دعاة في صف العدو.. هكذا يُعاد تشكيل الوعي الديني لخدمة مشاريع التطبيع
الأربعاء - 26 نوفمبر 2025
الداعية والمفكر الكويتي د. محمد العوضي:
- محاولات تحييد الإسلام عن السياسة والعدالة ومقاومة الظلم بلغت ذروتها مع موجة التطبيع الجديدة
- مرحلة التطبيع شهدت أخطر عمليات إعادة صياغة للخطاب الديني بما يؤدي إلى استبدال فقه الجهاد بـ فقه الطاعة
- محاصرة نفوذ الإسلام السياسي وإخراجه من المجال العام عبر خطاب يعيد تعريف الإسلام كدين منزوع المقاومة والكرامة
- الخطاب يتخطى حدود التفريغ الديني إلى إعادة تشكيل صورة العدو في الوعي الإسلامي بحيث يصبح المقاوم هو المشكلة
- الخطاب الجديد ليس دينياً ولا "تنويراً فكرياً" بل هو مشروع سياسي يستهدف إعادة تشكيل العقيدة وتدجين المفاهيم
"إنسان للإعلام- فريق التحرير:
في حلقة جديدة بثتها منصة "رواسخ" على "يوتيوب"، الأحد 23 نوفمبر 2025، تناول الداعية والمفكر الكويتي، الدكتور محمد العوضي واحدة من أكثر الظواهر خطورة في المشهد الديني المعاصر: التحول المنهجي الذي يقوده عدد من الدعاة والرموز الدينية نحو خطاب يفرغ مفهومي الجهاد والمقاومة من معناهما الشرعي والتاريخي، ويعيد صياغتهما في سياق يخدم موجة التطبيع ومشاريع “الإبراهيمية” التي تعيد هيكلة الوعي الإسلامي بما يتوافق مع التوازنات الدولية الجديدة.
يرى العوضي أن هذا التحول ليس مجرد اختلاف فقهي، بل هو جزء من محاولة واسعة لتصنيع نسخة “مدجّنة” من الإسلام تقوم على فقه الطاعة بدل فقه الجهاد، وعلى تبرير الاستقرار المزعوم بدلاً من مقاومة العدوان.
الجهاد… من قيمة راسخة إلى مفهوم منزوع الدسم
يستعرض العوضي بدايات هذا الانحراف، مذكّراً بأن الإسلام منذ نزوله حمل راية العدل، وغرس في النفوس قيم العزة والكرامة ومجاهدة البغي والعدوان.
ويقول : إن هذه القيم بقيت حاضرة عبر القرون، حتى شهد العالم الإسلامي موجات الاحتلال ثم التغريب والعلمانية القسرية، ما فتح الباب أمام جيل من “المميّعين” الذين سعوا إلى هدم الإسلام من الداخل عبر تفريغ مفاهيمه الأساسية، وعلى رأسها الجهاد.
وخلال العقود الأخيرة، تسارعت محاولات تحييد الإسلام عن السياسة والعدالة ومقاومة الظلم، حتى بلغت ذروتها مع موجة التطبيع الجديدة، حيث جرى العمل على تحويل الإسلام إلى دين منزوع الكرامة والحدود، يُطلب منه فقط تبرير الواقع لا تغييره.
يشير العوضي إلى أن مرحلة التطبيع شهدت أخطر عمليات إعادة صياغة للخطاب الديني، بما يؤدي إلى استبدال فقه الجهاد بـ فقه الطاعة، وقتل مبدأ "المفاصلة" بدعوى "فقه المآلات"، وكبح الغضب المشروع عبر خطاب يرفع شعار "السكينة"، موضحا أنه برز داخل هذه المنظومة رموز دينية تؤدّي أدواراً مركزية في إعادة توزيع المصطلحات الشرعية على مقاس المشاريع الدولية الجديدة.
دعاة يمثلون نموذج "الإسلام المؤسسي المطيع"
ويقدم العوضي مثالاً بالشيخ عبد الله بن بيّه، رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، الذي يتصدر خطاباً يُكثر الحديث عن "الحفاظ على النفس" كأسمى مقاصد الشريعة، بينما يلوذ بالصمت إزاء المجازر الصهيونية في غزة.
ويستشهد ببيان مجلس حكماء المسلمين خلال عدوان 2021، والذي وصف ما يحدث في القدس بـ"التوتر" و"المواجهات العنيفة"، وتجنّب ذكر كلمات احتلال، مجزرة، قصف، إرهاب، ويرى أن هذا الخطاب يمثل ذروة التواطؤ عبر تزيين الواقع، وتخفيف المفردات التي تصف فظائع العدوان.
كما ينتقد مشاركة بن بيّه في فعاليات دولية إلى جانب شخصيات صهيونية بارزة، مثل الحاخام ديفيد شولوم روزن، المستشار الديني للجنة اليهودية الأمريكية ورئيس الحاخامات في لجنة العلاقات بين الأديان، معتبراً ذلك تجسيداً لاندماج بعض النخب الدينية في مشاريع تخدم التطبيع.
ويسلط العوضي الضوء على حالة الداعية اليمني الشيخ علي الجفري، الذي يرى أنه يمثل "لنموذج الأكمل للإسلام المطيع في ثوب صوفي مؤسسي"، ويتوقف عند مؤسسة طابة التي تحظى بتسهيلات واسعة من الأنظمة المطبّعة، بينما يُضيَّق على المؤسسات الدعوية الأخرى.
ويشير إلى تقارير تتحدث عن دعم مالي وسياسي تقدمه هذه الأنظمة للجفري وبن بيّه وغيرهما، لـ"تصدير صورة الإسلام المعتدل الإبراهيمي" على المستوى الدولي.
وفق العوضي، فإن الهدف من هذا المنظومة واضح: محاصرة نفوذ الإسلام السياسي وإخراجه من المجال العام، عبر خطاب يعيد تعريف الإسلام كدين منزوع المقاومة والكرامة.
ويقول إن هذا الخطاب لا يقف عند حدود التفريغ الديني، بل يمتد إلى إعادة تشكيل صورة العدو في الوعي الإسلامي، بحيث يصبح المقاوم هو المشكلة، لا المحتل.
ويوضح العوضي أن الوعي الإسلامي كان واضحاً لعقود: العدو هو الاحتلال الصهيوني. لكن الخطاب الجديد قلب هذه البوصلة، فصار المقاوم هو المتهم بالعدوان، وصارت دماء الشهداء "نتيجة تعنّت" المقاومة، بينما يُبرّأ المحتل ضمنياً من جرائمه.
الخطاب الديني المتحوّل وتقزيم القضية الفلسطينية
يستعرض العوضي تصريحات الشيخ أسامة الأزهري، وزير أوقاف مصر، التي وصف فيها القضية الفلسطينية بأنها "وسيلة بيد الإسلاميين للتحريض على الدولة"، بل زعم أنّ اتهامات الإسلاميين للدولة "تتقاطع مع خطاب الاحتلال"
ويشير إلى أن الداعية الإماراتي- الأردني من أصل فلسطيني، وسيم يوسف، حمّل المقاومة مسؤولية الإبادة الصهيونية لأنها "دافعت عن نفسها"، وبرّأ الاحتلال ضمنياً، معتبراً أن "العدو الحقيقي هو من يحرض على الكراهية".
أما عدنان إبراهيم، وهو داعية من أصل فلسطيني مقيم في النمسا، فيراه العوضي يتجنب مهاجمة الاحتلال مباشرة، لكنه يهاجم الإسلاميين بدعوى أن تحريضهم على الجهاد "جرّ الويلات على الأمة"، وهو ما يعده خطاباً يكرس سردية المحتل.
الهجوم من خارج المنظومة الدينية.. متنورون زائفون
يصف العوضي الإعلامي المصري إبراهيم عيسى بأنه "زعيم تيار يشوه كل ما هو إسلامي"، ويشير إلى تركيزه منذ 7 أكتوبر على اتهام المقاومة بأنها سبب دمار غزة، بينما لم يوجه للمحتل عشر معشار ما وجّهه للمقاومة.
يستعرض أيضا مواقف الأكاديمي والباحث المصري في التراث، يوسف زيدان، التي أنكر فيها قدسية المسجد الأقصى، وفي سياق الإبادة الأخيرة حمّل المسؤولية كاملة للمقاومة، واعتبر "جهاد الدفع" فعلاً مشحوناً بالكراهية.
وينتقد العوضي الفيلسوف المصري مراد وهبة الذي كتب مقالاً في يناير 2024 بالأهرام يطالب بمحاربة "إرهاب المقاومة"، فيما يتباهى بزياراته لإسرائيل ولقاءاته برابين.
وفي النهاية، يؤكد العوضي أن هذا الخطاب ليس "اجتهاداً دينياً" ولا "تنويراً فكرياً"، بل هو مشروع سياسي واضح يستهدف إعادة تشكيل العقيدة وتدجين المفاهيم التي تهدد الهيمنة الغربية وحلفاءها في المنطقة.
ويضيف أن هذا الخطاب يهدف إلى تحويل الإسلام من دين له شَوْكة وراية إلى دين مطيع لا يزعج المطبعين ولا يحرج الصهاينة.
ويختتم بالتأكيد أن المرحلة الحالية هي مرحلة تاريخية حاسمة تُحارب فيها العقيدة والشريعة ووعي الأمة. ويرى أن تسمية الأسماء ليست تشهيراً، بل واجباً شرعياً ما دام هؤلاء الدعاة يظهرون أفكارهم على المنابر والشاشات، وأن السكوت عن هذا الانحراف هو خيانة للحق ولدماء المظلومين.
