث” إن الهدف هو استخدام الذكاء الاصطناعي لاتخاذ “الف قرار عالي الجودة، اختيار الأهداف واستبعادها في ساحة المعركة، خلال ساعة واحدة”، كما أشار إلى التوسع السريع لنظام بالانتير داخل الوزارة، حيث تضاعف عدد المستخدمين أكثر من مرتين خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2025.

كما استُخدمت أشكال أخرى من الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الملاحة الذاتية والرؤية الحاسوبية، في مناطق الحرب في إيران وغزة وأوكرانيا خلال السنوات الأخيرة.

وقال “فابيان هوفمان”، الخبير في الصواريخ في “مشروع أوسلو النووي”، إنه من الممكن أن برامج التعرف على الصور بالذكاء الاصطناعي تساعد “إسرائيل” والولايات المتحدة على تحديد منصات إطلاق الصواريخ الباليستية وغيرها من الأصول بسرعة، من خلال مسح لقطات الطائرات المسيّرة، وهذا يساعد في تجاوز عنق زجاجة كان يتطلب سابقاً من الجنود مشاهدة تسجيلات الطائرات المسيّرة يدوياً، على حد قوله.

ولكنه تساءل: “كيف ترفع الغطاء عن نظام يجري 37 مليون عملية حسابية في الثانية؟ كيف يمكن حتى تتبّع ذلك بأي شكل؟ هل ستتمكن من ممارسة سيطرة بشرية مناسبة للسياق، وحكم بشري فعلي على القرارات التي تولدها هذه الأنظمة؟”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى