"تأطير غزة".. دراسة حديثة توثّق هيمنة السردية "الإسرائيلية" على الإعلام الغربي

الأحد - 23 نوفمبر 2025

  • تحليل 54 ألف تقرير في 8 منصات إعلامية غربية يكشف حقيقة التحيز للرواية "الإسرائيلية"
  • "نيويورك تايمز" ذكرت كلمة "إسرائيل" في عناوينها 186 مرة مقابل مرة واحدة لـ "فلسطين"!
  • تعمُّد استبعاد مصطلحات جوهرية لفهم طبيعة الصراع مثل: الاحتلال والحصار والمجاعة
  • الدراسة تعتبر أن انحياز كبريات الصحف الغربية يجعلها شريكة في جرائم الإبادة بغزة
  • التشويه الإعلامي الغربي لأخبار غزة لا يقتصر على التضليل بل يوجه القرارات السياسية

 

"إنسان للإعلام- قسم الترجمة:

كشفت دراسة غربية مستقلة عن اختلال جذري في تغطية كبرى وسائل الإعلام الدولية لحرب غزة، مشيرة إلى أن التحليل الكمي لخمسة وخمسين ألف تقرير خلال مائة أسبوع يبيّن انحيازًا واسعًا نحو السردية "الإسرائيلية"، وتغييبًا للسياق التاريخي والإنساني المتعلق بالفلسطينيين، وتبنيًا لروايات مضللة مؤثرة على الرأي العام العالمي.

الدراسة، التي أعدتها مجموعة مشروع "ميديا بياس ميتر" Media Bias Meter في نوفمبر 2025، وجاءت بعنوان: "تأطير غزة: تحليل مقارن للتحيّز الإعلامي في ثماني منصات غربية"، كشفت – بالوثائق والأدلة والأرقام – حجم التحيز في التغطية الغربية (العالمية) لغزة، وكيف قامت كبريات غرف الأخبار الدولية، في صحف مثل نيويورك تايمز، وبي بي سي، ورويترز، وأسوشيتد برس، ووكالة فرانس برس، ولوموند، والغارديان، وغلوب آند ميل، بتضخيم الرواية "الإسرائيلية" مرارًا وتكرارًا، مع التقليل من شأن واقع الإبادة الجارية في غزة، بما يجعلها شريكة في الجريمة.

أبرزت الدراسة التهميش المنهجي للأصوات الفلسطينية، واللغة المخففة التي استخدمتها وسائل الإعلام الغربية في تغطية الهجمات "الإسرائيلية"، وتأطير الخيارات التحريرية الذي شوّه حقيقة ما جرى على الأرض طوال عامين من حرب الإبادة على غزة.

وكشفت الدراسة كيف منحت مؤسسات إعلامية من ثمانية بلدان غربية "السردية الإسرائيلية" وما يقوله الاحتلال الأولوية، وكأن ما تقوله "إسرائيل" هو الحقيقة، وذلك على حساب وجهة النظر الفلسطينية التي تم تهميشها أو تشويهها.

تحليل أكثر من 54 ألف تقرير

غطّت الدراسة الفترة الممتدة من بداية طوفان الأقصى والعدوان الصهيوني في أكتوبر 2023 وحتى أغسطس 2025، واعتمدت على تحليل الكلمات المفتاحية دون استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. وحللت ما مجموعه 54,449 تقريرًا نُشرت خلال 100 أسبوع من الحرب على غزة، صادرة عن ثماني مؤسسات إعلامية غربية كبرى هي: "نيويورك تايمز" الأميركية، هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، "ذا غلوب أند ميل" الكندية، "لوموند" الفرنسية، "دير شبيغل" الألمانية، "كورييري ديلا سيرا" الإيطالية، "لا ليبر" البلجيكية، إضافة إلى "دي تليخراف" الهولندية.

وأظهرت النتائج أن الوسائل الثماني، على اختلاف لغاتها واتجاهاتها وخلفياتها الأيديولوجية، أظهرت نمطًا في تغطية الحرب اتسم بالتحريف المنهجي لرواية الإبادة في غزة، وتفضيل السردية "الإسرائيلية" في التأطير والتحليل، مقابل تهميش وجهات النظر الفلسطينية أو طرحها بصورة مجتزأة وغير مكتملة.

عناوين طبقا للسردية "الإسرائيلية"

أكدت الدراسة أن جميع المؤسسات الإعلامية المشمولة ركزت عناوينها بشكل لافت على وجهات النظر "الإسرائيلية"، فعلى سبيل المثال، ذُكرت كلمة "إسرائيل" في عناوين "نيويورك تايمز" 186 مرة مقابل كل ذكر واحد لكلمة "فلسطين"، وحتى في تلك المرات القليلة التي أُشير فيها إلى فلسطين، جاء ذلك غالبًا عبر عبارات غير مباشرة مثل "المتظاهرين المؤيدين لفلسطين"، بدلًا من قصص تسلط الضوء على التجربة الفلسطينية أو السيادة الفلسطينية.

وتكرر النمط ذاته في "ذا غلوب أند ميل" الكندية، التي ذُكرت فيها "إسرائيل" 66 مرة في العناوين مقابل مرة واحدة لفلسطين. أما بقية المؤسسات فقد ظهرت "إسرائيل" في عناوينها بين 11 و26 مرة أكثر مما ظهرت "فلسطين"، باستثناء "كورييري ديلا سيرا" التي سجلت نسبة 3 إلى 1.

وتشير الدراسة إلى أن نحو نصف الإشارات القليلة لفلسطين لم تكن تتعلق بالواقع الفلسطيني نفسه، بل بالاحتجاجات المؤيدة لهم في الغرب، دون أن تقدم تلك الوسائل تغطية تُظهر أسباب هذه الاحتجاجات، أو حجم المذابح التي خرج المواطنون رفضًا لها.

تغييب السياق التاريخي للصراع

تبيّن الدراسة أن الإعلام الغربي تعمد استبعاد مصطلحات جوهرية لفهم طبيعة الصراع، مثل: "الاحتلال" و"المستوطنات غير القانونية" و"الحصار"، أو استخدامها بنسبة ضئيلة للغاية.

ووفقًا لتحليل البيانات، من بين 54,449 مقالًا جرى فحصها، لم يرد تعبير "مستوطنات غير قانونية" في العناوين سوى ثلاث مرات فقط؛ اثنتان في "ذا غلوب أند ميل" وواحدة في "لوموند".

أما "نيويورك تايمز"، فلم تصف المستوطنات "الإسرائيلية" بأنها غير قانونية إلا 54 مرة من أصل 3234 ذكرًا لها.

وفي "دير شبيغل"، لم يُستخدم وصف "محتلة" للضفة الغربية أو الأراضي الفلسطينية سوى مرتين فقط من أصل 3177 ذكرًا، كما  وردت كلمة "محتلة" في العناوين 29 مرة فقط عند الحديث عن الأراضي الفلسطينية، مقابل 1180 مرة وردت فيها فلسطين دون وصفها بأنها أرض محتلة.

كما لم يظهر حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلا 38 مرة طوال عينة الدراسة، في حين لم تظهر كلمة "النكبة" سوى في ثمانية عناوين، ما يوضح ميلًا ممنهجًا لإزالة السياق الذي يفسر جذور الصراع وتاريخ الاضطهاد.

تجاهل الإبادة والحصار والتجويع

حلل التقرير طريقة تركيز وسائل الإعلام الغربية على لغة "الإرهاب" لتوصيف المقاومة الفلسطينية، مقابل تجاهل المشهد الإنساني المتفاقم في غزة، فبين ديسمبر 2024 وأغسطس 2025، استخدمت المؤسسات الثماني كلمة "إرهاب" بمعدل أكبر بكثير من كلمات مثل "مجاعة" و"جوع"، رغم تحذيرات الأمم المتحدة من مجاعة وشيكة.

وفي يوليو 2025، وبعد انتشار صور أطفال فلسطينيين يعانون سوء التغذية الحاد، ارتفع استخدام كلمات مثل "مجاعة" و"جوع حاد" قليلًا، لكن ذلك لم يغير من النمط العام؛ إذ واصلت مؤسسات كبرى، وعلى رأسها "بي بي سي"، استخدام مصطلحات "الإرهاب" بمعدل أعلى من مصطلحات المجاعة.

وتخلص الدراسة إلى أن هذا الأسلوب أعاد إنتاج صورة الفلسطيني كتهديد أمني، لا كضحية لسياسات التجويع "الإسرائيلية".

ترويج الروايات الكاذبة بلا تدقيق

تحت عنوان "إثارة بلا تدقيق"، تناولت الدراسة مثالًا صارخًا على فشل التحقق الصحفي، وهو قصة "قطع حماس رؤوس الأطفال الإسرائيليين"، وهي رواية كاذبة بالكامل، لكنها لقيت انتشارًا واسعًا، فقد نشرت وسائل إعلام غربية القصة فورًا دون أي دليل، ثم استغلتها "إسرائيل" وسياسيون غربيون لإثارة الغضب الشعبي وتبرير ردود الفعل العسكرية.

ورغم انكشاف زيف القصة لاحقًا، فشلت وسائل الإعلام في تصحيحها أو إعادة تقييمها، ما سمح بترسيخ صورة استشراقية لا إنسانية عن الفلسطينيين، وقدمت العدوان "الإسرائيلي" باعتباره ردًا مشروعًا على "هجوم متوحش"، وفق الدراسة.

وتشير النتائج إلى أن هذا النمط من التغطية، حين يُدمج مع تغييب السياق التاريخي، يؤدي إلى سردية تحجب توازن القوى الحقيقي على الأرض، وتخفي واقع الاحتلال، والعنف البنيوي، والأزمة الإنسانية المستمرة في غزة وفي سائر فلسطين.

خلاصات الدراسة ومسؤولية الإعلام

خلصت الدراسة إلى أن التحريض الناجم عن التغطية الغربية لا يعد مجرد اختلال مهني، بل يمثل "حالة مؤسسية متجذرة" تواصل حجب واقع المعاناة الفلسطينية، وتشكل التصور العالمي للحرب، وأكدت النتائج ما يلي:

(أولًا): هيمنة "إسرائيل" على العناوين، وهو ما أكدته الأرقام الواردة في العينة التي أظهرت تفوقًا واضحًا لذكر "إسرائيل" في العناوين مقابل "فلسطين"، مع تغييب السياق الفلسطيني الحقيقي.

(ثانيًا): محو الاحتلال وإغفال الحقائق، فقد غابت مصطلحات جوهرية عن التغطية، أو استخدمت بصورة نادرة للغاية مقارنة بحجمها في واقع الصراع، إلى جانب تغييب مسائل مثل حق العودة والتهجير التاريخي والواقع القانوني للمستوطنات.

(ثالثًا): استخدام الإرهاب للتغطية على المجاعة، حيث توصلت الدراسة إلى أن المؤسسات الغربية فضلت تغطية المقاومة الفلسطينية بمصطلحات أمنية، بينما قللت من شأن الأزمة الإنسانية، رغم التقارير الدولية التي وثقت المجاعة وسوء التغذية الحاد.

(رابعا): أكدت أن الانتماء السياسي للمؤسسة الإعلامية – يسارًا أو يمينًا – ليس مؤشرًا على مستوى انحيازها، فقد وجدت أن وسائل تعد نفسها مرجعًا أخلاقيًا مثل "نيويورك تايمز" و"بي بي سي" و"ذا غلوب أند ميل" و"دير شبيغل" كانت أكثر تحيزًا من صحف يمينية مثل "دي تليخراف" أو "كورييري ديلا سيرا".

 وتفسر الدراسة ذلك بأن المؤسسات اليمينية تخاطب جمهورًا يمتلك مواقف راسخة، بينما تبذل المؤسسات الوسطية والليبرالية جهدًا أكبر لتقديم صورة إيجابية عن "إسرائيل" تحت شعار "الحياد".

وتنتهي الدراسة إلى أن الانحياز المستمر للسردية "الإسرائيلية" أسفر عن "سردية عامة مشوّهة تنزع الإنسانية عن الفلسطينيين، وتعيد تصوير عنف الدولة ضد الشعب المحاصر بوصفه دفاعًا عن النفس"، مؤكدة أن هذا التشويه "لا يقتصر على التضليل، بل يوجه السياسات، ويخفف الغضب العام، ويطبع الظلم".

وبناء عليه، دعت الدراسة  إلى مراجعة شاملة لممارسات غرف الأخبار، وإعادة النظر في طرق التأطير التي ترسخ الانحياز "الإسرائيلي".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يمكنك قراءة التقرير الأصلي من هنا