الجيل الجديد يرفض الإعلام ويريد تغيير الواقع.. فهل تدرك السلطات خطر الإحباط؟!!
الخميس - 27 نوفمبر 2025
د. سليمان صالح
هناك الكثير من المؤشرات على أن الجيل الجديد يرفض الواقع ويعمل لتغييره، لكنه يبحث عن وسائل للتغيير، وهو يبدع ويبتكر ما لا تستطيع السلطات أن تتوقعه، ويبحث عن المعلومات والمعرفة خارج النظام الإعلامي العالمي، ويرفض النظم الإعلامية الوطنية التي فقد الأمل في أن يحصل منها على الحقائق، أو أن تعبر هذه النظم عن مشاكله وآلامه وحلمه.
وتلك ظاهرة خطيرة، لكن السلطات جمدت تفكيرها، وفقدت البصيرة، وفضّلت استخدام قوتها الغاشمة دون أن تدرك أن تلك القوة تزيد نار الغضب في النفوس اشتعالًا، وتلك السلطات جمعت حولها المنافقين الجهلاء، وهي تعلم أنهم يكذبون لكنها تريد أن تستمع إلى نفاقهم الرخيص بدلًا من الاستماع إلى الحقائق.
لذلك ستتعرض دول العالم إلى صدمات عنيفة خلال السنوات القادمة، وستدرك أن النفاق من أهم أسباب سقوط الدول وانهيارها، وأن الجيل الجديد لم يعد يقرأ الصحف أو يشاهد التليفزيون، وأن الكثير منهم هجر وسائل التواصل الاجتماعي التي تسيطر عليها أمريكا، وأن المستقبل سيصنعه شباب يرفض الواقع العالمي كله.
التغيير باستخدام الانتخابات!
هناك أحداث يمكن أن تثير خيالنا لنتمكن من رؤية حقائق مهمة سيكون لها تأثيرها على مستقبل العالم، من أهمها فوز زهران ممداني كعمدة لمدينة نيويورك رغم الأموال التي أنفقتها الرأسمالية لمنع فوزه، وبالرغم من الحملات الإعلامية التي استخدمت كل الأساليب لتشويه صورته.
لذلك يمكن أن نقرأ هذا الحدث كمؤشر على أن الجيل الجديد في أمريكا يتحدى الرأسمالية العالمية والنظام السياسي الأمريكي، ويرفض حكم ترامب ويحتقر تهديداته، وأن هذا الجيل أعلن بكل وضوح أنه سيصنع المستقبل.
أهم ما كشفته هذه الانتخابات أن استراتيجيات التخويف التي استخدمتها وسائل الإعلام الأمريكية منذ أحداث 11 سبتمبر لم تعد تؤثر على شباب يرفض التعرض لهذه الوسائل، ويدرك أن الرأسمالية تستخدمها لتزييف وعيه، وأنه أصبح يحصل على المعلومات من وسائل لا تسيطر عليها الرأسمالية.
لكن الشباب ما زالوا يدركون أنهم يمكن أن يستخدموا الانتخابات للتغيير في أمريكا وربما في بعض الدول الأوروبية، وهذا يمكن أن يشكل وسيلة لحماية النظم السياسية الأمريكية والأوروبية من التغيير العنيف الذي يمكن أن يُسقط هذه النظم.. لكن هل تدرك أمريكا وأوروبا أن حرية الانتخابات، التي يمكن أن تحمل إلى الحكم ممثلي الشباب، هي الوسيلة الوحيدة لحماية هذه النظم؟
وسيلة غير متاحة للجميع
لكن الانتخابات الحرة كوسيلة للتغيير متاحة للشباب في أمريكا وأوروبا فقط، وإن كنت أتوقع أن يدفع الغرور ترامب لاستخدام وسائل لتقييد حرية الانتخابات خلال السنوات القادمة، مما سيدفع الشباب للبحث عن وسائل للتغيير خارج النظام.
أما في مصر فالشباب يدرك أن الانتخابات ليست وسيلة يمكن أن يستخدمها في التغيير؛ فقد تمت انتخابات مجلس الشيوخ دون أن يشارك الشعب فيها رغم الصور المفبركة التي تنشرها الصحف وتبثها قنوات التليفزيون، والتي تشمل الرقص أمام اللجان وادعاءات الوطنية الزائفة، وعندما انعقدت أول جلسة لهذا المجلس ظهرت بوضوح الشروط التي تم استخدامها في اختيار الأعضاء، ومن أهمها الجهل الذي تجلى في عدم قدرة الكثير منهم على قراءة القسم.
وتُجرى الآن انتخابات مجلس النواب، وشعب مصر يدرك أنها انتخابات مزورة ومصنوعة، وأن الأجهزة الأمنية قامت باختيار النواب على قواعد الولاء المطلق للسلطة والنفاق والجهل، وأن السلطة تعرف كيف تتحكم فيهم فلا ينطق أحد منهم إلا بأمرها.
وتتحدث وسائل الإعلام عن النية لتعديل الدستور لفتح فترات الانتخابات الرئاسية ليظل السيسي متحكمًا ومسيطرًا.. وهذا يُخرج الانتخابات من وسائل التغيير التي يمكن أن يستخدمها الشباب، وعليه أن يبحث عن وسائل أخرى.
المظاهرات خرجت من قائمة الوسائل
والشباب في المغرب استخدم المظاهرات للتعبير عن غضبه، وللمطالبة بالاهتمام بالتعليم والصحة والقضاء على الفساد، لكن من الواضح أن المظاهرات فشلت، وأصبح على الشباب أن يبحث عن وسائل جديدة للتغيير.
أما في مصر فالشباب يدرك أن السلطة سوف تستخدم قوتها الغاشمة في قمع المظاهرات، وأن الدماء ستغرق الشوارع، وأن السلطة تستخدم كل وسائل القهر منذ انقلاب 2013 ضد كل من يفكر أو يحلم.
والشباب فقد الأمل وأصابه الإحباط واليأس، وأصبح يتمنى الموت أو الغرق في مياه البحر المتوسط هربًا من الجحيم.
الأمر خطير ولكن من يعقل؟!
لكن ماذا يمكن أن يحدث بعد أن استبعد الشباب الانتخابات والمظاهرات من قائمة الوسائل التي يمكن استخدامها في التغيير؟! صدقوني إن الأمر خطير، والنار لا تشتعل في الدول إلا بسبب اليأس، وعندما تشتعل لن يتمكن أحد من إطفائها، ولن يستمع الشباب لأصوات الذين يريدون المحافظة على الدولة.
ولقد كان ثوار يناير يريدون المحافظة على الدولة بكل مؤسساتها، ويريدون التغيير باستخدام الديمقراطية والانتخابات وحرية الإعلام، لكن الشباب اليائس لن يحرص على مؤسسات أو نظام.
هل يدرك الإعلاميون في مصر مخاطر إصرار السلطة على استخدام القهر والقوة الغاشمة؟! إن أهم وظائف الإعلام أن يحذر المجتمع من المخاطر.. ولكن أي خطر أكبر من يأس الشباب والشعور بالإحباط؟
الإعلاميون أول من يخسر!!
الذين يسيطرون على القنوات والصحف، ويقدمون البرامج على الشاشات، جهزوا لأنفسهم ملاذًا آمنًا، وهربوا أموالهم إلى الخارج، وسيهربون عندما يبدأ الانفجار، لكن ستظل أغلبية الإعلاميين الذين سيتعرضون لغضب الشباب.. والإعلاميون المصريون خسروا مهنتهم ووظيفتهم كوكلاء للديمقراطية عندما أيدوا الانقلاب العسكري ففقدوا حريتهم، وفقدوا دورهم في التغيير، ولم يعد أحد يثق في وسائل الإعلام.
والشباب أصبحوا يبحثون عن المعلومات بأساليبهم الخاصة التي يجهلها الذين يتمسكون بالإعلام التقليدي، ويمكن أن يشكل الجيل الجديد شبكة عالمية لتبادل المعلومات والخبرات ووسائل مواجهة السلطات، وهذه المعلومات تتحدى كل النظم العالمية والوطنية، ولا يمكن أن يسيطر عليها أحد، ولا يستطيع أحد أن يتوقع ماذا يمكن أن يفعل الشباب خلال السنوات القادمة.. لكن من المؤكد أن العصر يوفر الكثير من الوسائل التي يمكن استخدامها في إسقاط النظم الديكتاتورية، ولن تجدي القوة الغاشمة نفعًا في مواجهة شباب يائس فقد كل شيء، ولا يمكن أن يبني مستقبله دون ثورة شاملة، ولا يستمع لأصوات العقلاء، ولا يشاهد التليفزيون ولا يقرأ الصحف.
ولا يهتم الشباب بتزوير الانتخابات ولا بمجلسي النواب والشيوخ، ولا يعرف أسماء وزراء الحكومة، ولا يعنيه الدستور؛ صدقوني إن الأمر أخطر مما تظنون، وأن الشرر سيتطاير في كل الاتجاهات ليحرق نظمًا تظن أنها تحتمي بقوتها الغاشمة، ولا تستمع إلا لأصوات المنافقين.
وستتعرض إسرائيل أيضًا للانهيار؛ فالشرر المتطاير من النيران سيصيبها في مقتل، وتصبح هدفًا لجيل جديد لا يخاف ويفضل الموت على الذل والخنوع.. وهذا الشباب لا يتعرض لوسائل الإعلام الغربية المتحيزة لإسرائيل، ولذلك عبر عن غضبه بانتخاب ممداني، أما في الدول العربية الخاضعة لإسرائيل فلم يعد الشباب يهتم بوسائل الإعلام التي تدعو للسلام والتطبيع والاتفاقيات الإبراهيمية.. لذلك سيكون الانفجار شاملًا وسيتطاير الشرر إلى كل أنحاء العالم!.
